]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الثمن البخس

بواسطة: الزبير غيث  |  بتاريخ: 2012-01-02 ، الوقت: 06:30:28
  • تقييم المقالة:
الثمن البخس ...

لكل منّا قيمة ، وقد يحدد ثمنها وفقا لمعاييره وأسعاره وقد يجلها ويحترمها فلا يقدرها بثمن ، وتختلف المعايير والاسعار ، كما هو الاختلاف بين المعايير والاسعار .. فمن يقبل سعرا لجهده هو يحدد سعرا وثمنا له سواء آكان  مرتفعا او بخسا ..

وللتوضيح .. فان منْ يطلب ثمنا ولو كان كثيرا أو كبيرا ، نظير عملا "مشروعا كان أو مخالفا للقانون" ، فهو يحدد ثمنا وقيمة ، وبذلك يضع سعرا للتداول ، في حين أن هناك رجالا  لا سعر لهم  للتـداول ، لان معاييرهم تختلف ولا تقّدر بقيمة ملموسة .. والشواهد على ذلك كثيرة ...

ما طرحتُ هذا الامر اليوم للحديث أو النقاش ، إلا أني رأيتُ شأنا من البعض ، يطالبون ثمنا لجهدهم ، واعتبارهم  للأمر عادلا ومقبولا .. أو حذّاق آخرين يظهرون الان علينا ريب المنون ، يريدون  الدور الابرز في الحياة العامة أو السياسية ، ولعبة السياسة لم تبدا بعد ، يأمرون الناس بالتهميش والاقصاء لأخرين ، ويُعلون أصواتهم لحماية الثورة  ولو من الشعب نفسه ، ألا يجدر ان نحمى جميعنا الثورة بالديمقراطية والعدالة واحترام الحقوق سوا ،  ولا نخشى سرقتها لأنها بأعيننا جميعا حين نصحى وحين نقوم  ، فلا تهتفون امام الشعب " دم الشهداء ما يمشيش هباء"  ..

الشهيد أجلُ  وأكرم ، لم يطلب إلا حرية بلاده وسعادتها وكرامتها ، والجريح أيضا قدّم روحه على كفه فداء للوطن ، ومعيارهما في ذلك الوطن ، ثمنه وليس سعره ، ليبيا عزيزة كريمة حرة عالية .. ولو خيروهما بالأسعار والقيم الملموسة لما أرتضى أيهما بديلا لروحه التي قدمها عن طيب خاطر من أجل الوطن ..

أما بعض من يظهرون علينا بين الحين والاخر ، يطالبون بثمن جهودهم وأدوارهم  " إن كان لهم دورا حقا " عبر الحصول على امتيازات وأفضليات واليد العليا ، فانهم يطالبون بما يرونه عادلا نتيجة موقف أو أي جهد في سبيل الوطن ..

ولن نقول لهم يوما  " ارحل يعني امشي " ، ولن نقول لهم  " شكرا .. وشكر الله سعيكم " ولن نتنكر لجهدهم ، وقيامهم بالواجب وفرض العين او الكفاية وحتى اضعف الايمان عن كل ابناء الوطن ، ولن نبخس حقهم في الحياة الكريمة العزيزة .. ولن نقول لهم  طرابلس  لا تريدكم ، ولن نقفز دورهم من اجل الحرية والوطن ، ولن نرفع في وجوههم لافتات الرفض ولن نتظاهر ضدهم .. لاننا نحبهم .. لكننا لا نريد انتشار السلاح بيننا وهم معنا ايضا  رغم اهمية وجوده في ظل نزوح الشرطة والنيابات .. لا نريد رايا واحدا  او  اقصاء و تهميش لاحد وهم اولنا .. نريد جميعا وطنا نفخر به معا  ...

إن الثوّار الحقيقيين الذين يُقدسُ الناس جهدهم وتضحياتهم ، والذين نُبجلهم على أنفسنا دوما ، لم يسعوا إلا لحرية وسعادة وكرامة الوطن ، وثمنهم الذي إرتضوه هو تحقق النصر أو نيل الشهادة ، ولو تنكّر الوطن لهم ولم يعتلوا كراسي السلطة وخزائن المال ..

وهم بعد تحقق أمانيهم للوطن بالعُلو والرفعة ونيل الحرية والكرامة ، تركوا السلاح جانبا ، ولم يمارسوا الوصاية والولاية على الشعب والوطن ، ولم ينتظروا توزيع الحقائب وتركوا الامر للشعب ليفعل ما يريد بعد إسقاط النظام..

ولانهم ثوّار بايعهم الشعب ليكملوا المسيرة والنضال ، وساندوهم رجالا ونساء ، وقدم لهم " الاطفال " في ميدان الشهداء  الورود والرايات تحت الهتاف والاناشيد للوطن .. فضلناهم على أنفسنا تفضيلا ، وقدمناهم الصفوف طوعا وحبا وتقديرا .. فهم  ثوّار من أجل الوطن ، وحقهم عندنا محفوظ أبد الزمن ، وسيتلو ذكرهم الاحفاد والتاريخ ، وسيعلو شأنهم عندنا وعند الله بما كسبت أياديهم ..

أما اولئك الذين تشبتوا بالسلاح أو امتشقوه بعد إعلان التحرير ، وأضحى جزء من ثقافتهم وحياتهم رغم التحرير، وصاروا يطالبون بالحقائب والمناصب والحق المكتسب وشرعية الحرب ، هم بذلك يطلبون ثمنا لجهدهم، ونحن لا نبخس حقهم في نيل الحقائب والمناصب لانهم ليبيون ولأنهم أبناء الوطن ، لكنّا نستغرب الوصاية على الوطن دون الاخرين ..

فمن حمل السلاح لحرية الوطن ، ومن ساندهم بالكلمة والفعل ولو كان هينا ، ومن بايعهم او سجن فداء لحرية الفكر والتعبير وحق الاعتراض عما كـان يسود ..صار بعضهم اليوم يتحدثون إلينا من أعلى ، ويمارسون الوصاية على الوطن باسم الحماية ، ينغلقون على أنفسهم ويأبون الانصهار في صفوف الناس ، فانهم قد يضلون سواء السبيل ..

رأيتُ اليوم بعد فرحة الشعب كله بالتحرير ، وزوال الظلم وتحطيم الاصنام ، أن بعض ممنْ حمل السلاح أو ساند الثوّار ، يتسارعون إلى السـلطة والحـكومة والــغنيمة ، وكأنهم يطالبون بثمن تضحياتهم التي كنّا جميعا  "كشعب يفي كلُ ذا حق حقه"  نقدمها لهم عن طيب خاطر ، وليس تحت وطأة السلاح .. الكثير من ثوّارنا الابطال ، تركوا السلاح لأنه هجين على الحرية والعدالة  ، وعادوا طوعا وحبا لسابق حياتهم المهنية من أجل بناء الوطن ، واخرين منهم انطووا تحت لواء الجيش وأمن ليبيا ، من أجل صون وحماية الوطن ..

لقد ملَّ الشعب السلاح .. وملَّ الحرب والاشتباكات والمناوشات ، وملّ الكتائب وصوت الرصاص ، ملّ الموت بالطائش فرحا ، وملّ استعراض القوة على الناس ، ويحلم  بالحياة ، وعودة عجلة الاقتصاد للدوران ، يحلم بتوافر السيولة والنقد بالمصارف " وتسخين الارصدة المجمدة " ، يحلم بعدم انقطاع البنزين والكهرباء ، واحترام اشارات المرور الحمراء ، يحلم بعودة الطيران وفتح الاجواء ، يحلم بزخم المدارس وشقاوة التلاميذ ، يحلم بتقليم الاشجار وزيارة مدن الالعاب ومواسم الفكر والثقافة ، يحلم بالابتسامة على وجوه الجميع  ليتحقق النمو والازدهار، ويحلم بممارسة الحرية واختيار حكومة رشيدة تحقق أمانيه وتمسح صورة سوداء ..

مل الشعب أن تمارس عليه وصاية ، ومل الشرعية الثورية وكأن الشعب مستورد يغدر بالوطن ، مل الشعب كل ترِكات بالية تحد من سعادته وحقوقه الكريمة ..

فيا أيها الثوّار .. أعزاء انتم في قلوبنا بأفعالكم البطولية العظيمة ، غوالي أنتم بما قدمتْ انفسكم ، وبما حققتم للوطن ، من ترك منكم السلاح طوعا دون طمع في مغنم أو غنيمة ، فعلى الله أجره ، وتقديره عندنا أن نقدمه على أنفسنا طوعا وحبا وتقديرا ، وتبجله الاجيال القادمة تبجيلا ..فالشعب يريد ..  ثوار الوطن  .

ومن ظل سلاحه بيمينه من أجل الوطن وأمنه وسلامته تحت راية الجيش والامن ولواء الدولة والقانون ، سيظل الشعب وفيا كريما ، وسيقف الشعب معكم دوما لمطلبكم بالشفافية ومراقبة الحكومة ونبذ التجاوزات والمخالفات .

أما من امتشق سلاحه حتى ينال الثمن ، فلا نحب ولا نريد أن يواجه الشعب مجددا السلاح ، ونحفظُ لهم حقهم في ممارسة السياسة والحياة الكريمة ، حقا لهم كما هو حقا لكل الشعب الليبي ..

لا نريد أن نسمع أن الشعب يريد إبعاد الثوّار  "ولو لم يكونوا حقا هؤلاء ثوار ".. ودم الشهداء لم يذهب هباء  لان الوطن تحرر ، ودمــــاء الشهـــداء معيارها حرية الوطن .. وما عدا ذلك يظل الثمن بخسا ولو كان تَولي الرئاسة .. وقد أعلينا شأن الثوّار فلم نجعل لتضحياتهم ثمنا ولا سعرا.. فمكانهم عندنا أعلى وأجلُ ..

ولن ننسى سريعا أن أعتى الدكتاتوريات كانت تحت شعار حماية الوطن ولو من أبنائه ،  وأن الشرعية الثورية أكلتْ الدولة فيما مضى وصنعت الاصنام ..  فحفظ الله الوطن وأهله .          

" رب اجعل هذا بلدا آمنا "   الزبير غيث

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق