]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

افتتاحية الركن السياسي في مجلة وجهة نظر

بواسطة: محمد سلامنة  |  بتاريخ: 2012-01-02 ، الوقت: 00:33:30
  • تقييم المقالة:

في هذا الركن سنحاول الوقوف على أسباب الإفلاس السياسي الذي نعيشه اليوم وسبل إعادة بعث الحياة السياسية بما يجعل الجزائر قادرة على مقارعة الدول الأخرى في المدى الطويل، حيث سنحاول الإجابة على التساؤلين التاليين: ما هي الأسباب التي تجعل العمل السياسي في جزائر اليوم يتراوح بين العمالة لنظام فاسد والعبثية التي تضيع الجهود ولا تحقق الأهداف؟ كيف يمكن إعادة بعث الحياة السياسية بما يمكننا من بناء مؤسسات منتخبة شعبيا قادرة على إخراج الجزائر من الدوامة التي وضعت فيها قصرا؟    

لن نذيع سرا إذا قلنا بأن الحياة السياسية في الجزائر جسد ميت إكلينيكيا ولن تنفيذ جرعات الأكسجين الملوث التي يحاول النظام أن يضخها في هذا الجسد تجنيبه توقف القلب الذي هو حتمية طبيعية، فهذه الحالة الراهنة ليست وليدة اليوم أو الأمس، فأسبابها موغلة في القدم وهي نتيجة لترسبات الحقبة الاستعمارية وما بعدها ممتزجة بالنزعة إلى الفردية والأنانية السياسية المتجذرة في شخصية الرجل الشرقي المتشبع بثقافة الحاكم الإله، ولن نخوض في هذا الموضوع المعقد الآن وسنؤجل ذلك لأعداد لاحقة.

  لكننا اليوم سنحاول وضع توصيف مختصر للحالة التي نعيشها منذ 1962 والتي تتسم بعدم شرعية نظام الحكم والآليات التي أوصلته للتصرف في رقاب شعب أعيته سياسات المستعمر الفرنسي، لم يكن الجزائريون يعتقدون بان الخطط التي رسمها مهندسو بيان أول نوفمبر ومؤتمر الصومام   سيتم الانقلاب عليها والتنكر لها في مؤتمر طرابلس بدعم من بعض القوى الإقليمية والدولية وبتنفيذ من مجموعة كان همها الوحيد الوصول للسلطة حتى لو تحقق ذلك على حساب الشرعية وجثث الجزائريين، لكن اعتقاد الشعب الجزائري خاب وتحولت آماله إلى كوابيس بعد أن اتضح أن الجزائر أضحت رهينة في يد فئة معروفة النوايا.   لقد كان لهذه الجماعة ما أرادت لان الشعب الم  نهك أراد أن يفوت على فرنسا فرصة التتشفى فينا بعد أيام من خروجها وقال على مضض "سبع سنين بركات" نظرا لطيبته وخوفه من الأسوأ، وذهب في هذا الاتجاه عديد السياسيين الوطنين، لكن هذا لم يشبع نهم هذه الجماعة التي زينت واجهتها بشخصية احمد بن بلة الذي قبل ما رفضه محمد بوضياف، لكن احمد بن بلة لم يهنئ لان الجماعة أرادت الخروج من السر للعلن وأظهرت هذا التوجه حين انقلبت على بن بلة، توالت الانقلابات وتواصل معها انسحاب الشعب من الحياة السياسية ولم تخلو عشرية من انقلاب حتى أصبح هذا الشعب مجرد مطية لتلميع صور الانقلابين. 

لكن هذه الانقلابات تغيرت أشكالها وتنوعت مظاهرها، وأصبح آخر نموذج مطور للانقلاب يتبناه النظام السياسي هذه المهازل الانتخابية التي يحاول من خلالها الضحك على ذقون المواطنين وإعطاء الانطباع بان العملية الديمقراطية في الجزائر تسيير بكل شفافية وتنبثق عنها مؤسسات الدولة، لكن رغم هذا استمر العزوف وتواصل الانسحاب واتسعت الهوة بين الحاكمين الفعلين وزبائنهم من جهة والفئة العريضة من الشعب المقهور، وأصبح المواطن الجزائري لا يثق لا في السياسة ويعتبرها نفاق وخداع ولا في السياسي الذي يعتبره مجرد وصولي وانتهازي ولا في الديمقراطية التي يعتبرها الحبل الذي يشنق به كل مرة بمناسبة أو بغي مناسبة، لان التجارب علمته أن لا يثق في احد فضاع الحق لصالح الباطل، ونحن إذ ننتقد عزوف الشعب وبخاصة الشباب منه عن الخوض في السياسة لا نحمله مسؤولية هذا الانسحاب لان المتهم وحيد ومعروف لدى العام والخاص وهو من سمم الحياة السياسية بإفراغها من السياسيين الحقيقيين وملئ الفراغ بجماعات من الانتهازيين والوصوليين أصحاب الخطب التي تدعو للرثاء وتنفر ولا تحشد، كما يعمد في كل مرة إلى إدخال الجزائر في مرحلة انتقالية وفي دائرة من الإصلاحات الشكلية التي تقود إلى وضع دستور يخدم أفرادا بعينهم، وأصبح لكل رئيس في الجزائر دستوره، ودخلنا في فوضى الدساتير ودساتير الفوضى، وهذا ما نعيشه اليوم فنحن ندور في نفس الحلقة المفرغة وسنظل كذلك مع الإصلاحات التي تم المصادقة عليها في برلمان لا يمثل إلا نفسه.  

أمام هذا الواقع المرير الذي نعيشه نجد أنفسنا مجبرين على إعادة إحياءالثقافة السياسية الحقيقية، لخلق نخبة من السياسيين لا تداهن ولا تنافق وتمارس السياسة باعتبارها برامج تسطر وأهداف تحقق لا مصالح وامتيازات تقتنص، كل هذا لخلق دولة قوية بمؤسساتها مضطلعة بمهامها الحقيقية، دولة قانون تملك استراتيجيات في كل مناحي الحياة ولديها رؤية واضحة تستقيها من إرادة الشعب الحقيقية لا من إرادة أفراد همهم الوحيد بناء أمجادهم الشخصية وأحلامهم الصبيانية.  

لن يكون هذا الهدف سهل المنال أمام تعنت ديناصورات من العصر الجوراسي تتشدق بالشرعية الثورية، تضخمت بفضل الريع البترولي الذي يوزع ضمن خطة أظهرت إفلاسها مبتغاها توسيع قاعدة الزبائن السياسيين لنظام متعفن، وشراء الضمائر ورشوة الجميع ليسهل التطويع والاستعباد، رغم هذا نحن مصرون على إعادة الاعتبار للحياة السياسية وتوضيح المغالطات وإزالة الترسبات السلبية التي علقت بعقول بعض فئات الشعب الجزائري، وستكون لنا في الأعداد القادمة جملة من المواضيع الجديرة بالمناقشة والتي تساعدنا على فهم الواقع بشكل أفضل، ومن تم العمل على تغييره بالوسائل السلمية المتاحة لتجنيب الجزائر وشعبها مزيدا من العبث والاستهتار.  


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق