]]>
خواطر :
(مقولة لجد والدي، رحمه الله ) : إذا كان لابد من أن تنهشني الكلاب ( أكرمكم الله)...الأجدر أن اسلم نفسي فريسة للأسود ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ترجمة لرواية السيلماريليُن The Silmarillion

بواسطة: أسامة أبوترابة  |  بتاريخ: 2016-10-24 ، الوقت: 19:24:34
  • تقييم المقالة:
    السيلماريليُن
 TheSilmarillion تأليف: جون رونالد رويل تولكين JohnRonaldReuelTolkien ترجمة: أسامة أبوترابة

 

 

 

مقدمة المترجم

          يُطِلقُ البعضُ على هذهِ الروايةِ اسماً معرَّباً وهو (السليمارية), ولم آخذ بهذا الاسم, بل فضلت أن يبقى الاسم كما هو بالإنكليزية Silmarillion,سيلماريليُن, بياء مضمومة. أو تكتب هكذا سيلماريليون, بواو مخففه. وهو اسم يشير إلى الجواهر الثلاث التي صنعها فيانور, والواحدة منها تسمى سيلماريل.

لا تشبه السيلماريليُن رومانسيات القرون الوسطى وقصص البطولة والحب, بل تشبه كتب التاريخ, والملاحم, لكثرة ما تحتويه بين جنباتها على أسماء أشخاص وأماكن وتفاصيل دقيقة. وتبدأ من فكرة خلق العالم, وسلطات العالم والجان والبشر والأقزام ,عابرة الأحداث الجسام مروراً بكل العصور حتى النهاية.

تحتوي السيلماريليُن على أربعة وعشرين فصلاً .وأضيف إليها من قبل المحرر(كريستوفر تولكين) أربعة أجزاء رئيسية, اثنان قبل البداية. اينوليندالي, موسيقى آينور, وفالكوينتا, لتوضيح تاريخ السيلماريليُن, وجزأين بعد النهاية, وهما, أكالابيث, الطوفان وغرق نومينور, والأخير عن خواتم القوة والعصر الثالث.

نظراً لاحتواء الكتاب على عدد ضخم من الأسماء وأحياناً نفس الشخص قد يحمل أكثر من اسم مما يؤدي بالقارئ إلى الملل والإحباط أحياناً, حتى مع وجود دليل الأسماء, فستكون عملية القراءة صعبة, وكذلك الأمر بالنسبة للأماكن والبلدان. لذلك حاولت قدر المستطاع, تبسيط السرد والاشارة إلى بعض الأسماء والأماكن.

ولكي لا تكون المقدمة طويلة ومملة, فقد حاولت الإشارة إلى أغلب الأسماء والأعراق والأجناس, دون إضافة ملحقٍ للأسماء في الختام. لكي لا يضيع القارئ في تقليب الصفحات والعودة إلى الخلف كثيراً. بالإضافة إلى بعض الخرائط عند اللزوم.

 

أسامة أبوترابة :m; مقدمةالمحرر

          نُشرَت السيلماريليُن بعد موتِ مُؤلفِها بأربع سَنَواتَ, وهي التاريخ الأقدم للأيام والعصورالأولى للعالمِ المعرّف في رِواية سيِّد الخواتم, وتاريخُ الأحداثَ العظيمةَ في نهاية العصر الثالثِ. تعتبر حكاياتالسيلماريليُنكاشتقاق لأساطيرَ مِنْ الماضي السحيق. عندما سكن مورغوث سيدُ الظلامالأول في الأرض الوسطى, وشنَّ الحرب عليه الجانُ العلويين. ليس ذلك وحسب. فعلى أية حال, إن عمل السيلماريليُن يتعلق بأحداثٍ سابقة. أقدم من زمن سيد الخواتمْ. وهي ضرورية لفهم العمل السابق. على الرغم من أنها كانت قبله بنصف قرن. وسُميت فيما بعد السيلماريليُن. وفي دفاتر الملاحظات القديمة التي تمتد منذُ منتصف 1917, والتي يُمْكِنُ أنْ أكُونُ قد قَرأتْ النسخَ الأقدم منها بعجالةٍ في أغلب الأحيان. وهي تلك القصصِ المركزيةِ لعِلْمِ الأساطير، لَكنَّهالم تنشر أبداً (مع بَعْض الإشارة إلى محتواها الذي  يُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ مِنْ سيد الخواتم). وفي كافة الأحوال, فلم أتوقف في السنوات الماضية, من العمل على كل ما تركه أبي في عمرة الطويل وبالأوقات التي كان يؤرخ فيها. اعتبرت السيلماريليُن ببساطة كتركيب قصصي مرَّ بتغيراتٍ جذرية حتى أصبحت نسبياً, وإلى حدٍ ما, خلفية تاريخية للكتابات اللاحقة. لكنها كانت بعيدةً عن أن تكون مثبتةً بنص كامل من دون تغيير. حتى في بعض الأفكار الأساسية التي تتعلق بطبيعة العالم الذي كان في طور التشكيل وقتها. بينما جاءت نفس الأساطير لتخبرنا ثانية وبأساليب مختلفة عن الشكل, والطول, والقصر. أضف إلى ذلك, طول السنوات التي غيرت كثيراً بالتفاصيل, وغيّرت أكثر بالمنظورات. لذا أصبحت السيلماريليُن مركب ضخمٌ جداً وذو عددٍ هائل من الصفحات. بحيث أن جمع نسخة نهائية وجازمة منه بدت عملية مستحيلة. علاوة على ذلك فقد أصبحتِ السيلماريليُن مستودعاً لكل الأساطير القديمة وانعكاساتها العميقة (قديمة. لَيسَ فقط في اشتقاقهم مِنْ العصر الأول البعيد، لكن أيضاً من ناحية حياةِ أبي).

سَبح تولكين في عِلْمِ الأساطير وفي كتاباته الشعرية, أكثر وراء انشغالاتٍ فلسفية لاهوتية. وهو ما أظهر منه أحياناً عدم موافقة النغمة. وبعد وفاته سَعيتُ لكي يكون العمل صالحا للنشر. وأصبح واضحاً لدي أن محاولة تقديم كتاب وحيد متنوع الموارد والمواد يستدعي مراجعة السيلماريليُن كما هي في الحقيقة. ومع التغيير الذي حدث لها على مدى نصف قرن من الزمن, وما يؤديه ذلك من التشويش والغوص في أشياء غير ضرورية. لذلك حزمت أمري على اختيار وتركيب النص الوحيد بطريقة - كما بدا لي - ليكون القصة الأكثر تماسكاً وانسجاماً ذاتياً وداخلياً. ففي هذا العملِ، نجد أن الفصول الختامية (مِنْ موت تورين تورمبار) تقدّمَ صعوباتَ غريبةَ، لأنّهم بَقوا بدون تغييرَ لعدّة سَنَوات، وكَان هناك تنافر جدّيِ من بعض النواحي بالمفاهيمِ الأكثر تقدُّماً, في أجزاء أخرى مِنْ الكتابِ لكي تكمل بنفس النسق (إمّا ضمن بوصلةِ السيلماريليُن نفسها أَو بين السيلماريليُن وكتابات أخرى مَنْشُورةً مِنْ قبل أبي). لذا فإن هذه الكلفة الثقيلة وغير الضرورية لن تكون في الإنجاز وإنما يمكن أن تكون في البحث فقط. علاوة على ذلك. عمل أبي لجعْل السيلماريليُن كتجميع, قصة موجزة، ثم جَعلَها ولمدة طويلة بعد ذلك مصدراً مِنْ مصادرِ التنويع الكثيرة, (قصائد، وسجلات، وحكايات شفهية) والتي بَقيت كذلك لفترة طويلة. وفي الحقيقة فإن هذا المفهوم متوازي مع التاريخِ الفعليِ للكتابِ، فالكثير مِنْ النثرِ السابقِ والشعر الذي أتى بعده، هما بالحقيقة خلاصة. ولا ينسبوا فقط نظرياً إلى السرعات المختلفة للقصة وامتلاء التفصيل في أجزائها المختلفة, مقارنة (على سبيل المثال) التذكّرِ الدقيقِ للمكانِ والدافعِ في أسطورةِ توراين تورمبار بجانب الحساب العالي والبعيد لنهايةِ العصر الأولِ، عندما انكسر ثانغورودريم وهُزم مورغوث. وأيضاً بَعْض اختلافات النغمةِ والتصويرِ، وبَعْض الغموضِ هنا وهناك وبَعْض قلةِ التماسكِ. كما في حالة ڤالكوينتا (على سبيل المثال).

لذلك يَجِبُ أَنْ نفترض بأنه يحتوي الكثير من الأحداث التي يجب أن تعود إلى الأيام الأولى لإيلدار في ڤالينور. وهذا ما أُعيدَ تشكيلة في الأوقاتِ اللاحقة. وهو الذي يُوضّحُ انتقاله المستمرَ بالأزمنة ووجهةِ النظر، لكي تَبْدو السلطاتُ القدسيةُ حاليُة ونشيطةُ في العالمِ الآن. وكان هناك طلب مخفي مدون فقط في الذاكرةِ, ومعنون في الكتاب باسم كوينتا سيلماريليُن. بينما هو يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مع السيلماريليُن، ولا يَحتوي فقط على كوينتا سيلماريليُن ، أَو السيلماريليُن، لكنه يحتوي أيضاً على أربعة أعمالَ قصيرةَ أخرى وهي: اينوليندالي وفالكوينتا، الموجودين في البِداية، وهما بالحقيقة على صلةٍ وثيقة بالسيلماريليُن. لكن أكالابيث وخواتم القوَّةِ، اللذان يظْهرا في النهايةِ، فهما بالتأكيد منفصلين ومستقلين تماماً. ويتضمنان طبقاً لنيةِ أبي الواضحةِ بإدراجِهم في هذا الكتاب. الذي يبدأ من عرض التاريخِ الكامل مِنْ موسيقى آينور, الذي بَدأَ فيها صياغة العالمُ وحتى الوصول إلى عبور حاملي الخواتم مِنْ مرافئ ميثلوند في نهايةِ العصر الثالث. إنّ عددَ الأسماءِ الموجود في الكتابِ كبيرٌ جداً، وقد زودته بدليل كامل. لكن عدد الأشخاصِ (من الجان والبشر) الذي يَلْعبُ دوراً مهماً في قصةِ العصر الأولِ صغير جداً. وكُلّها موجودةً في الملاحق, بالإضافة إلى الملاحق المجهزة والتي تَعْرضُ التَسْمِية المعقّدةَ. مِنْ لغات شعوب الجان المختلفة, ومُلاحظات حول كيفية لفظ الأسماءِ الجنيّة، وقائمة لبعض العناصرِ الرئيسيةِ الموجودة في هذه الأسماءِ. أما في الخريطة فقَدْ يُلاحظُ بأنّ إيريد لوين أو إيريد ليندون, الجبال الزرقاء وهي السلسلة الجبليةَ العظيمةَ في الشرقِ. تظْهرُ في غرب الخريطةِ في سيد الخواتم. وفي جسمِ الكتابِ هناك خريطة أصغر. والغاية من هذه الخريطة هي التوضيح وبنظرة خاطفة أماكن تمدد ممالك الجان بعد عودةِ نولدور إلى الأرض الوسطى. ولم أثقل على الكتابَ كثيراً بأيّ نوع من التعليقِ أَو التذييلِ. فهناك في الحقيقة ثروة كبيرة من الكتابات غير المنشورةِ مِن قِبل أبي والمتعلقة بالعصور الثلاثة، فلسفية وتاريخية ولغوية وقصصية. وأَتمنّى أن يكون باستطاعتي نشر بعضها في وقتٍ لاحق. وفي هذه المهمّةِ الصعبةِ والمريبةِ لتَهْيِئة نَصِّ الكتابِ فقد تلقيت مساعدات كبيرة مِن قِبل السيد غاي كاي، الذي عَملَ مَعي في الأعوام 1974و 1975.

 

 

كريستوفر تولكين Fzf آينوليندالي

 


موسيقى آينور[1]

 

          في البدء كان إيرو[2], الواحد، الذي يدعونه في أردا[3] إلوڤاتار[4]. خلق إلوڤاتار أولاً آينور المقدّسين, نسلُ فِكرِهِ الذي كان معه قبل أيَّ شيء آخر. خاطبهم واضعاً أمامهم الأفكار الرئيسية للموسيقى, فغَنّوا أمامهُ وكان سعيداً. لمدةٍ طويلة غَنّوا كلَّ واحدٍ على حده، وفي بعض المرات غنَى قلةٌ مع بعضهم مجتمعين, بينما ضلَّ البقية منصتين. لأن كل واحد منهم استوعب فقط ذلك الجزء من ذات عقل إلوڤاتار الذي منه جاء, وفي الفهم لأخويتهم نموا لكن ببطء. هكذا كانوا دائماً, كما أنصتوا بلغوا أعماق الفهم وزيادة التآلف والانسجام.

نادى إلوڤاتار إلى كل آينور قاطبةً وأظهر لهم الصيغة الموسيقية الهائلة, كاشفاً لهم بها أشياء أعظم وأروع مما كُشفَ لحد الآن. فمجد بدايتها وروعة نهايتها أدهشت آينور وجعلتهم ينحنوا أمام إلوڤاتار خاشعين.

بعد ذلك قال لهم إلوڤاتار: أريد منكم أن تخلقوا من هذا الانجسام الموجود بينكم موسيقى عظيمة, مستندين بذلك على الفكرة الرئيسية التي أظهرتها لكم. فمنذ أن أوقدتكم بالشعلة الخالدة وأنتم مجهزون لإظهار قدراتكم في زخرفة هذه الصيغة. كلُّ واحدٍ بأفكاره وحيّلهُ الخاصة, إن أراد. أما مكسبي فهو أن أجلس وأصغي. وأكون مسروراً فقد استفاق جمالكم العظيم في أغنية.

في ذلك الحين أخذت أصوات آينور تصدح مثل القيثاراتِ والأعوادِ، والنايات والأبواق، والكمانات والأرغن، ومثل جوقاتٍ لا حصر لها تنشد وتغني. عندها بَدأَ آينور بصياغة أفكار إلوڤاتار وتحويلها إلى موسيقى عظيمة. فظهرت أصوات اللحن المنسوج بتعاقبٍ وتوافق لانهائي. عَبرَ خارج الأسماع إلى المرتفعات والأعماق. فامتلأت أماكن سكن إلوڤاتار وفاضت. وخرجت الموسيقى وصداها إلى الفراغ, ولم يعد فراغاً بعد ذلك. فمنذ أن بدأ آينور بخلق الموسيقى لم يؤدوا أبداً مثل هذه الموسيقى. على الرغم من أنه قيل بأن الأعظم سوف يؤدى أمام إلوڤاتار بجوقات آينور وأبناء إلوڤاتار بعد نهاية الأيام. عندها ستكون صيغ إلوڤاتار معزوفةً بشكلها الأمثل, والوارد أن يكون ذلك في لحظةِ نطقهم. لأن الجميع عندها سيفهم في أي جزء منهم كانت نيته. وسيتعرف كل واحدٍ على مدى اشتمال كلٍ منها، ولأفكارهم سيمنح إلوڤاتار حماسةً سرية, لكونهم راضين جداً.

جلس إلوڤاتار يصغي وقد بدا العظيم جيداً إليه. ولم يكن في موسيقاهم عيوب. لكن مع تطور الصيغة, فقد جاءت إلى قلبِ ميلكور[5]وكأنها تمازج أموراً خاصةً بتخيلاته, والتي لم تكن متتطابقةً مع أفكار إلوڤاتار. لأنه سعى في تلك المسألة لزيَاْدَة قوَّةِ ومجدِ الجزءِ المستند إلى نفسه. وكَانَ ميلكور قَدْ أُعطي أعظم صفات القدرة والمعرفة من بين كل آينور. ودائماً كَانَ له نصيبٌ من كُلِّ صفةٍ من صفات إخوته. وفي أغلب الأحيان كان ميلكور يذَهبُ لوحده إلى أماكن الفراغ ساعياً وراء الطاقة الخالدَه. وبسبب رغبته فقد زادت حماسته, وراح يرنو إلى استحضار أشياءَ من تلقاء نفسه وجلبها إلى حيّز الوجود. وبدا له بأن إلوڤاتار يوجه أفكاره نحو الباطل. لأنه كان قليل الصبر من حماقته. رغم كلّ ذلك فلم يجد الطاقه، لأنها مَع إلوڤاتار. لكنه وأثناء خلوته أصبح يتخيل أفكاراً من تلقاء نفسه بخلاف إخوتِه.

قام ميلكور بمزج بعض أفكاره الخاصة وأدخلها إلى موسيقاه،فظهر مباشرةً تنافره عما حوله. ونما اليأس لدى غالبية الذين غَنّوا بالقرب منه، فأبدوا انزعاجهم, واضطربت أفكارهم وتعثرت موسيقاهم. لكنَّ بعضَهم بَدأ بمُنَاغَمَة موسيقاه لموسيقى ميلكور بدلاً مِنْ مناغمة الأفكارِ التي كَانَ يملكها منذ البداية. عندها أصبح التنافر مع ميلكور واسع الانتشار،والألحان التي سُمِعتْ من قبل غرقت في بحرٍ من الصوتِ الهائج. لكن إلوڤاتار جَلسَ يستمع حتى بَدا ذلك حول عرشه كعاصفة هوجاء, ومياه مظلمة تشنُّ حروباً فيما بينها بغضبٍ أبدي, لَنْ يهدأ مطلقاً.

عندها نهض إلوڤاتار, ولاحظ آينور بأنّه يبتسم, فرَفعَ يدّه اليسرى، وبدأت الصيغة الجديدة وسط العاصفة. لكأنها تشبه أو لحدٍ ما لا تشبه الصيغة السابقة. وقد جَمعَت قوَّةً وجمالاً جديدين. لكن تنافرها مع ميلكور ارتفع بصخبٍ وبدأ يتنافس معه. ومرة أخرى كانت هناك حربٌ أكثر عنفاً من ذي قبل. حتى أن الكثير مِنْ آينور فزعَوا وأوقفوا غناءهم. أما ميلكور فقد كان بارعاً. ثم وقف إلوڤاتار ثانيةً, ولاحظ آينور بأنّ ملامحه أصبحت صارمَه, فرَفعَ يدّه اليمنى. واستهلَّ نشوء الصيغة الثالثة, التي نمت في خضم التشويش والارتباك. ولم تكن هذه الصيغة تشبه سابقتيها. لأنها ظهرت في البداية ناعمةَ وحلوة, وكأنها مجرد امتدادٍ لصوت أنيق في الألحان المرهفه. لكنة لا يمكن أن يهدأ، وقدأَخذَ لنفسه قوَّةً وعمقاً. وفي نهاية المطاف بدا بأن هناك موسيقتان تتقدمان في وقت واحد أمام مجلس إلوڤاتار, وكانتا متباينتين تماماً. واحدة عميقة وواسعة وجميله, لكنها بطيئة وممزوجة بحزنٍ غير محدود, وهذا الحزن هو ما أضفى عليها جمالاً خاصاً. أما الأخرى فقد حققت من تلقاء نفسها تماسكاً صاخباً متهوراً وبتكرار لا نهائي, مع القليل من التوافق, أو بالأحرى كانت عبارةً عن ائتلافٍ صاخب لعددٍ من الأبواق التي راحت تجرش بضعة نغمات. محاولةً حجب الموسيقى الأخرى بشدّةِ صوتها، لَكن بَدا بأنّ أكثر نغماتها المنتصرةِ كانت قد أُخِذتْ من الأخرى, ثم نُسجت بنمطٍ مهيبٍ خاصٍ بها.

في خضم هذا الصراع اهتزت قاعات إلوڤاتار, هزةً قادت إلى صمت راسخ. ثم نهض إلوڤاتار مرة ثالثة، وكان وجهه فظيعاً للنَظْر. ورَفعَ كلتا يديه للأعلى، وفي تناغمٍ واحد، أعمق مِنْ الهاويةِ، أعلى مِنْ السماءِ، ثاقبٌ كنور عين إلوڤاتار، انقطعت الموسيقى.

تكلم إلوڤاتار قائلاً: هائلٌ وجبارٌ آينور والأقدر بينهم ميلكور, لكن هل يَعلَمْ هو وكل آينور أيضاً بأنني أنا إلوڤاتار الذي سأظهر لكم تلك الأشياء التي أُنشدت. لكي تشاهدوا ماذا صنعتم؟ أما أنت يا ميلكور فستعلم بأن كل موسيقى عزفتها كان مصدرها مني. ولا يمكنك تعديل الموسيقى رغماً عني. لأن محاولاته تلك سيثبتها هذا الكشف. أما بالنسبة لي, فلم تكن غايتي تعديل الموسيقى, بل استنباط أشياء قد لا تتصورها, لكنها أكثر جمالاً وروعةً.

خاف آينور لأنهمَ لمْ تستوعبوا الكلام الذي قِيل لهم, ومُليء ميلكور بالخزي، الذي جاء منه الغضب السري. أمّا إلوڤاتار فقد نهض بفخامةٍ وخرج. وتبعه آينور, خارجين مِنْ المناطقِ الجميلة التي كان قد خلقها لأجلهم.

وعندما أتوا إلى الفراغ قالَ لهم إلوڤاتار: ها هي موسيقاكَم, وأظهر لهم رؤية. معطياً لهم البصر حيث كانوا من قبل فقط يسمعون. تخيلوا بأنهم رأوا عالماً جديداً, برؤيةٍ مصنوعةٍ أمامهم. وكان ذلك العالم متكوراً وسط الفراغ, محفوظاً فيه, لكنه ليس منه. وعندما نَظروا وتساءلوا, بدأ هذا العالمِ بكشف تاريخِه. ثم بدا لهم وكأنه حيٌّ ويتطور, وبينما كان آينور يحدقون لفترة صامتون. قالَ لهم إلوڤاتار ثانيةً: ها هي موسيقاكَم! وهذا إنشادكم. وسيجد كُلّ واحد منكم مُحتَواه هنا، وسط هذا التصميمِ الذي وَضعتُه أمامكم. وربما تبدو له كُلّ تلك الأشياء وكأنه هو مَنْ ابتكرها أو أضافها. أما أنت يا ميلكور، بتخبط تَكتشفُ كُلّ أفكار عقلك السرية. والتخبط يميزهم, لكنهم جزء من كل وخاضعاً لمجده.

تحدث إلوڤاتار مع آينور عن أشياء كثيرة أخرى. وبفضل تذكرهم لأحاديثه، ومعرفة كل واحدٍ منهم للجزء الذي صنعه من الموسيقى. عرف آينور أيضاً الكثير عما كان, وما يكون, وما سيأتي في قادم الأيام، وكانت بعض الأشياء محجوبةً عنهم. رغم ذلك فبَعْض الأشياء لا يَستطيعونَ رُؤيتها، لا إن كانوا لوحدهم أو كانوا مجتمعين. فلم يكشف إلوڤاتار لأحد إلا لنفسه عن كل ما في جعبته. ففي كُلّ عصر تظْهرُ لنا أشياءَ جديدة لم يكن بمقدور أحد التنبؤ بها, لأنها لم تنبثق من الماضي. وهكذا كان منظر العالم الذي تمثّل أمامهم, فقد رأى آينور بأنّه يحتوي على أشياء لم يفكروا فيها. وشاهدوا باستغراب مجيء أبناء إلوڤاتار، والمسكن الذي أُعدَ لهم, فأدركوا بأنّهم هم أنفسهم وأثناء توليدهم لموسيقاهم كَانَوا يعملون على تجهيز هذا المسكن، ولم يعَرفَوا بعد ما الغاية من وراء جماله. فأبناء إلوڤاتار كانوا من تصوره لوحده, وقد جاؤوا بالصيغة الثالثة، ولم يكونوا في الفكرة الرئيسية التي طرحها إلوڤاتار منذ البِداية. ولم يشارك آينور في أي جزءُ من خلقهم. لذلك عندما رأوهم أحبوهم كثيراً، وعلموا بوجود كائنات غيرهم حرة وغريبة, حيث رَأوا فيهم  عقلَ إلوڤاتار ينعكس من جديد. وبأنهم لم يتعلموا إلا النزر اليسير مِنْ حكمتِه، التي أُخفيت عن الجميع, حتى عن آينور.

أبناء إلوڤاتار هم الجان والبشر, البكر والتالي. من ضمن كل روائع العالم قاعاته وفضاءاته الواسعه والنيران المتحركة فيه. فقد اختار إلوڤاتار مكاناً لسكن أبناءه في أعماق الزمن, وسطِ النجومِ التي لا تعد ولا تحصى. ربما يبدو هذا المسكن شيئاً قليلاً بالنسبة لأولئك الذين يقدرون فقط فخامةَ آينور, ولا ينظرون إلى حدة ذكائهم الرهيبة. فمثلهم كمثل الذي سيَأْخذَ كامل حقل أرداقاعدة لعمود, ويرفعه حتى مخروط قمته التي سيكون أَدق من رأس الإبرة. أو الذي يعتبر فقط السعة غير المحدودة للعالم, والذي مازالَ في طور التشكيل على أيدي آينور. ولَيس إلى الترتيب الدقيق الذي احتوى على تشكيل كل شيء. وعندما رأىَ آينور هذا السكنِ في الرؤية ورَأوا أبناء إلوڤاتار يَظْهرُون على هذا المسكن. عقد العزم كثيرٌ من جبابرة القوة بينهم, وركزوا كُلّ أفكارهم ورغباتهم نحو ذلك المكانِ. وفي هذه كان ميلكور رئيسياً، فقد كان في البِداية أعظم من كل آينور الذين أخذوا جزءً من الموسيقى, وهو مدَّعي حتى لنفسه في البداية, بأن رَغبَته بالذِهاب إلى هناك كانت, لترتيب كُلّ الأشياء لخير أبناء إلوڤاتار، وللسيطرة على اضطرابات الحرارةِ والبرودةِ التي كانت قد عبرته. لَكنَّه بالحقيقة رَغبَ بإخْضاع الجان والبشر لإرادتهِ فقط. فحسد الهدايا التي وعد إلوڤاتار بأن يهبهم إياها, وتَمنّى بأنّ يَكُونَ لديه رعايا وخدم، ويدعونه سيّداً، وتكُونَ له السيطرة على الآخرين وإراداتهم.

لكن بقية آينور نَظرَوا إلى هذا المسكن الموجود ضمن فضاءات العالم الواسعة، والذي سيسميه الجان فيما بعد أردا، الأرض, ففرحت قلوبهم بالضوءِ، ونظرت عيونهم للكثيرَ من الألوان فامتلأت بالفرح. لكنهم شَعروا بقلق كبير بسبب هَدْير البحرِ. ولاحظوا الرياحَ والهواءَ، والأشياء الأخرى التي خلقت منها أردا، كالحديدِ والحجارةِ الفضّية والذهبية والكثير مِنْ المواد الأخرى. ومن بين كل هذه الأشياء هللو كثيراً للماء. ويقال في أخبار إيلدار بأن صدى موسيقى آينور مازال حيّاً في الماء لحد الآن أكثر من أي شيء آخر من المواد الموجودة على هذه الأرض, ومازال كثيرون مِنْ أبناء إلوڤاتار يستمعون بشغفٍ لصوت البحر، ولا يعلمون سبب هذه الرغبة.

للماء كان عنده ذلك الآينو[6] الذي يدعوه الجان أولمو[7], وهو مَن يدير فكرهُ, ويكون مأموراً في كل الأعماق من إلوڤاتار بواسطة الموسيقى. لكن في الهواء والرياح مانوي[8] هو الأكثر تقديراً ونُبلاً من كل آينور. وفي نسيج الأرض كان عنده فكر أوليي[9] الذي أعطاه إلوڤاتار الغلاف والمعرفة النادرة, لكنها أقل من تلك التي أعطاها لميلكور. سعادة أوليي وفخره يكونان دائماً في أعمال الصناعة والخلق, فهو لا يحب التملك والسيادة. لذلك يُعطي ولا يكتنز, ويكون خالياً من الهم, وينصرف دائماً إلى بعض الأعمال الجديدة.

تَكلّمَ إلوڤاتار مع أولمو، قائلاً: ألم ترى هنا في أعماق الزمن, في هذه المملكة الصغيرة كيف شنَّ ميلكور الحرب على منطقتك؟ وكان تفكّيرَه مُفرطُ البرودة. رغم ذلك لم يستطع تحطيم جمالَ ينابيعك، ولا صفاء بحيراتي. انظر, ها هو الثلجَ, والأثر الماكر للصقيع! ابتكر ميلكور الحرارة والنار بدون قيود, فلا تمكنت من تجفيف رغبتك, ولا إخضاع موسيقى البحرِ تماماً. انظر بالأحرى إلى عُلوّ ومجدَ الغيمِ والسُحُب المُتَغَيّرة باستمرار, واَستمع إلى سقوطِ المطرِ على الأرض! ففي هذه الغيومِ تقترب مهارتك أكثر من مانوي صديقك الذي تحبه.

أجابَه أولمو: حقاً، تَخيّلَ أن يصبح الماء أنقى مِنْ قلبِي, ولا أكون قادراً على تصُّور ندفة الثلج في فكري السري, ولا تحتوي موسيقاي على صوت سُقُوط المطرِ. سأسعى إلى مانوي، ربما ننصنع أنغاماً أبديةً لبهجتي. فمنذ البداية كان مانوي وأولمو متحالفان. و كانا يخدما دائماً وبإخلاص كبير كلَّ أهداف إلوڤاتار.

بينما كَان كل آينور محدقين في هذه الرؤية - عندما كان أولمو يتكلم[10]- وإذا بها تبتعد وتختفي عنْ أبصارِهم. وأحسّوا في تلك اللحظةِ بشيءٍ جديد. وهو الظلام. الذي لم يعرفوه من قبل سوى في الفكرِ. لَكنَّهم بالمقابل أصبحوا معجبين بجمالِ الرؤية. ومنهمكين في تجلي العالمِ الذي ابتدأ وجوده هناك. وامتلأت عقولهم به.ولأن التاريخِ كَانَ ناقصاً ودوائرَ الوقتِ لم تكن قد اكتملت بعد عندما حُجبت الرؤية, قالَ البعض بأنّ الرؤية انقطعت قبل إنجاز سلطان البشر وزوال الجان. ولهذا السبب, لم يشاهد الڤالار[11] العصور اللاحقة أو نهاية العالم, مع أن كل الموسيقى كانت قد انتهت.

بعد ذلك كان اضطراب بين آينور. لكن إلوڤاتار استدعاهم وقالَ لهم: أَعْرفُ الرغبةَ الكامنة في عقولكم وهي بأن تصبح هذهِ الرؤيةُ حقيقةً ولا تكون فقط في فكركم. فكما وُجِدَتْ أَنفسكم, ستُوجَدُ أنفسٍ أخرى فيما بعد. لذلك أَقُولُ. إيا[12]! فلتكن كل هذه الأشياء موجودة (كُنْ)! وسأرسل عليها عبر الفراغ, اللهب الخالد الذي سَيكُونُ على قلبِ العالمِ. وسيكون العالم موجوداً. ومن منكم لديه الرغبة فسوف يهبط إليه. رَأى آينور مباشرةً ضوء مِنْ بعيد، إذا جاز التعبير غيمةً بقلبٍ حيٍّ من اللهبْ, فأيقنوا بِأَنَّها لم تكن رؤية فقط، فلقد خلق إلوڤاتار شيء جديد,إنه العالم. إيا.

أراد بعض آينور البقاء مقيمين مَع إلوڤاتار خارج حدودِ العالم. لكن الآخرين ومن بينهم كان الأعظم والأجمل والأكثرُ نقاءً، أَخذَوا إذناً من إلوڤاتار بالنزول إلى هذا العالم. فخلق إلوڤاتار حالةً, أو هي ضرورة حبِّهم. ويجب أن تكون قواهم واسعه في ذلك المكان ومحدودةً في العالم. وأن تبقى ضمنه إلى الأبد, حتى يكتمل. بحيث يكونون حياته وهو ملكهم. لذلك يَسمَّونَ ڤالار، أي سلطات العالم القوية.

لكن عندما دخل الڤالار إلى إيا  كانوا في بادئ الأمر مذهولين ومتحيرين، لأنه لم يكن هناك أي شيء من الذي شاهدوه في الرؤية, وكل شيء كان على نقطة البداية, لم يتشكل بعد, ولما كان هناك إلا الظلام. صحيح أن الموسيقى العظيمة كانت قد خُلقت, لكن نمو وإزهار الأفكار سيكون في قاعات غير متناغمة, ولما كانت الرؤية إلا نبوءةً فقط. لكنهم دَخلوا الآن في بداية الزمن، فأدركَ الڤالار هذا العالم الذي وُجد, لكنه مايزال في بداية التشكل وبداية الأغنية, وعليهم إنجاز ذلك. فابتدأت أعمالهم العظيمة في قِفارٍ مبهمةٍ, شاسعة غير محدودة. واستمرت لعصورٍ منسيةٍ لا تعد ولا تحصى. إلى أن وصلوا إلى أعماق الزمن في وسط قاعات إيا الواسعة, عندها حانت تلك الساعة وذلك المكان ليكونا, زمان ومكان اكتمال إنجاز سكن أبناء إلوڤاتار. أُلقي الجزء الرئيسي من هذا العمل على عاتق كلٍ من مانوي وأوولي وأولمو. أيضاً ميلكور كَانَ مِنْ السباقين، فقد تَدخّلَ في كُلّ الأعمال التي صيغت هناك. وأَدارها كلما حانت له الفرصة وفق رغباته وأهدافه مُوقداً نيرانَاً عظيمة. وعلى الرغم من أن الأرض كَانتْ لا تزال بكراً ومليئة باللهبِ في وقتها لكنه اشتهاها لنفسهِ وقالَ للڤالار الآخرين: هذه سَتَكُونُ مملكتَي, وسأتخذها لنفسي.

يعتبر مانوي الذي كَانَ أَخّو ميلكور (هذا في باطن عقل إلوڤاتار فقط). بأنهُ الأداةَ الرئيسيةَ للصيغة الثانية, وبه وقف إلوڤاتار بوجه تنافر ميلكور. لذلك طلب مانوي من إلوڤاتار بأن يرسل له الكثير من الأرواح, عظيمة وأقل عظمة. فنَزلوا إلى حقولِ أردا لمساعدة مانوي، خوفاً من أن يُعيقَ ميلكور إنجازَ عملِهم إلى الأبد، وعندها ستذبل الأرض قبل أن تزهر. قال مانوي لميلكور: لن تأخذ هذه المملكةِ لنفسك بغير وجه حق, لأنه لا يقلُّ عمل وتعب الآخرين عن تعبك. فنشأ هناك صراعٌ بين ميلكور والڤالار الآخرين. وفي ذلك الوقتِ انسحب ميلكور وذهب إلى مناطق أخرى وعَمِلَ هناك ما أراد, لَكنَّه لَمْ يطرح مِنْ قلبِه رغبته في مملكةِ أردا.

اتخذالڤالار لأنفسم أشكال وهيئاتٍ.ولأنهم انجذبوا إلى العالمِ بمحبِّة أبناء إلوڤاتار, فتمنوا أخذ أشكالهم على غرار الأسلوب الذي شاهدوه في رؤية إلوڤاتار، باستثناء الفخامةِ والعظمة فقط. لذلك أتت أشكالهم من مدى إدراكهم للعالم المرئي، بدلاً مِنْ العالمِ نفسه. مع أنهم لا يَحتاجونَ لهذه الأشكال إلا كما نحتاج نحن إلى الثياب, فقد نكون عراة ولا يعاني وجودنا من النقص. لذا فقَدْ يحدث بأن يَمْشي الڤالار- إن أرادوا- مجردين غير مغلفين بأشكال، ولا يستطيع أحد ملاحظتهم بشكل واضح, حتى إيلدار[13]، مع أنهم موجودين. لكن عندما يَرْغب الڤالار بكَسوة أنفسهم, سيأخذ بعضهم أشكال الذكور والبعض الآخر أشكال الإناث. وهذا الاختلاف في الطبع كَانَ لديهم مُنْذ نشأتهم، وقد وُضعت عليهم الأجساد وفق اختيارهم، لكن لم يخلقوها باختيارهم. كَمَا هو الحَال مَعَنا فقد نميز الذكر والأنثى من الثياب, أمّا الڤالار فلَمْ يُخلقوا بهذه الطريقة. فالأشكال العظيمة المرتبة التي كسوا بها أنفسهم لا تشبه في جميع الأوقات أشكال ملوك وملكات أبناء إلوڤاتار. فقد يَكْسوا أنفسهم أحياناً بطريقتهم الخاصة، فتظهرهم بأشكالٍ من الرهبة والفخامة.

اجتذب الڤالار إليهم العديد مِنْ الرفاقِ، فالبعض يقترب من عظمتهم والبعض الآخر أقل عظمة, وعَملوا سوية في إدارةالأرض وضبط ضوضائِها. رأى ميلكور ما حصل، وكيف مشى الڤالار على الأرض كقوى مرئية، يرتدون من هذا العالم ثياباً فاتنةً ورائعة للنظر. وكيف أصبحت الأرض حديقة لبهجتهم, لأنهم أُخضعوا الاضطراب فيها. لذلك نما حسد ميلكور وتعاظم بداخله, فاتخذَ لنفسه شكلاَ مرئياً أيضاً. لكن بسبب طبعه والحقدِ المشتعل بداخلهِ فقد أنتجَ شكلاً ظلامياً فظيعاً. هبط ميلكور بهذا الشكل إلى أردا, بقوةٍ وفخامةٍ أعظم مِنْ الڤالار الآخرين. لكأنهُ جبلٌ يَخُوضُ في البحرِ ورأسهُ فوق الغيوم, مغطى بالثلجِ ومتوّجَ بالنار والدخانِ, وكان نور عيونه كشعلة ذابلة فيها توهج يخرق ببرودة قاتلة.

هكذا بَدأَت المعركةَ الأولى للڤالار مَع ميلكور للسيطرة على أردا. ولم يعرف الجان عن ضوضاء تلك الأيام إلا القليل وهي التي أخبرهم بها الڤالار، عندما تكلموا مع إيلدالي[14] في أرضِ ڤالينور. ولم يوعز إليهم بأن يخبروا عن ما قبلها من الأيام, إلا بعض الأخبار القليلة عن الحروبِ التي حدثت قبل مجيئ الجان. على الرغم من ذلك فقد قيل بين إيلدار بأن عمل الڤالار الدائم موجه لحُكْم الأرض وتَهْيِئتها لمجيئ البكر. فكانوا يبنون الأراضي وميلكور يحطمهم, يحَفرون الوديان ويردمها ميلكور, ينحتون الجبال ويسقطها ميلكور, جوفوا البحار فقام ميلكور بإغلاقها وسكبها. نادراً ما كان يسعى إلى الديمومة أو نمو السلام الدائم. والشيء المؤكد أنه كلما بدأ الڤالار بعمل كان ميلكور يسعى لإفساده وإلغاءه. رغم ذلك فلم يكن عملهم كُلّه دون جدوى, على الرغم من أنه في أي مكان وفي أي عمل كَانَت إراداتَهم وأهدافهم كاملة الإنجاز، ولم تكن كُلّ الأشياء في الهيئة والتشكيل كما كانت في نية الڤالار منذ البداية. لكن وبرغم البطء فقد شُكلت الأرض وكانت راسخةً ومتينة. وأخيراً أصبح مسكن أبناء إلوڤاتار مؤسساً في أعماق الزمن وسط النجومِ التي لا تعد ولا تحصى.

Fهنا تنتهي آينولينداليf

 

 

 

 

 

ڤالا كوينتا

 

 

قيمةُ الڤالاروالميّار[15]طبقاً لعلوم إيلدار


          في البدء كان إيرو, الواحد، والمسمى بلغة الجان إلوڤاتار. خلق آينور من فكره, وهم صنعواموسيقى عظيمة أمامه. ومن هذه الموسيقى ابتدأ العالم. لأن إلوڤاتار جعل أغنية آينور مرئية. وهم شاهدوها كضوءٍ في الظلام. فأصبح الكثيرين منهم مفتونين بجمالها, وبتاريخها الذي رأوا بدايته وانكشف أمامهم كما شاهدوه في الرؤية. لذلك أعطى إلوڤاتار لرؤيتهم وجوداً. ووَضعَ هذا الوجود وسط الفراغ. وأرسل النار الخفية لتشتعل في قلب العالم. ودُعي هذا الوجود إيا.

ومَنْ مِنْ آينور كانت لديه الرغبة بهذا العالم. فقد نهض ونزل إليه في بداية الزمان. وكانت مهمتهم انجاز ذلك العالم. وبفضل جهودهم التي بذلوها تم تحقيق الرؤية التي شاهدوها. فقد عملوا لفترة طويلة في مناطق إيا الواسعة, والتي هي خارج نطاق تفكير الجان والبشر. حتى وصلوا إلى الوقت الذي أتموا فيه صنع أردا. مملكة الأرض. ثم اتخذوا رداءً لهم من الأرض وهبطوا إليها وسكنوا بها.

 

 

 

 

الڤالار

 

          هم العظماء بين هذه الأرواحِ[16]ويسمون باللغة الجنيه ڤالار. أي قوى السلطة في أردا. ويسميهم البشر غالباً آلهة. أسيادالڤالار سبعة, وملكات الڤالار سبعة أيضاً ويسمون الڤالير. توجد للڤالار عدة أسماء أخرى في لغات جان الأرض الوسطى، وأسماؤهم متنوعة بين البشر. لكن عُرفت أسماؤهم أكثر باللغة الجنية, وهي اللغة التي تكلم بها الجان أثناء سكنهم في ڤالينور[17]. فأسماء أرباب الڤالار وفق الترتيب الصحيح هو: مانوي، أولمو، أوليي، أورومي[18]، ماندوز[19]، لورين[20], تولكاس[21]. وأسماء ملكات الڤالار: ڤاردا[22]، ياڤانَا[23]، نايننا[24]، إيستي[25]، ڤاييري[26]، ڤانا[27], نيسسا[28]. ولم يعد يحتسب ميلكور من بين الڤالار، ولا يُتحدث باسمه على الأرض.

كانت أخوة مانوي وميلكور في فكرِ إلوڤاتار فقط. وكان مانوي وميلكور هما الأكثر قوةً من بين كل آينور الذين جاءوا إلى العالم في بداياته. لكن مانوي الأعز عند إلوڤاتار لأنه يَفْهمُ بوضوح تام معظم أهداف إلوڤاتار. لذلك عُين ليكون وفي كل الأزمنة، الأوّل بين كل الملوك. سيد مملكة أرداوحاكماً على كل من يعيش فيها. وبهجته في أردا هي بالرياحِ والغيوم، وفي كُلّ مناطقِ الهواءِ، مِنْ المرتفعاتِ إلى الأعماقِ، مِنْ أقصى الحدودِ العلياِ لحجابات أردا إلى الأنسامِ التي تهب على العشبَ. ولقبه سوليمو, أي سيد أنفاس أردا. تحبه كُلّ الطيور السريعة وقويات الأجنحة، وهي تأتي وتذهب طبقاً لأوامره.

تسكن مَع مانوي في مكان إقامته. ڤاردا، سيدة النجوم، التي تَعْرفُ كُلّ مناطق إيا. جمالها عظيم جداً, وهو الجمال المعلن في كلماتِ البشر أَو الجان, لأن ضياء إلوڤاتار باقٍ في وجهِها. في الضوءِ قوَّتُها وبهجتُها. من أُعماق إيا خرجت وجاءتْ لإعانة مانوي على ميلكور, فقد عَرفتْ مِنْ قبل صيغة ميلكور الموسيقية ورَفضتْها، وكان هو يكَرهها ويخَافَها أكثر مِنْ كُلّ الآخرين الذين خلقهم إيرو. نادراً ما افترق مانوي وڤاردا، وهما باقيان في ڤالينور.قلاعهم فوق الثلجِ الأبديِ. على أويولوسي[29] البرج الأعلى في تَني كويتيل[30], أطول الجبال على الأرض. هناك حيث يعتلي مانوي على عرشُه ويراقب أردا, وعندما تكون ڤاردا بجانبه فإنه يَرى أبعد مِنْ كُلّ العيون, من خلال السحبِ والظلامِ وعلى امتداد البحرِ. أما بالنسبة لڤاردا, فعندما يكون مانوي مَعها، فإنها تسمع أكثر مِنْ كُلّ الآذان. تسمع همسة الصوت التي تنادي مِنْ الشرقِ إلى الغربِ، مِنْ التلالِ والوديان، ومِنْ الأماكن المظلمة العميقة التي صنعها ميلكور على الأرض. يبجل الجان ڤاردا بالخشوع والحب, من بين كل العظماء الذين يسكنون هذا العالم, ويسمونها ايلبيرت, وينادون باسمِها للخروج من ظلال الأرض الوسطى، ويرفعون ذلك في أغنية عند إشراقة النجومِ.

أولمو سيد المياه. يسكن لوحده منذ مدة طويلة هنا، لكنه إجمالاً يتحرك كما يريد في كل المياه حول الأرض أو تحتها, وهو الثاني في القوة بعد مانوي، وقبل خلق ڤالينور كَانَ أقرب الأصدقاء إلى مانوي, لكن فيما بعد, قلما ذَهبَ إلى مجالسِ الڤالار، إلا إذا كانت ستناقش هناك أمورٌ عظيمة. فهو يحافظ على كل أردا في الفكر, ولا يحتاج لأي مكان للاستراحة. علاوة على ذلك فإِنَّهُ لا يُحبُّ المَشي على الأرض، ونادراً ما يكسو نفسه بجسد يخالف أسلوبه في الظهور. وإذا ما نظر إليه أبناء إيرو فقد يصيبهم فزع عظيم, لأن ظهوره كملك للبحر يكون فظيعاً. كموجاتٍ متسلقة خطواتهُ الواسعة إلى الأرض. بخوذته القاتمة المتوجة بالزبد. يلبس درعاً لامعاً بلونٍ فضيٍّ من الأسفل وينتهي بظلال اللون الأخضر في الأعلى. صحيح أن أصوات أبواق مانوي عالية، لكن صوتَ أولمو عميقٌ كعُمق المحيطِ الذي لم يرهأحدسواه.

يُحبُّ أولمو كلاً من الجان والبشر، ولم يتَركَهم أبداً، حتى عندما كانوا منطرحين تحت غضب الڤالار. وفي بعض الأحيان يستهويه المجيء غير مرئي إلى شواطئِ الأرض الوسطى، أو يعبر مبتعداً إلى داخل الأرض عبر الألسنة البحرية, وهناك يصنع موسيقاه بأبواقه العظيمةأولوموري[31], تلك الأبواق المشغولة من الصدف الأبيض. أما مَنْ تصل إليه هذه الموسيقى فيسمعها وتستقر في قلبه, يكون عنده اشتياقٌ دائمٌ للبحر لا يفارقه أبداً. غالباً ما يكون كلام أولمو مع سكان الأرض الوسطى بأصوات تسمع فقط كموسيقى قادمة من الماء. كُلّ البحار والبحيرات والأنهار والنافورات والينابيع تدخل ضمن حكومته وتحت سيطرته, لذلك يقول  الجان بأن روح أولمو تعيش في كل عروق العالم. فكل الأخبار بخصوص حاجات وأحزان أردا تصل إلى أولمو حتى ولو كان في أعمق الأعماق. إلا تلك الأخبار التي يخفيها مانوي.

أما أوليي فله ترتيب أقل بقليل من أولمو. وسيادته كائنة على كُلّ المواد التي صُنعت منها أردا. في البداية عمل كثيراً بصحبة مانوي وأولمو, وكان عمله في تكوين كل الأراضي. فهو الصانع وسيد الحِرَف، يَبتهجُ في الأعمالِ الماهرةِ، مهما كانت صغيره، بقدر ابتهاجه بالأبنية الكبيرة. كانت لديه منذ القِدم مجوهراتَ مخبأة في أعماق الأرض, والذهب الجميل في يده لا أقل من أسوار الجبالِ وأحواض البحر. أخذت غالبية نولدور[32] العلم منه وكان صديقهم الدائم. كان ميلكور يغار منه دائماً. لأن أوليي كان يشبهه كثيراً في التفكير والسلطات. لذلك نشأ خلاف طويل بينهما، والذي أفسدَ فيه ميلكور وخرَّب باستمرار أعمالَ أوليي، فأنهك أوليي في إصلاحها. وكلاهما رغب في عمل أشياء خاصة به, جديدة ولا يعلم بوجودها الآخرين. وكلاهما ابتهج في امتداح مهارتِه. لكن أوليي بَقي مخلصاً لإيرو. وقدّمَ كُلّ أعماله لإرادتهِ, ولَمْ يَحْسدْ أعمالَ الآخرين، لكنه طلب فأعطي النصيحة. بينما ميلكور استهلك روحَه في الحسدِ والكراهية، حتى أنه أخيراً لم يقم بعمل أي شيء إلا السخرية من أفكار الآخرين. وإن استطاع كان يحطم كل أعمالهم.

ياڤانَا. هي زوجة أوليي. مانحة الثمار. عاشقة كُلّ الأشياء التي تَنْمو على وجه الأرض, وكُلّ أشكالهم التي لا تعد ولا تحصى محمولةً في فكرها, من الأشجار التي تشبه الأبراج والموجودة في الغابات منذ مدة طويلة إلى الطحالب التي فوق الأحجار, وحتى الكائنات الدقيقة المخفية الموجودة على سطح الأرض. وفي التقديس والتبجيل تأتي ياڤانَا بالمرتبة الثانية بعد ڤاردا بين ملكات الڤالار, وهيئتها على شكل امرأة طويلة مكسوة بالأخضر. لكنها أحياناً قد تأْخذُ أشكالاً أُخرى. وهنالك بعض الذين اطلعوا على مكانتها فقالوا بأنها كانت مثل شجرة تحت السماء متوّجَة بالشمس, ومِنْ كُلِّ فروعها ينسَكب ندىً ذهبياً على الأرض القاحلِة فأنتج الخضروات والحبوب. وكانت جذورَ هذه الشجرةِ في مياهِ أولمو، ورياح مانوي تهمس في أوراقِها. لقبها كيمينتاري في لغة إيلدارين[33]. ومعناه ملكة الأرض.

فيانتوري, سادة الأرواح، وهما أَخوان. في أغلب الأحيان يسميان ماندوز ولورين. والغريب أن هذه بالحقيقة هي أسماء أماكن سكنهم. أما أسماؤهمالحقيقية فهي,نامو وإرمو.

نامو, وهو الأكبر, يسكن في ماندوز الكائنة في الجهة الغربية من ڤالينور. وهو حارس بيوت المَوتى، ومستدعي أرواح القتلى ولا ينسى أحد منهم. يَعْرفُ كُلّ الأشياء التي سَتَكُون، إلا التي لم يحررها إلوڤاتار بعد. هو رجل الهلاك في الڤالار, لَكنَّه ينطق قراراته وأحكامَه فقط بطلبٍ من مانوي.

ڤاييري الحائكة, هي زوجة نامو، تنْسجُ كُلّ الأشياء التي سَبَقَ أَنْ كَانتْ, وتخزنها في نسيجها. وتكون قاعات ماندوز الواسعة كاتساع مرور العصور مَكْسُوة بهم دائماً.

إرمو, هو الأصغر, وهو سيدُ الرُؤى والأحلامِ. تقع حدائقه في لورين من أرض الڤالار, وهي أجمل مكان في العالم. مملوءةً بالكثير مِنْ الأرواح.

إيستي اللطيفة، معالجة الأضرار والتعب، وهي زوجة إرمو, رداؤها رمادي, تهدي الراحة والسكون. لا تمشي في النهار. تنام على جزيرةِ في بحيرة لورين المظللة بالأشجار. وكل الساكنين في ڤالينور ينتعشون من ينابيع إرمو وايستي. يأتي الڤالار إلى لورين غالباً ليرتاحوا وليخففوا عنهم أعباء أردا.

نايننا أقوى من إيستي, وهي أخت فيانتوري. تسكن لوحدها, وهي المطلعةٌ على الأحزان. تندب كل جراح أردا التي عانتها بسبب تشويهات ميلكور. الحزن المنتشر في موسيقاها عظيم جداً, وهذا الحزن هو الذي حول أغنيتها إلى الرثاء قبل النهاية بفترة طويلة. وبالتالي نُسج صوت الحزن إلى صيغ العالم قبل أن يبدأ, لكنها لا تنوح لنفسها, وأولئك الذين يصغون إليها يتعلمون الشفقة, والقدرة على التحمل والأمل. قاعاتها في غربي الغرب على حدودِ العالم. ونادراً ما تأتي إلى مدينةِ ڤاليمار[34] حيث كل شيء سعيد. بل تَذْهبُ إلى قاعاتِ ماندوز القريبة منها, وجميع المنتظرين في قاعات ماندوز يهتفون لها. لأنها تجلب القوة إلى الروح وتحول الحزن إلى حكمه. ونوافذ بيتِها تبدو خارجةً من جدران العالم.

تولكاس هو الأعظم في القوّةِ وأعمالِ البطولة، لقبه استالدو, الشجاع. وهو آخر الذين جاؤوا إلى أردا لمُسَاعَدَة الڤالارفي المعاركِ الأولى مَع ميلكور. يَبتهجُ في المُصارعة ومنافسات القوّة. لا يَرْكبَ جواداً قط, لأن قدميه تسبق كل الأشياء التي تسير، ولا يتعب. شَعرهُ ولحيتهُ ذهبيانْ, جسده متورّد وأسلحته يديه. قلما يحسب حساباً للماضي أو المستقبل، واستشارته بلا جدوى، لكنه الصديق الشجاع.

نيسسا زوجة تولكاس وأخت أورومي، وهي أيضاً رشيقة وأقدامها سريعة. تحبها الغزلان, ويتبعون دربها كلما ذهبت إلى البرية, لَكنَّها يُمْكِنُ أَنْ تسبقهم، فهي سريعة كسهم مع الريح في شَعرِها. في الرقص بهجتها، وهي تَرْقصُ في ڤاليمار على المروج دائمة الخضرة.

أورومي السيِّد الجبار, إذ هو أقل قوة من تولكاس، لكنَّ غضبَهُ مرعبٌ. في حين تولكاس يَضْحكُ دائماً، في الرياضةِ أَو في الحربِ وحتى أنه ضَحكَ في وجه ميلكور في المعاركِ القديمة قبل ولادة الجان. أحبَّ أورومي أراضي الأرض الوسطى وتَركَها مرغماً وكان آخر الواصلين إلى ڤالينور. وغالباً في القديم كان يعبر عائداً للشرق عبر الجبال, ويرجع إلى جماعته في السهول والتلال. ويصطاد من الوحوش ومن البهائم. يَبتهجُ في الخيولِ وكلاب الصيد. يحب كل الأشجار ولهذا السبب كان يدعى ألدارون. ومن قِبل سيندار[35]كان يدعى تاورون, أي سيِّد الغابات. واسمُ حصانِه ناهار, أبيض في الشمسِ وفضة مشرقة في الليل. واسمُ بوقه العظيم فالاروما، وصوت بوقة يشبه طلوع الشمس القرمزية, أَو البرق الذي يَشْقُّ الغيمَ. سمع صوته في الغابات قبل كل أبواق جمهوره, وكانت ياڤانَا قد جلبته من ڤالينور. لأن أورومي كان يدرب شعبه ووحوشه على مطاردة مخلوقات ميلكور الشريرة. ڤانا دائمة الشباب هي زوجة أورومي, وهي أخت ياڤانَا الصغرى. كُلّ الزهور تنموُ وتتفتح إذا ما مرَّت من فوقهم, وكُلّ الطيور تَغنّي لقدومها.

كانت هذه أسماءَ ڤالار وڤالير، وهنا ذكرنا بإيجاز أشباههم, كما شاهدها إيلدار في أمان[36]. وكانت أشكالهم صافيةً ونبيلةَ كما ظهرت لأبناء إلوڤاتار. لكن هذه الهيئات كانت أيضاً حجاباً على جمالهم وقوتهم, وإذا ذُكر القليل هنا عن الكثير الذي كان يعرفه إيلدار فيما سبق. فإن وجودهم الحقيقي لا يمكن مقارنته بأي شيء. والذي يرجع إلى مناطق وعصور بعيدةً جداً عن تفكيرنا. من بينهم كان تسعة هم الأعلى في القدرة والمهابة, لكن حذف مِنْ تعدادِهم واحد(وهو ميلكور)، فتبقى ثمانية، وهؤلاء الثمانية يسمون أراتار, أي أعلى الأشخاص في أردا وهم: مانوي, ڤاردا, أولمو, ياڤانَا, أوليي, ماندوز, نايينا, أورومي. ومع ذلك فإن مانوي هو الملك, ويَحْملُ ولائَهم تحت إيرو. في الفخامةِ هم نبلاء، ولا مجال لمقارنتهم بالآخرين أبداً, سواء كانوا من الڤالار والـميار، أَو أيّ مرتبة أخرى أرسلها إلوڤاتار إلىإيا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الميَّـــار

 

          جاءت مَع الڤالار أرواحٌ أخرى كانت موجودة أيضاً قبل ابتداء العالم. وهم من نفس مرتبة الڤالار لكن بمنزلة أقل. وهم الميَّار, شعب الڤالار وخدمهم المساعدين لهم. عددهم غير معروف للجان, والقلة منهم يمتلكون أسماء بأي لغة من لغات أبناء إلوڤاتار. على الرغم من ذلك فإن وجودهم في أمان مختلف عن وجودهم في الأرض الوسطى. ففي الأرض الوسطى نادراً ما ظهر الميَّار بالأشكال المرئية إن كان للناس أو للجان.

من أهم الميّار في ڤالينور والذين مازالت أسماؤهم مذكورة في تاريخ الأيام القديمة. ايلماري وصيفة ڤاردا. وايونوي رسول مانوي وحامل رايته. وهو الذي لا يجاريه أحد في استعمال السلاح في كل أردا. لكن أفضل المعروفين لأبناء إلوڤاتار من بين كل الميَّار هما أوسي وأوينين.

أوسي هو تابع أولمو. وهو سيد البحار التي تغمر شواطئ الأرض الوسطى. لا ينزل للأعماق لكنه يحب السواحل والجزر ويفرح في رياح مانوي. ففي العاصفة مسرته ويضحك وسط هدير الموج. أما أوينين سيدة البحار فهي زوجته، وهي التي تفرش شعرها وتنشره عبر كل المياه الموجودة تحت السماء. تحب كل المخلوقات التي تعيش في الجداول المالحة والأعشاب التي تَنْمو هناك. إليها يهتف البحارة لأنها تستطيع تهدئة الموج. ومقاومة وحشية أوسي. وقد عاش النومينوريون[37] فترة طويلة في حمايتِها، واعتبروها في وقارٍ يوازي تقديس الڤالار.

كَرهَ ميلكور البحر، لأنه لم يَستطعْ إخضاعه والسيطرة عليه. ويقال بأنه حاول سحب أوسي إلى ولاءه الخاص إبان صناعة أردا. ووعده بكل مملكة وسلطة أولمو إذا قبل بخدمته. لذلك ومنذ عهدٍ بعيد صنع الشغب العظيم في البحر الذي خرب الأراضي. عندها قامت أوينين بناءً على تضرعات أوليي بتقييد أوسي واحضاره إلى أولمو. فعفا عنه وأعاده إلى ولائه وبقي مخلصاً له فيما بعد. وانخفض جزء كبير من بهجة العنف لديه. لكنها لم تفارقه بشكل كامل فأحياناً سيهتاج متعمداً من دون أي أمر من سيده أولمو. لذلك فإن الساكنين بجانب البحر أَو الذين يركبون السُفنِ قَدْ يُحبُّونه لَكنَّهم لن يَأمنوا جانبه.

ميليان هو اسم المايا[38] التي كانت تقدم خدمات لكلٍ من ڤانا وايستي. وقبل أن تذهب إلى الأرض الوسطى سَكنتْ لمدة طويلة في لورين، تعتني بالأشجارِ التي تُزهرُ في حدائقِ إرمو. وكانت العنادل تغني حولها حيثما ذَهبتْ.

أما أولورين فهو الأعقل والأكثر حكمة بين الميَّار. كان يسكن في لورين أيضاً لكن دروبه قادته إلى بيتنايننا, ومنها تعلم الشفقة والصبر.

أُخبر الكثير عن ميليان في كوينتا سيلماريليان, لكن أولورين لم نتكلم عن حكايته. والمعروف عنه أنه أحبَّ الجان ومَشى بينهم غير مرئي. أَو في شكلِ واحدٍ منهم, فلم يعرفوا من أين جاءتهم الرؤى الصافية أو تلقين الحكمة التي وضعها في قلوبهم. وفي الأيام اللاحقة سيكون صديقاً لكل أبناء إلوڤاتار ويشفق على أحزانهم. وكل الذين أصغوا إليه تنبهوا من الغفلة واليأس وأبعدوا عنهم التخيلات الظلامية[39].

 

 

 

 

 

 

الأَعداءْ

 

          يوضع اسم ميلكور في الأخير بين جميع الأسماء, وهو الذي ظهر في الجبروت, لكنه خسر ذلك الاسم. وكانت نولدور ومن بين كل الجان هي أكثر مَنْ عانى من حقدِه. فلَا ينطقوا باسمه بل يسموه مورغوث, أي العدو المظلم للعالم. منحه إلوڤاتار قوةً عظيمةً فكان معادلاً لمانوي في الصلاحيات والمعرفة. وكان يمتلك ميزة من كُلّ ميزات الڤالار الآخرين.لكنه استخدمها للأعمال الشريرة وبدد قوته في الظلم والاستبداد, لأنه طامعٌ في أردا وكل من فيها. راغباً فيها بمنزلة مانوي وسيادته على ممالك أقرانه.

من العظمة سقط عبر غطرسته واحتقاره لكل شيء إلا نفسه. فهو روحٌ مبذرةٌ عديمة الرحمه. أدرك قدرة ذكائه في تحريف كل ما يريد وفقاً لرغبته. حتى أصبحَ كذاباً بدون خجل. بَدأَ برغبته للنور، لكنه عندما لم يتمكن من أن يحتكره لنفسة, انحدر بنار الغضب للاحتراقالكبير، وهبط إلى الظلامِ. مستخدماً الظلام في كل أعماله الشريرة على أردا. فملأ جميع الكائنات الحيّة فيها بالخوف والرعب.

ومن ضخامة قوة تمرده تلك, أنه وفي العصور المنسية تنافس مع مانوي وكل الڤالار. وعبر سنوات طويلة في أردا سيطر على معظم أراضي الأرض. لكنه لم يكن لوحده. فقد سحب الكثير من الميّار لفخامته في أيام عظمته, وبقوا في ذلك الولاء ساقطين في ظلمته. وأفسد آخرين بعد ذلك وجرهم إلى خدمته عبر خداعهم بالأكاذيب والهدايا الغادرة. والمرعب من بين كل هذه الأرواح كانوا ڤالاراوكار, أي سياط النار. وقد سموهم في الأرض الوسطى باسم بالروغز[40], أي شياطين الرعب.

من بين أعظم عبيده الذين يمتلكون الأسماء المرعبه. كانت تلك الروح التي يسميها إيلدار. ساورون، أَو غورثور. أي القاسي. حيث كان في البداية من الميًّار التابعين لأوليي,( أي الميَّار الذين يعملون بالصناعة والتعدين), كان عظيماً في علوم الصناعة والتعدين. وبقي كذلك في كل أعمال ميلكور, مورغوث على أردا. وكل تلك الأعمال المخادعة الماكرة، كان عند ساورون جزء منها. وكَانَ بذلك أقل شرّ مِنْ سيدِه فقط. وفي ذلك خَدمَ  لمدة طَوِيِلة شخص آخر ولم يخدم نفسه. لكن في السنوات اللاحقة ارتقى فأصبح كظِلّ مورغوث وشبح حقده. ومَشى خلفه على نفس الطريقِ المدمّرِ الهابط إلى العدم.

 

 

 

 

 

 

 

vهنا تنتهي ڤالكوينتا V

كوينتا سيلماريليُن
( تاريخ السيلماريلس ) الفصل الأول  بداية الأيام

 

           روي بين الحكماءِ. بأن الحرب الأولى وقعت قبل أن تصبح أردا على هيئتها التامةَ، وقبل أن يمشي أو ينمو أيّ شيء على وجه الأرض. وفي هذه الحرب امتلك ميلكور اليد الطولى ولمدة طويلة. لكن في وسط هذه الحربِ جاءت روح القوّةِ والشجاعةِ العظيمةِ لمساعدةِ الڤالار، فقد سُمع في السماء البعيدة بنشوب معركة في المملكة الصغيرة. لذلك جاء تولكاس القوي وامتلأت أردا بصوت ضحكاته, فمرَّ غضبة مثل ريحٍ هائلةٍ بعثرت غيوم الظلام من أمامه, وهرب ميلكور من غضبة وسخريته وغادر أردا. بعدها ساد السلام لزمن طويل. وبقي تولكاس هناك كواحداً من ڤالار مملكة أردا. أما ميلكور فقد حُضنَ في الظلامِ الخارجيِ، ووصل حقده على تولكاس لأبعد مدى.

جلب الڤالار في ذلك الوقت النظام إلى البحارِ والأراضي والجبالِ. وقامت ياڤانَا أخيراً بتوزيع البذورُ التي ابتكرتها منذ مدة طويلة. وفي ذلك الحين عندما كانت النار لا تزال كامنةً أو مدفونةً تحت التلال البدائية. والحاجةُ ماسةً للضوءِ. قام أوليي كاستجابةً لتوسلات ياڤانَا بعمل مصباحين هائلين لإضاءة الأرض الوسطى المبنية وسط البحار المحيطة. ثم مَلأَت ڤاردا المصابيح وقدّسَهُمْ مانوي ووَضعَهما الڤالار على أعمدة عالية، أعلى من قمم الجبال العالية. فرَفعوا مصباحاً واحدا بالقُرْب من شمال الأرض الوسطى وسُمّي إللوين, والآخر رُفِعوه في الجنوبِ وسُمّي أورمال, فتَدفّقَ ضوء مصابيحِ الڤالار إلى خارج الأرض، ليتسنى للجميع الاستفادة من الضوء الذي كان لا يفرق كثيراً عن ضوء النهار.

بدأت الحياة تدب في البذور التي بَذرَتها ياڤانَا, وبَدأتْ تتبرعم بسرعة، فظَهر نَمُوٌ متنوعٌ لأشياءَ عظيمة وصغيرة، كالطحالب والأعشاب والسراخس العملاقة، والأشجار العالية التي تُوّجتْ قممها بالغيوم وكأنها جبالٌ حيّه مغطاة بالغسق الأخضر. ظهرت البهائم وسكنت في السهول المعشوشبة, أو بالأنهار والبحيرات أو مشت في ظلال الغابة, ولحد الآن لا زهرةَ أزهرت ولا طيرٌ غَنَّى, لأن هذه الأشياء ما زالَتْ تنتظر وقتها في صدرِ ياڤانَا. لكن الوفرة كانت موجودة هناك, فلا يوجد مكان خصبٌ أكثر من الأجزاء الأوسطية للأرض. حيث امتزج ضوء كلا المصباحين. وهناك على جزيرة ألمارينفي البحيرة الكبرى كان المسكن الأول للڤالارعندما كَانتْ كُلّ الأشياء شابة وفتية، وكان الأخضر الجديد كأعجوبة في نظر الصنّاع, وبقي الجميع قانعين هناك لمدة طويلة.

بينما كان الڤالار يرتاحون مِنْ أعمالِهم، ويراقبَون النمو وكشف ابتداء الأشياء التي ابتكروها. قَدّر لهم مانوي عيداً عظيماً. لبّى جماهير الڤالار دعوته, لكن أوليي وتولكاس كَانامُرهَقين, لأن حرفة أوليي وقوة تولكاس كانتا في عملٍ متواصلٍ ولأيامٍ طويله. عرف ميلكور بالذي حصل لأنه كان لديه أصدقاء سريون وجواسيس من بين الميّار الذين تحولوا إلى مصدر لمعلوماته. وبعيداً في الظلامِ امتلأ بالكراهيةِ، وابتدأت غيرته من عمل أقرانه ورغب في إخضاعهم لسيطرته. لذا فقد جمع إلى نفسه كل الأرواح الفاسدة التي تخدمه من قاعات إيا. معتبراً نفسه قوي. لأنهُ يَرى بأن وقتَه قد اقترب ثانيةً إلى أردا. وعندما نظر إليها ورأى جمال الأرض في ربيعِها ازداد حقده أكثر.

اجتمع الڤالار على ألمارين غير خائفين من أي شر، وبسبب أضواءِ إللوين فلَمْ يكونوا مدركين للظِلّ المتحرك الذي ألقاه ميلكور من الشمال البعيد. غنّى الڤالار في عيدِ ربيعِ أردا, وتزوج تولكاس من نيسسا أخت أورومي ورقصتْ هي أمام الڤالار على العشبِ الأخضرِ لجزيرة ألمارين.

بعد ذلك نام تولكاس وبدا كأنه متعباً لكن مطمئناً. لذلك اعتبر ميلكور بأنّ ساعتَه قد حانت مع نوم تولكاس, فمرَّ على أسوار الليل مع جماعته وجاء إلى الأرض الوسطى قادماً من الشمال. ولم يعلم الڤالار بقدومه.

بَدأَ ميلكور بالحَفْر عميقا تحت الأرض لبناء قلعة واسعة، تحت ظلام الجبال حيث أشعّة إللوين كَانتْ باردة وخافتة. وذلك كان هو المعقلِ الذي سُمّي أوتومنو. وعن ذلك كله لم يكن الڤالار يعلم شيئاً لحد الآن. لكن شرّ ميلكور وآفة كراهيتِه تَدفّقَا من هناك، وأفسد ربيع أردا. فالأشياء الخضراء مرّضتْ وتَعفّنتْ، والأنهار غَصَّت بالأعشاب الضارةِ والوحلِ، فتشكلت مستنقعات آسنة وسامّة وأصبحت أماكن لتربية الذباب. نمت الغابات مظلمة وخطرة ولازمها الخوف. وأصبحت البهائمُ وحوشاً ولها قرونٌ وعاجٌ وتخضبت الأرض بالدمّ. عرف الڤالار من هذه الظواهر بأنّ ميلكور قد عاد للعمل ثانيةً، فقصدوا مخبأه, لكن ميلكور يَثِقُ بقوّةِ أوتومنو وجبروت عبيده. فبرز للحربِ وضَربَ ضربته الأولى, ولم يكن الڤالار بعد مهيأين, فهاجم أضواء إللوين وأورمال ودمّرَ أعمدتَها وكَسر مصابيحَها, وبهذا السقوط الهائل للأعمدة. فقد سُكِبَ حطامها لهباً خارجاً على الأرض وتكسرت الأرض وهاجت البحار, وأُفسد شكل أردا وتناسق مياهِها وأراضيها. لذلك فإن التصميم الأول للڤالار لم يعد بالإمكان استعادته أبداً.

ضمن هذا التشويشِ والظلامِ هرب ميلكور خائفاً. فقد سُمع صوتَ مانوي يتردد إلى أعالي البحار الصاخبة كريحٍ هائلة، فارتعدت الأرض تحت أقدام تولكاس لأنه كان قد وصل إلى أوتومنو, حيث تحصن ميلكور واختفى ولم يستطع الڤالار في ذلك الوقت من التغلب عليه, لأنهم كانوا بحاجة إلى قوتهم لتهدئة ضوضاء الأرض ولإصلاح الخراب, أو اصلاح ما كان يمكن اصلاحه. بعد ذلك خافوا على الأرض من التمزيق ثانية, قبل أن يعرفوا أين كانت مساكن أبناء إلوڤاتار والتي مازال وقتهم لم يحن بعد, لأن أماكن هذه المساكن كانت مخفيةً حتى عن الڤالار.

هكذا أنتهىَ ربيعَ أردا. وتحطم مسكن الڤالار على ألمارين تماماً، ولم يكَنَ لديهم مسكنٌ على وجهِ الأرض. لذلك ارتحلوا مِنْ الأرض الوسطى وذَهبَوا إلى أرضِ أمان، والتي تقع في أقاصي غرب الأرض على حدودِ العالمِ, وتطل شواطئها الغربية على البحر الخارجي الذي يسميه الجان إكايا وهو يُطوّقُ مملكةَ أردا. ولا أحد يَعْرفُ إلا الڤالار كم هو عرض ذلك البحرِ الذي تقع خلفَهُ أسوار الليل. لكن الشواطئ الشرقية لأرض أمان كَانتْ هي النهايةَ القصوى لبحر بيليغار, وهو البحر العظيم الذي يقع غرب الأرض الوسطى. ومنذ أن عاد ميلكور إلى الأرض الوسطى لم يكن بالإمكان التغلب عليه. لذلك حَصّنَ الڤالار مسكنهم الجديد، فرفعوا على شواطئِ البحرِ جبال بيلوري، وهي جبال أرض أمان، وكانت أعلى من كل الأرض. وفي أعلى قمم جبال بيلوري وضع مانوي عرشه ‘‘تَني كويتيل‘‘. يسمي الجان ذلك الجبلِ بالجبل المقدّسِ. وأيضاً يسمونه أويولوسي أي البياض الأبدي، وايليرينا أي المتوَّج بالنجوم. وقد أطلقوا عليه الكثير من الأسماء. لكن سيندار تَكلّمَوا عنه فيما بعد في لغتهم وسموه آمون اويولوس. يتمكن مانوي وڤاردا مِنْ قلاعهم على تَني كويتيل من مشاهدة كل الأرض حتى أقاصي الشرق.

أَسّسَ الڤالار مملكتهم وراء أسوار بيلوري، ودعيت تلك المنطقةِ ڤالينور، وكانت هناك بيوتَهم وحدائقهم وأبراجهم. وفي تلك الأرض المحمية جمع الڤالار مخزناً كبيراً للضوء وأجمل الأشياء التي سلمت من التخريب. وصنعوا الكثير من الأشياء النفيسة الجديدة, وأصبحَت ڤالينور أكثر جمالاً حتى مِنْ الأرض الوسطى في ربيع أردا. وكانت مباركة لأن الخالدين سكنوا فيها, فهناك لا يبهت ولا يذبل شيء, ولم توجد أي لطخة على زهرة أو على ورقة شجر في تلك الأرض. ولا أيّ فساد أَو مرض في أيّ كائنٍ حيٍ يعيش هناك, حتى الأحجارِ والمياهِ ذاتهاِ كانت مقدسه.

وعندما أصبحت ڤالينور كاملة الانشاء. بنى الڤالار قصورهم في وسط السهل الواقع خلف الجبال, وأنشأوا مدينتهم ڤالمار, كثيرة الأجراس. يوجد أمام بوابة ڤالمار الغربية تل أخضر اسمه ايزيللوهار، ويسمّى أيضاً كورولايري. وهو التل الذي قدسته ياڤانَا، وجَلستْ هناك لمدة طويلة على العشبِ الأخضرِ وغَنّتْ أغنية للسلطة، واضعةً فيها كل فكرها من الأشياء التي تنمو على الأرض. لكن نايننا تفكر في صمت وتسقي سطح الأرض بدموعها. وفي ذلك الوقّتُ تَجمّعَ الڤالار لسَمْاع أغنيةِ ياڤانَا، وجَلسوا صامتين على عروشِهم في المجلسِ, في مهاناكسار, دائرة الحساب. بالقرب من الأبواب الذهبية لڤالمار وغنت ياڤانَا, كيمينتاري أمامهم وكان الجميع يراقبها.

وبينما كانوا يراقبون ياڤانَا ظهر من خلال التل نبتين رشيقتين, وساد في تلك الساعة صمت على كُلّ العالم, ولم يكن هناك أيّ صوت إلا ترانيم ياڤانَا. وتحت أغنيتها نَمتْ الشتلات وأصبحتْ جميلة وممشوقة, ثم أزهرت هذه الشتلات, فولد نوعين مِنْ الأشجار في ڤالينور. ومن بين كل الأشياء التي عملتها ياڤانَا كان لهذين النوعين الشهرة الأكثر. ونُسجت حول مصيرهم كل حكايات الأيام القديمة.

الشجرة الأولى كانت أوراقها خضراء داكنة ومن الأسفل كانت مشرقةً كالفضة. ولها عدد لا يحصى من الأزهار, وكان ندى الضوء الفضي يسقط منهما دائماً. ورُقطت الأرض من تحتهم بظل رفرفة الأوراق. أما أوراق الشجرة الثانية فكانت بلونٍ أخضرَ فتي مثل لون خشب الزان الجديد بأول تبرعمه, وكان لها حواف ذهبية متلألئة. تتأرجح أزهارها على الفروعِ لكأنها عناقيدٌ من لهبٍ أصفر. يُشكل تجمع هذه العناقيد بوقاً ملتهباً يسكب على الأرض ندى ذهبي. ظهر مِنْ زهرةِ تلك الشجرةِ دفءٌ وضوءٌ عظيمين. دعي نوع الشجرة الأولى في ڤالينور, تيلبيريون (وتعني الشجرة البيضاء) وسيلبيون (وتعني ذات الضوء الفضي)، وناينكويلوتي (الشجرة البيضاء) والكثير من الأسماء الاخرى. والنوع الثاني كان اسمه لاوريلين ( وتعني الشجرة الذهبية) ومالينالدا وكولوراين. والكثير من الأسماء الأخرى التي قيلت عنهما بالأغنيات والأناشيد فيما بعد.

خلال سبع ساعاتٍ فقط, أصبحَ مجدَ كُلّ شجرة إلى أكبر حجم, ومن ثم تضاءل ثانيةً إلى لا شيء, وكان كل واحد منهما يستيقظ ويعود إلى الحياة من جديد قبل ساعة من توقف الآخر عن الإشراق. هكذا كان في ڤالينور مرّتين في كُلّ يوم تأتي ساعة لطيفة مِنْ الضوءِ الناعم عندما تكون أضواء كلتا الشجرتين خافته, فتختلط أشعّتَهما الفضّيةَ والذهبية. كان تيلبيريون كبير الأشجار وجاءَ بالمرتبة الأولى في اكتمال القوام وفي الإزْهار, وفي الساعة الأولى التي يشرق فيها, يبزغ بصيص أبيض في فجر فضي. لم يتكل الڤالار على حكاية الساعات. لكن سموها الساعة الافتتاحية. وابتدأوا منها باحتساب الزمن لهذه المنطقة من ڤالينور. لذا ففي الساعةِ السادسةِ مِنْ اليومِ الأولِ. يتوقف وقت تيلبيريون عن الازهار. (واستمر هذا الحال في كُلّ السنين البهيجة التي أتت بعد ذلك الوقت, وحتى زمن تعتيم ڤالينور). وفي الساعةِ الثانية عشرةِ تزهر لاوريلين. وكان يوم الڤالار في أمان يحتوي على اثنتي عشْرة ساعةَ، وينتهى هذا اليوم عند الاختلاط الثاني للأضواء, وهو الوقت الذي كانت تخبو فيه لاوريلين ويزداد ضوء تيلبيريون. كان الضوء ولمدة طويلة يستمر بالانسكاب مِنْ الأشجار قبل أن يصعد إلى الأعلى ويتبدد في الأجواء أو يسقط إلى الأسفل وتبتلعه الأرض. لذلك قامت ڤاردا بتخزين ندى تيلبيريون والندى الساقط مِنْ لاوريلين في أحواضِ عظيمةِ مثل بحيراتِ مشرقةِ. بحيث أصبحت كل أرض الڤالار بمثابة آبار من الماء والضوء. وهكذا بَدأَت أيامَ النعمة في ڤالينور, وبَدأَ معها أيضاً حسابَ الوقت.

لكن كما سُحبتْ العصور إلى ساعة محددة مِن قِبل إلوڤاتار لمجيئ البكر، كذلك ألقيت الأرض الوسطى في الغسق تحت النجوم التي كانت قد خلقتها ڤاردا في الأزمنة المَنْسيةِ أثناء كدحها في إيا, وسكن ميلكور في الظلامِ وما زالَ يَمْشي غالباً في الخارج بأشكالٍ متعددة من السلطة والخوف, وسيطر على البرد والنار، مِنْ قِمَمِ الجبالِ إلى الأفرانِ العميقةِ التي تقع تحتها, ووكل ما كان قاسياً أو عنيفاً أو قاتلاً في تلك الأيام, فقد أضيف إلى مسؤولياته.

قلما عبر الڤالار ممرات الجبال ليغادروا جمالِ ونعمةِ ڤالينور إلى الأرض الوسطى، لكنهم أعطوا بالمقابل للأرضِ التي تقع خلف بيلوري كل عنايتهم وحبّهم. بنى أوليي القصور في وسطِ هذا العالم المبارك. وعَملَ في ذلك لمدة طويلة, فقد كان له الجزء الرئيسي من كل شيء صنع في تلك الأرض. وعمل هناك الكثير مِنْ الأعمالِ الجميلةِ المتناسقة إن كان في السر أو في العلن. فمنه يأتي العلمَ والمعرفةَ عن الأرض وما تحتويه من أشياء. سواء بالعلوم النظرية أو العلوم الحرفية، كالحياكة وتشكيل الخشب والتعدين والفلاحة والزراعة أيضاً. مع أنه في هذه الأخيرة وكُلّ الأشياء المرتبطة بالنمو والثمر يَجِبُ أَنْ نَنْظرَ أيضاً إلى زوجته ياڤانَا (كيمينتاري).يُعرف أوليي أيضاً كصديقَ نولدور, فمنه تَعلّموا الكثير في الأيام اللاحقة، وهم الأكثر مهارةً بين كل الجان, فقد أضافوا كثيراً إلى تعاليمه في حرفهم الخاصة، طبقاً للملكات التي أعطاهم إياها إلوڤاتار. فكانت بهجتهم باللغات والمخطوطات والأرقام وطرازات جديدة من الرسم والنحت. فكان نولدور هم أول من أنجز عمل المجوهرات. وأنقى وأصفى المجوهرات على الإطلاق كانت السيلماريلس التي ضاعت فيما بعد.

لكن مانوي سوليمو، الأعلى والأقدس بين الڤالار، الجالس على حدودِ أرض أمان، لم يغفل بفكره عن الأراضي الخارجية[41]. لأنه وضع عرشِه الفخم على ذروةِ تَني كويتيل الجبل الأعلى في العالم والواقف على حافة البحرِ. وعنده الأرواح التي تشكلت وتجسدت بأشكالٍ كالصقور والنسور تطير من وإلى قلاعه,  عيونها ترى ما في أعماقِ البحارِ والكهوفَ المخفيةَ تحت العالمَ. فيأتونه بالأخبار كلما اقتربوا من أردا. رغم كل ذلك فقد أخفيت بَعْض الأشياء حتى عن عيونِ مانوي وخدمه. وتلك الأشياء كانت حيث يجلس ميلكور في ظلامة طارحاً ظلال فكره المنيعة.

لم يكن مانوييفكر بالفخر, أو الحسد والغيرة على سلطته, لكنه كان يقود الجميع إلى السلام. كان يحب الڤانيار[42]أكثر من بقية الجان الآخرين ومنه أخذوا الأناشيد والشعر, فالشعر هو بهجة مانوي, وأغنياته الكلماتِ, لباسه أزرق, والنار التي تخرج من عيونه زرقاء أيضاً, وصولجانه من الياقوت الذي صنعه له نولدور. وهو معين لكي يكون نائب إلوڤاتار ووكيله وملكعالمِالڤالاروالجانوالبشر. وهو الحماية الرئيسيةضدّشرِّميلكور. ومَعمانوي كانت تسكن ڤاردا الأكثر جمالاً، وهي المسماة في لغة سيندارين ايلبيرت، ملكة الڤالار صانعة النجومِ, ومعهما في ذلك النعيم مجموعة كبيرة من الأرواح.

أولمو هو الوحيد الذي لم يسكن في ڤالينور، ولا يذهب إلى ڤالينور أبداً مالم تكن هناك حاجةَ لوجوده في المجلس العظيم, فقد سَكنَ مِنْذ البِداية في البحر المحيطِ لأردا، ومازالَ يَسْكنُ هناك. ومن هناك يَحْكمُ تَدَفُّق المياه، والمد والجزر، والأنهارِ وروافد الينابيع، وقطرات الندى والمطر في كُلّ أرض تحت السماء. وفي الأماكن العميقة يعطي موسيقى عظيمة وفظيعة. يمر صدى تلك الموسيقى عبر عروق العالمِ في الحُزنِ والبهجةِ, يبتهج في الينابيع التي تَرتفعُ في الشمسِ. تروي ينابيعه آبار الحُزنِ العميق في أساساتِ الأرض. تَعلّمَت منه تيليري[43] مُعظم العلوم, ولهذا السبب فإن موسيقاهم لَها مفهومي الحزن والسحر. جاءَ مَعه إلى أردا سالمار[44]، وهو الذي صنع له الأبواق التي لا يمكن أن يُنسى صوتها لدى سماعها لمرة واحده, ويتبعه أيضاً أوسي وأوينين. وهما اللذان أعطاهما أولمو حكم الأمواج وحركاتِ البحارِ الداخليةِ، وتساعده في ذلك الكثير مِنْ الأرواحِ الأخرى. فكل ما سبق يدخل ضمن سلطات أولمو. بالإضافة إلى أنه حتى في الظلام, يكون متعقباً لظل حياة ميلكور حتى في العروق السرية للأرض. ولهذا السبب فالأرض لَمْ تَمُتْ. وكل الذين سقطوا في الظلمة أَو تَجوّلوا بعيداً عن ضوءِ الڤالار، كانت آذان أولمو مفتوحة لهم باستمرار, ولم يترك الأرض الوسطى أبداً, ومنذ أن حلَّ الدمار والخراب والتغيير فلم يتوقف عن التفكير بها مطلقاً, ولن يتوقف حتى نهاية الزمان.

في ذلك الوقتِ المُظلم كانت ياڤانَا أيضاً غير راغبَة تماماً في تَرْك الأراضي الخارجيةِ, فكُلّ الأشياء النامية كانت عزيزة عليها, وقد حزنت وتأثرت للأعمالِ التي بَدأتْ في الأرض الوسطى. لكن ميلكور كَانَ مُفسَد لها. لذلك تْركت بيتَ أوليي, ورحيق الأزهار في ڤالينور, فيجب أن تعود لشفاء أذى ميلكور, وبعودتها ستحث الڤالار على الحرب للتخلص من سيطرة الشر على الأرض, والتي يجب أن يشنوها قبل أن تجلب الموت للبكر.

أما أورومي قاهر ومروض الوحوشِ فسيَرْكبُ لفترة إلى الغاباتِ المظلمة, وهو الصيّاد الجبار, فقد جاء بالرمح والقوس لقتل الوحوش والمخلوقات العنيفة من مملكة ميلكور. وقد أشرقَ حصانَه الأبيض ناهار مثل الفضةِ في الظّلال وارتعدت الأرض النائمة من وقع حوافره الذهبية. وفي غسق العالم نادى أورومي عبر بوقه العظيم (ڤالاروما) على سهولِ أردا وردّدتْ الجبال صدى صوته، فهربت ظلال الشرِّ بعيداً. حتى ميلكور نفسه ارتجف في أوتومنو. لأن أورومي هو نذير الغضبَ القادم. لكن ما إن يرجع حتى يتجمع خدم ميلكور وتمتلئ الأرض بالظل والخداع مجدداً.

كل ما ذكر سابقاً بخصوص أسلوب الأرض وحكمها في بِداية الأيامِ, وقبل أن يصبح العالم كما يعرفه أبناء إلوڤاتار. فالجان والبشر هم أبناء إلوڤاتار. ونظراً لأن آينور لم يفَهموا تماماً ذلك الموضوعِ الذي دخل فيه الأبناء إلى الموسيقى، فلم يتجاسر أحدٌ منهم على إضافة أيّ شيء إلى صيغة أبناء إلوڤاتار. ولذلك فالڤالار أقرباؤهم, أو بالأحرى فإن الڤالار هم أقرباؤهم الأكبر سنّاً وهم الزعماء والسادة. حرص آينور في تعاملاتهم مع الجان والبشر على الإجبار إذا لم تكن الهداية ممكنة. ونادراً ما اتجه هذا الإجبار إلى نتيجة جيده، مهما كانت نوايا آينور في ذلك الأمر طيبة. وكانت تعاملات آينور في معظمها مع الجان. لأن إلوڤاتار جَعلَ الجان مثل آينور في الطبيعةِ, لكنهم أقل في المنزلة والقدرة. بينما أعطى للبشر هدايا غريبةَ.

لم يكن بعد رحيل الڤالار من الأرض الوسطى إلا الصمت. ولمدة عصر من الزمان جلس إلوڤاتار مفكراً لوحده ثمّ تَكلّمَ قائلاً: انظروا! إني أحب الأرض التي سَتَكُونُ قصر كويندي وأتتّاني, لكن كويندي سَيَكُونُ الأجمل مِنْ بين كُلّ المخلوقات الدنيوية، وهم سيحبلون ويلدون أبناءً أجمل من كل أولادي, ولهم سيكون النعيم الأكبر في هذا العالم. لكني سأعطي أتتّاني هدية جديدة. لقد أراد بتلك الهدية أن تسعى قلوب البشر إلى ما وراء العالم وينبغي أن لا يجدوا أي راحة فيه, لكنْ ينبغي أَنْ تكونَ لديهم فضيلة تشكيل حياتهم وسط سلطات ومصادفات العالم, خارج إطار موسيقى آينور التي هي مصير لكل شيء آخر, ومن جرّاء عمليتهم هذه فكل شيء في العالم ينبغي أن يكون تاماً في شكلِ والفعل, حتى ينجز العالمُ إلى آخر وأصغر الأشياء.

يعرف إلوڤاتار بأنّ وضع البشر وسط اضطراب سلطات العالمِ، سيجعلهم في أغلب الأحيان تائهين، ولن يَستعملَوا مواهبهم بتوافق, فقالَ أيضاً: في وقتِهم سنجد بأن كل ما يفعلوه سيساهم في النهاية فقط في تمجيد أعمالي. رغم ذلك يعتقد الجان بأنّ البشر سيجلبون في أغلب الأحيان الحزن والكآبة إلى مانوي الذي يَعْرفُ معظم أفكار إلوڤاتار, لذلك قد يبدو البشر بالنسبة للجان أشبه بميلكور أكثر من آينور الآخرين, على الرغم من أنه يكرهم ويخاف منهم، حتى أولئك الذين كانوا في خدمته.

ومع هذه الهديةِ الوحيدة مِنْ الحرية فإن حياة أبناء البشر ستكون قصيرة في هذا العالم, وغير مقيدة فيه. فهم يغادرونه في وقت قصير إلى أماكن لا يعلمها الجان. بينما الجان باقون حتى نهايةِ الأيامِ، لذلك فحبّهم للأرضِ ولكُلّ العالم أكثرُ تفرداً وأكثرُ تأثيرا. وبينما تطول السَنَوات حزينةَ. فليس للجان موت حتى تموت أرضية العالم مالم يُقتلوا أو يتبددوا من الحزن. (بكلتا الحالتين فقط تكون طريقة موتهم ). ولا تضعف قوتهم مع تقدمهم بالعمر. ما لم يرهق الواحد منهم قد يبقى لعشرة آلاف قرن, يتم تجميع الموتى منهم في قاعات ماندوز في ڤالينور، ويجوز أن يعودوا إلى الحياة بمرور الوقت. لكن أبناء البشر يَمُوتونَ. ويَتْركونَ العالمَ, ولهذا السبب يدعونهم الضيوفَ، أَو الغرباء, والموت هو المصير المقدّر عليهم من إلوڤاتار كهدية. وفي وقت ارتداءهم للموت حتى أن كل القوى سوف تحْسدُهم عليه. ألقى ميلكور ظلاله فوق الموت, فأربكه بظلمته وأخرج الشرّ من الخير والخوف من الأمل. (وهكذا كان الموت يعني الخير والأمل قبل أن يلقي ميلكور عليه ظلاله فحوله إلى الشرٍّ والخوف). ومنذ القدم كان قد أعلن الڤالار للجان في ڤالينور بأن البشر سينضموا إلى موسيقى آينور الثانية. في حين أن إلوڤاتار لم يكشف للڤالار عن أهدافه المتعلقة بالجان بعد نهايةِ العالمَ، ولم يكتشف ميلكور ذلك أيضاً.

الشكل (1) . مصور أردا. الأرض الوسطى وأرض أمان. وتظهر فيها نومينور أيضاً, ومصابيح الڤالار وأشجار ڤالينور.             الفصلالثاني أوليي و ياڤانَا


          هي حكاية تخبرنا عن بداية الأقزام الذين خَلقهم أوليي في ظلامِ الأرض الوسطى, لذا نقول: كثيراً ما رغب أوليي بمجيئ الأبناء، لكي يعلمهم ويدرسهم علمَه وحِرَفَته، فلقد نفذ صبره من انتظار إنجازِ تصاميمِ إلوڤاتار التي ماتزال في طور الخلق, لذلك فإن أشكال الأبناء التي أتت إلى فكرهِ كانت غير واضحة. وبسبب سيطرة قوَّةَ ميلكور على الأرض في ذلك الوقت, فقد قادته أفكاره إلى أنّ تصميمهم يَجِبُ أَنْ يَكُون قوياً وعنيداً. لكنه خافَ بأنّ يلومه الڤالار الآخرين في عمله هذا, لذلك أنجز عمله بالسرّ, وخلق أولاً آباء الأقزام وعددهم سبعة. وذلك في قاعةٍ تحت الجبال في الأرض الوسطى.

أنهى أوليي العمل وأكمله وكان مسرورا وبدأ بإعطاء الأوامر للأقزام في اللغة التي اخترعها لهم. علم إلوڤاتار بأمرهم في اللحظة التي تم فيها اكتمال إنجازهم. فتكلم مع أوليي الذي بقي صامتاً, وقال له صوت إلوڤاتار: لماذا فعلت هذا؟. لماذا تحاول معرفة الأشياء التي تقع خارج سلطتك ونفوذك ؟. لأني منحتك موهبة الخلق لكن فيما يخصك فقط لا أكثر من ذلك. وبالتالي فإن مخلوقات يديك وعقلك يمكن أن تعيش فيها فقط. تحركهم عندما تنوي تَحريكهم. وإذا كان تفكيرك في مكان آخر فهل يبقوا خاملين. هل تلك هي رغبتك؟

فأجاب أوليي: أنا لَمْ أَرْغبْ في مثل هذه السيادةِ. بل رَغبتُ بأشياءَ أخرى. لكي أحبهم وأعلمهم, وربما لكي يدركوا جمال إيا أيضاً. الذي أنت هو علة وجودة. وقد بدا لي بأنّ هناك في أردا غرفة كبيرة تتسع للكثيرِ من الأشياء التي قَدْ تَبتهجُ فيها، على الرغم من أن الجزء الأكبر منها مازال فارغاً وصامتاً. وبنفادِ صبري سَقطتُ إلى الحماقةِ, رغم ذلك فلم يكن عمل أيَّ شيء في قلبِي وفي فكري إلا بواسطتك. فالطفل قليل الفهم صنع لعبة من أعمال أبيه, وهو قَدْ يعْملُ ذلك بسخريةٍ وبدون تفكير. لأنه ابن أبيه. لكن ماذا سأفعل الآن لكي ترضى عني ولن تكون غاضباً عليَّ إلى الأبد ؟. وكطفل إلى أبيه أقدم لك هذه الأشياء, عمل يدي التي صنعتها أنت, فافعل بهم ما تريد. لكن ألا ينبغي لي أن أُحطّمُ أنا عملي الذي افترضته ؟.

رفع أوليي مطرقة عظيمة لضَرْب الأقزامِ وكان يبكي, لكن إلوڤاتار كان يمتلك شفقة على أوليي ورغباته بسبب تواضعِه. انكمش الأقزام مِنْ المطرقة وتلبسهم الخوف، وأحنوا رؤوسَهم وطلبوا الرحمةً. فقال صوت إلوڤاتار إلى أوليي: قبلت العرض حتى كما هو معمول, هيه أنت ,ألا تَرى بِأَنَّ هذه الأشياء لَها الآن حياتها الخاصة ويتكلمون بلغتهم الخاصة؟ وإلا لما كانوا خائفين من ضربهم, ولا ينفذون أوامرك. فأنزل أوليي مطرقتُه وكَانَ مسرورا، وقدم شكراً إلى إلوڤاتار قائلاً: فلتباركَن يا ‘‘إيرو‘‘عملي وتصلحه.

تكلم إلوڤاتارثانية وقال: كما وهبت الوجود لأفكار آينور في بداية العالم,كذلك الآن أعطيهم موقعاً فيه بناء على رغبتك،لكن بأي وسيلة أخرى قد أعدل عمل يديك هذا, وكما عملته أنت كذلك سيكون, لكني سوف لن أقبل بأن يأتي هذا التصميم قبل مجيء ابني البكر. فلا يجب أن يكافأ نفاذ الصبر, لذلك فهم سينامون الآن في الظلام تحت الحجارة ولن يظهروا حتى يظهر البكر على الأرض, وإلى ذلك الوقت, أنت وهم ستنتظرون وعلى ما يبدو لمدة طويلة, لكن عندما يأتي الوقتَ فأنا سَأَوقظهم، وهم سَيَكُونونَ إليك كالأبناء, وفي أغلب الأحيان سَيَظْهرُ نزاعبين ما هو لك وما هو لي, أي بين أبنائي بالتبني وأبنائي الحقيقيين.

ثمّ أَخذَ أوليي آباء الأقزام السبعة، ووَضعَهم ليرتاحوا في الأماكن المنفصلة البعيد. وعادَ إلى ڤالينور، وانتظر مرور السنوات الطويلة.

وكما قلنا بأَنْ الأقزام خلقوا في أيامِ سلطة ميلكور، فقد خلقهم أوليي متمتعين بالقوة, لذا فهم كالحجارة بالشدة والعناد, سريعين إلى الصداقة والعداوة, يتحملون التعب الشديد والجوع وأذى الجسم بقساوة أكثر من بقية الناس الناطقين, ويَعِيشونَ لمدة طويلة، أكثر كثيراً من حياة البشر، لكنهم غير خالدين. في البداية يكون الأقزام كما الجان في الأرض الوسطى لكن عند موتهم يعودون إلى الأرض والحجارة التي منها خُلقوا, فوق ذلك فلا يوجد لديهم معتقدات, لأنهم يقولون بأن أوليي هو الخالق ويسمونه ماهال، أي الذي يعتني بهم. ويجمعهم إلى ماندوز في قاعات خاصة بهم, وبأنّ إلوڤاتار أعلنَ إلى آبائِهم في القدم بأنه سيقدسهم, وأعطاهم موقع بين الأبناء في النهاية. ثمّ إن حصتهم ستكون في خدمة أوليي ومُسَاعَدَته في إعادة صياغة أردا بعد المعركةِ الأخيرةِ. ويعتقدون أيضاً بعودةالآباء السبعة للأقزام للعيش ثانية بقبائلهم الخاصة, حاملين مرة أخرى أسماءهم القديمة, ومنهم دورين الأكثر شهرة في العصور. فهو أبو العشيرة وكانت لدية صداقة ووُدْ مع الجان, وهو الذي كانت له القصور في خازاد دوم[45].

عندما صنع أوليي الأقزامِ كان قد أخفى ذلك العمل عن الڤالار الآخرينِ, لكنه أخيراً فَتحَ قلبه إلى ياڤانَا وأخبرَها بكُلّ ما حصل. فقالت له ياڤانَا: إيرو رحيم, وإنني أَرى بأنّ قلبَه ربما قد يبتهج طالما أن الأمر قد أنجز, لذلك فقد يستلمها منك ليس فقط كمغفرة وإنما كثمرة. رغم ذلك ولأنك أخفيت عني هذه الفكرة حتى أكملت انجازها. فإن أبناءك سيكون لديهم القليل من المودة للأشياء المحبوبة لدي. وهُمْ سيحبون أولاً الأشياء التي صنعوها بأيديهم, مثلهم في ذلك مثل أبيهم. وسيحفرون في الأرض, ولن يهتموا بالأشياء التي تنمو وتعيش عليها, وستشعر أشجارٌ كثيرةٌ بضربات فؤوسهم بدون شفقة.

لكن أوليي أجابها: ذلك قد يكون واقع أبناء إلوڤاتار أيضاً في مأكلهم وأبنيتهم, على الرغم من أن الأشياء في مملكتك لها قيمة بحد ذاتها. فكيف ستكون قيمتها إذا لم يأتِ إليها الأبناء؟ لأن إيرو سَيَعطيهم السيادةَ، ويجوز لهم استخدام كل ما يجدوه في أردا, بدون أي احترام أو امتنان. وإن لم يكن هذا من أهداف إيرو.

لم تكن ياڤانَا راضية تماماً وقالت: ما لم يُظلم ميلكور قلوبهم، لكن الحزن في القلب، والخوف مما قد يحصل على الأرض الوسطى في الأيام القادمة. لذلك فعندما ذَهبتْ ووقفت أمام مانوي لم تفشي سِرَّ أوليي، لَكنَّها قالتْ: يا ملك أردا, هل صحيح ما قاله لي أوليي بأنّه عندما يأتي الأبناء سَتكونُ لديهم سيادةُ على كُلّ الأشياء التي عملتها أنا. ليفعلوا فيها ما يريدون؟.

فقالَ مانوي: نعم هو كذلك, لكن لماذا تسألين, فهل استغنيت عن تعاليم أوليي ولم تعودي بحاجة لها ؟.

صمتت ياڤانَا وفكرت قليلاً ثم أجابتْ: لأن قلبي ملتهب وقلقة من التفكير بالأيام القادمة. فكُلّ أعمالي غالية عليَّ. ألا يكفيني بأن ميلكور أفسد الكثير منها ؟ أيضاً فوق ذلك لن يكون لي أي اختراع خالٍ من سيطرة الآخرين عليه ؟.

فقال لها مانوي: وإذا كان هذا ما سيحصل لهم فما هو تحفظك ؟ ومِن كُل عالمك مَنْ هو الأغلى على قلبك ؟

فقالَت ياڤانَا: كل واحد منهم له قيمته الخاصة وكُلّ واحد يُساهمُ بقيمة الآخرين. لكن كيلفار[46]يُمْكِنُ أَنْ يَهْربَ منهم أَو يُدافعَ عن نفسه، بينما أولفار[47]الذي يَنْمو لا يَستطيعُ. لكني أَقدر الأشجار كثيراً فهي عزيزة عليَّ، لأنها تأخذ وقتاً طويلاً في النمو لكنها بالمقابل تسقط سريعاً. غير ذلك أيضاً فإن الأشجار دائماً تدفع ضريبة من ثمارها, فعند مغادرة الثمرة يكون هناك حزن قليل من قبل الغصن على هذه الثمار. لذلك أرى بأنه يجب أن يكون هناك أشجار تتكلم وتتحرك, وبالتالي فإنها قد تدافع عن كل الأشياء التي لها جذور وتعاقب المخطئين بحقهم.

قال مانوي: هذه فكرة غريبة !

فقالَت ياڤانَا: على الرغم من أن هذه الفكرة كَانَت موجودةً بالأغنيةِ عندما كنت أنت وأولمو تبنيان الغيوم في السماوات, عندما سكبت الغيوم أمطارها, ورفعت أنا فروع الأشجار العظيمة لاستقبال المطر, فقامت بعض هذه الأشجار بالترنيم لإلوڤاتار وسط الريحِ والمطرِ.

جَلسَ مانوي صامتُاً، ودخلت تلك الفكرة التي قالتها ياڤانَا إلى قلبِه وانكشفت له وكأنها لمحة من إلوڤاتار. ثمّ بَدا إلى مانوي وكأن الأغنية أشرقت من جديد حوله فاحترم أشياء كثيرة من الأشياء التي سمع عنها من ياڤانَا, مع أنه من قبل لم يكن يعيرهم أي اهتمام. وأخيراً تجددت الرؤية، لأن مانوي لم يعد بعيداً الآن كما كان سابقاً عندما ظهرت لهم الرؤية أول مرة وهم في الفراغ, بل أصبح مانوي نفسه داخل الرؤية، ورَأى بأنّ كُلّ ذلك قد أُيدته يَدِّ إلوڤاتار, وهذه اليَدّ دخلت إلى الرؤية من جديد، وأخرجت منها الكثير مِنْ العجائبِ التي كَانَت مخفيةً عن قلوبِ آينور.

ثمّ نهض مانوي ونزل إلى ياڤانَا على ايزيللوهار، وجَلسَ بجانبها تحت الشجرتين. وقالَ: يا كيمينتاري, قد تَكلّمَ إيرو قائلاً: هل يظن أحد من الڤالار بعد ذلك بأني لم أسمع كل الأغنية, حتى آخر صوت من أصغر صوت فيها ؟ انظر فعندما ينهض الأبناء سوف يصحو فكر ياڤانَا أيضاً وسَتستدعى الأرواحَ مِنْ بعيد، وستذهب هذه الأرواح بين كيلفار وأولفار، وبعض هذه الأرواح سَيَسْكن في كيلفار أو أولفار، ويحمله بالخشوع، وسيخشى فقط من غضبهم, ووقت استدعائهم سيكون في تلك الفترة التي يكون البكر فيها مايزال في عزِّ قوته، والثاني ما يزال شاباً. هل تعلمي بأنهم لا يتذكرون الآن يا كيمينتاري وبأن فكرك لم يُغَني لوحده دائماً ؟ لم لا يلتقي فكرك مع فكري أيضاً ؟ حتى يتسنى لنا أخذ أجنحة مثل الطيور الكبيرة التي تحلِّقُ فوق الغيوم ؟ وهذه أيضاً ستأتي لتكون موجودة ولتقف بجانبهم بعناية من إلوڤاتار, وقبل أن ينهض الأبناء سيخرجون بأجنحة مثل الريح, إنها نسور سادات الغرب.

بعدها نهضت ياڤانَا مسرورَة، ومدت ذراعيها نحو السماواتِ، وقالَت: عالياً سترتفعون يا أشجارُ كيمينتاري، وتكونون مأوى لنسور الملك.

نهض مانوي وبَدا عالياً جداً ونَزلَ صوتَه إلى ياڤانَا وكأنه يأتي مِنْ ممرات الرياحِ وقال: كلا فقط أشجار أوليي ستكون عاليةً بما فيه الكفاية لتكون مسكناً للنسور, وسيكون مأوى النسور في الجبال. لتسْمع أصواتَ الذين يَدْعونَنا. لكن في الغاباتِ سَتَمشّي رعاة الأشجار[48].

ثمّ افترق مانوي و ياڤانَا في ذلك الوقتِ، وعادَت ياڤانَا إلى أوليي, ووجدته في ورشته يصب معدناً منصهراً في قالب فقالت: إيرو ذو فضل عظيم. حذّر أبناءك بأنهم قد يكونوا في خطر! فهنالك في الغابات ستمشي قوة ومن يغضبها سيكون في خطر.

فقالَ لها أوليي: مع كل ذلك فستكون لديهم حاجةَ للأخشابِ، واستمر بعمله في التعدين.

 

ytgTY الفصل الثالث مجيئ الجان وأسر ميلكور


          سكن الڤالار لعصورٍ طويلةٍ في الأرض الواقعةِ وراءَ جبالِ أمان متمتعين بنعمةِ الضوءِ الآتي من الأشجار. أمّا الأرض الوسطى فقد كانتْ مدفونة في الغسق تحت النجومِ. وفي السابق عندما أشرقتْ مصابيح الڤالار على الأرض الوسطى فقد ابتدأ النمو هناك. لكنه أصبح مقيداً الآن بسبب عودة الظلام مجدداً. وبالتالي فإن أقدم الكائنات الحيّةَ كانت قد نشأت. ففي البحار نشأت الحشائش الكبيرة. وعلى الأرض نشأت الأشجار الكبيرة, أما في وديان التلال المكسّوة بالعتمة فقد وجدت هناك مخلوقات مُظلمة قديمةَ وقويةَ. نادراً ما ذهب الڤالار إلى تلك الأراضي والغابات، إلا ياڤانَا وأورومي. مشت ياڤانَا هناك في الظّلال حزينة لأن النمو ووعدَ ربيعِ أردا كانا متوقفان. فأسدلت ستار النوم على الكثير مِنْ الأشياء التي ظَهرتْ في الربيع لكي لا يكبروا ويتلاشوا. فعلى هذه الأشياء انتظار زمن اليقظة الذي سيأتي فيما بعد.

في الشمال شرٌّ لا ينام. فقد بَنى ميلكور قوّتَه وكان يراقبَ ويعَملَ, والأشياء الشريّرة التي أفسدَها سارت في كافة الأنحاء. أصبحت العتمة والغابات النائمة ملعباً للوحوشِ وأشكالِ الفزعِ. جَمعَ ميلكور في معقله أوتومنو كل شياطينه حوله، وهي تلك الأرواحِ التي تبعته بدايةً منذ أيام عظمتِه. وأصبحَت غالبية تلك الأرواح مثله في الفسادِ. منهم من كان قلبه مِنْ النارِ المخفية تحت رداءه المظلم، وسياط اللهب بيديه تثير الرعب أمامه, وهو الذي دعي في الأرض الوسطى فيما بعد باسم بالروغز[49]. ربى ميلكور أيضاً الكثير مِنْ الوحوشِ الأخرى في ذلك الوقتِ المُظلمِ. وكانت متعددة الأشكالِ والأنواعِ, وهي التي أزعجت العالمِ كثيراً, وأصبحت مملكته ممتدةً إلى جنوبي الأرض الوسطى.

بنى ميلكور أيضاً قلعة ومستودع أسلحة غير بعيدَين عنْ الشواطئِ الشمالية الغربيةِ للبحرِ، لصدِّ أيّ هجومٍ قَدْ يأتيه مِنْ أمان. وكان قائد تلك القلعة مُساعد ميلكور الذي هو من الميّار واسمه ساورون, واسم تلك القلعة أنغباند.

عقد الڤالار مجلساً لأنهم كانوا قلقين من الأخبار التي جلبها لهم مِنْ الأراضي الخارجيةِ كلٌ من ياڤانَا وأورومي. تكلمت ياڤانَا أمام الڤالار قائلةً: يا عظماء أردا, لقد كانت رؤية إلوڤاتار قصيرةً وسرعان ما اختفت، فلم نَستطعُ التخمين. هل ستتحقق ضمن هذا الوقت الضيّق من هذه الأيام ؟ أم أن ساعتها لم تحن بعد ؟ لكننا متأكدون بأن الساعة تقترب, وضمن هذا العصر سوف يتحقق أملنا باستيقاظ الأبناء, وبعدها هل سنترك لهم الأرض مسكناً موحشاً مليئاً بالشرِّ؟ وهل يجوز أن نتركهم يَمْشونَ في الظلامِ بينما نحن نمتلك الضوء؟ وهل سنتركهم لينادوا ميلكور بالسيد, بينما يجلس مانوي هنا على تَني كويتيل؟.

صاح تولكاس: كلا! دعونا نَشْنُّ حرباً خاطفةً!. ألم نسترح من الصراع لمدة طويلة أكثر من اللازم ؟ أليست قوّتنا متجددة الآن؟. هَلْ سيبقى واحد لوحده ينازلنا جميعاً إلى الأبد.

وبدعوة من مانوي تكلم ماندوز فقال: في هذا الزمن فعلاً سيأتي أبناء إلوڤاتار، لَكنَّهم لم يأتوا بعد. علاوة على ذلك فإنه من العذاب أن يكون قدوم البكر في ظلام الأرض، لذلك علينا أن ننظر أولاً إلى النجومِ التي يجب أن يكون ضوؤها عظيم بلا خفوت. وفي مثل هذه الحاجات سننادي دائماً إلى ڤاردا.

خرجت ڤاردا مِنْ المجلسِ ونظرت من أعالي تَني كويتيل, فرأت الأرض الوسطى مظلمةً تحت النجومِ الخافتة البعيدة. عندها بَدأتْ بالعمل العظيم والذي يعتبر من أعظم أعمال الڤالار منذ مجيئهم إلى أردا. فأخذت ندى الفضة مِنْ أحواضِ تيلبيريون، وصنعت منه نجومَاً جديدةَ ساطعة أكثر من القديمة استعداداً لمجيء البكر. ولهذا السبب أُطلق على ڤاردا اسماً يعبر عن أعماق الزمن والكدح في إيا. فكان اسمها تينتالي, أي المشعل. وسميت بعد ذلك من قبل الجان ايلينتاري, أي ملكة النجومِ. جمعت ڤاردا النجوم التي عملتها في ذلك الوقتِ وهي: كارنيل, لوينيل، نينار, لومبار, الكارينكوي, ايليميري، مع نجومٍ أخرى كانت قد صنعتها منذ القدم وهي: ويلوارين, تيلومنديل, سورونمي, أناريما, منيلمكار, ووضعتهم كإشارات في سماواتِ أردا. مشكِّلةً الحزام المشرقِ الذي يُنذرُ بحدوث المعركةَ الأخيرةَ التي سَتَكُونُ في نهاية الأيام. وكتحدي لميلكور وضعت في أعالي الشمال إكليل مكون من سبعة نجوم هائلة متأرجحه, اسمها فالاكيركا, أي منجل الڤالار. وهي تشير إلى القدر والحساب.

عندما أنهت ڤاردا عملها الذي استمر لمدة طويلة. سار منيلمكار أولاً عبر السماء وكانت نار الهيلوين الأزرق تومض في السحب فوق حدود العالم. يقال بأنه في تلك الساعة استيقظ الأبناء من الأرض. من بحيرة كويڤيينين المضاءة بالنجوم نهض بكر إلوڤاتار, من ماء اليقظة نهضوا من نوم إلوڤاتار. وأول ما وقعت عليه عيونهم عندما استيقظوا قُرب كويڤيينين كانت نجوم السماء, وكانوا لا يزالوا صامتين في حينها. لذلك أحبوا دائماً ضوء النجوم وبجلوا ڤاردا ايلينتاري فوق كل الڤالار.

أثناء تغييراتِ العالم، لم تبقَ أشكال الأراضي والبحارِ كما هي, لقد كَانتْ مهدمة وبحاجة لأعاده التصنيع, فلا الأنهار احتفظت بمساراتها، ولا الجبال بقيت صامدة بمكانها, حتى كويڤيينين لم تبقى في مكانها. ويُقالُ بين الجان بأنها نُقلت من مكانها وأصبحت في شرقي الأرضِ الوسطى، أما مكانها فأصبح خليج في البحرِ الداخليِ هيلكار. توقف البحر في المنطقة التي كانت فيها جبل إللوين قبل أن يخربه ميلكور بالكثير من المياه التي تدفقت إلى هناك من المرتفعات الشرقية. لذلك كانت أول الأصوات التي سمعها الجان هو صوتَ الماءِ المتدفق الساقط على الحجارة.

سكن الجان لمدة طويلة في بيتهم الأول بجانب الماء وتحت النجوم ومشوا فوق الأرض مندهشين. بدأوا بالكلام واعطاء الأسماء لكل الأشياء التي شاهدوها, فسموا أنفسهم كويندي وهي كلمة تشير إلى الكائنات الناطقة, ولحينها لم يكونوا بعد قد اجتمعوا بأشياء حيَّة أخرى غيرهم تتكلم أو تغني.

ذهب أورومي إلى الشرق بغية الصيد, فاستدار شمالاً بمحاذاة شواطئ هيلكار وعبر من تحت ظلال اوروكارني, وهي الجبال الواقعة في الشرق. فبدأ حصانه ناهار بالصهيل فجأةً وتوقف بلا حراك. جلس أورومي يتساءل بصمت. فبدا إليه وكأنه سمع في هدوء الأرض تحت النجوم أصواتاً كثيرةً تغني من بعيد. نظر أورومي إلى الجان بدهشةٍ, كما لو أنهم كانوا كائنات رائعة غير متوقعة.

هكذا عن طريق الصدفة, اكتشف الڤالار أخيراً وجود أبناء إلوڤاتار الذين انتظروهم طويلاً. وهم سيكونون دائماً مع الڤالار من دون كل العالم. مع ذلك فكل الأشياء مقدرةً أو قد تكون تدبيراً من الموسيقى أو رؤيا وتنبؤات منذ زمن بعيد, وكل تلك التقادير كانت لكي يدخل أولئك فعلاً إلى إيا. فكل شيء سيتحقق في وقته فجأةً كشيء جديد وغير متوقع.

في البداية كان بِكْرُ إلوڤاتار أقوى وأضخم مما أصبح عليه فيما بعد. لكن لم يكن أكثر جمالاً, مع أن جمال كويندي في أيام شبابهم كان يتفوق على جمال كل الأشياء الأخرى التي خلقها إلوڤاتار. صحيح أنهم لا يفنوا ولا يضعفوا لكن حياتهم في الغرب والحزن والحكمة, كلها أشياء أثرت عليهم. أحب أورومي كويندي كثيراً, وسماهم في لغتهم الخاصة إيلدار أي شعب النجوم, لكن هذا الاسم حَملهُ فيما بعد فقط أولئك الذين تبعوه على الطريق نحو الغرب.

رغم ذلك فقد فزع الكثيرون من كويندي جراء مجيء أورومي إليهم, وهذا الفزع كان بسبب أفعال ميلكور, لأنه وبعد المعرفة, فقد تبين للحكيم بأن ميلكور كان دائم الانتباه, وكان من أوائل المدركين لاستيقاظ كويندي, لذلك أرسل الظلال والأرواح الشريرة للتجسس وقطع الطريق عليهم. وحدث قبل مجيء أورومي ببعض سنوات, بأنه إذا ما تاه أحد من الجان أو ضل الطريق أكان لوحده أو ضمن مجموعة. على الأغلب كانوا يختفون نهائياً ولا يعودون أبداً, وكان كويندي يفسر تلك الحوادث, بأن الصياد قد أوقع بهم وكانوا يخافون من ذلك, وفي الحقيقة فإن أقدم أغاني الجان والتي مازال صداها متذكراً في الغرب, تخبر عن أشكالٍ من الظّلال كانت تمشي فوق تلال كويڤيينين. وعن الظلال التي تحجب النجوم فجأةً, أو عن الفارس المظلم الذي يركب على حصانه البري ويلاحق الذين تاهوا منهم لأخذهم وافتراسهم. وبما أن ميلكور يكره أورومي كثيراً ويخاف من ركوبه إلى الأرض الوسطى. فإما أنه أرسل بالفعل خدمه المظلمون كخيالة, أو نشر همسات الكذب في الخارج من أجل تحقيق هدفه الذي يقضي بتحاشي التقاء كويندي مع أورومي.

وهكذا كان عندما صهل ناهار وجاء أورومي بينهم. فقد اختبأ بعض كويندي والبعض الآخر هربوا وضاعوا. وبقي منهم من كانت لدية الشجاعة, والذي أدرك بسرعة بأن الفارس العظيم لم يكن على هيئة من خرج من الظلام, فقد كان ضوء أمان على وجهه. والأكثر نبلاً من بين الجان, هم الذين اتجهوا إليه أولاً.

لكن من تلك الأشياء الحزينة التي ورطهم بها ميلكور, وهي معروفة قليلاً. أن أولئك الذين نزلوا ليعيشوا في حفر أوتومنو, فقد اكتشفوا ظلامية نصائح ميلكور. وهذه الحقيقة التي نقلها حكماء إيريسيا[50], بأن كل الذين وقعوا في أيدي ميلكور, قبل سقوط قلعته أوتومنو, قد وُضعوا بالسجن وقام ميلكور بالتفنن التدريجي في تعذيبهم بوحشية, فأفسدهم واستعبدهم. وبذلك أنشأ ميلكور عرق الأوركس, ذلك النسل القبيح بسبب حسده وسخريته من الجان. والذين أصبحوا فيما بعد من ألد الأعداء. لكن للأوركس حياة وتكاثر على نحو أبناء إلوڤاتار, وحياتهم الخاصة شبه معدومة لأنها لا تحتوي على مظاهر الحياة. يمكن أن يكون هذا أسوأ عمل لميلكور منذ تمرده في آينوليندالي قبل البداية. هكذا يقول الحكيم. وعميقاً في قلوبهم المظلمة احتقر الأوركس السيد وخدموه خوفاً, فهو الصانع الوحيد لبؤسهم. وهذا قد يكون العمل الأكثر حقارة لميلكور والأكثر بغضاً لدى إلوڤاتار.

بقي أورومي لفترة بين كويندي ومن ثم عاد مسرعاً عبر الأراضي والبحار إلى ڤالينور. وجلب الأخبار إلى ڤالمار[51] وأخبر الڤالار عن الظلال التي ضايقت كويڤيينين. ابتهج الڤالار رغم أنهم كانوا في شكٍ وسط بهجتهم, ودار نقاش طويل حول أفضل رأي لصيانة كويندي من ظل ميلكور, لكن أورومي عاد ثانية إلى الأرض الوسطى وأقام مع الجان.

جلس مانوي على تني كويتيل مفكراً لمدة طويلة وطلب استشارة إلوڤاتار, ومن ثم نزل إلى  ڤالمار واستدعى الڤالار إلى دائرة الحساب. وجاء الجميع حتى أولمو جاء من البحر المحيط.

خاطب مانوي الڤالار قائلاً: هذه هي نصيحة إلوڤاتار التي قالها لي. يجب أن نسيطر ثانية على أردا ونحرر كويندي من ظل ميلكور مهما كانت التكلفة. فرح تولكاس بالخبر لكن أوليي كان حزيناً لأنه تنبأً بالأذى الذي سيأتي على العالم جراء ذلك النزاع, لكن الڤالار كانوا جاهزين وخرجوا من أمان في قوة الحرب. حل الهجوم على قلاع ميلكور وتم القضاء عليه. ولم ينسَ ميلكور تلك الحرب أبداً, وهي التي قامت من أجل الجان وكانوا السبب في هزيمته. على الرغم من أنه لم يكن لديهم أي دور في تلك الحرب. وكانت معرفتهم عن زحف قوة الغرب ضد الشمال قليلة في بداية أيامهم.

في بداية الحرب تقابل ميلكور مع الڤالار في المنطقة الشمالية الغربية من الأرض الوسطى. فَعَمَّ الخراب والدمار في كل تلك المنطقة. وكان الانتصار الأول لجيش الغرب خاطفاً. فهرب عبيد ميلكور من أمامهم إلى أوتومنو, ثم مر الڤالار على الأرض الوسطى ووضعوا حراسةً على كويڤيينين. أيضاً لم يعرف كويندي شيء عن هذه المعركة العظيمة لقوى أردا. إلا أنهم أحسوا بالأرض تهتز من تحتهم وشاهدوا المياه تتحرك, ورأوا أضواء هائلة كحرائق النيران في الشمال. ضرب الڤالار حصاراً طويلاً وشديداً على أوتومنو, ووقعت معارك كثيرة أمام بواباتها, ولم يعرف الجان عن هذه المعارك إلا ما انتشر منها كإشاعة بينهم. وفي ذلك الوقت تبدل شكل الأرض الوسطى, فازداد البحر الكبير[52] الذي يفصلها عن أرض أمان وأصبح أكثر عمقاً واتساعاً, فحطم الأرض عند السواحل وصنع خليجاً عميقاً في الجهة الجنوبية, وتشكلت معه الكثير من الخلجان الصغيرة بين هذا الخليج العظيم وهيلكاراكسي[53] الواقع أقصى الشمال في المنطقة التي تقترب فيها الأرض الوسطى من أرض أمان. ومن هذه الخلجان كان خليج بالار هو الخليج الرئيسي, وهو الذي تتدفق إليه مياه نهر سيريون[54] الهائل, قادمة من المرتفعات التي نهضت حديثاً في الشمال والمسماة دورذونيون[55], وأيضاً تدفقت إليه المياه من الجبال التي حول هيثلوم[56]. وفي تلك الأيام خربت كل أراضي الشمال البعيد, لأن أوتومنو كانت محفورة عميقاً هناك. وقد امتلأت حفرها بالنيران وبحشود كبيرة من خدم ميلكور.

وأخيرا كُسرتْ بوابات أوتومنو وأصبحت قاعاتها بلا أَسقف, ووجد ميلكور يلوذ بأعمق الحفر فيها, عندها وقف تولكاس بطل الڤالار فتصارع معه وألقاه أرضاً على وجهه وربطه بسلسلة أنغاينور التي صنعها أوليي وقاده كأسير. بعدها عَمَّ السلام في كل العالم لعصر طويل.

مع هذا فلم يستطع الڤالار اكتشاف كل تلك الأقبية والكهوف القوية, والمخفية بالخداع والحيل, والموجودة تحت قلاع أنغباند وأوتومنو, فما زال الكثير من المخلوقات الشريرة تقيم هناك وآخرون منهم كانوا قد تفرقوا وهربوا في الظلام, ثم تاهوا في أماكن العالم المقفرة, ينتظرون ساعة الشر الأكبر, ولم يتمكن الڤالار من إيجاد ساورون أيضاً.

مع انتهاء المعركة ظهرت من خراب الشمال غيوم عظيمة حجبت ضوء النجوم. أخذ الڤالار ميلكور مقيد اليدين والقدمين ومعصوب العينين. وأحضروه إلى دائرة الحساب في ڤالينور. هنالك رُمي على وجهه أمام أقدام مانوي فالتمس العفو والمغفرة. لكن كل توسلاته رُفضت ودفع إلى السجن في أماكن ماندوز النائية والمعزولة, هنالك حيث لا شيء يستطيع الهرب, لا ڤالا ولا جني ولا حتى بشرٌ فاني. فقد كانت تلك القاعات واسعة وقوية وتقع غرب أرض أمان. هناك كان محكوم على ميلكور بالسجن لثلاثة عصورٍ طويلة قبل أن تعاد محاكمته مرة ثانية, أو قبل أن يحق له طلب العفو مرةً ثانية.

عقد الڤالار مجلساً آخر وكانوا منقسمين في النقاش, فالبعض منهم تمسَّك بوجوب ترك كويندي يعيشون في الأرض الوسطى بحرية, مع مواهبهم من المهارات المختلفة لتنظيم أراضيهم ومعالجة الأذى فيها وإصلاحه, وكان متزعم هذا الطرح أولمو. لكن الجزء الأكبر خاف على كويندي من مخاطر العالم وسط خداع العتمة المضاءة بالنجوم. علاوة على ذلك فقد أحب الڤالار جمال الجان ورغبوا بصحبتهم. فمن أجل كل تلك الأسباب قام الڤالار باستدعاء كويندي إلى ڤالينور لكي يجتمعوا بخشوع السلطات في ضوء الأشجار إلى الأبد. عندها كسر ماندوز صمته قائلاً: هذا الأمر محكوم عليه بالفشل. وفيما بعد جرَّ هذا الاستدعاء الكثير من المشاكل.

كان الجان في بادئ الأمر غير راغبين بتلبية الاستدعاء. لأنهم لم يروا الڤالار إلا في غضبهم عندما دخلوا الحرب. باستثناء أورومي فقط, الذي رأوه قبل الحرب. لذلك كانوا مرعوبين من الڤالار واستدعائهم. أرسل إليهم الڤالار أورومي ثانيةً. فاختار من بينهم سفراء لكي يذهبوا إلى ڤالينور ويتحدثوا نيابةً عن شعوبهم. فكان أولئك السفراء هم إينغوي, فينوي, إيلوي. وهم الذين أصبحوا ملوكاً فيما بعد. ذهب هؤلاء السفراء إلى ڤالينور مليئين بالروع من مجد وعظمة الڤالار. لكنهم أحبوا كثيراً الضوء وروعة الأشجار. بعدها أعادهم أورومي إلى كويڤيينين. وتكلم الملوك مع شعوبهم ونصحوهم باحترام استدعاء الڤالار, للانتقال إلى الغرب.

عندها حصلت الفرقة الأولى بين الجان. لأن عشيرة إينغوي والجزء الأكبر من عشيرتي فِينوي وإيلوي تأثروا بكلمات ساداتهم وكانوا على استعداد للرحيل واللحاق بأورومي. وهؤلاء هم من عرفوا فيما بعد باسم إيلدار, وهو الاسم الذي أعطاه لهم أورومي منذ البداية في لغتهم الخاصة. لكن بالمقابل رفض كثيرون أمر الاستدعاء. فهم يفضلون ضوء النجوم والفضاءات العريضة للأرض الوسطى, على كل تلك الاشاعات التي قيلت عن الأشجار. وهؤلاء عرفوا فيما بعد باسم أڤاري, أي المعارضين. ومع الوقت انفصلت أڤاري عن إيلدار ولن يلتقوا مجدداً حتى تمضي عصورٌ وأزمنةُ كثيرة.

جهزت إيلدار موكباً عظيماً من بيوتهم الأولى في الشرق واصطفوا بثلاثة حشود. فالحشد الأول الذي ذهب كان الأصغر بينهم وسار تحت قيادة إينغوي الملك الأعلى لكل العرق الجني. وإينغوي هذا هو الذي دخل إلى ڤالينور وبقي هناك في كنف السلطات, وكل الجان تبجل اسمه. لكنه لن يعود أبداً إلى الأرض الوسطى. اسم شعبه الڤانيار, أجمل الجان وأصفاهم وهم محبوبون من قبل مانوي وڤاردا, وقلة من البشر استطاعوا التحدث معهم.

بعدهم أتى نولدور, ونولدور من أسماء الحكمة. هم شعبُ فِينوي وهم الجان الغامضون. أصدقاء أوليي, وهم المشهورين بالأغنية. لأنهم قديماً عملوا وناضلوا بشكل مؤلم في الأراضي الشمالية.

آخرهم جاء الحشد الأكبر. يسمون تيليري لتلكؤهم على الطريق, ولم يكونوا مكتملي العقل بعد للعبور من العتمة إلى ضوء ڤالينور. يبتهجون كثيراً بالماء. وفي نهاية المطاف وصلوا إلى الشواطئ الغربية. وكانوا مفتونين بالبحر, ومنهم جان البحر الذي أصبح اسمهم في أرض أمان فيما بعد, ڤالماري. لأنهم صنعوا موسيقى بجانب الأمواج المتكسرة. وبسبب ضخامة أعدادهم فقد كان لهم زعيمان. إيلوي سينغولو(الذي يشير إلى العباءة الرمادية), وأخوه أولوي.

 هذه كانت العشائر الثلاثة من إيلدالي, التي عبرت إلى أقاصي الغرب في أيام الأشجار وكان الجان وقتها يسمون كالاكويندي, أي جان الضوء. أما أولئك الآخرين من إيلدار الذين انطلقوا بالفعل بالمسيرة الغربية لكنهم ضاعوا على الطريق الطويل أو تنحوا جانباً أو بقوا على شواطئ الأرض الوسطى. وغالبيتهم كانوا من عشيرة تيليري كما قيل فيما بعد. فقد سكنوا بجانب البحر أو تجولوا في غابات وجبال العالم, رغم ذلك فإن قلوبهم كانت دائماً متوجهةً إلى الغرب. هذا الجزء من الجان كالاكويندي, يلقبون أومانيار, لأنهم لم يأتوا إلى أرض أمان والمملكة المباركة. لكن أومانيار وأڤاري على حد سواء يدعون موريكويندي. أي جان الظلام. لأنهم لم يروا ضوء الأشجار الذي كان قبل الشمس والقمر.

يقال. عندما غادرت حشود إيلدالي من كويڤيينين, بقيادة أورومي على حصانه الأبيض ناهار ذو النعل الذهبية. وعندما مروا شمالاً حول بحر هيلكار متجهين نحو الغرب. كانت تلك الغيوم السوداء الكبيرة المعلقة فوق أنقاض الحرب في الشمال ما تزال أمامهم. وهي التي حجبت عنهم نجوم تلك المنطقة. لهذا السبب ازداد خوف الكثيرين منهم وندموا على مسيرهم بهذه الرحلة, فعادوا إلى الأرض الوسطى وأصبحوا من الجان المنسيين.

طويلة وبطيئة كانت مسيرة إيلدار إلى الغرب لأن تجمعات الأرض الوسطى كانت كثيرة ومرهقة وبدون ممرات. ولم تكن لدى إيلدار رغبة في التعجيل. بسبب استغراقهم في السؤال عن كل ما كانوا يروه. وأمنياتهم بالسكن بجانب الكثير من الأراضي والأنهار التي صادفوها. فكانوا راغبين في أن يهيموا على وجوههم. بالإضافة إلى خوف الكثيرين منهم أو بالأحرى فقدان الأمل من نهاية الرحلة. فحينما كان يتركهم أورومي لبعض الوقت بسبب اهتماماته الأخرى. كانوا يترددوا في السير إلى الأمام كثيراً. حتى يعود أورومي ثانيةً لتوجيههم. وحدث بعد الكثير من سنوات الترحال بهذه الطريقة أن قادهم الطريق إلى الغابة فجاؤوا إلى النهر العظيم الذي هو أوسع نهرٍ رأوه لحد الآن. وخلفه كانت تقع الجبال التي بدت قممها وكأنها قرونٌ حادةٌ تخترق مملكة النجوم. ويقال أن هذا النهر هو الذي سمي فيما بعد نهر أندوين العظيم, الذي كان فيما مضى يعتبر آخر الحدود الغربية للأرض الوسطى. وتلك الجبال كانت هي هيثايغلير أبراج الضباب الواقعة على حدود إيريادور, وهي الجبال التي رفعها ميلكور لاعاقة ركوب خيل أورومي, على الرغم من أنها كانت في تلك الأيام أكثر طولاً ورهبةً. استقر شعب تيليري لفترة طويلة على الضفة الشرقية للنهر وتمنوا البقاء هناك, بينما عبر شعب ڤانيار ونولدور ممرات الجبال مبتعدين عنهم بقيادة أورومي. وعندما غادر أورومي وابتعد عنهم, نظر تيليري بريبة إلى الظلال الغامضة فخافوا منها.

ظهر من بين المتأخرين على الطريق شخص من جماعة أُولُويْ يدعى لينوي. قاد كثير من الشعب إلى الجنوب نزولاً إلى النهر العظيم متخلياً عن المسير إلى الغرب. ولم يعرف عنهم أقرباؤهم أي شيء فيما بعد حتى انقضت سنوات طويلة, وهؤلاء عرفوا باسم ناندور. وأصبحوا شعبٌ مستقل مختلف عن أقربائه. باستثناء حبهم للماء, وغالبية مساكنهم كانت بجانب الجداول والشلالات. يمتلكون معرفة عالية عن الأحياء والأشجار والأعشاب والطيور والبهائم, دوناً عن الجان الآخرين. بعد عدة سنوات وقبل ظهور القمر توجه دينثور ابن لينوي أخيراً إلى الغرب يقود جزءاً من ناندور عبر جبال أراضي بيليرياند.

وبالتفصيل فإن ڤانيار ونولدور وصلوا إلى إيريد لوين, الجبال الزرقاء. وهي الجبال الواقعة بين إيريادور والأراضي الغربية للأرض الوسطى. وهي الأرض التي سماها الجان فيما بعد بيليرياند. أما الجماعات الرئيسة فقد عبرت وادي سيريون ونزلت إلى شواطئ البحر العظيم بين لسان درينغيست وخليج بالار. لكن عندما رأوه وقع عليهم خوف عظيم فانسحب أكثرهم إلى غابات ومرتفعات بيليرياند. عندها تركهم أورومي وعاد إلى ڤالينور قاصداً مشورة مانوي.

مرَّت حشود تيليري فوق الجبال الضبابية. وعبروا أراضي إيريادور الواسعة, يحثهم على الاستعجال إيلوي سينغولو المتلهف للعودة إلى ڤالينور والضوء الذي شاهده هناك, وتمنى أن لا يكون منفصلاً عن نولدور بسبب الصداقة العظيمة التي تجمعه مع فِينوي سيِّد نولدور. وبعد عدة سنوات وصلت تيليري في نهاية المطاف أيضاً إلى جبال إيريد لوين الواقعة في المناطق الشرقية من بيليرياند. وهناك توقفوا .وأقاموا في المنطقة الواقعة وراء نهر جيليون لمدةٍ من الزمن.

     

 

;$FVWpZ     الفصل الرابع ثينغول و ميليان

 

          ميليان هي مايا من الميّار. والميّار عِرق من الڤالار. كانت ميليان تسكن في حدائق لورين ولم يكن هناك بين شعبها من هو أجمل أو أكثر حكمة ومهارة في أغاني السحر منها. ويقال عندما امتزجت الأضواء وغنت ميليان في لورين, فقد ترك الڤالار أعمالهم, وطربت طيور ڤالينور, وصمتت أجراس ڤالمار وتوقفت نافوراتها عن التدفق. ترافقها العنادل دائماً وهي التي علمتهم الغناء. أحبت ميليان الظلال العميقة للأشجار العظيمة. تنسب ميليان نفسها إلى ياڤانَا من قبل أن يوجد العالم. وفي ذلك الوقت الذي صحا فيه كويندي بجانب مياه كويڤيينين غادرت ڤالينور وجاءت إلى هيثير لاندس[57]. وهناك قبل الفجر ملأت صمت الأرض الوسطى بصوتها وبأصوات طيورها.

يقال أيضاً. عندما كانت رحلتهُ قريبةً من نهايتها, جلس شعب تيليري للاستراحة لمدة طويلة شرقي بيليرياند خلف نهر جيليون. وفي ذلك الوقت كان مايزال الكثيرين من نولدور مقيمين بالجهة الغربية من تلك الغابات التي أصبح اسمها فيما بعد نولدوريث و ريجييُن. كان إيلوي سيّد تيليري يذهب في أغلب الأحيان إلى تلك الغابة العظيمة للبحث عن صديقه فِينوي في مساكن نولدور. وصادف مرةً ذهاب إيلوي إلى غابة نان إيلموث المضاءة بالنجوم فسمع أغنية العندليب. وفجأةً وقع عليه السحر ووقف ثابتاً بلا حراك. فقد سمع من البعيد وراء أصوات لوميليندي(العنادل) صوت ميليان, وامتلكت قلبه الدهشة والرغبة, ونسي تماماً كل شعبه والغايات التي جاء من أجلها إلى هنا. فتبع الطيور تحت ظلال الأشجار حتى وصل إلى أعماق نان إيلموث وضاع هناك. ثم وصل إلى فسحة خالية من الأشجار ومفتوحة على النجوم, وهناك كانت تقف ميليان, نظر إليها خارج العتمة, فرأى ضوء أمان في وجهها.

لم تتكلم ميليان ولا كلمة لكن حب إيلوي وقع في قلبها, تقدم إيلوي إليها وعندما أمسك يدها ألقت عليه مباشرةً تعويذةً سحرية. لذلك بقيا واقفين هناك لسنوات طويلة, قياساً لحركة النجوم التي تدور فوقهم. حيث نمت أشجار نان إيلموث طويلة ومظلمة من حولهما قبل أن يتكلما أية كلمة.

بحث شعب إيلوي عن سيدهم كثيراً ولم يجدوه. لذلك استلم أخوه أُولُويْ منصب الملك على تيليري ورحل. كما قيل فيما بعد. أما إيلوي سينغولو فلن يعبر البحر مرة أخرى مطلقاً متوجهاً إلى ڤالينور طالما هو حي. وأيضاً ميليان لن تعود إلى هناك, مادامت مملكتهما هي وإيلوي قائمة ومستمرة. ومنهما ستأتي سلالة فيها نسل آينور الذين كانوا مع إلوڤاتار قبل خلق إيا وستحكم هذه السلالة بين كلٍ من الجان والبشر. وفي قادم الأيام سيصبح إيلوي سينغولو ملك مشهور, وكل إيلدار الذين في بيليرياند سيكونون شعبة. ويدعون اسمهم سيندار, وهم الذين يسمون الجان الرماديون. أو جان الغسق الذين كان ملكهم هو ذو العباءة الرمادية. وأصبح اسمه إيللو ثينغول في لغة تلك البلاد, وزوجته الملكة ميليان, الأعقل والأكثر حكمةً من كل أبناء الأرض الوسطى, وكان مسكنهم في القاعات المخفية في مينغروث.

أما مينيغروث فهي الكهوف الألف (أو الألف كهف) وتقع في دورياث. أعارت ميليان قوتها العظمى إلى ثينغول وهذه القوة هي التي جعلته عظيماً بين إيلدار, فقد كان الوحيد من كل سيندار الذي رأى بعينيه الأشجار بيوم إزهارها, وأصبح ملكاً مع أنه كان من أمانيار[58], ولم يحسب من بين موري كويندي, لكنه حُسب مع جان الضوء عظماء الأرض الوسطى.لأنه كان قد ذهب إلى أرض أمان عندما كان واحداً من السفراء الثلاثة.خرج حب ثينغول وميليان إلى العلن وكان هو الحب الأنقى والأجمل على الاطلاق بين كل أبناء إلوڤاتار, فلم يأتِ قبله ولن يأتي بعده أصفى أو أجمل منه.

FZf الفصل الخامس إيلدامار[59] وأمراءإيلدالي


          بمرور الوقت وصلت جماهير ڤانيار ونولدور إلى أقاصي شواطئ هيثير لاندس الغربية, وبالتحديد إلى الجهة الشمالية من هذه الشواطئ. وكانت هذه الشواطئ في الأيام القديمة بعد معركة السلطات تميل نحو الغرب حتى تصل إلى الأجزاء الشمالية من أردا. حيث لا يفصلها سوى مضيق بحري عن أراضي أمان التي بنيت عليها ڤالينور. لكن بسبب قسوة صقيع ميلكور فقد مُلئ هذا المضيق بالثلج المكسر, ولذلك لم يستطع أورومي قيادة جماهير إيلدالي إلى أقصى الشمال, لكنه جلبهم إلى الأراضي الجميلة حول نهر سيريون والتي سميت فيما بعد بيليرياند. ومن تلك الشواطئ بدى على إيلدار ولأول مرة الخوف والتساؤل عن البحر, الذي امتد كمحيط عريض وعميق ومظلم يفصل بينهم وبين جبال أمان.

وبناء على قرار مجلس الڤالار, ذهب أولمو إلى شواطئ الأرض الوسطى وتكلم مع إيلدار الذين كانوا ينتظرونه هناك محدقين بالأمواج المعتمة, وبسبب كلماته وموسيقاه التي عزفها بأبواقه المصنوعة من أصداف البحر, انتزع أولمو خوفهم وبدّله برغبة وعشق البحر. لذلك قام أولمو باقتلاع الجزيرة التي بقيت تقف وحيدةً في وسط البحر منذ ضجيج سقوط إللوين, وأبعدها عن الشاطئ بمساعدة أعوانه وحركها كما لو أنها سفينة هائلة ثم أرساها في خليج بالار, الذي تصب فيه مياه سيريون. صعد ڤانيار ونولدور إلى تلك الجزيرة وسارت بهم بعيداً في البحر حتى وصلت إلى الشواطئ الطويلة تحت جبال أمان. ودخلوا إلى ڤالينور مرحبٌ بهم بنعمتها. لكن عندما قام أولمو بسحب الجزيرة وأرسائها في خليج بالار فقد غرق الرأس الشرقي للجزيرة في المياه الضحلة قبالة الشواطيء حيث تصب روافد نهر سيريون في البحر. لذلك, عندما سحبوا الجزيرة انكسر هذا الرأس وانفصل عن الجزيرة وبقي ثابتاً بالبحر خلفهم. وهو الذي أصبح فيما بعد جزيرة بالار. التي سيأتي إليها أوسي كثيراً.

لكن تيليري الذين مازالوا في الأرض الوسطى, وبسبب سكنهم في شرقي بيليرياند البعيدة عن البحر, فلم يسمعوا نداء أولمو إلا بعد فوات الأوان, وكثيرون منهم كانوا يبحثون عن سيدهم إيلوي, فلم تكن لديهم الرغبة في المغادرة من دونه. وعندما علموا بذهاب إينغوي وفينوي وشعبيهما. تزاحم كثيرون منهم على شواطئ بيليرياند وسكنوا فيما بعد بالقرب من مصبات نهر سيريون. وكانوا في شوق دائم إلى أصدقائهم الذين غادروهم. ثم اتخذوا أُولُويْ أخو إيلوي ملكاً عليهم, وأقاموا لمدة طويلة على سواحل البحر الغربي. وهناك جاء إليهم أوسي وأوينين وصادقوهم, وأصبح أوسي يجلس أمامهم على صخرة قريبة من الشاطئ ويعلمهم أُساليب العلوم والموسيقى البحرية. وبما أن شعب تيليري هو منذ البداية عاشقٌ للماء, فقد أصبحوا من أنقى وأجمل المغنين بين الجان. وأصبحوا عاشقين للبحار. وتضج أغنياتهم بصوت الأمواج الشاطئية.

وبمرور السنوت أصغى أولمو لصلوات نولدور وسيدهم فينوي الذين حزنوا لفراق تيليري, وتوسلوا له لجلبهم إلى أمان إن أرادوا ذلك. وبالفعل فالغالبية العظمى من تيليري برهنت عن الرغبة الحقيقية بالمجيء إلى أمان. وعندما عاد أولمو إلى شواطئ بيليرياند لأخذ تيليري إلى ڤالينور. كان حزن أوسي كبيراً لأنه لن يستمع بعد اليوم لأصوات تيليري في منطقته التي يهتم بها وهي بحار الأرض الوسطى وشواطئ هيثير لاندس, فقام بإقناع البعض من تيليري بالبقاء هناك وهم الذين أصبحوا فيما بعد فالاثريم, جان فالاس, وهم الذين سكنوا فيما بعد في مرافئ بريثومبار وإيغلاريست. وهم البحارة الأوائل في الأرض الوسطى, وأول من صنع السفن, وسيدهم كيردان صانع السفن.

بقي أقرباء وأصدقاء إيلوي سينغولو يبحثون عنه في هيثير لاندس، على الرغم من أنهم كانوا راغبين بالذهاب إلى ڤالينور والعيش بضوء الأشجار لو كان بمقدور أولمو وأولوي انتظارهم لفترة أطول. لكن أُولُويْ ذهب. صعد الجزء الرئيسي من تيليري إلى الجزيرةُ وسحبهم أولمو بعيداً مخلّفين وراءهم أصدقاء إيلوي. فلم يبقى غيرهم ولذلك سموا أنفسهم إيغلاث، أي المنبوذين. وسكنوا في الغابات وفي تلال بيليرياند، بدلاً مِنْ البحر الذي مَلأَهم بالحُزنِ, لكن الرغبةَ بالذهاب إلى أمان كَانتْ دائماً تعصف بقلوبهم.

عندما صحا إيلوي من غيبوبته الطويلة خرج مع ميليان من نان إيلموث. وسكنا فيما بعد في الغابة التي في وسط الأرض. وعلى الرغم من رغبته الكبيرة برؤية ضوء الأشجار ثانية إلا أنَّ رؤية ضوء أمان في وجه ميليان كانعكاسٍ على مرآة صافية جعله راضياً. اجتمع الناس من حوله فرحين ومندهشين بمظاهر النبل البادية عليه. فظهر بأعينهم وكأنه سيدٌ من الميّار. شعره كالفضة الرمادية ويبدو أطول من كل أبناء إلوڤاتار, وبانتظاره قدرٌ عظيم.

تبع أوسي جماهير أُولُويْ عندما كانوا ذاهبين حتى وصلوا إلى خليج ايلدامار (الذي هو موطن الجان شرقي جبال بيلوري ). ناداهم فعرفوا صوته, وقام تيليري بالتوسل إلى أولمو لكي يوقف رحلتهم البحرية. لبى أولمو طلبهم. وبناءً على أوامره قام أوسي بسرعة بربط جذور الجزيرة إلى أساسات البحر. وهذا ما جعل أولمو مسروراً أكثر لأنه يفهم قلوب تيليري, وفي مجلس الڤالار هو الوحيد الذي كان ضد استدعاء الجان إلى ڤالينور. لأنه كان يعتقد بأنه من الأفضل لكويندي البقاء في الأرض الوسطى. وكانالڤالارغير ممتنين لأنهم علموا بما فعله. حزن فَينوي لأن تيليري لن يأتوا, وحزن أكثر عندما علم أن إيلوي أصبح من المنبوذين ولن يراه ثانيةً. ما لم يجتمعوا معاً في قاعات ماندوز. لكن الجزيرة ما كانت لتتحرك ثانية. وانتصبت هناك واقفة في خليج ايلدامار. وسميت تول إيريسيا. الجزيرة المنعزلة. هناك كانت مساكن تيليري تحت نجوم السماء كما تمنوا. وهم الآن ضمن حدود الجهة اليمنى لأرض أمان والشواطئ الخالدة. وهذه الإقامة الطويلة في الجزيرة المنعزلة أدت إلى انفصال لغتهم عن لغة ڤانيار ونولدور.

لهؤلاء أعطى الڤالار أراض وأماكن للسكن بين أنوار زهور الأشجار المضيئة في حدائق ڤالينور, لكنهم مازالوا يتوقون في بعض الأوقات لمشاهدة النجوم, ولأجل ذلك عُملت فتحة في جبال بيلوري الكبيرة. وبهذه الفتحة وادي عميق ينزل إلى البحر, هناك نصبت إيلدار تونا وهو التل الأخضر العالي الذي يطل شرقاً على خليج ايلدامار (بيت الجان) والجزيرة المنعزلة (تول إيريسيا) والبحار الغامضة. وعلى هذا التل سقط ضوء الأشجار من الغرب, وتمدد ظله شرقاً, ثم من خلال كالاكيريا (أي ممر الضوء) تدفق نور المملكة المباركة فأشعل موجات الظلام وحولها إلى فضية وذهبية حتى لامس الشواطئ الغربية للجزيرة المنعزلة فنمت فيها شتى أنواع النباتات وتحولت إلى خضراء جميلة. فأزهرت هناك الزهور الأولى التي لم تكن موجودة من قبل شرقي جبال أمان.

على قمة تلة تونا بنى الجان مدينتهم تيريون ذات الشرفات والجدران البيضاء والأبراج. وأعلى أبراج المدينة كان برج إينغوي واسمه ميندون إيلداليڤا, بمصباحه الفضي الذي يشع بعيداً في عتمة البحر. وقلة من سفن البشر الفانيين استطاعوا رؤية شعاعه المرهف. سكن ڤانيار ونولدور في تيريون لمدة طويلة متحابين, ومن بين كل الأشياء الموجودة في ڤالينور أحبوا كثيراً الشجرة البيضاء. فقد صنعت لهم ياڤانَا شجرة تشبه شجرةتيلبيريون إلى حد ما. إلا أنها لا تشعُّ ضوء, وقد سميت غالاثيليون بلغة سيندارين. كانت هذه الشجرة مزروعةً في القصور تحت برج ميندون وازدهرت هناك وكثرة شتلاتها في ايلدامار. زُرعت واحدة منها فيما بعد في تول إيريسيا فازدهرت هناك وسميت كيليبورن, ومن هناك انتقلت في آخر الزمان إلى مكان آخر وأصبح اسمها نيملوث. وهي نفسها شجرة نومينور البيضاء.

أحبَّ مانوي وڤاردا كثيراً شعب ڤانيار، وهم الجان اللطفاء والوسيمون, لكن نولدور كانوا محبوبين من قبل أوليي، وفيما بعد تعامل شعب أوليي (الأقزام) كثيراً مع نولدور. أصبحت مهاراتهم ومعارفهم عظيمةً, وكان تعطشهم للمعرفة كبير إذ تفوقوا في أكثر الأشياء على معلميهم. وكانوا يبدلون في اللغات, وبسبب حبهم العظيم للكلام والمفردات أرادوا أن يجدوا الأسماء الملائمة لكل الأشياء التي عرفوها أو تخيلوها. ويقال بأنهم اكتشفوا الأحجار الكريمة أثناء حفرهم لمقالع الحجر عندما كانوا يبنون بيت فَينوي (فقد كانت سعادتهم عظيمةً ببناء الأبراج العالية), واستخرجوها بكميات كبيرة جداً لا تعد ولا تحصى. وهم الذين ابتكروا أدوات القطع وتشكيل المجوهرات ونقشها. ولم يكنزوها بل وهبوها للناس بدون مقابل, وبعملهم هذا أغنوا كل ڤالينور.

بعد ذلك عندما تعود غالبية نولدور إلى الأرض الوسطى, سينقلون معهم حكاياتهم ومعارفهم وخبراتهم والأسماء وصلات القرابة بين أمرائهم إلى لغة جان بيليرياند.

كان فَينوي هو ملك نولدور وله ثلاثة أبناء: فيانور, فينغولفين وفينارفين. وكانت ميريل سيريندي هي والدة فيانور بينما والدة فينغولفين وفينارفين كانت اينديس وهي من ڤانيار. أما فيانور فهو بكر فينوي وهو الأقدر بين أخوته وأكثرهم مهارةً في الكلام وفي اليد, روحه متوهجة مثل اللهب, لكن فينغولفين هو الأقوى والأكثر صموداً وشجاعةً. أما فينارفين فكان الأكثر حكمةً ووسامة ونقاء سريرة وهو زوجٌ إياروين ,العذراء فائقة الجمال من ألكوالوندي, بنت أولوي سيد تيليري, وصديق أخوتها.

كان لدى فيانور سبعة أبناء: مايذروس طويل القامه. ماغلور المغني ذو الصوت الهائل والذي كان يُسمع بعيداً على الأرض والبحر. كيليغورم الوسيم, كارانثير الداكن, كوروفين الذكي الذي ورث أكثر مهارة يد أبيه .والأصغرين كانا أمرود وأمراس وهما توأم يشبهان بعضهما في الشكل والمزاج. وفي الأيام التالية سيصبحان صيادين عظيمين في غابات الأرض الوسطى. أيضاً كيليغورم كان صياداً وصديق أورومي, وغالباً ما تبع صوت بوق ڤالا في ڤالينور.

أما أبناء فينغولفين فكانوا: فينغون والذي أصبح فيما بعد ملك نولدور في شمال العالم. وتورغوُنْ سيد غوندولين, وأختهم أريذيل البيضاء وهي الأصغر بين أخوتها. وعندما بلغت أريذيل رشدها وكبرت كانت جميلة وطويلة وقوية, وأحبت كثيراً ركوب الخيل والصيد في الغابات, وغالباً ما كانت تذهب برفقة أبناء عمها فيانور. لكنها لم تعط حب قلبها لأحد, ولقبت ,آر فينيل, سيدة نولدور البيضاء. على الرغم من أنها كانت شاحبة وشعرها أسود فاحم ولم تكن تلبس إلا الأبيض والفضي.

أبناء فينارفين كانوا: فينرود المخْلص (الذي دعي فيما بعد فيلاغوند سيد الكهوف), أورودريث, أنغرود وإيغنور. وكان أبناء فينارفين بمنتهى الصداقة مع أبناء فينغولفين, كما لو كانوا كلهم أخوة. وأختهم غالادريل بنت فينارفين, الأجمل في بيت فَينوي, فقد كان شعرها يلمع بلونٍ ذهبيٍ كأنه أشعة من نور لاوريلين المتألقة.

هنا يجب أن نخبر كيف جاءت أخيراً تيليري إلى أرض أمان. حيث كانوا قد سكنوا لأزمنة طويلة في تول إيريسيا, وبطول المدة تبدلت قلوبهم واتجهت نحو الضوء الذي تدفق إلى الجزيرة المنعزلة عبر البحر قادماً من ڤالينور, فتمزقوا بين حب موسيقى الموج على شواطئهم والرغبة في رؤية أقربائهم ثانية ورؤية فخامة ڤالينور. وفي النهاية كانت الرغبة للضوء هي الأقوى مما جعل أولمو يخضع لإرادة الڤالار ويرسل إليهم صديقهم أوسي, وعلى الرغم من حزنه على فراقهم فقد علمهم حرفة بناء السفن, وعندما بنوا سفنهم وزع عليهم هداياه وهي أعداد كبيرة من البجعات قويات الأجنحة. قامت هذه البجعات بسحب سفن تيليري البيضاء على البحر الهادئ, وأوصلوهم بالنهاية إلى شواطئ ايلدامار وأرض أمان.

فسكنوا هناك حيثما تمنوا أن يروا ضوء الأشجار وأن يدوسوا الشوارع الذهبية والدرجات البلورية لمدينة ڤالمار على التل الأخضر تونا. ولكن الأهم من ذلك فقد أبحروا بسفنهم السريعة على مياه خليج ايلدامار(موطن الجان). أو مشوا على الشواطئ المتموجة وشعرهم يلمع في الضوء إلى ما بعد التل, وكان نولدور قد أعطاهم الكثير من الجواهر والماس والبلورات الشاحبة. فانتشرت هناك على الشواطئ وأحواض السفن. رائعة كانت شواطئ إيليندي في تلك الأيام. فقد استخرجوا من البحر الكثير من اللؤلؤ, وكانت قصور أُولُويْ في ألكوالوندي(مرفأ البجعات) مرصعةً باللؤلؤ ومضاءة بمصابيح كثيرة. تلك كانت مدينتهم ومرفأ سفنهم التي صنعوها بأشكال تشبه البجع, بمناقير من ذهب وعيون من ذهب وكهرمان أسود, وكانت بوابة الميناء عبارة عن قوس مبنية من صخور البحر المنحوتة, وتقع على حدود إيلدامار إلى الشمال من كالاكيريا حيث كان ضوء النجوم لامع وواضح.

وكما تمر الازمنة كذلك نما حب ڤانيار لأرض الڤالار والضوء الكامل للأشجار, فتركوا مدينة تيريون على تلة تونا وسكنوا فيما بعد على جبل مانوي, أو حول سهول وغابة ڤالينور, وأصبحوا منفصلين عن نولدور, لكن ذاكرة الأرض الوسطى تحت النجوم بقيت في قلوب نولدور وهم بقوا في كالاكيريا, في التلال والوديان ضمن حدود البحر الغربي. مع ذلك فقد ذهب كثيرون منهم في أغلب الأحيان حول أرض الڤالار. وقاموا برحلات استكشافية بعيدة لمعرفة أسرار الأرض والماء وكل الأشياء الحية. وبعد انفصال شعوب تونا وألكوالوندي عن بعضهما. أصبح فَينوي ملكاً في تيريون, وأُولُويْ ملكاً في ألكوالوندي, أما الملك العالي لكل الجان فقد كان من نصيب إينغوي. والذي فيما بعد استمر كحاكم تحت راية مانوي على تَني كويتيل.

نادراً ما بقي فيانور وأبناءه في مكان واحد لفترة طويلة. فقد كانوا يسافرون بعيداً منتشرين على حدود ڤالينور. سافروا حتى حدود الظلام والشواطئ الباردة للبحر الخارجي. سعياً منهم لاكتشاف المجهول. وغالباً ما كانوا ضيوفاً في قاعات أوليي. لكن كيليغورم كان يذهب إلى بيت أورومي. وهناك حصل على المعارف العظيمة عن الطيور والوحوش, وتعلم لغات كل المخلوقات الحية التي كانت في مملكة أردا. باستثناء المخلوقات الساقطة في الشر وهم مخلوقات ميلكور. عاشت مخلوقات كثيرة في أرض أمان لم تكن موجودة على الأرض الوسطى وربما لن تكون موجودة فيما بعد. منذ أن تغير وجه الأرض.

 

 

كويندي
وهم كل الجان

 

نورد فيما يلي  أقسام كويندي.

أڤاري
(المعارضون)الذين رفضوا أمر الاستدعاء إلى أمان

 

 

 

ڤانيار
الجان اللطفاء

 

 

نولدور
الجان الحكماء  

 

 

ذهبوا إلى أمان وأقاموا فيها ولم يعودا أبداً إلى الأرض الوسطى

 

ذهبوا إلى أمان وأقاموا فترة ثم عاد البعض منهم إلى الأرض الوسطى وهم المنفيون

 

تيليري
الجان المغنون  

 

 

ڤالماري
جان البحر  

 

 

سيندار
الجان الرماديون  

 

 

ناندور
جان الغابات  

 

 

بعض تيليري الذين ذهبوا إلى أمان وسكنوا في ألكوالوندي

 

بعض تيليري الذين بقوا في غابات بيليرياند

 

بعض تيليري الذين تركوا الرحلة وذهبوا شرقي جبال الضباب

 

إيلدار
الذين لبوا أمر الاستدعاء إلى أمان

 

 

 

           

 

فالاثريم
جان الشواطئ  

 

  لايكويندي
الجان الخضر  

 

  موريكويندي
جان الظلام الذين لم يروا ضوء الأشجار في ڤالينور  

 

  بعض سيندار الذين ذهبوا إلى شواطئ بيليرياند   بعض ناندور الذين جاؤوا إلى أوسيرياند   أومانيار
إيلدار الذين لم يذهبوا إلى أمان  

 

                                       

 

الشكل(2) أقسام كويندي (كل الجان) الفصل السادس فيانور وتحرير ميلكور


          أخيراً اجتمعت عشائر إيلدار الثلاثة في ڤالينور, وكان لا يزال ميلكور مقيداً في وقتها. وكانت هذا الفترة هي فترة اكتمال شباب الملكة المباركة, بمجدها ونعمتها. في الحقيقة هي حكايا سنين طويلة لكنها في الذاكرة قصيرة جداً. ففي تلك الأيام أصبح إيلدار بالغاً حدود الكمال في قوام الجسم والعقل. وتقدم نولدور في المهارة والمعرفة على كل إيلدار, وامتلأت السنوات الطويلة بأعمالهم البهيجة, فقد ابتكروا الكثير من الأشياء الجميلة والرائعة. فهم أول من فكر واخترع الأحرف والكتابة, وكان سيد العلمفي ذلك الزمان روميل من تيريون, هو مَن أنجز ابتكار الأحرف بغية تدوين الكلام والأناشيد. فبعض الأحرف كان للنقش على المعادن والحجر, والبعض الآخر للرسم بالفرشاة أو القلم.

ولد في ذلك الوقت في إيلدامار في بيت ملك تيريون على قمة تلةتونا الابن الأكبر لفَينوي, وقد أحبه الجميع. كان اسمه كوروفَينوي لكن أمه كانت قد سمّته فيانور, أي روح النار. وهذا هو اسمه المذكور والمشهور في كل حكايات نولدور.

أمه اسمها ميريل. دعيت بلقب سيريندي بسبب تفوقها على الجميع في مهارة التطريز والنسيج. فيديها كانتا الأمهر في كل نولدور. كان حب فينوي وميريل رائع وبهيج لأنه بدأ في أيام نعمة الأرض المباركة. وفي أثناء حملها بابنها كانت ميريل قد استهلكت روحها وجسمها. وبعد أن ولدته تاقت لإعفائها من أعباء الحياة. فقالت لزوجها فينوي في نفس الوقت الذي سمّت فيه ابنها. لم تعد في جسمي قوة لأتحمل متاعب حمل آخر, لأن الحمل بحاجة إلى قوة, وهذه القوة التي يجب أن تغذي الكثير من الأولاد, ذهبت كلها إلى فيانور.

حزن فَينوي لأن نولدور كانت فتيةً وقليلة العدد في أيامهم, وكانت لدية رغبة في انجاب الكثير من الأبناء من سيدة أمان. فقال لها: لابد من وجود شفاء لك في أمان, فهنا كل الأوجاع يمكن أن يكون لها علاج. لكن ضعف ميريل وتعبها أخذا بالازدياد مع الوقت ولم تتحسن. لذلك ذهب فينوي لطلب نصيحة مانوي. فسلمها مانوي إلى إرمو في لورين لكي يعتني بها. وهكذا تم الفراق بين فينوي وميريل (والذي ظنه فينوي بأنه سيكون لفترة قصيرة). مع ذلك فقد كان فينوي حزين جداً. فهذه مصادفة غير سارة, أن تفترق الأم عن ابنها في بداية أيام طفولته على الأقل.

قالت له ميريل: فعلاً إنها مصادفة تعيسة فأنا أتألم كثيراً, لكنني مرهقة جداً, ويجب أن لا تلومني على هذا وكل ما سيأتي من بعده.

بعد ذلك ذهبت إلى حدائق لورين ورقدت لتنام. على الرغم من أنها بدت نائمه لكن في الحقيقة, كانت قد ماتت وعبرت روحها بصمتٍ إلى قاعات ماندوز. قامت وصيفات إيستي بتقليب جسد ميريل لكي لا يذبل. لكنها لم تَعُدْ للحياة مجدداً. عاش فينوي بعدها حزين, وكان يذهب دائماً إلى حدائق لورين. ليجلس تحت الصفصاف الفضي بجانب جسد زوجته ويناديها بأسمائها, لكن كل ذلك كان بلا جدوى. فمن بين كل سكان المملكة المباركة هو الوحيد الذي حُرم من البهجة. وبعد فترة قنع ولم يعاود الذهاب إلى لورين ثانية.

أعطى فينوي فيما بعد كل الحب والاهتمام لابنه. فكبر فيانور بسرعة شديدة كما لو أن ناراً سريةً أوقدت بداخله. وكان بارع الحسن, طويل القامة جميل الوجه. عيونه براقة وحادة النظر. وشعرة أسود لماع. وكان متحمساً وحازماً في كل أعماله. ونادراً ما غيَّر من دروبه لا بالنصيحة ولا حتى بالقوة. فقد أصبح هو كل نولدور, فلا شيء يجاريه بالقوة. ولا يوجد في كل نولدور أحد قبله أو بعده, فهو الأكثر براعة وذكاء ودقة في العقل, والأكثر مهارة بأعمال يديه. طوَّر فيانور في شبابه أعمال روميل, وابتكر الأحرف التي تحمل اسمه, وهي الأحرف التي استعملتها كل إيلدار فيما بعد. وهو الأول في نولدور الذي استخرج الأحجار الكريمة من الأرض وصنع منها المجوهرات اللماعة, وكانت أولى المجوهرات التي صنعها فيانور بيضاء وشفافة, ما إن توضع تحت ضوء النجوم حتى تتوهج بأشعة زرقاء وفضية فتلمع أكثر من ضوء هيللوين[60]. صنع أيضاً بلورات أخرى كعيون نسورمانوي تقرب الأشياء البعيدة وتريك إياها صغيرة لكن واضحة. ونادراً ما كان يرتاح عقل فيانور من التفكير أو يديه من العمل.

تزوج فيانور وهو مايزال في بداية شبابه من نيردانيل بنت ماهتان حداد نولدور العظيم, فمن بين كل شعب نولدور كان أوليي يحترمه ويقدره كثيراً. ومن ماهتان تعلم فيانور الكثير عن صناعة التعدين والحجارة. كانت نيردانيل أيضاً قوية الإرادة, لكنها أكثر صبراً من فيانور, وراغبة بالفهم أكثر من السيطرة على العقول. في البداية حاولت تقييده عندما كانت نيران قلبة حارة جداً, لكن أعماله اللاحقة جلبت لها الحزن وأوقعت التجافي بينهما. وكانت نيردانيل قد ولدت له سبعة أبناء وأورثت جزء من طبعها إلى بعضهم وليس للكل.

اتخذ فينوي اينديس الجميلة زوجةً ثانية له, وكانت ڤانيا أي من شعب ڤانيار. تنتهي قرابتها إلى إينغوي الملك الأعلى. شعرها ذهبي طويل, ولا تشبه ميريل في شيء. أحبها فينوي كثيراً وعاد إليه السرور ثانيةً. لكن ظل ميريل لم يغادر بيت فينوي أو قلبه, وفي كل شيء أحبه كان عنده لفيانور دائماً النصيب الرئيسي.

لم يجلب زواج فينوي السرور إلى قلبفيانور ولم يحمل الكثير من الود لإينديس ولا إلى أبنائها فينغولفين وفينارفين. فقد عاش مبتعداً عنهم يستكشف أرض أمان. ويشاغل نفسه بالمعرفة والصناعة التي فيهما بهجته. وفي كل الأشياء التعيسة التي حدثت معه لاحقاً, فقد كان هو القائد. ورأى كثيرٌ من الناس بأن سبب ذلك الخرق في بيت فينوي. هو, لو أن فينوي تحمل خسارته بفقدان زوجته واحتوى هذا الابن الجبار. لكان بالإمكان أن تكون طرق فيانور مختلفة, وربما كان قد منع وقوع الشرّ العظيم فيما بعد. فمازال الحزن والفتنة التي حدثت في بيت فينوي, محفورة في ذاكرة الجان النولدورين كلهم. لكن أبناء اينديس كانوا أيضاً عظماء وممجدون هم وأبناؤهم. ولولاهم لما كان في تاريخ إيلدار الكثير ليذكر فيما بعد.

بينما كان فيانور وحرفيو نولدور يعملون بلذّةٍ, غير متوقعين لما ستؤول إليه أعمالهم. وأبناء اينديس كبروا وبلغوا أشدّهم. وكأن ڤالينور تسير إلى نهاية مجدها. فقد صدرت أوامر الڤالار بأن يُخلى سبيل ميلكور الذي أكمل مدة سجنه بإقامته لمدة ثلاثة عصورٍ طويلة, مكرهاً في قاعات ماندوز لوحده. وكما كان وعد مانوي بأنه يجب أن يجلب ثانية أمام عروش الڤالار. فعندما رأى مجدهم ونعمتهم ازداد الحسد في قلبه ونظر إلى أبناء إلوڤاتار الذين يجلسون تحت ظل عالم الڤالار الهائل وقد ملأته الكراهية. نظر أيضاً على ثروة المجوهرات اللامعة فاشتهاهم لنفسه, لكنه أخفى كل ذلك وأجَّل انتقامه.

أمام بوابة ڤالمار ركع ميلكور عند أقدام مانوي مذللاً نفسه طالباً للعفو. وأقسم بأنه لو تُركت له حرية أقل من حرية شعب ڤالينور, فإنه سيساعد الڤالار في كل أعمالهم, والأهم من ذلك, فإنه سيعينهم على علاج الكثير من الأذى الذي سببه للعالم. تشفعت له نايننا في توسلاته لمانوي لكن ماندوز بقي صامتاَ.

منح مانوي العفو لميلكور, ولم يعاني منه الڤالار إلا بعد أن ابتعد عن بصرهم ويقظتهم. أُجبر ميلكور على السكن ضمن بوابات ڤالمار, فبدا صافي السريرة, نقياً في أعماله وكلامه في ذلك الوقت. واستفاد كلٌ من الڤالار وإيلدار من مساعداته وآرائه. لذا فإنه عندما طلب إذناً للذهاب والتجول بحرية حول الأرض سمحوا له بذلك. فقد بدا لمانوي بأن شرور ميلكور قد عولجت. لأن مانوي كان خاليا تماماً من الشر ولم يكن باستطاعته أن يفهمه. ذلك معروف منذ البداية في فكر إلوڤاتار. لكن لأن ميلكور كان كما هو, فلم يتمكن مانوي من رؤية أعماق قلب ميلكور, ولم يدرك أن كل تلك المحبة قد غادرته إلى الأبد. لكن أولمو لم ينخدع به, وتولكاس كان يشد قبضتيه كلما رأى خصمه ميلكور يعبر من أمامه, صحيح أن تولكاس قد يأخذ وقتاً ليغضب لكنه لا ينسى الأذية بسهولة, ولكنهما مع ذلك أطاعا قرار مانوي. لأن المدافعين عن السلطة ضد أي تمرد يجب أن لا يكونوا هم أنفسهم متمردين عليها.

في قلب ميلكور كره وحقد على إيلدار أكثر من الجميع. لسببين لأنهم أنقياء ومبتهجون ولأنه رأى فيهم سبب رفعة وعزة الڤالار وهزيمته هو, لذلك اختلق حباً لهم وأراد صداقتهم. وقدم عروض خدماته لهم في العلم وفي أي عمل عظيم يعملوه. أما ڤانيار ففي الحقيقة ساورهم الشك. لذلك سكنوا في ضوء الأشجار وكانوا راضين وقانعين. أعطى ميلكور القليل من الإنتباه إلى تيليري. فقد كان يضنهم لا يستحقون إلا القليل, وبأنهم سيكونون أدوات ضعيفة جداً لتنفيذ أهدافه. على عكس نولدور الذين وثقوا بأنه يمكن أن يكشف لهم المعرفة المخفية وقد أصغى بعضهم لكلامه, مع أنه كان من الأفضل لهم عدم الاستماع له. في الحقيقة كان ميلكور قد صرّح بأن فيانور تعلم منه الكثير من الفنون بالسرّ, وأنه أي ميلكور هو الذي أوعز إليه في صناعة أعظم أعماله. لكنه كان كاذباً في ذلك بسبب حسده وشهوته وحقده. فلم يكره ميلكور أحد من إيلدالي كما كان يكرهه فيانور بن فَينوي, وهو أول من سماه مورغوث, وهذا الكره هو الذي أوقع فيانور فيما بعد في شرك شبكات حقد ميلكور بالتمرد ضد الڤالار, فهو لم يتحدث معه ولم يأخذ منه أي استشاره. لذلك كان فيانور مسيّراً بنار قلبه فقط, وكان يعمل لوحده وبسرعة, ولم يطلبالمساعدة أو الاستشارة من أحد سكان أمان, عظيماً كان أو صغيراً. باستثناء فقط ولفترة قصيرة, طلب مساعدة زوجته الحكيمة نيردانيل.

 

 

UNwWnu  

نورد فيمايلي شجرة عائلة فينوي, والتي تنحدر منها سلالة ملوك نومينور ثم فيما بعد نشأت منها سلالة ملوك البشر.

 

 

 

الشكل (3) شجرة عائلة فينوي   الفصل السابع السِيلماريلسْ والفتنة في نوُلدورْ


          أتت شهرة الجان في أعمال الصناعة من تلك الأيام بسبب فيانور. فقد امتلك كل الفكر المتنور والجديد. أو قد يكون ذلك بعض ظل المعرفة المسبقة التي أتت إليه من المصير الذي بدأ يقترب. فكان يتأمل ضوء الأشجار الذي هو مجد الأرض المباركة, وكيف يستطيع الإبقاء على ذلك الضوء خالداً ؟ لذا بدأ بالعمل السري الطويل. مستدعياً كل علمة وقوته ومهاراته الخفية. وفي النهاية صنع السيلماريلس.

كانت السيلماريلس كثلاث جواهر عظيمة في الشكل فقط, أما مادتهم فهي غير معروفة, لأن فيانور لم يخبر أحد عن هذا السر فهل ستكون معروفة عندما يعود فيانور وهو الذي مات قبل أن تُخلق الشمس, ويجلس الآن في قاعات الانتظار ولن يعود ثانية بين أهله وعشيرته. لكن إلى أن تفنى الشمس ويسقط القمر, لن يكون معروفاً لأحد ماهي المادة التي صنعوا منها. تبدو السيلماريلس للناظر إليها مثل بلورات الماس, صلبة جداً كصلابة الحجر, فلا يمكن لأي قوة ضمن مملكة أردا أن تكسرهم أو تشوه شكلهم. أمّا البلورة المحتوية للسيلماريلس فهي تشبه الجسد بالنسبة لأبناء إلوڤاتار, لأنها بيت ناره الداخلية, وهذه النار كائنةً ضمنه وفي كل أجزائه وهي أيضاً سبب حياته. صنع فيانور النار الداخلية للسيلماريلس من الضوء الممزوج لأشجار ڤالينور. وهذا الضوء مازال يعيش فيهم لحد الآن مع أن الأشجار ذبلت منذ مدة طويلة ولم تعد تشرق. لذلك حتى في ظلام أعمق الخزائن. تشرق جواهر السيلماريلس من ذاتها مثل نجوم ڤاردا. وفوق ذلك كله تشعر بأن السيلماريلس وكأنهم فعلاً أشياء حيّة, ابتهجوا بالضوء فاستقبلوه وعكسوه بأشكال أكثر روعة من قبل.

كل من سكن في أمان مُلئ بالأعجوبة والبهجة من عمل فيانور. وقدست ڤاردا السيلماريلس. لذلك فلا يمكن فيما بعد لأي بشري هالك أو أيادي نجسة أو أي شيء من الشر يمسهم إلا أن يذبل ويحترق. وتنبأ ماندوز بأن مصير السيلماريلس في أردا سيكون. في الأرض والبحر والهواء. وهو محبوس بداخل السيلماريلس. وسرعان ما تعلق قلب فيانور بهذه الأشياء التي صنعها.

اشتهى ميلكور السيلماريلس لنفسه, فمجرد التفكير بهم كان يشعل النار في قلبه. ومنذ ذلك الوقت التهبت هذه الرغبة وكانت لهفته دائمة لامتلاكهم, فكيف يجب عليه أن يحطم فيانور, وينهي صداقة الڤالار مع الجان, ولكنه أخفى أهدافه بمكر. فلا يمكن أن يكون لحقده حدود, أو تصور للمظهر الذي يرتديه ذلك الحقد. عمل ميلكور لمدة طويلة على ذلك, بدايةً كان عمله بطيئاً وقاحلاً, لكن في النهاية لم تفتقر الأكاذيب التي زرعها للحصاد. بل في الحقيقة فإنه عما قريب سيرتاح هو من الكدح بينما يحصد الآخرون ويبذروا بدلاً عنه. ودائماً يجد ميلكور بعض الآذان التي تحترمه وبعض الألسن التي تضخم ما تسمعه منه. فأكاذيبه مرت من الصديق إلى الصديق كالأسرار المثبتة بمعرفة حكمة المتحدث. وفي الأيام القادمة ستعمل كل نولدور بمرارة لكي يكفروا عن حماقة إصغائهم له.

عندما رأى ميلكور بأن غالبية الشعب مالوا إليه, راح يمشي بينهم, ويرمي الأكاذيب المغلفة بالكلام المنمق, فاستطاع بمهارته ودهائه أن يوحي إليهم بأن هذه الأكاذيب ما هي إلا رؤيا من ذاكرة أفكارهم, فكم من العوالم الهائلة التي يمكن أن يخضعوها لإرادتهم بالسلطة والحرية في الشرق. وبعدها راح يهمس بين الناس بأن الڤالار جلبوا إيلدار إلى أمان بسبب حسدهم وغيرتهم. لأنهم كانوا خائفين من جمال كويندي, وبأن قدرة الخلق التي أورثهم إياها إلوڤاتار, ستزداد أكثر من قدرة سيطرة الڤالار مع ازدياد انتشار الجان في أراضي العالم الواسعة.

وفي تلك الأيام بالرغم من معرفة الڤالار بحقيقة مجيء البشر. إلا أن الجان لم يعرفوا شيئاً عن مجيء البشر, لأن مانوي لم يكشف لهم لحد الآن عن هذا الموضوع. لكن ميلكور أخبر الجان عن سر البشر الفانين, وأوحى إليهم بأن صمت الڤالار سيغلفهم بالشر. ويذكر أيضاً بأن ميلكور نفسه لا يعرف إلا القليل عن سر البشر لأنه كان منشغلاً بأفكاره الخاصة في الموسيقى, ولم يعطِ إلا القليل من الانتباه لموضوع إلوڤاتار الثالث. أمّا الآن, فالسر الذي أخفاه مانوي في السابق, قد خرج للعلن وأصبح معلوماً بين الجان. فأولئك البشر سوف يأتون ويحلون محلهم في ممالك الأرض الوسطى. لأن الڤالار يروا بأنه من السهولة السيطرة على هذا الجنس الضعيف قصير العمر, والاحتيال على الجان من أجل ميراث إلوڤاتار. وفي ذلك كان بعض الحقيقة, فقلما أثّرت سيطرة الڤالار على إرادات البشر. لكن أغلبية نولدور كانوا مصدقين أو شبه مصدقين لكلمات ميلكور الشريرة.

وهكذا قبل أن يدرك الڤالار بأن السلام في ڤالينور أصبح مُسمّماً. كانت نولدور قد بدأت بالتذمر منهم, وأصبحت أكثرية نولدور متغطرسة. فتناسوا بأن المعارف التي اكتسبوها كانت عبارة عن هدايا من الڤالار. واشتعلت رغبة عنيفة وجديدة في قلب فيانور المتلهف للعالم الأوسع وللحرية. فضحك ميلكور في سره لأن مؤشرات أكاذيبه اتجهت نحو بغض فيانور قبل كل شيء والشهوة الدائمة للحصول على السيلماريلس. لكن في هذه لم يكن يعاني من الاقتراب منها, لأن فيانور كان يلبسهم فوق حاجبيه أثناء الأعياد العظيمة. وفي الأوقات الأخرى كان يقفل عليهم في غرف الكنوز العميقة في تيريون تحت الحراسة المشددة.فقد بدأ حبٌ طماع عند فيانور للسيلماريلس. ولم يكن يسمح لأحد بالنظر إليهم إلا أبيه وأبنائه السبعة فقط. وقلما تَذكّرَ بأن الضوء الذي تصدره لم يكن ملكه وحده بل ملك الجميع.

كان فيانور وفينغولفين ابنا فينوي الكبيرين من الأمراء العاليين وكانا مبجلين بكل أمان. لكنهما شبّا على الفخر والغيرة في حقوقهم وأملاكهم. نسج ميلكور أكاذيب جديدة ونشرها على كامل رقعة إيلدامار. وتقول هذه الأكاذيب, بأن فينغولفين وأبناءه يخططون لاغتصاب حق فيانور ونسله في ولاية عهد عرش فينوي بعد أخذ موافقة الڤالار على ذلك, لأن الڤالار كانوا غير ممتنين من فيانور لأنه يحتفظ بالسيلماريلس في تيريون ولم يعهد للڤالار بحفظها. أوصل ميلكور هذه الاشاعات في النهاية إلى فيانور. أما لأخويه فينغولفين وفينارفين فقال لهما: عليكم أن تحذرا من ابن ميريل المتفاخر الذي كان يكره أبناء اينديس قليلاً. أما الآن فقد أصبح هذا الكره عظيماً, ولطالما كان أبوه دائماً في صفه فسوف لن تكون المدة طويلة قبل أن يطردكما من تونا.

أدرك ميلكور بأن أكاذيبه نجحت في زرع الفرقة واستيقاظ الكبرياء والغضب في نولدور, فأخبرهم عن أهمية اقتناء الأسلحة. بدأت نولدور بحدادة السيوف والفؤوس والرماح منذ ذلك الوقت. ونقشوا على الدروع الكثير من الرموز التي تحدد بيوتهم وعشائرهم ومنافسة كل عشيرة للأخرى, ولم يظهروا للعلن من أسلحتهم إلا هذه الدروع, فكل واحد منهم اعتقد بأنه هو وحده من استلم التحذير. أما فيانور فقد صنع كور حدادة سري, حتى أن ميلكور لم يكن يعلم بوجوده, وهناك دق السيوف وسقاها له ولأبنائه. وصنع خوذات طويلة بريشات حمراء. ندم ماهتان كثيراً على ذلك اليوم الذي عَلَّمَ فيه زوج نيردانيل كلَّ أساليب علم التعدين الذي لَقَنهُ إياه أوليي.

هكذا وبسبب أكاذيب ميلكور وهمساته الشريرة وآراءه الزائفة, أوقدت قلوب نولدور للفتنة, وأدت هذه النزاعات في النهاية إلى أفول أيام مجد ڤالينور القديم. لأن فيانور بدأ يتكلم وبشكل صريح عن التمرد ضد الڤالار, ويصرخ بالصوت العالي بأنه سيغادر ڤالينور عائداً إلى عالم خالي وبأنه سينقذ نولدور من العبودية إذا تبعوه.

بعد ذلك حصلت بلبلة كبيرة في تيريون وانزعج الملك فَينوي فاستدعى كل سادات نولدور إلى المجلس للتشاور. سارع فينغولفين بالذهاب إلى قاعات فينوي ووقف أمام المجلس قائلاً: أبي ومليكي, هل أنت ضعيف حقاً حتى لا تستطيع مقاومة تفاخر أخينا كوروفينوي الذي يدعى روح النار ؟ وبأي حقٍ يتكلم باسم شعبنا كما لو كان ملكاً ؟ منذ زمن طويل, عندما أرسل إليهم الڤالار ليقبلوا الاستدعاء إلى أمان, كنت أنت الناطق باسم هذا الشعب أمام كويندي وأنت من قاد نولدور على الطريق الطويل من مخاطر الأرض الوسطى إلى نور إيلدامار. فإذا لم تطلب منه التوبة عن ذلك, فعندك على الأقل ابنان غير فيانور يحترمان كلامك.

لكن في الوقت الذي كان يتحدث فيه فينغولفين أمام المجلس, كان فيانور يتمشى بسلاحه الكامل وخوذته على رأسه وسيفه الجبار على جانبه, فقال لأخيه: هكذا إذاً, كما توقعت! أخي غير الشقيق, سيكون قبلي عند أبي, في هذه كما في بقية الأمور, ثم سحب سيفه وقام بمهاجمة فينغولفين وهو يصرخ قائلاً: خذ نفسك واذهب إلى المكان الذي يناسبك.

انحنى فينغولفين أمام فَينوي وغادر المجلس بدون أية كلمه أو نظرة لفيانور. لكن فيانور تبعه وأوقفه عند باب بيت الملك واضعاً رأس سيفه اللامع على صدر فينغولفين. وقال انظر يا أخي غير الشقيق: هذا السيف أَحَدُّ من لسانك. حاول مرة أخرى اغتصاب مكاني ومحبة أبي, فربما سيخلص هذا السيف نولدور من واحد كان يسعى لأن يكون سيد العبودية.

سمع كثيرون هذه الكلمات لأن بيت فَينوي كان في الساحة الكبيرة تحت ميندون. ومرة ثانية لم يَرُدَّ فينغولفين بأية كلمة. ثم مرَّ من خلال الحشد بصمت وذهب قاصداً أخاه فينارفين.

في الحقيقة لم تكن الفتنة في نولدور خافيةً عن الڤالار, لكن بذورها كانت قد بُذرت في الظلام. فمنذ أن تكلم فيانور بشكل سافر ضدهم, وهم مدركين بأن محرك السخط ضدهم سيكون فيانور لكونه مشهورٌ وقوي الإرادة ومتغطرس. مع أن كل نولدور أصبحوا متكبرين. حزن مانوي وكان يراقب كل شيء لكنه لم يقل أية كلمة. فالڤالار كانوا قد أحضروا إيلدار إلى أرضهم بحرية إما للسكن أو للمغادرة. ومع أنهم قد يرتكبون حماقة بالمغادرة, لكن مع ذلك  فلن يمنعوهم من الرحيل. لكن بالمقابل لا يمكن لأفعال فيانور هذه أن تمر دون عقاب. فلقد كان الڤالار غاضبين ومستائين من أعماله, لذلك استدعوه للمثول أمامهم عند أبواب ڤاليمار, لتوضيح كل كلامه وأفعاله. واستدعوا معه إلى هناك أيضاً كل شخصٍ كانت لديه معلومةً عن أي جزء من هذه المسأله أو أي شيء عنها. وقف فيانور أمام ماندوز في دائرة الحساب وأُمر بأن يجيب على كل الأسئلة. وعند إجاباته على أسئلة الڤالار انكشف أساس المشكلة وانكشف معها خبث ميلكور. وحالاً غادر تولكاس المجلس مسرعاً ليلقي القبض على ميلكور ويجلبه إلى القضاء ثانيةً. بالمقابل فإن فيانور لم يكن بريئاً لأنه كسر سلام ڤالينور, وسحب سيفه على قريبه. فقال له ماندوز: تتكلم عن العبودية. فلو كانت هناك عبودية فلا يمكنك الهرب منها, لأن مانوي هو ملك أردا وليس ملك أمان فقط. وعملك هذا غير شرعي. لا في أمان أو لا في غيرها. لذا فجزاؤك ما يلي: سترحل عن تيريون وهي المكان الذي تلفظت به بتهديداتك ولمدة اثنتي عشرة سنه, وفي تلك الفترة تشاور نفسك وتتذكر كيف سيكون طريقك, لكن بعد ذلك الوقت فإن هذه المسألة يجب أن تُحل بسلام, وتحمل الصلح إذا اطلق الآخرون سراحك.

عندها قال فينغولفين: أنا سأعفو عن أخي. لكن فيانور لم يجب بأية كلمه. بل بقي صامتاً أمام الڤالار, ثم استدار وترك المجلس راحلاً عن ڤاليمار.

ذهب معه إلى منفاه أبناءه السبعة. فصنعوا هنالك مكاناً قوياً وخزنة في التلال الواقعة في الجهة الشمالية من ڤالينور. وهناك في فورمينوس كانوا قد خزنوا الكثير من المجوهرات والأسلحة أيضاَ. وأقفلوا على السيلماريلس في غرفة من حديد. ثم تبعهم إلى هناك أيضاً الملك فَينوي. بسبب حُبهِ لفيانور. ونصّب بدلاً عنه فينغولفين كحاكمٍ لنودور في تيرون. وهكذا أظهرت الحقيقة أكاذيب ميلكور. على الرغم من أن أفعال فيانور هي التي سمحت لهذه الأكاذيب بأن تعيش. فقد عاشت الآلام التي زرعها ميلكور طويلاً بعد ذلك واستمرت بين أبناء فينغولفين وأبناء فيانور.

علم ميلكور بأن مكائده قد كشفت فأخفى نفسه وراح ينتقل من مكان إلى مكان آخر كغيمة فوق التلال. بحث عنه تولكاس كثيراً لكن دون جدوى. بعد ذلك بدا إلى شعب ڤالينور بأن ضوء الأشجار أصبح خافتاً في ذلك الوقت. وأصبحت معه ظلال كل الأشياء الواقفه طويلةً وقاتمةً أكثر.

يروى بأنه ولفترة من الوقت لم يعد يُرى ميلكور ثانية في ڤالينور ولم تسمع عنه أخبارٌ أبداً. حتى ظهر فجأةً في فورمينوس, فتكلم مع فيانور أمام الباب مختلقاً صداقًة بحجج وخدع. وأخذ يحث فيانور على تكرار تفكيره السابق والإفلات من قيود الڤالار, وقال له: ها هي الحقيقة تظهر في كل ما كلمتك به, وكيف كانت طريقة نفيك ظالمةً, لكن إذا كان لايزال قلب فيانور حراً وجريئاً كما كان كلامه في تيريون. فأنا سأساعده وأبعده عن هذه الأراضي الهزيلة الضيقة. ألست أنا ڤالا أيضاً ؟ نعم إنني ڤالا أكثر من أولئك الذين يجلسون متفاخرين في ڤاليمار, وقد كنت فيما مضى صديقاً لنولدور أمهر شعوب أردا وأكثرها شجاعةً.

مازال قلب فيانور يعاني من مرارة إذلال ماندوز له, فأخذ ينظر إلى ميلكور في صمت ويتأمل إذا كان سيثق به مرة أخرى لمساعدته على الفرار. لاحظ ميلكور هذا التردد لدى فيانور, ويعلم بأن السيلماريلس كانت قد استولت على عقل فيانور واستعبدت قلبه. فقال له أخيراً: صحيح أن هذا المكان قوي ومحروس بشكل جيد جداً. لكن لا أعتقد بأنه يوجد خزنة آمنة للسيلماريلس في كل مملكة الڤالار.

لكن في هذه المره فقد جاوز مكرهُ كلّ حد, لأن كلماته لامست الأعماق, وأيقظت ناراً أكثر مما كان يتصور. عندها نظر إليه فيانور بعيونه التي لمعت وهي ترى مظهره الصافي مخترقةً كل الحُجب عن عقله. وأدرك رغبة ميلكور العنيفة للسيلماريلس, فتغلبت كراهية فيانور على خوفه. وقام بلعن ميلكور وطرده قائلاً: ابتعد عن بابي اذهب يا سجين ماندوز. ثم أقفل باب بيته بوجه الشخص الأكثر جبروتاً من بين كل ساكني إيا.

غادر ميلكور مخزياً لأنه هو نفسه كان في خطر. ورأى بأنه لم يأتِ وقت الانتقام بعد. لكن قلبه كان مسوّداَ من الغضب. خاف فَينوي كثيراً وأرسل إلى مانوي في ڤالمار.

كان الڤالار جالسون في المجلس خلف أبوابهم خائفين من ازدياد طول الظلال, عندما جاءتهم الرسل من فورمينوس وحالاً وقف كلٌ من أورومي وتولكاس. وبينما هما كذلك يستعدان لملاحقة ميلكور جاء آخرون من إيلدامار, وأخبروهم بأن ميلكور قد هرب من خلال كالاكيريا, فقد شاهده الجان من تل تونا وهو يعبر بغضب مثل غيوم الرعد القاتمة. وقالوا أيضاً بأنه استدار من هناك نحو الشمال. لأن تيليري الساكنين في ألكوالوندي شاهدوا الظلال تمر من خلال مرفأهم باتجاه أرامان.

هكذا غادر ميلكور أرض ڤالينور. ولفترة من الوقت عاد إشراق الشجرتين غير مظللتين. وامتلأت الأرض مجدداً بالضوء, وعبثاً حاول الڤالار معرفة أخبار عدوهم لكن كل ذلك كان دون جدوى. فقد كانت أخباره بعيدة كغيمة عالية تلوح في الأفق البعيد, ولدت على ريح بطيئة باردة. أفسد الشك بهجة سكان أمان لخوفهم وجهلهم من كمية الشرِّ المتربصة بهم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

F2f   الفصل الثامن تعتيم ڤالينور


          عندما سَمعَ مانوي عن الطرقِ التي سلكها ميلكور، بَدا واضحاً له بأن ميلكور قد صمّمَ على الهرب إلى معاقلِه القديمةِ شمال الأرض الوسطى. لذلك ذهب أورومي وتولكاس بأقصى سرعة نحو الشمال بغية اللحاق به. لكنهما لم يجدا أي أثر أو إشاعة خلف شواطئ تيليري, في القفار الخالية من السكانِ التي كانت قريبةً من المناطق المتجمدة. بعد ذلك ضاعفوا المراقبة على طول الحدود الشماليةِ لأراضي أمان, لكن من دون نتيجة, لأن ميلكور كان قد عاد ومرّ بسريةٍ مبتعداً إلى الجنوبِ قبل وضع المراقبة. ولأنه واحد من الڤالار فبإمكانه تغيير شكلَه، أَو السير عارياً كأحد أخوته. مع ذلك, فإن تلك القوَّةِ سيفقدها قريباً وإلى الأبد.

هكذا جاءَ ميلكور أخيراً غير مرئيٍ إلى المنطقةِ المُظلمةِ من أفاثار. وهي تلك الأرض الضيقة الممتدة إلى الجنوب من خليج إيلدامار، تحت السفوح الشرقية لجبال بيلوري. وتمتد شواطئَها الطويلة الكئيبةً إلى الجنوب. كانت هذه الشواطئ معتمة وغير مكتشفه. هناك تحت المنحدرات الحادة للجبال وبرودة البحر المُظلم، كَانتْ الظلال أعمق وأثخن من أي منطقة في العالمِ, وهناك في أفاثار وبشكل سريٍّ ومجهول، صنعت أونغوليانت مسكنها. لم يعرف إيلدار من أين أتت. لكن البعض قالوا بأنها كانت من أوائل المخلوقات التي حرفها ميلكور من أجل خدمته, أثناء الزمن القديم عندما نظر ميلكور بدايةً بالحسد لمملكة مانوي في أردا. لكن أنغوليانت رَفضتْ تَملُكَ سيِّدَها لأَنها كانت راغبةً بأنْ تكونَ سَيدةَ شهوتها. فَأَخذتْ كلَّ شيءٍ لنفسها ولإشباعِ جوعِها, وكانَتْ قَدْ هَربَتْ إلى الجنوبِ للإفلاتِ منْ اعتداءاتِ الڤالار وصيادوْ أورومي. ولأن الڤالار كانوا قد أعطوا انتباهَهُمْ للشَّمالِ فقطْ ولمْ ينتبهوا كثيراً للجنوبْ, فقد تسللت أونغوليانت مِنْ هناكَ إلى المملكةِ المباركةْ لأنها كانت جائعة للضوءِ لكنها تكرههُ أيضاً بنفسِ الوقتْ.

عاشت أونغوليانت في الوادي وتشكلتْ كعنكبوتٍ لها شكلٌ بشعٌ, تنسجُ شبكاتها السودْ في شقوقِ الجبالْ. هناك امتصت كلَّ الضوءِ الموجود, ثم عادتْ ونسجتْ عليها ثانيةً شبكاتٍ مظلمةٍ خانقةٍ وكئيبة. حتى لا يتمكنَّ الضوءُ من الدخولِ أكثرَ إلى مسكنها. ودائماً ما تكونُ جائعةً فهي لا تشبعْ.

جاءَ ميلكور إلى أفاثار ساعياً لإخراجها من مسكنها. فقد وضعَ على نفسهِ ثانيةً الشكلِ الذي ظهر فيه كطاغية في أوتومنو, سيد الظلام طويل القامة المرعبْ. وعلى هذه الهيئة بقي شكله إلى الأبد. هناك في الظلال السوداء، تآمر ميلكور مَع أونغوليانت لكي ينتقم من الڤالار. خلف كل الأبصار حتى عن بصر مانوي من قاعاتِه العليا. ولكنها عندما فَهمَت أهداف ميلكور, تمُزّقتْ بين الشهوة والخوف العظيم وقالت بأنها لن تتحرك من مخبأها, لأنها كانت تكره تحدي الخطر والقوة المروعة لسادة أمان. عندئذ قال لها ميلكور: افعلي ما أطلبه منك, وإن بقيتي جائعة بعد أن ينتهي كل شيء, فعندها كل ما تشتهيه وتطلبيه مني سأقدمه لك, نعم وبكلتا يدي, وأقسم على ذلك. ثم أقسم بخفةٍ بأنه سيوفي عهده معها, كما فعل فيما سبق, لكنه ضحك في قلبه. فهكذا يَنْصُبُ اللص الأكبر الفخ إلى اللِّص الأصغر.

نسجت أونغوليانت غطاءً من الظلام حولهما عندما خرجت هي وميلكور. فبدون الضوء تكون كل الأشياء غير واضحه, ولا تستطيع أية عيون أن ترى شيئاً. ثم بدأت ببطء تنسج شباكها, حبلٌ بحبلٍ من شقٍ إلى شق, من نتوء صخرة إلى ذروة الحجارة, متسلقةً دائماً للأعلى, تزحف وتتعلق حتى وصلت إلى قمة هايرمينتير تماماً, وهو أعلى جبل في تلك المنطقةِ مِنْ العالمِ. ويقع أقصى جنوب تَني كويتيل العظيم. هناك لم يكن الڤالار متيقظين لأنه في الغرب من بيلوري كانت تقع أراضي الغسق الفارغة, ومن الجهة الشرقية تطل عليها الجبال باستثناء أفاثار المنسية, ومياه البحر المظلم الذي لا ممرات له. استلقت أونغوليانت المُظلمه على قمة الجبل, وصنعت سلماَ من الحبال المجدولة ثم ألقته لميلكور, تسلق ميلكور عليه حتى وصل إلى القمة ثم وقف بجانبها ينظر إلى المملكة المحروسة. وتحتهم مباشرةً كانت تقع غابة أورومي. ومن غربهم تلمع حقول ومراعي ياڤانَا والسنابل الذهبية لقمح الآلهة الطويل. نظر ميلكور نظرة خاطفة إلى الشمال فرأى من بعيد السهل المشرق وقباب ڤالمار الفضية تلمع من اختلاط أضواء تيلبيريون ولاوريلين. فضَحكَ جهورياً وقَفزَ مسرعاً إلى أسفل المنحدراتِ الغربيةِ الطويلةِ وكانت أونغوليانت بجانبه والظلمة تغطيهما.

الآن وقت الاحتفال, كما يعرف ذلك ميلكور جيداً. على الرغم من أن المد والجزر وكل المواسم والفصول كانت بإرادة الڤالار ولم يكن هناك شتاءٌ قاتل في ڤالينور, مع كل هذا فقد سكن الڤالار في مملكة أردا - وماهي إلا مملكة صغيرة ضمن قاعات إيا. الذي حياته الزمن المتدفق دائماً عبر إيرو. من أول علامة موسيقية حتى آخر نغمة. (كما أخبرَنا في آينوليندالي).- وأخذوا شكل أبناء إلوڤاتار وتصرفوا مثلهم, في ارتداء الملابس ووالمأكل والمشرب, وجمع ثمار ياڤانَا من الأرض, وفعلوا كل ذلك تحت إيرو.

لذا فقد جعلت ياڤانَا أوقاتاً معينةً للإزهار وأخرى لإنضاج الأشياء التي تنمو في ڤالينور, وقد عمل مانوي عيداً لتمجيد إيرو, عند كل اجتماعٍ لجني أوائل الثمار. فكان يخرج كل شعب ڤالينور للاحتفال ويصنعون الموسيقى والأغاني على تَني كويتيل, والآن وقت الاحتفال. فقد أمر مانوي بأن يكون هذا العيد أكثر تمجيداً من كل الأعياد التي كانت منذ مجيء إيلدار إلى أرضأمان إلى الآن. مع أن هروب ميلكور كان ينذر بمجيء الهم والحزن. وبالحقيقة لا أحد يمكنه أن يتوقع أبعاد الحزن الذي سيقع على أردا, قبل أن تهدأ ثانيةً. وفي ذلك الوقت كان مانوي قد صمم على استئصال الشر الذي ظهر بين نولدور, فطلب من الجميع أن يأتوا إلى قاعاته على تَني كويتيل, وليضعوا الحزن الذي وقع بين أمرائهم جانباً, ولينسوا تماماً أكاذيب عدوهم. فجاءت إلى هناك كل ڤانيار ونولدور من تيريون وتجمَّع الميّار مع بعضهم, واصطف والڤالار بجمالهم وفخامتهم, وغنوا كلهم أمام مانوي وڤاردا في قاعاتهم العاليه. ورقصوا على السفوح الخضراء للجبل الذي يطل على الأشجار من جهة الغرب. وفي ذلك اليوم كانت شوارع ڤالمار خالية, وسلالم تيريون صامته, والأرض تغط في نومها بسلام. فقط تيليري بقوا وراء الجبال يغنون على شواطئ البحر, لأنهم لم يعيروا الفصول الكثير من الاهتمام. ولم يعطوا أي اهتمام لحكام أردا, أو للظلال التي سقطت على ڤالينور, لأنها لحد الآن لم تلامسهم بعد.

شيء واحد فقط أفسد تصميم مانوي, فقد جاء فيانور فعلاً لأن مانوي بعث إليه دعوة أمرهُ فيها بالمجيء. ولكن فينوي لم يأتِ لا هو ولا أي شخص آخر من النولدوريين المقيمين في فورمينوس, لأن فَينوي كان قد قال: سأحتفظ بنفسي مخلوعاً عن الحكم ولن ألتقي بأحد من شعبي مادام قرار نفي ابني عن تيريون قائماً. ولم يرتدي فيانور لباس الإحتفال ولا أية حلية أخرى أكانت من فضة أو ذهب أو أي حجر كريم آخر. وأنكر على الڤالار وإيلدار مشاهدة السيلماريلس, فأبقاهم محبوسين في غرفتهم الحديدية في فورمينوس. على الرغم من ذلك فقد التقى مع فينغولفين وتصالح معه بالكلام وتصافحا أمام عرش مانوي. ولم يهتم فينغولفين أبداً لقضية سحب السيف عليه, فرفع يده قائلاً: كما وعدت فيما سبق ها أنا ذا الآن أوفي بوعدي وأحررك ولن أذكر أية شكوى.

سحب فيانور يده ولم ينطق بأية كلمة, لكن فينغولفين قال: أخٌ غير شقيق في الدم, أخ كامل في القلب هكذا سأكون, أنت القائد وأنا أتبعك, ولن تكون هناك تفرقة أو حزن كما مضى.

أجابه فيانور: سمعتك, هكذا سيكون. لكنهما لم يعرفا المعنى الذي ستؤدي إليه كلماتهما.

وقيل بأنه بينما كان فيانور وفَينْغولفَينْ واقفين أمام مانوي جاء اختلاط الأضواء الممزوج من إشراق الشجرتين. وامتلأت مدينة ڤالمار الصامتة بتألق الفضة والذهب. وفي تلك الساعة بالذات جاء ميلكور وأونغوليانت مسرعين عبر حقول ڤالينور. وكانا كظلال غيمة سوداء محمولة على أساطيل الريح إلى الأرض المضاءة بالنور. حتى وصلا إلى أمام التل الأخضر ايزيللوهار. عندها ارتفعت عتمة أونغوليانت حتى غطت جذور الأشجار. فقفز ميلكور على التل وضرب برمحه الأسود كل شجرة عميقاً في قلبها. فسال نزيفهما كالدم منسكباً على الأرض. لكن أونغوليانت امتصته وانتقلت هكذا من شجرة إلى أخرى ووضعت فمها الأسود على جراحهما حتى سحبت كل عصاراتهما وجففتهما, ثم نفثت فيهما سم الموت الذي كان فيها. فأذبلت الجذور والأوراق والفروع, ثم ماتتا. رغم كل ذلك فمازالت عطشى, لذلك ذهبت إلى آبار ڤاردا لتشربهم وتجففهم. وكانت أونغوليانت تتجشأ أبخرة سوداء كلما شربت. بقيت هكذا حتى انتفخت إلى شكل واسع قبيح. حتى إن ميلكور كان خائفاً منها.

حل الظلام العظيم على ڤالينور. وقد ذكرت أكثر أعمال ذلك اليوم في ألدوديناي,(رثاء الأشجار), وهي المراثي التي قالها إيليميري من ڤانيار المعروف في كل إيلدار. رغم ذلك لا أغنية ولا حكاية كان بإمكانها احتواء الحزن والرعب الذي حدث يومها. فقد اختفى الضوء. وكان حلول الظلام بعد ذلك أكثر من فقدان الضوء. ففي تلك الساعة صُنع ظلامٌ بدا وكأنه لا يتناقص لكأنه شيء وجد من تلقاء نفسه. لأنه بالحقيقة خُلق بالحقد خارج الضوء. فكانت لدية القوة ليخترق العيون ثم يدخل إلى القلب والعقل ليخنقهما.

نظرت ڤاردا إلى أسفل تَني كويتيل فرأت الظل يرتفع فجأة كأبراج من الكآبة, لقد غرقت ڤالمار في بحر عميقٍ من الليل, وبعد قليل وقف الجبل المقدس وحيداً كجزيرة أخيرة للعالم الذي أُغرق, كل الأغاني توقفت, وساد الصمت في ڤالينور, فلا صوتَ يمكن أن يسمع إلا صوتٌ آتٍ مع الريح عبر ممرات الجبال, كان نوح تيليري كبكاء النوارس البارد, له رعشةٌ إذ يهب من الشرق في تلك الساعة. واتسعت الظلال على البحر متتابعة قبالة الشواطئ. لكن مانوي من مقعده العالي نظر خارجاً, فعيونه هي الوحيدة القادرة على النظر من خلال الليل, فرأت عيناه ظلاماً ما بعده ظلام, حتى عيون مانوي لم تستطع اختراقه, ورأى هيئتين ضخمتين لكن بعيدتين جداً. تتحركان بسرعة عالية باتجاه الشمال. عرف مانوي بأن ميلكور قد جاء وذهب. فبدأت المطاردة, واهتزت الأرض تحت خيول جيش أورومي وانطلقت النار من تحت حوافر ناهار, وكانت تلك النار هي الضوء الأول الذي عاد إلى ڤالينور. لكن بعد قليل جاءت سحابة قاتمة من أونغوليانت فأعمت عيون خَيَّالة الڤالار, فأصابهم الفزع وتفرقوا عن بعضهم فلم يعرفوا إلى أين يذهبوا أو إلى أي اتجاه. تعثر صوت فالاروما وسقط. أمّا تولكاس فقد علق في هذا الليل في الشبكة السوداء, وبقي واقفاً يقاوم لكنه أصبح عاجزاً وقد ضعفت قواه, وراح يضرب في الهواء لكن دون جدوى. وعندما مر الظلام وقد كان الوقت مؤاتياً. ذهب إليه ميلكور حيث هو في الشبكة وأنجز انتقامه من تولكاس.

 

 

 

 

 

;2:                                                                                                       الفصل التاسع هروب نولدور

 
          بعد مدة من الزمن التقى جمعٌ غفيرٌ في دائرة الحساب. ولأن الوقت كان ليلاً فقد جلس الڤالار في الظل, ونجوم ڤاردا تلمع في السماء فوقهم. وأصبح الهواء صافياً لأن رياح مانوي أبعدت أبخرة الموت وبددت ظلال البحر. ثم ظهرت ياڤانَا ووقفت على التل الأخضر ايزيللوهار, بعد أن أصبح عارياً وأسود. وضعت يديها على الأشجار. لكنهم كانوا موتى ومظلمين. وكلما كانت تلمس أحد الفروع, كان يسقط ويتكسر عند قدميها بلا حياة. عندها ارتفعت أصواتٌ كثيرةٌ بالرثاء والعويل. فبدا وكأنه ندبٌ أو كأنهم لتوهم قد فرغوا من شرب كأس الكآبة التي جهزها لهم ميلكور, لكن الحقيقة كانت غير ذلك.

تكلمت ياڤانَا أمام الڤالار قائلةً: لقد انتهى ضوء الأشجار, وسيكون ضوء الحياة اعتباراً من الآن فقط هو من أضواء السيلماريلس التي صنعها فيانور, وهو يعي ذلك. حتى بالنسبة لأولئك الذين هم الأقوى تحت إلوڤاتار, فهنالك بعض الأعمال التي لا يمكن أن تنجز إلا مرة واحدة فقط. فقد استطعت أن أجلب ضوء الأشجار لكي يكون ضمن إيا لمرة واحده وهذا الفعل لا يمكنه أن يحدث مرة ثانية, رغم ذلك فهنالك القليل من الضوء الذي يمكنني أن استرده من أجل حياة الأشجار قبل أن تفسد جذورها. وبعد ذلك يجب أن تعالج جراحنا. لكي نستطيع رد حقد ميلكور.

ثم تكلم مانوي قائلاً: لقد سمعت يا فيانور بن فَينوي كلام ياڤانَا؟ فهل تريد أن تمنحها ما ستطلبه منك ؟.

ساد صمتٌ طويل بعد ذلك ولم يجب فيانور بأية كلمة, فصرخ به تولكاس وقال: تكلم أيها النولدوري قل أي شيء, نعم أو كلا ! لكن تذكر من ذا الذي سيرفض طلب ياڤانَا! أَوَلمْ تأتيبداية ضوء السيلماريلس من عملها.

لكن أوليي الصانع قال: لا تكن متسرعاً, نحن نسأل شيئاً أعظم من معرفتك. دع هذا الشيء ليكون بسلام بعد فترة.

لكن فيانور تكلم بمرارة قائلاً: في الأعمال الصغيرة كما في الكبيرة والعظيمة, وهذه أيضاً لا يمكن أنجازها إلا مرة واحدة فقط, وفيها راحة القلب. قد أستطيع فتح مجوهراتي لكن ذلك لن يحدث مرة أخرى مطلقاً ولن أستطيع صنع مثيلٍ لهم ثانيةً, ولكي أخرجهم يجب علي أن أكسرهم وبذلك العمل أكسر قلبي, وأكون أول قتيل من كل إيلدار في أرض أمان.

فقال ماندوز لست الأول, لكنهم لم يفهموا قصده. ثم ساد الصمت ثانيةً, وأحسَّ فيانور  بأنه محتضن بالظلام, فبدا وكأنه هوجم في حلقة من الأعداء. وعادت إلى ذهنه كلمات ميلكور عندما قال له بأن السيلماريلس لن تكون آمنه إذا أراد الڤالار امتلاكها, وقال في نفسه, أوليس ميلكور ڤالا مثلهم! فلن أستطيع فهم قلوبهم, نعم فاللص هو من سيكشف اللصوص, ثم صاح جهورياً: لن أفعل ذلك طواعية, لكن إذا أجبرني الڤالار على ذلك فعندها سأعرف بأنهم فعلاً أقرباء ميلكور.

فقال له ماندوز: أتعني ما تقول؟ ثم ظهرت نايننا وصعدت على ايزيللوهار, وألقت بقلنسوتها الرمادية إلى الخلف كاشفةً عن رأسها, وغسلت بدموعها نجاسات أونغوليانت, وغنت نادبةً بحزن لأوجاع العالم وفساد أردا.

وبينما كانت لا تزال نايننا تنوح وتندب. جاء الرسل من فورمينوس حاملين أخباراً شريرةً من نولدور, فأخبروا كيف أن ظلاماً يعمي الأبصار جاء من الشمال, ومشت في وسطه بعض القوة المجهولة التي تنشر الظلام, وكان ميلكور معها أيضاً. وأخبروهم بأن ميلكور ذهب إلى بيت فيانور وقام بذبح فينوي ملك نولدور أمام أبواب بيته. لأن فينوي كان هو الوحيد الذي لم يهرب من رعب الظلام وكان دمه أول دم يراق في العالم المبارك. وقالوا أيضاً بأن ميلكور كسر معقل الـفورمينوس وأخذ كل جواهر نولدور التي اكتنزوها هناك, حتى أن السيلماريلس اختفت أيضاً.

عندها نهض فيانور, ورفع يديه أمام مانوي ولعن ميلكور, وكان قد أطلق عليه اسم مورغوث أي الخصم الأسود للعالم. وفيما بعد لم يعرف ميلكور إلا بهذا الاسم في إيلدار دائماً وابداً. ولعن فيانور أيضاً دعوة مانوي له والساعة التي جاء بها إلى تَني كويتيل. وفكر في جنون غضبة وحزنة. فلو أنه كان في فورمينوس فإن قوته كانت ستنفع أكثر من أن يُذبح أيضاً, كما كان يخطط له ميلكور. بعدها هرب فيانور من دائرة الحساب إلى الليل. فأبوه كان عنده أغلى من ضوء ڤالينور وأعمال يديه الفريدة. لأن كل أبناء البشر أو الجان يحملون قيماً عظيمةً لآبائهم.

حَزن كثيرون لآلام فيانور, لكن من جهة أخرى فلم تكن الخسارة له لوحده بل كانت تخص الجميع. كذلك بكت ياڤانَا عند التل من الخوف لأن ذلك الظلام سوف يبتلع الأشعة الأخيرة لضوء ڤالينور إلى الأبد. ولم يفهم الڤالار لحد الآن ماذا حدث بالضبط. لكنهم أدركوا بأن ميلكور كان عنده مدعوّة قدمت له بعض المساعدة وقد أتت فيما أبعد من أردا. أما بالنسبة للسيلماريلس فقد اختفت وانتهت. وكذلك قد يبدو سواء قال فيانور لياڤانا نعم أو لا. رغم أنه كان قد قال نعم في بادئ الأمر قبل أن تأتي الأخبار من فورمينوس, فلو حصل ذلك لربما كانت لديه أعمال غيرهم فيما بعد ولن تكون السيلماريلس آخر أعماله, لكن يبدو بأن قدر ومصير نولدور قد اقترب كثيراً الآن.

في غضون ذلك هرب مورغوث من مطاردة الڤالار. فقد وصل إلى الأراضي القفر من أرامان. وتقع هذه الأرض بين جبال بيلوري والبحر العظيم شمالاً وأفاثار جنوباً. لكن أرامان كانت أرض شاسعة تمتد بين الشواطئ والجبال, وهي عبارة سهولٍ قاحلةٍ باردة جداً مثل برودة الجليد. عبر مورغوث وأونغوليانت هذه المنطقة بسرعة, مرّا من هناك كسحب عظيمة من اويوموري إلى هيلكاراكسي. حيث المضيق المليء بالجليد بين أرامان والأرض الوسطى. ورجعا في نهاية المطاف إلى شمال الأرض الخارجية. فقد ذهبا معاً. لأن مورغوث لا يستطيع التملص من أونغوليانت فغيمتها ماتزال عليه وكذلك عيونها. وصلا إلى تلك الاراضي التي تمتد إلى الشمال من اللسان البحري درينغيست. والآن اقتراب مورغوث أكثر من خراب أنغباند الذي كان في ما سبق معقله الغربي العظيم. فأدركت أونغوليانت هدفه وعرفت بأنه يريد الهروب منها فأبقته وطلبت منه أن ينجز وعده.

فقالت له: أيها القلب الأسود لقد أَنجزتُ ما طُلبَ مني ولكني مازلتُ جائعة. فقال لها مورغوث: وماذا تريدين أكثر ؟ هل تريدين أن يكون كل العالم في بطنك؟ فأنا لم أقسم على إعطائك تلك الأشياء, فهل أنا سيدها.

قالت أونغوليانت: ليس ذلك بكثير, فلديك كنزٌ عظيمٌ من فورمينوس, وأنا سآخذ كل ذلك, نعم, وبكلتا يديك ستعطيني إياه, ألم تقسم على هذا؟.

عندها تنازل لها مورغوث مضطراً عن المجوهرات التي حملتهم معه. فكان يعطيها إياهم الواحدة تلو الأخرى بتذمر. وكانت تلتهمهم فقضت على جمالهم من العالم. وتضخم حجمها وأصبحت قاتمة ومظلمةً جداً. مع كل ذلك فلم تشبع رغبتها بعد, وقالت له: بيد واحده أعطيتني, وباليسار فقط. افتح اليمنى.

كان مورغوث مطبقاً في يده اليمنى على السيلماريلس, وعلى الرغم من أنهم كانوا محبوسين بصندوق بلّوري. فقد آذوه ومع كل ذلك الألم أبقى يده مضمومة ولم يفتحها وقال لها: صحيح أنك قمت بمساعدتي لكن بفضل القوة التي وضعتها فيكِ كان عملك بارعاً. ولن أحتاجك بعد الآن أبداً, أما بالنسبة لهذه الأشياء فلن تكون لك, ولن تريهم مطلقاً. لأنني اخترتهم لنفسي إلى الأبد.

تعاظم حجم أونغوليانت أكثر بعدما سمعت منه هذا الكلام, فقد كان أقل منها بالقوة مع أن قوتها قد خرجت منه. فما كان منها إلا أن انتصبت أمامه مطبقةً عليه بغيمتها ولفت شبكتها حوله, ثم أطبقت عليه بملاقطها لتخنقه, عندها أطلق مورغوث صرخةً فظيعةً ترددت في الجبال. لذلك دعيت تلك المنطقة, لامووث لأن أصداء صوته بقيت تسكن هناك إلى الأبد. ولذلك كل من يصرخ في تلك الأرض بشكل جهوري فقد يوقظ صراخ مورغوث من جديد. امتلأت كل مناطق القفر بين التلال والبحر بصخب صرخات الألم. فقد كان بكاء مورغوث في تلك الساعة هو الأعظم والأكثر إخافة من بين كل الأصوات التي سُمعت في العالم الشمالي. فلقد اهتزت الجبال وارتعدت الأرض وتفتت الصخور. وسمع صوت بكائه إلى أعمق الأماكن المنسية تحت قاعات أنغباند الرطبة. فما زال البالروغز يعيشون في أقبيتها وسراديبها التي لم ينزل إليها الڤالار أثناء هجومهم السريع الذي حصل فيما مضى, ومازال هؤلاء البالروغز مترصدين منتظرين عودة سيدهم, وعند سماعهم لصوته ظهروا بسرعة, ومرّوا من فوق هيثلوم, ثم وصلوا إلى لامووث كعاصفةٍ من نارْ. ضربوا شبكة أونغوليانت بسياط اللهب فقَطَّعوا أوصالها. خافت أونغوليانت وهربت تتجشأ أبخرة سوداء لكي تغطيها. نزلت إلى بيليرياند هاربةً من الشمال وسكنت تحت إيريد غورغوروث. في ذلك الوادي المظلم الذي أصبح اسمه فيما بعد نان دونغورثيب, وادي الموت المخيف. بسبب الرعب الذي كان قد ولد هناك من جراء تفقيس مخلوقات كريهة أخرى من العناكب التي سكنت هناك من أيام حفر أنغباند. فتزاوجت أونغوليانت معهم ثم التهمتهم. حتى أَنَّ أونغوليانت نفسها ذهبت إلى المناطق المنسية جنوب العالم. هناك مسكن نسلها وشبكاتهم القبيحة. وفيما بعد لم تُعرف حكاية تخبر عن أونغوليانت. رغم ذلك فقد قال البعض بأنها ماتت أو انتهت منذ عهد بعيد, لأنها جاعت كثيراً فالتهمت نفسها في آخر المطاف وانتهت.

وهكذا فإن خوف ياڤانَا من أن تكون السيلماريلس قد ابتُلعت وسقطت إلى العدم لم يحدث. لكنهم بقوا تحت سلطة مورغوث, وها هو الآن عاد حراً من جديد فبدأ بجمع خدمة الذين قد يجدهم ثانية. وصل مورغوث إلى خراب أنغباند وهناك عكف من جديد على الحفر ثانية وأعاد بناء سراديبه وأقبيته الواسعة وحصونه. ونصب فوق بواباتها ثلاثة قمم وهي ثانغورودريم التي تفوح منها رائحة عفونة كبيرة والدخان الأسود يضللهم دائماً. هناك تضاعفت حشود شياطينه ووحوشه, فأصبحت كثيرة لا تعد ولا تحصى. وفقس عِرق الأوركس قبل فترة طويلة فنما وتضاعف في أمعاء الأرض. وسقط ضل الظلام على بيليرياند, كما علمنا فيما بعد.

صاغ مورغوث لنفسه تاجاً عظيماً من الحديد في أنغباند, ودعا نفسه ملك العالم. وكرمز على ذلك فقد وضع السيلماريلس في ذلك التاج. وكانت يديه قد احترقتا عندما لمس تلك المجوهرات المقدسة. وبقيت أيديه سوداء إلى الأبد. ولم يتخلص من ألم الاحتراق والغضب الناتج عن الألم. مع ذلك, فلم يخلع ذلك التاج عن رأسه أبداً, وقد أصبح وزنه يزداد بشكل متعب ومميت. ولم يغادر مكان سلطانه في الشمال إلا مرة واحده فقط عندما ذهب سراً ولفترة قصرة. في الحقيقة نادراً ما ترك الأماكن العميقة من قلعته. لكنه يحكم جيوشة من العرش الشمالي. ولم يستخدم السلاح هو شخصياً حينما كانت مملكته قائمة إلا مرة واحدة.

بسبب تواضع مجده أكثر من أيام أوتومنو, فقد التهمته الكراهية والحقد وصرف روحه في الهيمنة على خدمه وإثارة رغبة الشر فيهم. بالرغم من كل ذلك فقد بقي كواحد من الڤالار في عظمته لمدة طويلة, مع أنه اتجه إلى الإرهاب. وأمام وجهه الهائل كل الأمان غرق في حفرةٍ مظلمةٍ من الخوف.

عندما علم الڤالار بأن مورغوث قد هرب من ڤالينور وأن مطاردته أصبحت أمر غير ذي جدوى. جلسوا طويلاً في الظلال في دائرة الحساب. وقف الميّار والڤانيار بجانبهم وبكوا. أمّا الجزء الأكبر من نولدور فقد عادوا إلى تيريون ليندبوا مصيبة مدينتهم الجميلة وما حل بها من الظلام الذي أتاها من انجراف ضباب البحار عبر وادي كالاكيريا الباهت, فغطى أبراجها بالظلمة, وأصبح احتراق مصباح ميندون شاحباً كئيباً.

فجأةً ظهر فيانور في المدينة ودعا الجميع إلى القصر الأعلى للملك على قمة تونا. لكن إدانته بعقوبة النفي لأنه تمرد ضد الڤالار لم تنتهي مدتها بعد. تجمع عدد كبير بسرعة لكي يستمعوا إليه وماذا سيقول. تقافزت جموع الشعب على كل مكان حوله وكل واحد منهم كان يحمل بيده مصباح, فأصبح التل والدرجات والشوارع التي تسلقها الشعب مضاءةً بالكثير من المصابيح. كان فيانور خطيباً بارعاً وتأثير لسانه كبير على القلوب, وبتلك الليلة ألقى خطاباً أمام نولدور بقي عالقاً في ذاكرتهم إلى الأبد, وقد تخللته بعض كلمات العنف والفخر والغضب. فتحرك غضب نولدور وحقدهم بجنون عندما استمعوا إليه, وكان أكثر هذا الغضب على مورغوث. بعد أن علموا بأن كل تلك الأكاذيب كانت قد جاءت من مورغوث نفسه. ومع أنه كان مذهولاً وحزيناً لمقتل أبيه, ومتألماً لاغتصاب السيلماريلس. فقد طالب فيانور بحقه في ملك نولدور, فمنذ وفاة فَينوي لم يعدْ يُقمْ وزناً لمراسيم الڤالار بل على العكس أصبح يسخر منها أيضاً.

صرخ فيانور: لماذا يا شعب نولدور, هذه الخدمة الطويلة للڤالار الغيارى. الذين لا يستطيعون لا حمايتنا ولا حماية مملكتهم من عدوهم. على الرغم من أن مورغوث عدوهم. لكن أليس هو قريبهم أيضاً ؟ ومن هنا فالثأر يدعوني, حتى ولو كان بطريقة أو بأخرى, بأن لا أسكن طويلاً في نفس الأرض التي فيها أقرباء قاتل أبي وسارق كنزي. رغم ذلك فأنا لست الشجاع الوحيد في هذا الشعب الصنديد. أولستم جميعاً فقدتم مَلكَكُمْ؟ وماذا لم نفقد بعد. ألم يحبسونا هنا في هذه الأرض الضيقة بين الجبال والبحر؟.

هنا مرةً كان الضوء, لكن الڤالار ضن به على الأرض الوسطى, أما الأن فالظلام متساوٍ على الكل هنا وفي الأرض الوسطى. هل سنندب قلة حيلتنا هنا للأبد. شعب الظل, نلاحق العتمه, نسقط دموعاَ عقيمة في البحار الناكرة للجميل؟ أم نعود إلى وطننا في كويڤيينين؟ حيث المياه تجري عذبة تحت النجوم الصافية. وأراضٍ شاسعةٌ تتمدد حول أُناسٍ أحرار مازالوا يمشون ويعيشون وينتظروننا هناك. فكيف بحماقتنا تخلينا عنهم. فلنذهب بعيداً ولندع الجبناء يبقون في هذه المدينة.

تكلم فيانور مطولاَ وحثَ نولدور ليتبعوه وبسبب مهارتهم العالية وشجاعتهم فإنهم سيكونون مؤهلين لاكتساب الحرية والعوالم العظيمة في أراضي الشرق قبل فوات الأوان. وراح يقلد ميلكور ويردد أكاذيبه حيث قال: إن الڤالار قد خدعوكم وسوف يحتجزونكم هنا كأسرى لكي يحكم البشر الأرض الوسطى. وبالنسبة للكثيرين من إيلدار كانت هذه هي المرة الأولى التي يسمعون بها عن أولئك الذين سيأتون فيما بعد. ثم صاح مجدداً: على الرغم من أن الطريق شاقٌ وطويل, لكن نهايته ستكون سعيدة, ونقول وداعاً للعبودية, وداعاً للراحة, وداعاً للضعف, وداعاً للكنوز. فمازال يتعين علينا الكثير لنفعله في رحلة النور, اجلبوا سيوفكم معكم, لأننا سنذهب أبعد من أورومي ونتحمل أكثر من تولكاس, فلن نَكفَّ عن مطاردة مورغوث حتى نهاية الأرض. سنستعد لحرب الكراهية الأبدية. وعندما نحصل على النصر ونستعيد السيلماريلس. عندها سنكون وحدنا فقط سادة الضوء الصافي الذي لا تشوبه شائبة. وأسياد البركة الأجمل في أردا. ولن يطردنا نسلٌ آخر من أرضنا.

بعد كل ذلك أقسم فيانور قسماً رهيباً. وقفز أبناءه السبعة إلى جانبه ليؤدوا معه نفس القسم. فسحبوا سيوفهم التي لمعت حمراء كالدم من وهج ضوء المشاعل. وأقسموا قسماً لا يكسره شيء, ولا يأخذه شيء حتى ولو باسم إلوڤاتار. واستدعوا الظلام الأبدي بأن يأتي فوقهم إذا لم يبروا بقسمهم, وليشهد عليهم مانوي وڤاردا وجبل تَني كويتيل المقدس. بأن يقسموا على متابعة الثأر والكراهية إلى النهاية, وفي كل الممالك إن كان في مملكة ڤالا, أو الأوركس, أو الجان, أو البشر الذين لم يولدوا بعد, أو أي مخلوق, عظيماً كان أو صغيراَ شريراً أو خيِّراً. حتى نهاية الأيام. وهذا القسم يقع على كل من يحمل أو يأخذ أو يحتفظ بالسيلماريلس ويحرمهم من ملكيتها.

هكذا تكلم أبناء فيانورالسبعة: مايذروس, ماغلور, كيليغورم, كوروفين, كارانثير, أمرود وأمراس. أمراء نولدور. ارتجف كثرٌ ممن سمعوا هذا القسم. الذي يحوي الكثير من الوعيد خيراً أو شر. وبأنهم لن يكسروا قسمهم. وسيلاحقون حافظ قسمهم أو كاسره إلى نهاية العالم. عندئذٍ تكلم فينغولفين وابنه تورغون ضد فيانور واستفاقت الكلمات العنيفة, واقترب الغضب مرة أخرى من حَدّ السيف, لكن فينارفين وكما هي عادته تحدث بهدوء, وأراد تهدئة نولدور. وإقناعهم بالتوقف للتأمل, لأنه لا يمكن التراجع عن العمل بعد القيام به. والوحيد من بين أبناءه الذي تكلم بطريقة مشابهة له كان ابنه أورودريث. أما فينرود فكان مع صديقه تورغون. لكن غالادريل كانت هي الامرأة الوحيدة من نولدور التي تنتظر نهاية ذلك اليوم الطويل والعصيب من النزاع بين الأمراء وكانت حريصةً على إنهاء النزاع. فهي لم تقسم أي قسم. لكن كلمات فيانور المتعلقة بالأرض الوسطى. أشعلت في قلبها الشوق لرؤية تلك الأراضي الشاسعة غير المحمية, ولحكم ذلك العالم. وكان فينغون بن فينغولفين يفكر بنفس طريقة غالادريل وقد حركته كلمات فيانور أيضاً, مع أنه لم يكن يحب فيانور كثيراً. ووقف مع فينغون كل من أنغرود وإيغنور أبناء فينارفين كما كانا يفعلان دائماً. لكن الصمت حمل السلام بينهم ولم يتكلموا ضد آبائهم.

تجمع هناك الجزء الأكبر من نولدور بعد نقاش طويل كسبه فيانور, وكانوا متلهفين لرؤية الأشياء الجديدة والبلدان الغريبة. لذلك عندما تحدث فينارفين ثانية للالتفاف على أفكارهم ولتأخيرها. ارتفعت صيحة عظيمة: كلا دعنا نذهب, وحالاً بدأ فيانور وأبناءه استعداداتهم لرحلة العودة.

قلة البصيرة يمكن أن تكون موجودة عند أولئك الذين تجاسروا وسلكوا الطريق المظلم جداً. وحتى الآن كل الأمور كانت تتم بسرعة أكثر من اللازم, لأن فيانور قادهم مخافة أن تبرد كلماته في قلوبهم وتتقلص, أو قد تكون هناك آراء أخرى مغايره له. ومع كل كلماته الفخورة فلم ينسَ سلطة الڤالار. لكن لم تأته رسائل من ڤاليمار, لأن مانوي كان صامتاً, وقال بأنه لن يمانع أو يعيق مخططات فيانور. ولأن الڤالار كانوا متضررين من اتهامهم بأن لديهم نوايا شريرة تجاه إيلدار, أو أنهم احتجزوا إيلدار كأسرى عندهم. وهم الآن يراقبون وينتظرون لأنهم يعتقدون بأن فيانور لا يمكنه أَن يُخضع كُلّ جَماهيرْ نُولدورْ لإرادتهِ.

وفي الحقيقة عندما بدأَ فيانور بتنظيمِ نُولدُورْ للبدء برحلة العودة, ظَهَرَ الخِلَاف فوراً, لأنهم لو جلبوا جميع الذين في نيتهم المغادرة, فلم يكن الجميع على رأي واحد بالنسبة لاتخاذ فيانور ملكاً عليهم. فقد كان الحب الأعظم بين النولدوريين يتجه في معظمه إلى فينغولفين وأبنائِهِ وأهل بيته, حتى أن الجزء الأكبر من سكان تيريون رفضوا المغادرة بدونهِ. وهكذا انقسمت نولدور إلى فريقين على طريقها المر.كان فيانور وأتباعه في الطليعة لكن الجمهور الأكبر جاء خلفهم يمشي تحت راية فينغولفين. سار فينغولفين ضد حكمته لأن ابنه فينغون ألحَّ عليه لكي لا ينفصل عن شعبه الذي كان متلهفاً للذهاب. ولا يتركهم لآراء فيانور الطائشة, ولم ينس بعد كلماته أمام عرش مانوي. رحل فينارفين مع فينغولفين أيضاً, لنفس الأسباب لكنه كان الأكثر اشمئزازاً للمغادرة من بين كل النولدوريين في ڤالينور, والذين أصبحوا الآن شعباً عظيماً. رفض عُشرُ النولدوريين المغادرة من ڤالينور ولكلٍ أسبابه, فالبعض للحب الذي يحملوه للڤالار(ناهيك عن حبهم لاوولي) والبعض الآخر لمحبتهم لتيرون وللكثير من الأشياء التي عملوها هناك, وبالمناسبة لم يكن من أسباب بقائهم الخوف من الأخطار القادمة.

وعندما ضُربت الأبواق وخرج فيانور من بوابات تيريون, جاء رسول مانوي أخيراً وقال: سيكون كلامي موجه ضد حماقة فيانور فقط. وأقول لا ترحل ! لأنها ساعة الشر, وطريقك سيؤدي إلى الحزن, فأنت لا تعلم الغيب. ولا تنتظر المعونة من الڤالار في مسعاك هذا. لكنهم بالعكس قد يمنعوك. فلتعلم ذلك, كما أتيتَ إلى هنا بكامل حريتك, فبكامل حريتك تغادر, لكنك يا فيانور بن فينوي. وبالنسبة لطريقة قسمك في منفاك. أفلم تتعلم من مرارة أكاذيب ميلكور, فهو ڤالا, وأنت قلت ذلك ومن ثم أديت قسماً تافهاً وعديم الجدوى. فلتعلم بأنه لا يمكنك أن تنازل أحداً من الڤالار وتتغلب عليه, ليس الآن ولا في أي وقت آخر ضمن فضاءات إيا. حتى ولو أعطاك إيرو, الذي اسمك منه, حجماً أعظم بثلاث مرات مما أنت عليه.

ضحك فيانور ولم يوجه كلامه إلى الرسول بل وجهه إلى نولدور وقال: هكذا إذاً ! هل سيبعث هؤلاء القوم الأشداء وريث ملكهم وحيداً إلى المنفى مع أبناءه فقط, ويرجعون هم إلى العبودية ؟ لكني أقول للذين سيأتون معي: إذا كنتم تتوقعون قدوم الحزن ؟. فالحزن قد رأيناه في أمان. وفي أمان وصلنا إلى المحنة عن طريق النعمة. وأقول سيحاول بعضنا ومن خلال الحزن أن يعثر على الفرح أو الحرية, على الأقل.

ثمّ اتجه إلى الرسول وصرخ: قل هذا إلى مانوي سوليمو أعلى ملكٍ في أردا: إذا لم يَستطعُ فيانور هزيمة مورغوث، على الأقل فلن يؤجل الهجوم عليه، ولن يَجْلسُ لتضِييع الوقت في الحزنِ والرثاء. وربما يكون إيرو قد وضع فيَّ حماسةً أعظم مما تعرفه أنت. وسيكون هذا الأذى على الأقل ضد خصم الڤالار. أولئك الجبابرة الجالسين في دائرة الحساب والذين سيندهشون لسماعه. نعم وفي النهاية سيتبعوني. الوداع.

ارتفع صوت فيانور في تلك الساعةِ وكان عظيمَاً وفعّالاً جداً حتى أن رسول الڤالار انحنى أمامه وكأنه استلم جواباً كافياً، وغادرَ. عندها أصبح نولدور خارج السيطرة. واصلوا مسيرهم بعد ذلك, وعجّل بيت فيانور أمامهم على طول سواحلِ إيليندي: والتفتت عيونهم أكثر من مرة إلى تيريون على تل تونا الأخضر. أما الأبطأ والأقل لهفة للمجيء فقد كان جمهور فينغولفين. كان فينغون في مقدمته وفي المؤخرة فينارفين وفينرود وكثيرين من نبلاء وعقلاء نولدور, وكانوا ينظرون دائماً إلى الخلف لرُؤية مدينتِهم الجميلة النقية الصافية، حتى غاب عن عيونهم ضوء مصباحِ ميندون ايلدالايفا وضاع في الليلِ. كان النولدوريين أكثر حنيناً من كل المنفيين الآخرين فقد حملوا معهم ذكريات النعمة التي تركوها هناك, حتى أنهم أخذوا معهم بعض الأشياء كتذكار, لتخفف عنهم عناء الطريق.

قادَ فيانور نولدور باتجاه الشمال، لأن هدفه الأولَ كَانَ ملاحقةَ مورغوث. علاوة على ذلك, فإن موقع تونا الكائن تحت تَني كويتيل, يَقتربُ مِنْ حدود أردا، وهناك يكون البحر العظيم عريضاً جداً، بينمافي الشمال يصبح عبارةً عن بحيرات صغيرة منفصله ضيقة. كما أنه في الشمال تقترب صحاري أرامان وسواحل الأرض الوسطى من بعضها. لكن همة فيانور فترت قليلاً واتخذ من نفسه ناصحاً, لأنه أدرك أخيراً بأن هذه المجموعات الكبيرة لن تتغلب على المسافات الطويلة إلى الشمال. ولا حتى عبور البحار إلا بمساعدة السفن. على الرغم من أنه سيحتاج إلى الكثير من الوقت والجهد لبناء أسطول عظيم. هذا إن وجد ضمن نولدور مهرة في تلك الحرفة. والحل الآن هو في اقناع تيليري أصدقاء نولدور بالانضمام إليهم. لأنه وبسبب تمرده على الڤالار فقد اعتقد بأن نعمة ڤالينور ستكون شبه معدومة, لذلك فهو يحتاج إلى قوة إضافية لكي تصبح قوته المجهزة لحرب مورغوث أكبر, فحثَّ الخُطا إلى ألكوالوندي، وتَكلّمَ مع تيليري كما فعل قبل ذلك في تيريون.

لكن تيليري لم يكونوا متأثرين بما يمكن أن يقوله لهم. وبالحقيقة فقد حزنوا لرحيلأهلهم وأصدقائهم, لكنهم فضّلوا النصح على المساعدة, فلن يقدموا لهم المساعدة, لا في إعارة سفينة أو في بناءها دون أخذ موافقة الڤالار. أما بالنسبة لهم, فهم لا يرغبون في تبديل سكنهم على سواحل إيلدامار. ولا يريدون استبدال سيدهم أُولُويْ أمير ألكوالوندي. ولم يسبق لهم أن أعاروا أسماعهم لمورغوث, ولم يرحبوا به في أرضهم. فما زالوا يثقون بأن أولمو والعظماء الآخرين من الڤالار بإمكانهم إصلاح ما خربة مورغوث, ولا بد أن يمر هذا الليل إلى فجر جديد. ازداد غضب فيانور, خشية التأخير. فتكلم بحرارة مع أُولُويْ قائلاً: أتترك أصدقاءك في ساعة حاجتهم أيها الجبان, على الرغم من أنك بالحقيقة كنت مسروراً بأن تستلم مساعدتنا عندما جئت مؤخراً إلى هذه الشواطئ, متسكعاً باهت القلب, مقترباً منها خالي الوفاض. ولولاهم لكنت ماتزال تسكن هناك في الأكواخِ على الشواطئِ, أليس نولدور هم الذين نحتوا لكمرفأك وكدحوا وعملوا على أسوارك.

فأجابه أُولُويْ: لن نترك أي صداقة. لكننا نحتفظ بذلك الجزء من حق الصداقة الذي يسمح للصديق بأن يوبخ صديقه على حماقة ما. أما عندما رحب بنا نولدور ومنحنا مساعدته, وبقية الكلام الذي تكلمت به, فإننا في أرض أمان وسنسكن هنا للأبد, كالأخوة الذين تقف بيوتهم جنباً إلى جنب, أما بالنسبة لسفننا البيضاء. فلم تعطنا إياها أنت, ولم نتعلم تلك الحرفة من نولدور, بل تعلمناها من سادات البحار, ونحن مَن صنعنا الأخشاب البيضاء بأيدينا. والأشرعة البيضاء تنسجها زوجاتنا وبناتنا. لذا فلا نعطيهم ولا نبيعهم لأي حليف أو صديق. وأقول لك يا فيانور بن فينوي. إننا جميعاً في تيليري نعتبرها كما كانت المجوهرات بالنسبة إلى نولدور. عمل قلوبنا. التي مثلها لن نصنع ثانية.

تركه فيانور بعد ذلك وجَلسَ بفكره المُظلمِ خارج أسوار ألكوالوندي، حتى اجتمع عنده جمهوره وقرر فيانور بأنّ قوّتَهم كَانتْ بما فيه الكفاية. فذَهبَوا إلى مرفأ البجعات وبَدأوا بسحب السُفنِ التي كانت راسيةً هناك لأخذهم بِالقوة. لكن تيليري قاوموَهم، وألقوابالعديد مِنْ نولدور في البحرِ. ثمّ سُحِبتْ السيوف، واحتدم صراع مرير على السفن. وحول أرصفةِ ميناء لامبلايت وأرصفة المرفأ، وحتى على بوابة القوس العظيم. ثلاث مرات تراجع شعب فيانور. وذبح الكثير من كلا الجانبين. لكن طليعة نولدور أُنجدت من قبل فينغون بأوائل جماهير فينغولفين الذين وجدوا المعركة أمامهم وهم يصعدون فانضموا إليها بينما كان أقرباؤهم يتساقطون. فأسرعوا قبل أن يعرفوا سبب الشجار. واعتقد البعض منهم بأن ثمة كمين هناك من تيليري قد استهدفوا به موكب نولدور, بطلب من الڤالار.

وهكذا في نهاية المطاف تم التغلب على تيليري, وذُبح الجزء الأكبر من الملاحين الذين سكنوا في ألكوالوندي ذبحةً شريرة بالسكاكين والسيوف, لأن نولدور أصبح عنيفاً ومستميت، وكانت تيليري أضعف من أن تقاوم قوته, حيث كان أكثر سلاح تيليري من الأقواسِ الضعيفة. سحب نولدور سفن تيليري البيضاء وأدارَ مجاذيفَها كأفضل ما يكونْ. جذفوا شمالاً على طول الساحل. استدعى أولوي ملك تيليري, صديقهم أوسي لَكنَّه لم يأت لأن الڤالار لَمْ يُسْمَحُوا له باستخدام القوة لمقاومة نولدور. بكت أوينين ملاحي تيليري, وهاج البحر غضباً ضدّ القَتَلَةِ. لذلك فقد تحطمت سفنٌ كثيرةوغرقت بمن فيها. وأكثر أخبار هذا الاعتداء في ألكوالوندي أتت من المراثي التي سميت فيما بعد نولدولانتي أي سقوط نولدور التي كتبها ماغلور قبل أن يُفقد ويضيع.

مع هذا فإن الجزء الأكبر من نولدور كانوا قد هَربوا مبتعدين عندما كَانتْ العاصفة ماضيةَ, فبعضهم بالسفن وآخرين بالبر, لكن كلما تقدموا إلى الأمام كان الطريق طويل وشرير. وبعد مسير طويل في الليالي الطويلة وصلوا أخيراً إلى الحدود الشمالية للملكة المحروسة, على حدود القفار الفارغة من أرامان وكانت جبلية بارده. هناك رأوا فجأة قواماً هائلاً مظلماً يقف أمامهم منتصباً على صخرةٍ, وينظر إلى أسفل الشاطئ. بعضهم قال بأنه ماندوز, وآخرين قالوا بأنه رسول مانوي, ثم سَمعوا صوتاً مدوياً مهيباً فظيعاً. يطلب منهم الاستماع إليه. وقف الجميع بلا حراك منصتين، فسمعت منه كل جموع نولدور من أقصاها إلى أقصاها صوت يتحدث عن اللعنة والنبوءة, وهي المسماة نبوءة الشمال ومصير نولدور. في الحقيقية كثيرة هي النبوءات في الكلمات المظلمة التي لم يفهمها نولدور إلا بعد حدوثها. لكن الكل سمع اللعنة التي لفظت على أولئك الذين لم يبقوا ولم يريدوا المحاسبة ولم يلتمسوا عفو الڤالار.

وهذا نصُّ اللعنة ﴿ دموعٌ غزيرة ستراق .وسيسيج الڤالار ڤالينور ضدك ويبقيك في الخارج. حتى صدى بكائك لن يعبر فوق الجبال. وسيقع غضب الڤالار على بيت فيانور وكل من تبعهم, آتياً من الغرب إلى أقاصي الشرق. سيقودهم قَسَمُهُمْ ويغدر بهم. ويختطف بعيداً تلك الكنوز التي أقسموا على مطاردتها. وإلى النهاية الشريرة ستدور كل الأشياء التي كانت بدايتها جيدة. بخيانة القريب لقريبه والخوف من الخيانة, وهذه الأمور ستحدث, وسيكونون مطرودين للأبد.

لقد سَكبتَ دمَّ قريبِكَ بشكل آثم ولطّختَ أرضَ أمان. فاللدمِّ سَتُعيدُ دماً، وسَتَسْكنُ في ظلال الموتِ بعد أمان. مع أن إيرو قَدَّرَ عليك المَوت لكن لَيسَ في إيا, فلا مرضٌ يُهاجمُك، لكنك قد تكون ذبيحاً، وذَبحَك سَيَكُونُ, بالسلاحِ والعذابِ والحزنِ, وستأتي روحك عارية بلا جسد إلى ماندوز. هناك ستبقى لمدة طويلة وسوف تَتُوقُ لجسدك، ولن تجد إلا القليل من الرحمة, فكل الذين ذبحتهم, توسلوا إليك ولم ترحمهم. أما أولئك الذين سيبقون على قيد الحياة في الأرض الوسطى ولم يأتوا إلى ماندوز, فسيكبرون مرهقين في هذا العالم كعبء عظيم. ويتضاءلون. وكظلال الندم سيكونون قبل مجيء النسل الأصغر الآتي فيما بعد.﴾ هكذا تكلم الڤالار.

بعد هذا الكلام جبن كثيرون, لكن فيانور بصلابة قلبه قالَ: أقسمنَا، ولَيس بخفةٍ وهذا القسم سنحفظه. فنحن مُهدّدون بالكثير مِنْ الشرورِ، وليست الخيانة آخرها, لكن شيء واحد لم يقله. بأننا سنعاني من الجبن. من الجبان أو الخوف من الجبان. لذلك أقول: نحن سنستمر، وهذا القدر سنضيفه إلى الأعمال التي سنقوم بها والتي ستكون مواضيع الأغاني والأناشيد حتى نهاية أيام أردا.

في تلك الساعةِ ترك فينارفين الموكبَ، وعاد يملؤه الحزن على بيتِ فيانور. وبسبب صلات القربى التي تجمعه مَع أُولُويْ من ألكوالوندي. عاد معه أيضاً الكثير مِنْ شعبه تتابع خطاهم في الحزن. حتى شاهدوا مرةً أخرى الشعاعَ البعيدَ من ميندون على تونا, والذي ما زالَ يُشرقُ في الليلِ، حتى وصلوا أخيراً إلى ڤالينور. وهناك استلموا عفو الڤالار، وقُرّرَ فينارفين حُكْم بقيةِ نولدور في المملكة المباركة, لكن أبنائَه لم يكَونوا مَعه، لأنهم لن يَتْركوا أبناءَ فينغولفين, وكل شعب فينغولفين مازال متقدماً. فهم يشعرون بقيود قرابتهم لفيانور ويخافون مواجهة حساب الڤالار. لأنهم لم يكونوا كلهم بريئين من ذبح أقربائهم في ألكوالوندي. علاوة على ذلك فإن  فينغون وتورغون كَانا شجاعين وقلوبهما نارية، ويشمئزان من ترك المهمة التي وضعوا أيديهم عليها حتى إيصالها إلى نهايتها حتى ولو كانت النهاية مُرَّة. لذلك فقد كانوا من الجماهير الرئيسية, وبسرعة شديدة بدأت أعمال الشر التي كان متنبأٌ بها.

وصل نولدور أخيراً من البعيد إلى شمال أردا, ورَأوا مقدمات أسنان الجليد التي تعوم في البحرِ، فعلموا بأنّهم يقتربون من هيلكاراكسي. لأنه يقع بين أرضِ أمان الشمالية التي تلتف شرقاً، والشواطئ الشرقية من إيندور ( وهي الأجزاء الغربية من الأرض الوسطى). هناك كان المضيق الذي تمر وتتدفق من خلاله مياه المحيط الباردة وأمواج بيليغار معاً، وكان الضباب يعم المكان بالإضافة لسحب البرودة المميتة. والتيارات البحرية التي تجري باضطراب بسبب تكسر قطع الجليد في الأعماق. هكذا كان هيلكاراكسي، وإلى هذه المناطق لم يتجرأ أحد لحد الآن أن يدوسها إلا الڤالار وأونغوليانت فقط.

لذلك تردد فيانور وناقش نولدور في أي طريق عليهم أن يذهبوا, فقد بدأت معاناتهم مع الألم والبرودة, والسحب المعلقة التي منعت ضوء النجوم من الوصول لهم. ندم كثيرون على الطريق وبدأت الغمغمة. خصوصاً من أولئك الذين يتبعون فينغولفين .فقد لعنوا فيانور ودعوه مسبباً لكل مشاكل إيلدار. علم فيانور بكُلّ الذي قِيلَ عنه، فأَخذَ الرأي مَع أبنائِه, واستقر رأي مجموعتين منهم بالهرب من أرامان والذهاب إلى إيندور إما عبر المضائق أو بالسفن. لأنهم يعتبرون بأن هيلكاراكسي غير قابل للعبور. بالإضافة إلى أن أعداد السفن كانت قليلة, فقد ضاع الكثير منها في رحلتهم الطويلة. والسفن الباقية لا تكفي لحمل كل الجمهور العظيم معاً. ولم تكن لدى أحد منهم الرغبة بالبقاء عند الساحل الغربي. فعندما كان يُنقل أوائل الشعب بالسفن, وخوفاً من الخيانة التي كانت مستيقظةً بين نولدور. فقد خطر في بال فيانور وأبناءه الاستيلاء على كل السفن والمغادرة فجأةً. لأنهم حافظوا على سيطرتهم على الأسطول منذ معركة المرافئ. وهذا الأسطول مشغل فقط بواسطة أولئك الذين قاتلوا هناك وهم من المرتبطين بفيانور. وكما لو أنها جاءت بناء على دعوته, هبت ريح من المنطقة الشمالية الغربية فانسحب فيانور سراً هو ومن كان يعتبره صادقاً معه وغادروا الحدود, خارجين إلى البحر. وتركوا فينغولفين في أرامان. وبما أن البحر ضيقاً هناك, فقد كان يقود أسطوله إلى الشرق تارةً, وتارةً أخرى إلى الجنوب حيث عبروا البحر بدون خسائر. وأول شخص من كل نولدور وضع قدمه مرة أخرى على شواطئ الأرض الوسطى كان فيانور. وكان نزوله في فم اللسان البحري الذي يدعى درينغيست ويدخل إلى دور لومين.

وعندما نزلوا, تحدث مايذروس( وهو الابن الأكبر لفيانور وبنفس الوقت يعتبر صديق فينغون منذ مدة طويلة من قبل أكاذيب مورغوث) إلى فيانور قائلاً: والآن ماذا بالنسبة للسفن والمجذفون هل ستبقيهم للعودة ؟ ومن سيحملون من الأقارب أولاً, فينغون الشجاع.

ضحك فيانور كطفل، ثم صاح: لا هذا ولا ذاك! من ذا الذي تركناه خلفنا ! أَحْسبَ أننا لم نخسر شيء, فقد تبين بأنهم متاع غير ضروري على الطريقِ. دعْ أولئك الذي لَعنَوا اسمَي، يلعنوه للأبد. ويتذمرون بطريق عودتهم إلى أقفاص الڤالار. دع السفن تحترق. تنحى مايذروس جانباً. وقام فيانور بإشعال النار في سفن تيليري البيضاء بذلك المكان الذي يدعى لوزغار, وهو المكان الواقع عند مخرج لسان درينغيست. لقد قضى فيانور على أجمل السفن التي أبحرت بحريق هائل واشتعال فظيع. رأى فينغولفين وشعبه من بعيد ضوءاً أحمر تحت الغيوم. فعلموا بأنه قد غُدر بهم. هذه كانت من أولى ثمار مذبحة الأقارب وإحداث الموت في نولدور.

ثمّ رأى فينغولفين بأن فيانور تَركَه للمَوت في أرامان أَو للعودةُ في الخزي والعار إلى ڤالينور, لذلك فقد امتلأ بالمرارةِ, لَكنَّه رَغبَ الآن كما لم يرغب من قبل للحُصُول على أي طريقِ يوصله إلى الأرض الوسطى، لعله يلتقي بفيانور ثانيةً. بعدها تاه فينغولفين وشعبه لمدة طويلة في البؤسِ، لكن شجاعتَهم وقدرتهم على التحمل والمشقة ازدادت, لأنهم كانوا جبابرة هائلون .فهم أقدم الأبناء الأبديين لإيرو إلوڤاتار. لكنهم القادمون الجدد من المملكة المباركة. فلم يكونوا بعد مرهقين بتعب الأرض. ومازالت نيران قلوبهم شابة وفتيه, وتحت قيادة فينغولفين وأبناءه. وفينرود وأخته غالادريل تجاسروا لعبور الشمال القارس. فلم يجدوا بداً من تَحمل رهبة وخوف هيلكاراكسي. وتلال الثلج القاسية. فالقليل من أعمال نولدور فيما بعد فاقت هذا العبور المستميت إِن كان بالعزم أو بالمصيبة. وهنا أيضاً فُقدتْ إيلينوي زوجة تورغون وفقد معها كثيرون ممن لاقوا حتفهم في هذا العبور. فبأقل جماعة استطاع فينغولفين وضع قدمه أخيراً على الأراضي الخارجية. فقد كانوا يحملون القليل من الحب لفيانور أو لأبنائه, وهم الذين مشوا خلفهم في الماضي. وهتفت أصوت أبواقهم في الأرض الوسطى عند الشروق الأول للقمر.

 

 

 

 

 

 

 

 

ffmFF                                                                                                   الفصل العاشر سيندار


          والآن كما أخبرنا فيما سبق, فإن سلطة إيلوي وميليان ازدادت في الأرض الوسطى. وكل جان بيليرياند, من بحارة كيردان إلى الصيادين الجوالين في الجبال الزرقاء وراء نهر جيليون, قد اعترفوا بأن إيلوي هو سيدهم. وهو إللو ثينغول الذي دعي ملك العباءة الرمادية, وفي لغتهم اسمهم سيندار. الجان الرماديون من بيليرياند المضاءة بالنجوم. وهم بالأساس موري كويندي, وخاضعين لسلطة ثينغول وتعاليم ميليان. مع أن غالبية الأرض الوسطى تخضع لنوم ياڤانَا. ففي بيليرياند كانت تحت سيطرة ميليان, وهناك كانت الحياة والبهجة. والنجوم اللامعة المشرقة كنيرانٍ فضية. لذلك أصبح الجان الرماديون, الأنقى والأكثر حكمةً ومهارةً من كل جان الأرض الوسطى. وعند نهاية العصر الأول عندما تمت هزيمة ميلكور وأُسره. عمَّ السلام في الأرض وكان مجد ڤالينور في أَوَجِّه. في ذلك الوقتأتت إلى العالم لوثايِّن. الطفلة الوحيدة لثينغول وميليان. هناك في غابة نيلدوريث ولدت لوثايِّن, وتفتحت زهور نايفريديل[61] كنجوم الأرض لكي تلقي عليها التحية.

وحدث أثناء العصر الثاني لأسر ميلكور أن جاء الأقزام من الجبال الزرقاء, إيريد لووين إلى بيليرياند. وهم يسمون أنفسهم خازاد لكن سيندار دعاهم ناوغريم أي الناس المعاقون. وغوون هاياريم, أي أسياد الحجارة. وكانت أكثر المساكن القديمة لناوغريم تقع في الشرق الأقصى. حيث حفروا لأنفسهم في الجانب الشرقي من إيريد لووين, قاعاتٍ وقصورَ عظيمة, تناسبهم وسميت تلك المدن بلغتهم غابيل غاثول و تومون زاهار. وإلى الشمال من الجهة العالية من جبل دولميد كان قصر غابيل غاثول. والذي ترجمه الجان إلى لغتهم باسم بيليغوست وتعني المدينة العظيمة, وجنوباً حفروا تومون زاهار وسماها الجان نوغرود, أي التجويف المنضد. أما أعظم قصور الأقزام فكان هو خازاد دوم, دوار وود ايلف. أي حفرة الأقزام, وفي لغة الجان كان اسمه هاذود روند. ثم في أيام ظلامه دعي موريا. لكنه كان بعيداً في جبال الضباب خلف المسافات الشاسعة من إيريادور. لكن إلى إيلدار لم يصل اسم موريا إلا كإشاعة من كلمات أقزام الجبال الزرقاء.

خرج ناوغريم أي الأقزام من نوغرود وبيليغوست إلى بيليرياند. فاندهش الجان كثيراً لأنهم كانوا يعتقدون بأنهم هم الكائنات الحية الوحيدة في الأرض الوسطى, التي كان باستطاعتها التكلم أو العمل بيديها, أما بقية الكائنات الحية الأخرى فهي مثل الطيور والوحوش. لكنهم لم يفهموا أي كلمة من لغة ناوغريم فقد كانت كريهة وتتعب الآذان. توصل بعض إيلدار إلى إجادتها. لكن الأقزام كانوا يتعلمون بسرعة. في الحقيقة كانوا أكثر رغبة في تعلم اللغة الجنية. من أن يعلموا لغتهم للأجناس الغريبة عنهم. لكن بعض إيلدار لم يذهب أبداً إلى نوغرود وبيليغوست, إلا إيول من نان إيلموث وابنه مايغلين. عندما هرب الأقزام إلى بيليرياند كانوا قد صنعوا طريقاً عظيماً يمر تحت أكتاف جبل دولميد. وقد تبعوا بذلك مسار نهر آسكار الذي يعبر جيليون في سارن أثراد معبر الحجارة. حيث مكان المعركة التي حدثت فيما بعد. كانت الصداقة فاترة بين ناوغريم وإيلدار. مع ذلك فكليهما كان رابحاً من هذه الصداقة الفاترة, لكن في ذلك الوقت لم يكن الأسى والألم قد وقع بينهما بعد. رحب الملك ثينغول بهم, لكن ناوغريم أعطوا صداقتهم بسهولة أكثر إلى نولدور فيما سيأتي من الأيام أكثر من أي أحد من الجان أو البشر. بسبب حبهم وتقديرهم لأوولي. وامتدحوا كثيراً مجوهرات نولدور وأثنوا عليها أكثر من كل الثروات الأخرى. دائماً كان يصنع الأقزام الأعمال العظيمة في ظلام أردا. حتى منذ الأيام الأولى, من أيام آبائهم كانت لديهم مهارة رائعة بأعمال التعدين والحجارة. لكن في ذلك الزمن القديم فضلوا في أعمالهم الحديد والنحاس على الفضة أو الذهب.

كانت ميليان متبصرة جداً لكونها من الميَّار. وأثناء انقضاء العصر الثاني لأسر ميلكور. قالت ميليان لثينغول بأن السلام في أردا لن يدوم للأبد. لذا فيجب عليك أن تفكر في إيجاد مسكن ملوكي لنفسك, ويجب أن يكون في موضع قوي. ليكون في مأمن إذا ما استفاقَ الشرُّ ثانيةً في الأرض الوسطى. ومن أجل تحقيق ذلك فقد طلب مساعدة ورأي أقزامبيليغوست الذين منحوه رغبتهم في إنشاء ذلك المسكن. فقد كانوا دؤوبين في تلك الأيام ومشتاقين للأعمال الجديدة. مع ذلك فالأقزام لم يطلبوا أجراً على أعمالهم. فبهجتهم بالعمل, والعمل فقط هو أجرهم. علمتهم ميليان كثيراً لأنهم كانوا متلهفين للتعلم. وكافأهمثينغول بالكثير من اللآلئ النقية التي أعطاهُ إياها كيردان. لأن شعبه حصل على كميات كبيرة منها في المياه الضحلة حول جزيرة بالار. لم يرى الناوغريم مثل هذه اللآلئ من قبل فاحتفظوا بها كأشياء عزيزة وثمينة. وإحدى هذه اللآلئ كانت عظيمة, تشبه بيض الحمام, وكانت تلمع كضوء النجوم في رغوة البحر. فسموها نيمفيلوس. وقد بجلها زعيم أقزام بيليغوست كثيراً وقَيَّمها بأكثر من جبلٍ من الثروة.

لذلك عمل ناوغريم بسرور لدى ثينغول ولمدةٍ طويلةٍ وابتكروا له قصوراً بطرازٍ وأسلوبٍ مختلفين عن طرازات شعبهم. فقد حفروا عميقاً في الأرض. ومن المنطقة التي ينساب فيها إيسغالدوين هابطاً فيفصل نيلدوريث عن ريجيُن هناك رفعوا في وسط الغابة تل صخري. وجعلوا النهر ينساب هناك عند أسفل هذا التل. وفي ذلك المكان عملوا بوابة قاعة ثينغول. وبنوا جسراً من الحجارة فوق النهر. فلا يمكن الدخول إلى القصر إلا من هذا الجسر. وبعد الأبواب, ممرات عريضة تنزل إلى القاعات. أولاً المتوضعة في الأعلى ثم تحتها الغرف والأماكن التي حفروها في الحجارة الحية. فقد كان هناك أماكن كثيرة ومتنوعة بحيث سمي ذلك المسكن مينيغروث أي الألف كهف.

كان للجان أيضاً جزء من هذا العمل. فقد عمل الجان والأقزام سوية. كلٌ بما يملك من مهارةٍ. هناك عملوا من رؤى ميليان صوراً من أعاجيب وجمال ڤالينور خلف البحر. فلقد نُحتت أعمدة مينيغروث بشكل مشابه لزان أورومي. ونقشت عليها أشكالٌ لسهامٍ وأغصانٍ وأوراق. وأضاءوها بفوانيس من ذهب. هناك غنت العنادل كما تغني في حدائق لورين, صنعوا أيضاً نافورات من الفضة بأحواضٍ من الرخام. أما الأرضيات فكانت بألوانٍ متعددة من الحجارة. وعلى الجدران نحتت أشكالُ الوحوش والطيور. أو رفعوا بعض هذه المنحوتات على الأعمدة. أو وضعوها في الحدائق بين الكثير من الزهور المتشابكة. وبمرور السنوات ملأت ميليان ووصيفاتها هذه القاعات بالستائر المحاكة والمطرزة, بحيث يمكنك عن طريق هذه الستائر قراءة تاريخ الڤالار والكثير من الأشياء التي حدثت في أردا منذ تكوينها. فقد كانت ظلال تلك الأحداث تنتظر هناك. ذلك كان المسكن الأجمل لأي ملك كان في شرق البحر.

وعندما أُنجز بناء مينيغروث, كان السلام يَعمُ مملكة ثينغول وميليان. ومن وقت لآخر كان ناوغريم يأتون إلى الجبال أو يقتربون منها أثناء حركة مرورهم حول الأراضي. لكنهم قلما ذهبوا إلى فالاس لأنهم يكرهون صوت البحر ويخافون النظر إليه. وإلىبيليرياند لم تأتهم إشاعات أو أخبار من العالم الخارجي.

إن ما حدث في العصر الثالث لأسر ميلكور, انسحب أيضاً على الأقزام الذين أصبحوا قلقين فتكلموا إلى الملك ثينغول قائلين, بأن الڤالار لم يستأصلوا تماماً شرور الشمال, فما زال للشر بقية هناك وهذه البقية تضاعفت في الظلام بطول المدة. لأن هذه الشرور كانت تظهر مرة بعد أخرى, تتجول بالطول وبالعرض. فقد نزلت الوحوش من الجبال. وفي الأراضي الشرقية عند الجبال, تسكن هناك أحد عشائركم القدامى[62] فتتحرك من السهول إلى التلال.

وصلت قبل فترة طويلة مخلوقات شريرة حتى إلى بيليرياند, عبرت ممرات الجبال أو صعدت من الجنوب من خلال الغابات المظلمة. فقد كانت الذئاب موجودة, أو المخلوقات التي مشت في هيئة الذئب. وأخرى هبطت وكأنها كائنات الظل, وكان من بينهم الأوركس. وهم مَنْ أحدث الخراب في بيليرياند فيما بعد. لكنهم كانوا قلة وحذرين, فقد كانوا يشتمون روائح طرق الأرض منتظرين عودة سيدهم. بالحقيقة لم يعرف الجان من هم ومن أين أتوا, فقد اعتقدوا أنهم أڤاري الذين أصبحوا أشراراً ومتوحشين في البرية. وفي هذا التخمين اقتربوا من الحقيقة كثيراً, على ما يقال.

لهذا فقد اتجه تفكير ثينغول نحو السلاح الذي لم يكن متواجداً لدى شعبه بعد. وهذه كانت أول أعمال الحدادة التي يصنعها له الناوغريم لأنهم كانوا ماهرين جداً في أعمالالتعدين. مع ذلك لم يكن من بين الأقزام من يتفوق على حرفيي نوغرود, فمنهمالحداد تيلخار صاحب الصيت العظيم. بشكل عام كل الناوغريم هم جنس محارب منذ القدم, وهم يقاتلون بعنف ضد من يؤذيهم إن كان من خدم ميلكور أو إيلدار أو أڤاري أو حتى وحوش البرية. وأحياناً قليلة يتقاتلون مع أقربائهم أقزام القصور والسيادات الأخرى. تعلمت سيندار حرفة الحدادة منهم. وتفوق الأقزام في حرفة التعدين وخلائط الفولاذ على الجميع حتى على نولدور, فقد عملوا دروع الزرد, وهي عبارة عن حلقات مترابطة ببعضها, وأول من صنعها هم حدادين من بيليغوست. فعملهم لم يكن له منافس على الإطلاق.

في ذلك الوقت, أصبحت سيندار مسلحة واستطاعت طرد المخلوقات الشريرة. وإحلال السلام بأرضها مجدداً. أما مستودعات سلاح ثينغول فقد مُلأت بالفؤوس والرماح والسيوف والخوذات الطويلة, ومعاطف طويلة من الزرد اللامع. فقد كان درع الأقزام مصمماً بشكل جيد جداً فهو لا يصدأ ويحافظ على إشراقته دائماً وكأنه ملمع حديثاً. وذلك ما أثبت حُسن عملهم عند ثينغول فيما سيأتي من الوقت.

والآن كما قيل فيما سبق, فق تَرك لينوي مع مجموعة صغيرة من جماعة أُولُويْ موكب إيلدار عندما وقفت تيليري عند شواطئ النهر العظيم على الحدود الغربية للأرض الوسطى. وقلة مَن يعرفون عن تشرد ناندور وضياعه الذي قادهم في نهاية المطاف إلى وادي أندوين. وكما يقال فقد سكنوا لمدة طويلة في غابة وادي النهر العظيم. وقال البعض بأنهم أتوا مؤخراً إلى الثغور أو مصبات النهر فأقاموا بجانب البحر. رغم ذلك فآخرون منهم عبروا إيريد نيمرايس الجبال البيضاء, ووصلوا إلى الشمال ثانيةً, ثم دخلوا برية إيريادور بين إيريد لوين وجبال الضباب البعيدة. وهؤلاء كانوا سكان غابه فلم يكن لديهم أسلحة فولاذية. ونزول وحوش الشمال إليهم أخافهم كثيراً. لذلك عندما سمع دينثور بن لينوي عن قوة ثينغول وجلاله والسلام الذي في مملكته, قام بجمع ما استطاع جمعه من شعبة المتفرق وقادهم عبر الجبال إلى بيليرياند. هناك رحب بهم الملك ثينغول كقريب ضائع منذ مدة طويلة. وأسكنهم في أوسيرياند أرض الأنهار السبعة.

في سنوات السلام الطويلة التي تبعت مجيء دينثور, كان هناك القليل من الحكايات في تلك الأيام إلا واحدة صغيره وهي: يقال أن الشاعر دايرون رئيس سادة العلم في مملكة ثينغول ابتكر الأحرف الرونية. فتعلم ناوغريم الذين أتوا إلى ثينغول هذه الأحرف وكانوا ممتنين جداً لهذه الوسيلة الثمينة. وبنظرهم فإن قيمة ومهارة دايرون أعلى من كل أعمال شعب سيندار. أخذ كايرث من ناوغريم هذه الأحرف معه إلى الجبال في الشرق, ومنه انتشرت إلى غالبية الشعب. لكن هذه الأحرف فلم تستخدم إلا قليلاً من قبل سيندار, فقد كانت فقط لحفظ السجلات. حتى أتت الحرب ودمرت الكثير من ذاكرتهم في خراب دورياث. لكن قبل النهاية بقي القليل ليقال بأنه كان هناك بعض النعمة والحياة السعيدة وكانت كعمل صافي جميل مدهش. ومازالوا يمتعون أعينهم برؤية سجلاتهم الخاصة بالأحرف الرونية. وعندما يكونون في الخطر أو الانكسار يتجهون دائماً إلى الأناشيد التي تعزز ذاكرتهم.

في بيليرياند في تلك الأيام تنزه الجان, والأنهار متدفقة, والنجوم مشرقة, وروائح الأزهار الليلية تعم المكان, وجمال ميليان كالظهيرة, وجمال لوثايَّن كالفجر في الربيع. في بيليرياند كان الملك ثينغول على عرشه وكأنه سيدُ الميَّار. وسلطته تنعم بالسكونٍ والهدوء, وكان الفرح عندهم كالهواء الذي يستنشقونه في كل أيامهم. وهو ما جعل الفكر يتدفق في مدد صافي من الأعلى إلى الأعماق. في بيليرياند مازال أورومي العظيم يركب جواده ويمر كالريح فوق الجبال. وصوت بوقة قرب مسافات أضواء النجوم. كان الجان يهابونه لعظمة وجهه والصخب العظيم الصادر من حصانه ناهار. لكن عندما يتردد صدى فالاروما في التلال, فهم يعرفون جيداً بأن الأشياء الشريرة قد سمعته وهربت بعيداً.

لكنه حدث أخيراً بأن نهاية النعمة كانت قريبةً, وشمس ڤالينور شارفت على الغياب. لأن نهايتها كانت مرسومة من قبل كما هو معروف للجميع, فهي مسجلة بالعلم ومغناة بالأناشيد. كيف قطع ميلكور أشجار الڤالار بمساعدة أونغوليانت. وعن هروبه وقدومه إلى الأرض الوسطى. وفي الشمال البعيد حيث نزاع مورغوث وأونغوليانت, لكن صرخة مورغوث الكبيرة وترديدها من خلال بيليرياند. أدت إلى انكماش الناس من الخوف. فلم يعرفوا ماذا كان يعني ذلك لكنهم سمعوا من خلالها نداء الموت. بعد ذلك بقليل هربت أونغوليانت من الشمال وجاءت إلى مملكة ثينغول. كانت رهبة الظلام تحيط بها, لكن قوة ميليان حجّمتها, فلم تستطيع الدخول إلى نولدوريث. وبسبب مدة سكنها الطويل تحت ظل الجروف التي انحدرت منها دورذونيون جنوباً. أدت إلى تسمية تلك المنطقة إيريد غورغورث أي جبال الرعب. ولم يتشجع أحد بالذهاب إلى هناك أو العبور قريباً منها لأن الضوء والحياة هناك كانا مخنوقين, والمياه مسممه. لكن مورغوث وكما أخبرنا سابقاً, عاد إلى حصنه أنغباند وأعاد بناءه, وفوق أبوابه رفع أبراج التبخير من ثانغورودريم, وكانت بوابات مورغوث تبعد حوالي مئة وخمسين فرسخاً عن جسر مينغروث. فتعتبر وكأنها بعيدة نوعاً ما, لكنها كانت قريبةً أيضاً.

تزايدت أعداد الأوركس في ظلمة الأرض فنمت قويةً ونزلت من الجبال. لأن ظلام سيدهم أتخمهم بشهوتي الموت والخراب. انتشر الأوركس من بوابات أنغباند تضللهم الغيوم التي أرسلها مورغوث فوقهم, عبروا بصمت إلى مرتفعات الشمال. فمن هناك وبشكل مفاجئ وصل الجيش الكبير إلى بيليرياند وهاجم الملك ثينغول. يوجد في هذه المملكة الواسعة الكثير من الجان الأحرار في البرية. أو الذين انفصلوا بعشائر صغيرة مستقلة وسكنوا بسلام. فكثر السكان فقط حول مينيغروث في وسط الأرض وعلى طول فالاس في بلاد البحارة. لكن نزول الأوركس إليهم كان من كلا جانبي مينغروث, ومن المعسكرات في الشرق بين كيلون وجيليون, ومن سهول الغرب بين سيريون وناروغ فاستباحوها بالطول وبالعرض. انقطع ثينغول عن كيردان في إيغلاريست, لذلك استدعى دينثور وجاء الجان بقواتهم من منطقة مابعد آروس ومن أوسيرياند. وقاتلوا في المعركة الأولى من حروب بيليرياند. فانكسر جيش الأوركس الشرقي بين جيوش إيلدار شمالي أندرام وبمنتصف الطريق بين آروس وجيليون, هناك تمت هزيمة الأوركس تماماً. ومن هرب منهم إلى الشمال كان بانتظاره مذبحة عظيمة بفؤوس ناوغريم الخارجة من جبل دولميد. في الحقيقة قلة منهم استطاعوا العودة إلى أنغباند.

دفع الجان لنصرهم على الأوركس ثمناً باهضاً, لأن أسلحة سكان أوسيرياند كانت خفيفة فلم يكونوا نداً للأوركس, الذين ينتعلون الحديد ويرتدون دروعاً حديدية ويحملون الرماح  ذوات النصال الواسعة. حاصر هؤلاء الأوركس جيش الملك دينثور على تل آمون إيريب وأحاطوا به من كل جانب, فسقط هناك هو وكل الذين كانوا معه, قبل أن يهب لنجدته جيش ثينغول. وبهذا السقوط المر فقد انتقموا له عندما وقع جيش ثينغول على مؤخرة جيش الأوركس وذبحوهم كلهم وكوموا جثثهم في أكوام. رثا شعب دينثور ملكهم ولم يتخذوا عليهم ملكاً بعده. وبعد المعركة عاد بعضهم إلى أوسيرياند, وملأت أخبارهم بقية الشعب بالخوف العظيم. لذلك فيما بعد لم يذهبوا إلى حرب بشكل مفضوح بل بالسر وكانوا حذرين, ولهذا السبب سموهم لاكويندي, الجان الخضر لأن ردائهم كان لونه من لون أوراق الشجر. رحل الكثير من الجان الخضر شمالاً ودخلوا مملكة ثينغول المحمية واندمجوا بشعبه.

عندما عاد الملك ثينغول إلى مينيغروث, علم أن جيش الأوركس كان منتصراً في الغرب وقد هزموا كيردان وطروه إلى حافة البحر. لذلك قام بسحب كل شعبة واستدعى الجميع حتى حدود الأجزاء النائية من نيلدوريث وإيريجين. سيجت ميليان تلك المنطقة وسيطرت عليها, وأحاطتها بعويل غير مرئي من الظل والحيرة. وهو ما عُرف فيما بعد بزنار ميليان. وهو السياج الذي لا يمكن لأي شيء أن يعبره بدون رغبتها أو إرادة الملك ثينغول, ما لم تأتي قوة أعظم من قوة المايا ميليان. وهذه الأرض الداخلية التي كانت تدعى لمدة طويلة ايغلادور فقد سميت فيما بعد دورياث أي المملكة المحروسة, أرض الزنار, فضمنها كان السلام محروس. من دون وجود للخطر أو للخوف العظيمين. وكان خدم مورغوث يجوبون كل المنطقة إلا داخل الزنار وداخل أسوار مرافئ الفالاس.

لكن الأخبار الجديدة كانت سريعة. والتي لم يتوقعها أحد في الأرض الوسطى. لا مورغوث في حفره, ولا ميليان في مينيغروث, فلم تأتيهم أخبارٌ من أمان, سواء من قبل رسول أو بالروح أو برؤيا الأحلام بعد موت الأشجار. وفي هذا الوقت نفسه جاء فيانور عابراً البحر بسفن تيليري البيضاء. وهبط في درينغيست وأحرق السفن هناك في لوزغار.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

:,z<; الفصل الحادي عشر الشمس والقمر وإخفاء ڤالينور

 
          قلنا فيما سبق بأنه بعد هروب ميلكور جلس الڤالار طويلاً بلا حراك على عروشهم في دائرة الحساب, لكنهم لم يكونوا خاملين كما وصفهم فيانور في حماقة قلبه. فيمكن للڤالار عمل أشياء كثيرة بالفكر بدلاً من عمل الأيدي. ولهذا السبب أطالوا السهر في ليل ڤالينور, وعقدوا عدة اجتماعات متواصلة الواحد تلو الآخر لكن بصمت. وعادوا بالفكر إلى ما قبل إيا وحتى إلى النهاية. رغم ذلك فلا قوة ولا حكمة خففت من حزنهم. وتحقق بذلك معرفتهم عن ساعة تكوين الشر. ندبوا لموت الأشجار لكن أكثر ندبهم كان بسبب إفساد فيانور. فقد كان من أكثر أعمال ميلكور شراً. لأن فيانور كان الأقدر في كل الأجزاء جسماً وعقلاً وشجاعةً وقدرةً على التحمل ويشتمل على جمالُ الخَلق والخُلق والفهم والمهارة والقوة والدقة على حدٍ سواء من بين كل أبناء إلوڤاتار, كان شعلةً مُتّقدةْ. من جهة أخرى فإن عمل الأعاجيب لمجد أردا إلى حد التصور يكون فقط من قبل قدرة مانوي. وقد أَخبَرنا الڤانيار الذين كانوا يقفون مع الڤالار عندما عاد الرسول إلى مانوي وأخبرهم عن أجوبة فيانور. بكىمانوي وأحنى رأسه, لكنه رفعه أثناء سماعه الكلمة الأخيرة لفيانور - كشخص يسمع صوتاً من بعيد - والتي قال فيها: يجب علىنولدور العمل للعيش في الأغنية إلى الأبد. فقال مانوي: سيكون ثمن تلك الأغاني باهضاً. رغم ذلك فهي بضاعة جيدة, ولن يكون هذا الثمن لغيرها منذ أن تكلم إيرو معنا وقال بأنه سيخلق جمال فوق التصور وسيأتي هذا الجمال إلى إيا. ثم بعد ذلك سوف يصبح شريراً بعد أن كانت خيِّراً.

ثم قال ماندوز: مع ذلك فالشر باقٍ, وعما قريب سيأتي فيانور إليَّ.

لكن عندما علم الڤالار أخيراً بأن نولدور خرجوا فعلاً من أرض أمان وعادوا إلى الأرض الوسطى. نهضوا لتنفيذ ما قرروه في استشاراتهم بأن يبدأوا بإصلاح ما أفسده ميلكور. فطلب مانوي من ياڤانَا ونايننا أن يضعا كامل قوتيهما للنمو والاستشفاء. وجهت ياڤانَا ونايننا كامل قوتيهما على الأشجار. لكن دموع نايننا لم تفد في شفاء جراحهم الهالكة. وبقيت ياڤانَا تغني لمدة طويلة لوحدها في الظل حتى فقدت الأمل وتعثرت أغانيها, وأخيراً حمل تيلبيريون على أحد أغصانه الجرداء زهرة واحدة كبيرة من الفضة, وحمل لاوريلين ثمرةً من ذهب.

وعندما قطفت ياڤانَا الزهرة الفضية والثمرة الذهبية ماتت الأشجار. لكن جذوعها بقيت واقفة في ڤالينور لحد الآن كنصب تذكاري لبهجة متلاشية. قدمت ياڤانَا الزهرة والثمرة إلى أوليي وقام مانوي بتقديسهم. ثم قام أوليي وشعبه بصنع أوعية لحفظهم وتغليفهم والحفاظ على تألقهم. كما قيل في نارسيليون[63] (أي أغنية الشمس والقمر). وفيمابعد أصبحت هذه الأوعية التي أعطاها الڤالار إلى ڤاردا هي مصابيح السماء, التي تتألق أكثر من النجوم القديمة كونها أقرب إلى أردا, بعد أن أعطتهم ڤاردا القوة لاجتياز المناطق السفلى من إيلمين[64]. وجهزتهم لرحلات على مسارات محددة فوق حزام الأرض من الغرب إلى الشرق ثم العودة مجدداً.

عمل الڤالار هذه الأشياء بسبب ازدياد الظلام في بقاع أردا. لذلك فهم مصممون الآن على إنارة الأرض الوسطى. لكي يستطيعوا مقاومة أعمال ميلكور. فقد تذكروا أڤاري الباقية في الأرض الوسطى على مياه اليقظة, وأيضاً لن يتركوا نولدور لوحدهم تماماً في المنفى. ولعلم مانوي بأن ساعة مجيء البشر قد اقتربت. في الحقيقة يقال, منذ أن شنَّ الڤالار حرباً على ميلكور لأجل كويندي وحتى الآن, ولازالوا متمسكين بالصبر ولم يشنوا حروباً أخرى كل ذلك من أجل هيلدور, القادمون الجدد, الأبناء الأصغر لإلوڤاتار. فالأرض الوسطى قد تأذت كثيراً أثناء الحرب على أوتومنو وكان الڤالار يخشى بأن يصيبها الآن أذى أسوأ من قبل, حيث أن هيلدور ينبغي أن يكون فانياً, وأضعف من كويندي لتحمل الخوف والاضطراب. علاوة على ذلك لأنه لم يُكشف لمانوي من أين ستكون بداية البشر. شمال, جنوب, أو شرق. لذلك بعث الڤالار ضوءاً لجعل القوة على أرض سكنهم.

إيسيل هو ذلك البريق اللامع الذي سماه الڤانيار منذ القدم, القمر, وهو زهرة تيلبيريون التي كانت في ڤالينور. أما كلمةأننار, فهي النار الذهبية, فاكهة لاوريلين فقد سموها الشمس. لكننولدور سموا القمر رانا, أي المتمرد, وسموا الشمس فاسا, أي قلب النار, التيتنهض ثم تذوي. لذلك فالشمس وُضعت كعلامةٍ على يقظة البشر وتلاشي الجان. أمّا القمر فقد بقي متعلقاً بذاكرة الجان.

اختار الڤالار العذراء أرين من الميَّار لتوجيه وعاء الشمس. وقاد الميّار تيليون جزيرة القمر. فمنذ أيام الأشجار في ڤالينور كانت أرين تهتم بالزهور الذهبية في حدائق ڤانا وكانت ترويهم بندى لاوريلين اللامع. لكن تيليون كان صياداً ضمن جماعة أورومي, وكانت لدية قوس فضية, فهو يعشق الفضة. ومتى كان يريد الإستراحة, كان يترك غابة أورومي, فيدخل إلى لورين ويتمدد حالماً بنزول بركات إيستي عليه. في ومضات أشعة تيلبيريون طلب بأن يعطى مهمة إدارة الزهرة الأخيرة للفضة إلى الأبد. فالعذراء أرين كانت أقدر منه وقد اختيرت لأنها لا تخشى حرارة لاوريلين, ولم تصب بالأذى منها, لأن بدايتها كانت من روح النار. فهي التي لم يستطع ميلكور خداعها وسحبها لخدمته. فقد كانت عيون أرين لامعة جداً حتى بالنسبة لنظرات عيون إيلدار. غادرت أرين ڤالينور تاركةً الشكل والرداء الذي يشبه الڤالار لأنه بُليَ, وأصبحت كشعلة مجردة فظيعة في اتساع عظمتها.

كان إيسيل قد خلق أولاً وصُنع متأهباً, وكان أول نهوض في عالم النجوم, فهو شيخ الأضواء الجديدة, كما كان تيلبيريون شيخ الأشجار, ثم بعد مدة صار للعالم ضوء القمر. فاستيقظت الكثير من الأشياء التي انتظرت طويلاً في نوم ياڤانَا. ومُليء خدم مورغوث بالذهول من ضوئه, لكنَّ الجان في الأراضي الخارجية, نظروا للأعلى بفرح وسرور مع ارتفاع القمر فوق الظلام في الغرب. سمح فينغولفين بنفخ أبواقه الفضية وبدأ بتسيير موكبه إلى الأرض الوسطى. فقد كانت ظلال جماهيره تسير أمامهم سوداء طويلة.

اجتاز تيليون السماء سبع مرات وكان في الشرق الأقصى عندما أصبحت سفينة أرين جاهزة. ظهرت أننار في المجد, وكان الفجر الأول للشمس مثل النار العظيمة على أبراج بيلوري, فتوهجت غيوم الأرض الوسطى. وسُمع الكثير من أصوات السقوط. في الواقع, فإن خوف مورغوث من الضوء هو الذي  جعله ينحدر إلى أقصى أعماق أنغباند ويسحب خدمه معه. نافثاً الضباب والدخان العظيم, فتشكلت غيمة مظلمة أخفت أرضه عن ضوء ذلك النجم النهاري.

كان مقصد ڤاردا بأن تسافر السفينتين داخل إيلمين ويجب أن تكونا عاليتين, ولا تكونا معاً. فكلٌّ منهما تعبر من ڤالينور إلى الشرق ثم تعود. فتظهر الأولى من الغرب أمّا الأخرى فتدور من الشرق. هكذا اعتمدت بداية الأيام الجديدة بعد طريقة الأشجار, من اختلاط الأضواء لكلٍ من أرين وتيليون عندما عبرا مساريهما فوق منتصف الأرض. لكن تيليون كان متمرداً وسرعته مضطربة, فلم يلتزم بمساره المحدد, لذلك اقترب من أرين ليكسب من عظمتها لكن لهب أننار أحرقه وأظلمت جزيرة القمر.

وبسبب طبع تيليون المشاكس وصلوات لورين وايستي لرفع النوم والاستراحة عن الأرض وإعادة إظهار النجوم, فقد غيرت ڤاردا رأيها, وسمحت بأن يكون هناك وقت للعالم يجب أن يكون فيه ظل ونصف إنارة. فسمحت للشمس بالاستراحة لفترة في ڤالينور مستلقيةً على صدر المحيط البارد, وذلك كان وقت المساء. وهي أعظم ساعة من الضوء والبهجة في أمان. بعدها يقوم مساعدوا أولمو بسحب الشمس إلى الأسفل لتذهب بسرعة تحت الأرض, فتصل غير مرئية إلى الشرق, ومن هناك تصعد ثانيةً إلى السماء, خشية أن يكون الليل أكثر طولاً, وبذلك يمشي الشر تحت القمر. أصبحت مياه البحر الخارجي دافئة ومحمرة كلون النار المتوهجة بواسطة أننار. وأصبح لدى ڤالينور ضوء بعد مرور أرين. رغم ذلك فكلما سافرت تحت الأرض وسحبت نحو الشرق, كان الوهج يبهت فتصبح ڤالينور خافته. فيتذكر الڤالار لاوريلين ويبكون لفقده. لكن عند الفجر كانت ظلال جبال الدفاع تتمدد ثقيلة على الأرض المباركة.

قادت ڤاردا القمر برحلة مشابهة ومررته تحت الأرض ليظهر بعد ذلك من الشرق. لكن ذلك يحدث فقط بعد أن تنحدر الشمس من السماء. لكن سفر تيليون كان بسرعة مضطربة. ومازال لحد الآن يسافر بهذا الشكل. ولازال يقترب من أرين, وسيبقى كذلك للأبد, لذلك في أغلب الأحيان قد لا يشاهدا في نفس الوقت فوق الأرض, وأحياناً قد يصادف بأن يقترب منها كثيراً بحيث نجد ظله يقطع سطوعها, في ذلك الوقت سيقع الظلام على الأرض في وسط النهار.

وبسبب ذهاب أننار ورجوعها. تمكن الڤالار من حساب الأيام فيما بعد, واستمروا على هذه الطريقة حتى تغيير العالم. أمّا بالنسبة لتيليون فقلما استطاعوا ترويضة في ڤالينور, لكن في أحيانٍ كثيرة, سيعبر بسرعة شديدة فوق الأرض الغربية. فوق أفاثار أو أرامان أو ڤالينور. ويهبط بالهوة خلف البحر الخارجي ثم يتابع طريقة وحيداً وسط عفونة كهوف أردا, هناك في أغلب الأحيان يتجول لمدة طويلة, ثم يعود متأخراً.

لهذا السبب فمازال الضوء يأتي إلى ڤالينور بعد الليل الطويل أعظم وأصفى منه على الأرض الوسطى. لأن الشمس ترتاح هناك. وأضواء السماء تقترب أكثر إلى الأرض في تلك المنطقة, لكن لا الشمس ولا القمر يمكن أن يتذكرا الضوء الذي كان يأتي من الأشجار في الزمان القديم قبل أن يمسهم سُم أونغوليانت. ولم يبق من ضوئهم إلا ذلك الجزء الذي يعيش فقط في السيلماريلس.

كره مورغوث الأضواء الجديدة, وارتبك لفترة من هذة الضربة غير المتوقعة من الڤالار, لذلك, قام بمهاجمة تيليون فأرسل علية أرواح الظل, وحدث هناك صراع في إيلمين تحت طرق النجوم. لكن في النهاية كان النصر حليف تيليون. خاف مورغوث من أرين خوفاً عظيماً. فلم يتشجع حتى على الاقتراب منها. بل في الحقيقة لم تعد لدية القوة لمواجهتها, لكن حقده نما أكثر. فبعث الشر الذي في نفسه وحمله في الأكاذيب وفي مخلوقاته الشريرة, لربما تصل إليهم وتفرقهم. أمّا عن نفسه فقد أصبح أكثر التزاماً بباطن الأرض, غير راغب في الخروج من معاقله المظلمة, فقد أخفى نفسه وخدمه بالظلال من أمام وجه أرين لأنهم لا يتحملون نظرة عيونها, وغطى الأراضي القريبة من مسكنه بالأدخنة والغيوم الكثيفة.

وقع الڤالار في الشك عندما رأوا الإعتداء على تيليون. وخافوا من ماهية المكيدة والخدعة التي يدبرها مورغوث ضدهم الآن. فلم تكن لديهم راغبةً بشن حرب عليه في الأرض الوسطى. لأنهم تذكروا خراب ألمارين. وصمموا على أن لا يحدث ذلك في ڤالينور أيضاً. لذا ففي ذلك الوقت حصنوا أرضهم ثانيةً, ورفعوا أسوار جبل بيلوري لتكون مائلة ومرتفعة ومخيفة. من جهات الشرق والشمال والجنوب, فقد كانت جوانبها الخارجية ملساء مظلمة بدون موطئ قدم أو حواف أو نتوءات, وأنزلوها بانحدار كبير بوجوه قاسية كالزجاج. ووضعوا على قمم الأبراج تيجان من الثلج الأبيض. وأبقوا فوقهم مراقبة ساهرة دائمة من دون نوم. فلا ممر يقود إليهم إلا في كالاكيريا. لم يغلق الڤالار ذلك المعبر من أجل المخلصين من إيلدار. ومازال فينارفين يحكم بقية نولدور في الشق العميق للجبال في مدينة تيريون فوق التل الأخضر. ولكل هذا العرق الجني وحتى الڤانيار, اللذين كان سيدهم إينغوي. يجب عليهم أن يتنفسوا فقط من الهواء الخارجي والرياح التي تأتي عبر البحر من الأراضي التي ولدوا فيها. أيضاً لم يفصل الڤالار تيليري كليةً عن أقاربهم. لكنهم وضعوا أبراجاً قوية والكثير من الحراس في كالاكيريا, ونشروا على السهول معسكرات من شعب ڤالمار. بحيث لا يمكن لأي طير أو وحش أو إنس أو جان أو أي مخلوق يسكن بالقرب من مساكن الأرض الوسطى أن يعبر هذا المعسكر.

في ذلك الوقت أيضاً, وضعت تلك الأغاني التي تدعى نورتالي ڤالينوريفا أي إخفاء ڤالينور. وتم وضع الجزر المسحورة قرب الشواطئ الشرقية لأمان, وجعلت البحار عدائيةً من حولهم فقد مَلؤُها بالظلال والحيرة. ثم شدوا هذه الجزر بأوتارٍ كالشبكة إلى بحار الظلال من الشمال إلى الجنوب. أمّا تول إيريسيا, الجزيرة المنعزلة. فقد كانت تستطيع الاتصال بهم فقط عبر الإبحار غرباً. ومن غير الممكن أن تمرَّ أي سفينة بين هذه الجزر. بسبب الأصوات الخطرة لتنهدات الأمواج المتكسرة على الصخور المظلمة المغطاة بالضباب. وبهذا الغسق يقع الإرهاق العظيم على الملاحين فيبغضون البحر. وكل من وضع قدمهُ هناك على تلك الجزر فقد حوصر للأبد. وسيبقى نائماً حتى تغيير العالم. وهكذا يكون كما تنبأ لهم ماندوز في أرامان. فالأرض المباركة أصبحت مغلقة بوجه نولدور. والكثير من الرسل الذين سيأتون في قادم الأيام مبحرين إلى الغرب, فلن يصل منهم أحدٌ إلى ڤالينور. إلا وحداً فقط وهو الملاح الأكثر قدرة, والمعروف بالأغاني والأناشيد.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

hah الفصل الثاني عشر البشر

 

          بعد ما منح الڤالار الضوء للأرض الوسطى, جلسوا خلف جبالهم بسلام. ولمدة طويلة تركوا إدارة هذه الأرض لغيرهم. فلم توجد هناك مقاومة لسلطة مورغوث إلا من بعض شجاعة نولدور. ولم يهتم أحد من الڤالار بالمنفيين إلا أولمو الذي كان يجمع أخبارهم من الأرض عن طريق المياه.

بدأ حساب سنوات الشمس منذ ذلك الوقت. وأصبحت سنوات الشمس أسرع وأقصر مما كانت عليه سنوات الأشجار في ڤالينور. وفي ذلك الوقت أصبح هواء الأرض الوسطى ثقيلاً على التنفس والنمو والفناء والتغيير, فأسرعت شيخوخة كل الأشياء كثيراً. وفي الربيع الثاني لأردا ولدت الحياة على التربة وفي المياه. ازدادت أعداد إيلدار. وأصبحت بيليرياند تحت الشمس الجديدة خضراء وجميلة.

نهض الأبناء الأصغر لإلوڤاتار عند أول شروقٍ للشمس من أرض هيلدورين, وهي الأرض الواقعة في المناطق الشرقية للأرض الوسطى. لكن شروق الشمس الأول كان من الغرب. اتجهت عيون البشر المفتوحة نحو. مشى البشر بأقدامهم على وجه الأرض وتاه الجزء الأكبر منهم عن طريقه. سمتهم إيلدار أتتّاني, أي الأمة الثانية (الشعب الثاني). أطلقوا عليهم أيضاً اسم هيلدور, أي الاتباع. وأسماء أخرى كثيرة منها. أبانونار, الولد الثاني. إينغوار الضعفاء. فيريمار الهالكون (الفانون). وسموهم المغتصبون, الغرباء, الغامضون, النفس اللعينة. القساة, المخيفون بالليل, أبناء الشمس. لا يعرف من البشر بهذه الحكايات والمتعلقة بالأيام القديمة, من قبل ازدياد الفانيين وتضاؤل الجان, إلا آباء البشر الأتاناتري فهم الذين يعرفونها, وهم الذين ساروا على وجه الأرض في السنوات الأولى للشمس والقمر وذهبوا إلى شمال العالم. لم يأتِ أحد من الڤالار إلى هيلدورين لإرشاد البشر, أو لدعوتهم للسكن في ڤالينور كما حدث مع الجان. لكن البشر خافوا من الڤالار بدلاً من أن يحبوهم, فلم يفهموا أهداف هذه السلطات بعد كونها متعارضةً معهم. فابتدأ النزاع بالعالم. مع كل هذا فقد أخذ أولمو على عاتقه فكرة تقديم المساعدة لهم بعد أن أخذ بذلك رأي مانوي. جاءت رسائل أولمو إليهم غالباً بالسيول والفيضانات. لكنهم لم يكونوا مهرةً في مثل هذه الأمور. فمازالوا أقل مهارة في تلك الأيام, قبل اختلاطهم بالجان. لذلك أحبوا الماء وأثيرت به قلوبهم. لكنهم لم يفهموا رسائله. يقال بأنهم تقابلوا ومنذ مدة طويلة مع الجان المظلمون في عدة أماكن وأقاموا صداقات معهم. فأصبح البشر أثناء طفولتهم رفاق وتوابع لهذا الشعب القديم. لأن الهائمون من هذا العرق الجني لم يرشدوهم على الطريق المؤدي إلى ڤالينور. ولم يعرف البشر عن الڤالار أي شيء, ولم يسمعوا عنهم إلا كإشاعة أو اسم بعيد.

في حينها لم يتأخر مورغوث كثيراً بالعودة إلى الأرض الوسطى. ولم تذهب قوته لخارج الأرض الوسطى. علاوة على ذلك فقد دقق بالمجيء المفاجئ لذلك الضوء العظيم. كان هناك خطر طفيف في الأراضي والتلال, وضع مورغوث أشياء جديدة كان قد ابتكرها منذ عصور طويلة, من قبل أن تفكر فيها ياڤانَا, وبذرها كبذرة في الظلام. وأخيراً جاءت واعدةً, فأزهرت في الغرب والشمال والجنوب. أي في كل الأماكن التي انتشر وتجول فيها أبناء البشر. كانت بهجة أبناء البشر كبهجة الصباح قبل جفاف الندى عندما تكون كلُّ الأوراق خضراء.

لكن الفجر قصير والنهار غالباً مليء بالوعود الكاذبة. فقد حان وقت الحروب الكبرى من قوى الشمال. عندما ناضل البشر ونولدور وسيندار ضد جماعات مورغوث باوغلير الذي نزل إلى الخراب. إلى هذه النهاية أدت أكاذيب مورغوث المخادعة والتي زرعها منذ القدم ومازال يبذرها بين خصومه. فالفتنة التي جلبت القتل في ألكوالوندي وقَسم فيانور. هما من هذه البذور الشريرة التي مازالت تفعل فعلها. هنا لم يخبرنا إلا عن جزء واحد فقط من أعمال تلك الأيام. لكنه أخبر أكثر عن نولدور والسيلماريلس. وعن البشر الذين تورطوا في مصيرهم مع نولدور. ففي تلك الأيام كان الجان والبشر متماثلون في القوام وقوة الجسم. لكنَّ الجان لديهم حكمة أعظم ومهارة أكثر وجمال أفضل وأحسن. أمّا أولئك الجان الذين سكنوا في ڤالينور تحت مرأى السلطات, فقد تفوقوا كثيراً على الجان المظلمين في هذه الأشياء. والذين هم بدورهم كانوا متفوقين على هذا العرق الفاني. ويستثنى من الجان فقط مملكة دورياث, والتي كانت ملكتها ميليان فهي من الميّار أقارب الڤالار, لذلك جعلت سيندار يقترب أكثر إلى مجاراة كالاكويندي الساكنين في الأرض المباركة.

كان الجان خالدون. وحكمتهم بازدياد من جيل لآخر. فلا المرض ولا الوباء يجلب لهم الموت. بالحقيقة فإن أجسامهم من مادة الأرض وقد تتحطم. وفي تلك الأيام كانت أجسامهم تشبه كثيراً أجسام البشر. ولم يمضِ وقت طويل حتى سكنت النار روحهم. وهي التي ستستهلكهم من الداخل بمرور الزمن. أمّا البشر فكانوا ضعفاء, ويقتلون بسهولة أكثر, إن كان بالسلاح أو بسوء الحظ, ويحتاجون لوقت اطول للشفاء من الأمراض. فهم معرضون دائماً للأمراض والأوبئة. بالإضافة إلى أنهم يكبرون في السن ويموتون. لم يعرف الجان ماذا يحدث لأرواح البشر بعد الموت. فالبعض يقول بأن أرواح البشر تذهب إلى قاعات ماندوز, لكن مكانهم ومكانتهم من الانتظار هناك ليس هو نفس مكان ولا مكانة الجان. وبموجب تعاليم إلوڤاتار فلا يعلم إلا ماندوز ومانوي إلى أين سيذهبون بعد زمن التذكر في تلك القاعات الصامته بجانب البحر الخارجي. لم يرجع أحدٌ أبداً من قصور الموتى إلا فقط بيرين بن باراهير. وهو الشخص الذي لامست يداه السيلماريلس لكنه لم يتكلم فيما بعد مع البشر الفانيين. ربما لم يكن مصير البشر بعد الموت في أيدي الڤالار ولم يكن في كل نبوءات موسيقى آينور.

في الأيام اللاحقة وبسبب انتصار مورغوث فقد أصبح الجان والبشر متجافيين ومنفصلين كما تمنى كثيرون. فالذين هم من جنس الجان ومازالوا يعيشون في الأرض الوسطى, تضاءلوا وبهتوا. اغتصب البشر أماكن نور الشمس. أمّا كويندي فقد تجولوا في الأماكن المنعزلة للأراضي العظيمة والجزر, وأُخذوا إلى ضوء القمر والنجوم, وإلى الغابات والكهوف. فأصبحوا كظلال الذكريات. إلا أولئك الذين أبحروا أحياناً إلى الغرب واختفوا من الأرض الوسطى. لكن منذ فجر السنوات كان البشر والجان حلفاء واعتبروا أنفسهم أقرباء. وكان هناك من بين البشر من تعلم حكمة إيلدار, فأصبحوا من عظماء وشجعان قادة نولدور. وأصبحوا في مثل مجد وجمال ومصير الجان. وفي أقدارهم نصيبٌ كاملٌ من كلا النسلين الجنّي والفاني, وهمإيارينديل وإيلوينغوابنهم إيلروند.

m                                                                                           الفصل الثالث عشر عودة نولدور


          قلنا بأن فيانور وأبناءه كانوا من أول المنفيين الذين نزلت أقدامهم على الأرض الوسطى, عندما نزلوا في أراضي القفر في لامووث, أرض الصدى العظيم. على الشواطئ الخارجية للسان البحري درينغيست. ومنذ أن وضع نولدور أقدامه على الساحل. فقد وصل صدى صوتهم وصرخاتهم إلى التلال, فملأ هذا الصخب الهائل كل سواحل الشمال. حملت الريح صوت ضوضاء احتراق السفن في لوزغار إلى البحر كصوت من الاضطرابٍ والغضب العظيم. وكل من سمع هذه الأصوات من بعيد فقد تعجب واندهش عن ماهية هذا الصوت.

لم تشاهد ألسنة لهب الاحتراق الهائل للسفن فقط من قبل فينغولفين, الذي تركة فيانور في أرامان. فقد شاهدها أيضاً, الأوركس وحراس مورغوث. لم يعلم أحد ماذا كان يخفي مورغوث في قلبه لخصمه العنيد فيانور, الذي جلب معه حشوده من الغرب, قد يكون خائفاً منهم قليلاً, ولكن لم تكن لدية لحد الآن أية أدلة على أسلحة نولدور, وحالما رأى ذلك فقد صمم على إرجاعهم إلى البحر الذي جاءوا منه.

تحت النجوم الباردة وقبل شروق القمر قطعت حشود فيانور اللسان البحري الطويل درينغيست, مخترقين تلال الصدى من إيريد لومين. وبالتالي يكونوا قد عبروا من الشواطئ إلى أراضي هيثلوم الواسعة, وصلوا بعد مسير طويل إلى البحيرة الطويلة في ميثريم. هناك نصبوا معسكرهم على شاطئها الشمالي في المنطقة التي حملت نفس الاسم. أما حشود مورغوث فقد كانت مضطربةً من تأثير لامووث عليهم وتوهج أضواء احتراق السفن في لوزغار. لذلك تعقبوهم ودخلوا من خلال ممرات إيريد ويثرين, جبال الظل, وقاموا بمهاجمة فيانور على حين غرة, قبل أن ينتهي من بناء معسكرة, حتى قبل أن يضعه بموضع الدفاع. وهناك على الحقول الرمادية لميثريم وقعت المعركة الثانية من حروب بيليرياند, داغور نوين غيلياث. أي معركة تحت النجوم. هكذا سميت فيما بعد. حدث كل ذلك والقمر لم يكن قد أشرق بعد. لكن نولدور كانت المنتصرة وبسرعة شديدة رغم التفوق العددي والمباغتة بالهجوم من قبل الأوركس. خُلدت هذه المعركة بالكثير من الأناشيد. فلحد الآن لم يخبو ضوء أمان في عيون نولدور, لقد كانوا أقوياء وسريعين. قاتلوا بغضب, فكانت سيوفهم طويلة وفظيعة. لذلك فرَّ الأوركس من أمامهم, ودحروهم من ميثريم بمذبحة عظيمة. استمر النولدوريون بمطاردتهم على جبال الظل إلى السهل العظيم أرد غالين الواقع شمالي دورذونيون. أمّا جيوش مورغوث التي كانت قد عبرت باتجاه الجنوب عبر وادي سيريون وقامت بمحاصرة كيردان في مرافئ الفالاس. فقد هبّت لنجدة الأوركس, لكنها وقعت في الكمين, لأن كيليغورم بن فيانور, كانت لديه معلومات عن تحركهم, فكمن لهم بجزء من جماعة الجان, وقاتلهم على التلال القريبة من إيثيل سيريون, ثم طردهم إلى مستنقع سيريخ. في النهاية وصلت الأخبار السيئة إلى أنغباند فأفزعت مورغوث. لأن الحرب كانت قد استمرت لعشرة أيام متواصلة, ولم يعد من كل حشود مورغوث التي استعدت لغزو بيليرياند, إلا مجموعة قليلة كحفنة من الأوراق.

صنع هذا النصر فرحاً عظيماً عند فيانور, مع أن الفرح كان قد غادره لفترة, وفي غضبة ضد أعدائه لم يتوقف بل ضغط عليهم مطارداً بقية الأوركس. كان يفكر أيضاً بمهاجمة مورغوث نفسه. وراح يضحك جهورياً ملوحاً بسيفه بابتهاج لأنه هو الوحيد تجرأ على إغضاب الڤالار وتحمل شرور الطريق وها هو الآن يرى ساعة ثأره قريبة. مع أنه يجهل كلَّ شيء عن أنغباند وقوة تحصينها الكبير. كذلك فإن مورغوث كان قد جهز نفسه بسرعة. لكن حتى لو علم فيانور بأن خصمه مستعد ما كان ذلك سيردعه لأنه كان طفولياً, فقد استُهلك بلهب غضبه. هكذا اقترب فيانور لمكانٍ متقدم مبتعداً عن طليعة الجيش. فرأوه خدم مورغوث واستداروا نحو الخليج وأرسلوا إلى هناك بالروغز من أنغباند لمساعدتهم. هناك على حدود دور دايديلوث أرض مورغوث. حيث لم يكن فيانور محاطاً إلا بعدد قليل من الأصدقاء, إلا أنه واصل الكفاح لمدة طويلة, غير هيَّابٍ ولا وجل. مع أنه كان قد لُف بالنار وأصيب بجروح كثيرة, وأخيراً ضُرب بالأرض من قبل غوثموغ سيد البالروغز. وهو نفس البالروغز الذي ذبحه إكثيليون في غوندولين فيما بعد. هناك كان فيانور سيموت لولا وصول أبناءه في اللحظة المناسبة وكانت لديهم القوة اللازمة لمساعدته, وعندما رآهم البالروغز فترك فيانور وغادر إلى أنغباند.

حمله أبناءه متجهين به نحو ميثريم. وبينما كانوا على طريقهم الصاعد لمعابر الجبال مقتربين من إيثيل سيريون, طلب منهم أن يتوقفوا. لأنه عرف بأن ساعته قد حانت بسبب جراحه المميتة. نظر من خلال منحدرات إيريد ويثرين, بنظرة أخيرة للبعيد إلى قمم ثانغورودريم أقوى أبراج الأرض الوسطى. فاستبصر وهو في سكرة الموت بأن لا قوة في نولدور قادرةً على اسقاط أبراج ثانغورودريم. لذلك لعن اسم مورغوث ثلاث مرات. ووضعها في عهدة أبناءه ليضيفوها إلى قسمهم والانتقام لأبيهم, ثم مات, لكنه لم يدفن, ولم يكن لدية قبر, لأن نارية روحة عندما غادرت جسده وحُملت بعيداً كالدخان, لم تبقي منه إلا الرماد المتساقط على الأرض. لم يظهر في كل أردا مثيلٌ لفيانور. ولا لروحه المقيمة في قاعات ماندوز. هكذا كانت نهاية أعتى جبابرة نولدور, فهو الذي أكسب الصيت لهم ولأعمالهم وكان السبب الرئيسي لمحنتهم.

يسكن في ميثريم الجان الرماديون شعب بيليرياند الذين تاهوا على الجبال الشمالية. كان لقاؤهم بنولدور فرحاً, كلقاء أهل ضائعين منذ مدة طويلة. لكن في بداية الأمر لم يكن الكلام سهلاً بينهم. بسبب الإنقطاع الطويل عن لغة كالكويندي المستخدمة في ڤالينور, حيث كانت اللغة المستخدمة في بيليرياند هي موريكويندي, مما جعلهم متباعدين جداً. عَلمت نولدور من جان ميثريم عن قوة ايللو ثينغول ملك دورياث وزنار السحر الذي يسيج مملكته. وصلت بشرى الأعمال العظيمة في الشمال إلى مينيغروث في الجنوب وإلى مرافئ بريثومبار وإيغلاريست. وقد مُليء جان بيليرياند بالدهشة والأمل لمجيء قريبهم الهائل, وبهذا يكون حَضْر الذهاب إلى الغرب قد رُفع عنهم في اللحظة التي كانوا فيها بأمس الحاجة للمساعدة. لأنهم اعتقدوا بأن نولدور جاءتهم كرسل من الڤالار لإنقاذهم.

وفي ساعة موت أبيهم جاءت سفارةٌ من مورغوث لأبناء فيانور. يعترف فيها بالهزيمة, ويعرض شروط الهدنة. وقال أيضاً بأنه سيتنازل لهم عن السيلماريل. قام مايذروس طويل القامة الابن الأكبر لفيانور بإقناع إخوته بالتظاهر برغبة التفاوض مع مورغوث. والعمل على مقابلة مبعوثيه في المكان المحدد. لكن نولدور لم يفكروا كثيراً بعدم الثقة به, ولماذا كان مورغوث في كل مرة يرسل سفارات أكثر قوة وأكبر عدداً مما كان متفق عليه. لكن مورغوث أرسل فيما بعد أكثر من ذلك, فقد بعث لهم بالروغز, كمن لمايذروس وقتل كل المجموعة التي كانت معه. لكنه وطبقاً لأوامر مورغوث, أخذ معه مايذروس حياً إلى أنغباند.

وعندما علم أخوة مايذروس بالذي حصل لأخيهم, تراجعوا وحصنوا معسكرهم في هيثلوم تحصيناً عظيماً. لكن مورغوث أخذ مايذروس كرهينة. وأرسل لهم بأنه لن يطلق سراحة مالم تترك نولدور الحرب وتعود إلى الغرب, أو أن تغادر بيليرياند مبتعدةً نحو الجنوب. عرف أبناء فيانور بأن مورغوث سيغدر بهم, ولن يحرر مايذروس مطلقاً مهما فعلوا. أيضاً الشيء الآخر الذي منعهم من ذلك, هو التزامهم بالقسم الذي يقول, بأنهم لن يتركوا محاربة عدوهم لأي سبب من الأسباب. لذلك أخذ مورغوث, مايذروس وعلقه على جهة الهاوية من ثانغورودريم. وربطه من رسغ يده اليمنى إلى صخرة برباط فولاذي.

وصلت أخبارٌ إلى المعسكر في هيثلوم. بأن موكب فينغولفين ومن تبعه قد عبروا مناطق الجليد. وكل العالم كان مندهشاً لمجيء القمر في حينها. لكن أثناء زحفت جماهير فينغولفين إلى ميثريم, أشرقت الشمس ملتهبة من الغرب, فنشر فينغولفين راياته الزرقاء والفضية. ونفخ أبواقه, فأزهرت الأرض تحت أقدام الزحف. وهكذا تكون عصور النجوم قد انتهت بنهوض الأضواء العظيمة, أي الشمس والقمر. هرب خدم مورغوث من الأضواء العظيمة إلى أنغباند. ومر زحف فينغولفين بدون ممانعة من خلال دور دايديلوث النائية. بينما اختفى خصومه تحت الأرض. ثم ضرب الجان على أبواب أنغباند. وهزَّ تحدي أبواقهم أبراج ثانغورودريم. فسمعهم مايذروس وسط عذابه وصرخ بصوت عالي. لكن صوته ضاع في أصداء الحجارة.

كان طبع فينغولفين مغاير لطبع أخيه فيانور فقد كان محترساً من حيل مورغوث, لذلك انسحب من دور دايديلوث ورجع إلى ميثريم, لأنه سمع أخباراً بأنه قد يجد أبناء فيانور هناك. ورغب أيضاً بأن يحمي معسكره بجبال الظل, ريثما يرتاح الشعب وتتجدد قوته. فقد شاهد قوة أنغباند, وأدرك بأنه لا يمكن إسقاطها بقوة صوت الأبواق فقط. لذلك أتى بعد مسير طويل إلى هيثلوم وبنى أول معسكر له واستقر عند الشواطئ الشمالية لبحيرة ميثريم. لم تكن هناك محبة في قلوب أتباع فينغولفين لبيت فيانور. فقد كانت معاناتهم عظيمةً في تحمل عبور الجليد. قبض فينغولفين على الأبناء المتواطئين مع أبيهم, فأوشك النزاع بين جنود كلا الجانبين حد الإنفجار. وعلى الرغم من شدة خسائرهم على الطريق, فمازال شعب فينغولفين وفينرود بن فينارفين أكثر عدداً من أتباع فيانور. لذلك انسحب أتباع فيانور. وأزالوا مساكنهم واستقروا على الشاطئ الجنوبي. أصبحت البحيرة حاجزاً بينهم. وبالحقيقة, فإن غالبية شعب فيانور كانوا نادمين على إحراق السفن في لوزغار, ومندهشين من شجاعة وجسارة أصدقائهم الذين تركوهم على جليد الشمال, لكنهم لم يتجاسروا على الترحيب بهم لشعورهم بالخجل.

هكذا وبسبب اللعنة التي أنزلت على نولدور فلم يستطيعوا انجاز شيء. بينما كان مورغوث متردداً, لأن الضوء القوي قد أصاب الأوركس بالفزع الشديد, لكن فكّر مورغوث ارتقى أكثر بسبب الانقسام بين خصومه مما أدخل السرور إليه. فقام بصنع أدخنة سوداء في أقبية أنغباند وأخرجها كأبخرة من قمم الجبال الحديدية, وكانت تُرى من ميثريم. خرجت أبخرة أنغباند كالريح من الشرق وأخذت تلوث نقاء الصباح المشرق. وصلت إلى هيثلوم كاسفةً عين الشمس. ودار دخانها حول الحقول والتجاويف وسقطت أبخرتها على مياه ميثريم فأصبحت كئيبةً وسامه.

صمم فينغون الشجاع ابن فينغولفين على معالجة العداوة التي فرقت نولدور, فعدوهم يعد العدة للحرب. فقد كانت الأرض في الشمال تهتز وترتعد من أصوات ورشات حدادة مورغوث التي بناها تحت الأرض. كان فينغون مرتبط بعلاقة صداقة قديمة مع مايذروس منذ زمن طويل, من أيام نعمة ڤالينور قبل خروج ميلكور من السجن. وفي وقتها لم تكن أكاذيبه قد سارت بعد فيما بينهم, ولم يكن يعرف بأن مايذروس لم ينساه أثناء حادثة إحراق السفن, فالتفكير في صداقتهم القديمة وخزت قلبة, لذلك تجرأ على فعل أعمال النبل المشهورة والتي يفاخر بها أمراء نولدور, فحزم أمره لوحده وبدون استشارة أحد, وقرر أن يبحث عن مايذروس. وبمساعدة الظلام الكثير الذي جعلة مورغوث, فقد استطاع التخفي والوصول إلى أماكن استقرار خصومه, فتسلق على أكتاف ثانغوردريم ونظر بيأس إلى خراب الأرض, فلا وجود لمعبر أو شق يمكن أن يوصله إلى معقل مورغوث. ثم وبتحدٍ للأوركس الذين مازالوا منكمشين في الأقبية المظلمة تحت الأرض, أخذ قيثارته وغنى أغنية ڤالينور التي صنعتها نولدور منذ زمن طويل قبل نشوء النزاع بين أبناء فينوي. طرق صوته الأقبية الحزينة التي لم تسمع من قبل إلا نداءات الخوف والاستغاثة والحزن.

عندها وجد فينغون ما أراد, فقد سمع فوقه فجأة صوت خافت يردد أغنيته. وكان هذا الصوت الذي أجابه هو صوت مايذروس الذي غنى وسط عذابه وألمه. فتسلق فينغون سفح الهاوية حيث تعلق قريبه, ولم يستطع بعدها أن يتقدم أكثر. وعندما رأى أداة مورغوث القاسية بكى كثيراً, وبكى مايذروس لأنه كان يظن بأنه سيبقى في الألم بدون أمل في النجاة. لذلك استجدى فينغون لكي يرميه بضربة من قوسه. وضع فينغون سهماً في قوسه وأحناه. لكنه ومع فقدان الأمل بكى مبتهلاً إلى مانوي قائلاً: أيها الملك الذي تبجله كل الطيور اطلب منهم أن يسرعوا إلى هذا العمود المعشق. وتذكر أيها الملك بأن نولدور بحاجة إلى بعض الشفقة.

أجيبت دعوات فينغون بسرعة شديدة, لأن مانوي تبجله كل الطيور وتجلب له أخبار الأرض الوسطى إلى تَني كويتيل. وكانت النسور قد جلبت إلى آذان مانوي أخبار حزنٍ كثيرةٍ كتلك التي حدثت فيما سبق من الأيام. فبعث النسور التي كان قد أمرها بالسكن في صخور الشمال لمراقبة مورغوث. فعلى الرغم من كل شيء, مازالت لدى مانوي بعض الشفقة على الجان المنفيين. والآن, عندما أحنى فينغون قوسه. طار هناك في الأعالي ثوروندور ملك النسور وهوى إليه. وثوروندور هذا هو الأقدر بين كل الطيور, وأجنحته الطويلة عندما ممدودة فإنها تغطي ثلاثين قامة. امتدت يد فينغون إليه وحمله ثوروندور إلى وجه الصخرة التي تعلق عليها مايذروس. لكن فينغون لم يستطع أن يحرر الربطة المشدودة على رسغ مايذروس. ولم يستطع قطعها أو سحبها من الحجارة. لذلك فقد استجداه مايذروس ثانية بأن يقتله ويريحه من عذابه. لكن فينغون قطع يد مايذروس من فوق الرسغ وحملهما ثوروندور وأعادهما إلى ميثريم.

هناك في ميثريم وبمرور الوقت تماثل مايذروس للشفاء. لأن نار الحياة بداخله كانت حارة, وقوته كانت من العالم القديم. مثله مثل الذين تربوا وعاشوا في ڤالينور. فشفي جسمه من عذابه وأصبح بعافية. لكن ظلال الألم بقيت في قلبه. وعاش حياته ليحمل السيف باليد اليسرى, لكنَّ هذه اليد كانت فتاكة أكثر مما كانت عليه يده اليمنى. اكتسب فينغون بهذا العمل صيتاً عظيماً واستحق المدح من كل نولدور. بعدها هدأت الكراهية بين بيت فينغولفين وبيت فيانور. وطلب مايذروس المغفرة والعفو عن هروبهم في أرامان, ثم تنازل عن حقه في الملك على كل نولدور قائلاً لفينغولفين: بما أنه لم تعد بيننا أية مشاكل يا سيدي, فإن الملكية تأتي إليك بشكل صحيح. لأنك أنت الآن الأكبر سناً والأكثر حكمة في بيت فينوي. أمّا أُخوة مايذروس فلم يوافقوه الرأي, لكنهم أبقوا ذلك مستوراً في قلوبهم.

وهكذا تحققت نبوءة ماندوز بأن بيت فيانور سيدعون المحرومين. لأن السيادة مرت منهم وهم البيت الأقدم, إلى بيت فينغولفين في كلا المنطقتين, إيليندي[65]وبيليرياند. وأيضاً بسبب خسارتهم للسيلماريلس. لكن المهم أن نولدور عادت متحدةً من جديد. ووضعوا المراقبة على حدود دور دايديلوث, وحاصروا أنغباند من الغرب والجنوب والشرق. بعثت نولدور الرسل والكشافين ونشرتهم بعيداً لاستكشاف بلدان بيليرياند. وللتعامل مع الشعوب التي كانت تسكن هناك.

لم يرحب الملك ثينغول كثيراً بكامل إرادته بمجيء الأمراء من الغرب, فقد كانوا متلهفين للعوالم الجديدة. ولم يفتح أمامهم مملكته ولم يحرر زنارها من السحر, لأن الوعي في حكمة ميليان هو عدم الثقة بأن ضبط النفس عند مورغوث لن يدوم طويلاً. ومن بين كل أمراء نولدور فقط أولئك الذين كانوا من بيت فينارفين هم مَنْ تحملوا معاناة العبور ضمن حدود دورياث. لأنهم يستطيعون الادعاء بعلاقة قرابة مع الملك ثينغول نفسه. لأن أمهم كانت إياروين بنت أُولُويْ من ألكوالوندي.

أنغرود بن فينارفين كان أول المنفيين الذين وصلوا إلى مينيغروث. فقد جاء كرسول لأخيه فينرود وتكلم لمدة طويلة مع الملك ثينغول, فأخبره عن أعمال نولدور في الشمال. وعن أعدادهم وتنظيم قواهم. عفا ثينغول عن كل المآسي بقلب حكيم ونية صادقة وعقل راجح, ولم يتكلم بأي كلمة تتعلق بمذبحة الأقارب. أو عن أسلوب نفي نولدور ولا عن قَسم فيانور. فقد أصغى الملك ثينغول بشكل كامل إلى كلمات أنغرود وقال له وهو يرحل: هكذا ستتكلم باسمي للذي أرسلك. يسمح لنولدور بالسكن في هيثلوم وفي مرتفعات دورذونيون وفي أراضي البرية الفارغة الواقعة شرق دورياث. لكن في بقية الأماكن الأخرى, فهناك الكثير من شعبي. ولن أقيد حريتهم من أجل أحد, فمازال القليل منهم مبعدين عن منازلهم. وبالتالي, فإني أحذركم بأنكم ستحاكمون كما يحاكم الأمراء في الغرب. فأنا سيد بيليرياند. وكل من سيسكن هنا سيسمع كلمتي, ولا يسمح لأحد بالإقامة في دورياث إلا الذين أستدعيهم كضيوف, أو مَنْ يريدني في حاجة عظيمة.

عقد سادة نولدور مجلساً لهم في ميثريم. وإلى هناك جاء أنغرود قادماً من دورياث يحمل رسالة من الملك ثينغول. بدى ترحيب نولدور بالرسالة بارداً. وكانت كلمات أبناء فيانور غاضبة, لكن مايذروس ضحك قائلاً: الملك هو الذي يسيطر على ملكه وإلا فسيكون لقبه عقيم. يمنحنا ثينغول أرضاً خارج سيطرته. وفي الحقيقة فإن دورياث لوحدها ستكون هي مملكته اعتباراً من اليوم. لأن مجيء نولدور هو الذي تركه يحكم في دورياث. وليكنمسروراً لأن جيرانه أبناء فَينوي وليسوا الأوركس أتباع مورغوث. ومن جهة ثانية سنذهب إلى أي مكان نجده جيداً بالنسبة لنا.

لم يكن كارانثير يحب أبناء فينارفين كثيراً, وكان هو أقسى أخوته وأسرعهم إلى الغضب, فصرخ عالياً: هذا يكفي! لا تدع أبناء فينارفين يشغلوننا بحكاياتهم مع هؤلاء الجان المظلمون في كهوفهم. مَن سمح لأبناء فينارفين بأن يكونوا ناطقين باسمنا للاتفاق معهم؟ على الرغم من أنهم جاءوا فعلاً إلى بيليرياند, فلاتدعهم ينسوا بسرعة بأن أباهم هو سيد نولدور, وأمهم من الأقارب الآخرين أيضاً.

غضب أنغرود من كلام كارانثير وغادر المجلس. في الحقيقة قام مايذروس بتوبيخ كارانثير, لكن غالبية نولدور ومن أتباع كلا الطرفين انزعجوا عندما سمعوا هذا الكلام. خوفاً من طبع أبناء فيانور والذي سيكون كالانفجار إن كان بالكلام الطائش أو بالعنف. لكن مايذروس منع إخوته من الإتيان بأية حركة وغادروا المجلس أيضاً. ثم بعد ذلك بقليل تركوا ميثريم كلها وذهبوا شرقاً ما بعد آروس, إلى الاراضي العريضة حول تلة هيمرينغ. والتي سميت فيما بعد تخوم مايذروس. وفي شمال هذه الأرض كانت توجد حماية صغيره من التل أو النهر ضد أي هجوم قد يأتي من أنغباند. هناك استمر مايذروس وأخوته بالمراقبة. وجمعوا حولهم كل من كان يريد الالتحاق بهم. ولم تكن لهم تعاملات مع أقاربهم في الغرب إلا في بعض الحاجات, ويقال بأن مايذروس هو الذي ابتكر هذه الخطة للتقليل من احتمالات التواصل التي قد تؤدي إلى النزاع. ولأنه كان على قناعة تامه بأن الخطر الرئيسي للهجوم سوف يقع عليه هو. ومن جهته فقد أبقى على الصداقة مع بيوت فينارفين وفينغولفين. وأحياناً كان يزورهم من أجل المشاركة في بعض المشاورات. رغم أنه مرتبطٌ أيضاً بالقسم الذي هجع قليلاً الآن ولفترة من الوقت.

سكن شعب كارانثير بالشرق الأقصى خلف أعالي مياه جيليون حول بحيرة هيليڤورن تحت جبل ريريير باتجاه الجنوب. صعدوا مرتفعات إيريد لوين وكان منظرها مدهشاً, ففي اتساعها وبريتها بدت لهم وكأنها كل أراضي الأرض الوسطى. وبذلك فقد كان شعب كارانثير قريباً من مناطق الأقزام, الذين توقفت تحركاتهم إلى بيليرياند بعد هجوم مورغوث ومجيء نولدور. لكن مع أنّ كلا الشعبين يحبّا المهارة واللهفة للتعلم. فلم تكن هناك محبة كبيرة بينهم, فالأقزام غامضون وكانوا يستاؤون بسرعة. أما كارانثير فكانوا متغطرسين ونادراً ما أخفوا احتقارهم لعدم حُسن وجمال ناوغريم. فتبع كل شعب منهما ساداته. ومن جهة ثانية, فإن كلا الشعبين يكرهون مورغوث ويخافونه, وذلك ما ساعد فيما بعد على إقامة تحالفٍ بينهم, وكان هذا التحالف مكسباً عظيماً لكليهما. فقد تعلم ناوغريم في تلك الأيام الكثير من أسرار الحرف. وأصبح حدادو وبناؤو نوغرود وبيليغوست الأكثر شهرة بين كل أقربائهم. وعندما بدأ الاقزام رحلتهم ثانيةً إلى بيليرياند, انتقلت ملكية مناجم الأقزام بدايةً إلى كارانثير وهذا ما جلب إلى شعب كارانثير الكثير من الثروات العظيمة.

بعد مرور عشرين سنة شمسية, صنع فينغولفين ملك نولدور عيداً عظيماً. وكان ذلك في الربيع قرب بحيرات إيڤرين من حيث ينبع نهر ناروغ السريع. فالأرض هناك خضراء جميلة عند سفوح جبال الظل التي كانت ستراً لهم من الجهة الشمالية. عاشت أفراح العيد طويلاً في ذاكرة الأيام اللاحقة المليئة بالحزن. ودعي هذا العيد ميريث أديرثاد, عيد لم الشمل. وحضر هذا العيد الكثير من الزعماء والناس من شعوب فينغولفين وفينرود وأبناء فيانور مايذروس وماغلور مع محاربون من التخوم الشرقية. وجاءت أيضاً أعداد كبيرة من الجان الرماديين. والتائهون من غابة بيليرياند وشعب المرافئ مع سيدهم كيردان. وأتى أيضاً الجان الخضر من أوسيرياند, أرض الأنهار السبعة, البعيدة هناك تحت أسوار الجبال الزرقاء. وأتى من دورياث رسولين هما مابلونغ ودايرون يحملان تحيات الملك.

في عيد ميريث أديرثاد كل الآراء والنصائح كانت تأخذ بحسن النية, وأقسم الجميع على الولاء للصداقة والاتحاد فيما بينهم. وقيل بأنه في العيد كانت لغة الجان الرماديين محكية بشكل جيد من قبل نولدور, لأنهم تعلموا بسرعة لغة بيليرياند بينما سيندار كان بطيء في إتقان لغة ڤالينور, وقد كانت قلوب نولدور راقية ومليئة بالأمل, وبدا للكثيرين منهم بأن كلمات فيانور كانت محقة, فمطلبهم هو الحرية والعدالة لممالك الأرض الوسطى. وبالفعل فقد تلا ذلك العيد سنوات طويلة من السلام فيما بينهم. بينما حمت السيوف بيليرياند من شرور مورغوث. وأقفلت على قوته خلف أبوابه, ففي تلك الأيام كان الفرح عامراً تحت الشمس والقمر الجديدين, وكل الأرض كانت سعيدة لكن الظل مازال يقبع في الشمال.

بعد مرور ثلاثين سنة أخرى. غادر تورغون بن فينغولفين نيڤراست حيث كان يسكن, وراح يبحث عن صديقه فينرود على جزيرة تول سيريون. فسافر ومن معه جنوباً على طول النهر. وبينما هم مسافرون في الليل ما بعد بحيرات الغسق بجانب نهر سيريون, إذ كان التعب قد نال منهم كثيراً على الجبال الشمالية, فغشاهم النعاس وناموا على ضفاف نهر سيريون تحت النجوم الصيفية. خرج أولمو من النهر ووضع عليهم نوماً عميقاً وأحلاماً ثقيلة. بقيت مشكلة الأحلام بعد استيقاظهم, لكنهم لم يخبروا بعضهم بهذه الأحلام لأن ذاكرتهم كانت مشوشة. فكل واحد منهم ظن أن أولمو أرسل له رسالة لوحده, مع ذلك لم يقلقوا, بل ارتابوا مما قد يحدث. ساروا في أغلب الأحيان على أراضٍ غير مداسةٍ من قبل, يفتشون في كل اتجاه عن أماكن القوة الخفية. لأن ذلك كله بدا لهم وكأنه استعداد ليوم الشر. فقرروا الانسحاب, خشية اندفاع مورغوث من أنغباند والقضاء على جيوش الشمال.

وفي هذا الوقت كان فينرود وأُخته غالادريل ضيوفاً في دورياث عند قريبهم ثينغول. وكانت دهشة فينرود عظيمةً من قوة وفخامة مينيغروث, من خزائنه ومستودعات سلاحه وقاعاته المؤسسة على الحجارة. فاستحسن أن يبني لنفسه قاعات واسعة خلف أبوابٍ محروسةٍ دائماً, مع بعض العمق والسرية, ويجب أن تكون تحت التلال, لذلك فتح قلبه إلى ثينغول وأخبره عن أحلامه, فأخبره ثينغول عن وادٍ عميق عند نهر ناروغ وعن الكهوف التي تحت فاروث العاليه في الشاطئ الغربي الحاد, وعندما غادر أعطاه أدلاء ليرشدوه إلى ذلك المكان الذي لا يعرفه إلا القليل من الناس. هكذا كان مجيء فينرود إلى كهوف ناروغ. حيث بدأ بتأسيس القاعات ومستودعات السلاح العميقة هناك بعد ما رأى طراز قصور مينيغروث, وأطلق على ذلك المعقل اسم نارغوثروند. وفي عمله هذا حصل فينرود على مساعدة أقزام الجبال الزرقاء. فكافأه الأقزام بأن صنعوا له ناوغلامير, أي عقد الأقزام, لأن فينرود كان قد أحضر أكثر كنوز تيريون, أكثر من غيره من بقية أمراء نولدور, ويعتبر عقد الأقزام هذا من أكثر أعمال الأقزام شهرةً على مر السنين. فقد كان عبارة عن شبكة مجدولة من الذهب وُضعت فيها مجوهرات كثيرة من ڤالينور. لكنه كان يمتلك قوة بداخله بحيث ييكون خفيفاً على من يرتديه لكانه حبلٌ من الكتان المجدول. وأياً كانت تلك الرقبة التي ترتديه فهو يتعلق بها بالشرف والبهاء.

هناك في نارغوثروند صنع فينرود بيته وبيوت الكثيرين من شعبه. سمي ذلك المكان بلغة الأقزام فيلاغوند. ومعناه يقترن بالكهوف. فيما بعد أصبح يحمل ذلك الاسم حتى نهايته. لكن فينرود فيلاغوند لم يكن الأول الذي يسكن في الكهوف بجانب نهر ناروغ.

لم تذهب غالادريل أخت فينرود معه إلى نارغوثروند. فقد سكن في دورياث شخص اسمه كيليبورن, وهو من أقرباء ثينغول. فجمعت بينه وبين غالادريل علاقة حب عظيم, لذلك بقيت غالادريل في المملكة المخفية تسكن مع ميليان تتعلم من علمها العظيم وحكمتها العالية المتعلقان بالأرض الوسطى.

أمّا تورغون فقد تذكر مدينة تيريون الجميلة في ڤالينور, تلك الواقعة فوق التل ببرجها وأشجارها. لكنه لم يجد ما قصد إليه فعاد إلى نيڤراست وجلس بسلام في ڤينيامار على شواطئ البحر. وفي السنة التالية ظهر له أولمو بنفسه, وطلب منه أن يذهب لوحده إلى وادي سيريون. صعد تورغون, وبتوجيه أولمو استطاع اكتشاف الوادي المخفي توملادين في الجبال المحيطة, وهو الوادي الذي كان في وسطه تلة من الحجارة. عندها عاد مرة أخرى إلى نيڤراست ولم يخبر أحداً عن ذلك الوادي. هناك بدأ باستشاراته السرية لابتكار خطة لبناء مدينة تشبه في طرازها تيريون على تلة تونا, تلك التي حنّ قلبه إليها في هذا المنفى.

اعتقد مورغوث بناءً على تقارير جواسيسه بأن سادات نولدور كانوا يسافرون كثيراً, وقلما يفكرون في الحرب. لذا عمل مقارنة بين قوته وقوة أعدائه. وبإنذار صغير ذات مرةٍ حرك قوته. أحدث فجأةً زلزالٌ في الشمال فخرجت النار من شقوق الأرض. ولفظت الجبال الحديدية لهباً. فظهر الأوركس ونزلوا على سهل أرد غالين, مندفعين من هناك عبر معابر سيريون في الغرب. أمّا من الشرق فقد اندفعوا من خلال أرض ماغلور في الفجوة التي بين تلال مايذروس والحدود الخارجية للجبال الزرقاء. لكن فينغولفين ومايذروس لم يكونا غافلين. فبينما كان الآخرون يبحثون عن عصابات الأوركس المبعثرة في بيليرياند بعد أن عملت شراً عظيماً, وقعوا على الجيش الرئيسي من الجانب الآخر وهم يهاجمون دورذونيون. فهزموا خدم مورغوث, وطاردوهم عبر أرد غالين, وحطموهم تماماَ. حتى وصلوا أخيراً على مرمى البصر من أبواب أنغباند. تلك كانت المعركة العظيمة الثالثة من حروب بيليرياند. وسميت داغور أغلاريب, أي المعركة المجيدة.

ذلك كان النصر أمّا الآن فوقت الحذر. انتبه أمراء نولدور لذلك الحذر فتمسكوا أكثر باتحادهم وطلبوا المساعد لتشديد المراقبة من أجل حصار أنغباند الذي دام قرابة أربعمائة سنه من سنين الشمس. لم يتجرأ خدم مورغوث لوقت طويل بعد داغور أغلاريب على الخروج من أبوابهم خوفاً من سادات نولدور. تفاخر فينغولفين بالتخلص من الخيانة فيما بينهم, فهي التي لم تسمح لمورغوث بأن يكون قادراً على تدمير وحدة إيلدار ثانيةً, ولن يباغتتهم أبداً. رغم كل ذلك فلم تستطع جيوش نولدور الاستيلاء على أنغباند. أو استعادة السيلماريلس, لكن الحرب لم تتوقف تماماً, فقد ابتكر مورغوث في وقت الحصار شروراً جديده, وكان يختبرهم بها مرة بعد أخرى. لأنهم لم يستطيعوا تطويق معقل مورغوث بشكل كامل, فأبراج ثانغورودريم المندفعة للأمام من جانبي أسوار الجبال الحديدة المنحنية قد أمنت له الحماية من كلا الجانبين. ومن غير الممكن على نولدور عبورها بسبب الثلج والجليد المتواجدين هناك. وبهذا  تكون مؤخرة معقله من الشمال غير مقيده ولم يكن عند مورغوث خصوم في الشمال, فكان يُخرج جواسيسه من ذلك الطريق أحياناً. واستطاع إيصال خدعه إلى بيليرياند, فقد كان يرغب قبل كل شيء بأن يزرع الخوف والشقاق بين إيلدار, لذلك أمر الأوركس بأسر أي شخص يجدونه منهم وجلبه مكبلاً إلى أنغباند. فأرعب البعض بعيونه ولم يكن بحاجة للسلاسل. فعمل كثيرون ممن أسرهم وفق إرادته حيثما كانوا يتواجدون بسبب خوفهم منه. وبذلك عَلمَ مورغوث الكثير مما حدث منذ تمرد فيانور. وفرح لأن بذرة الشقاق التي زرعها بين نولدور في تلك الأرض أوجدت الكثير من الخلافات بين خصومه.

بعد مرور حوالي مئة سنة تقريباً منذ معركة داغور أغلاريب, سعى مورغوث لأخذ فينغولفين على غفلة (لأنه علم عن تيقظ مايذروس) فأرسل قوةً إلى الشمال الأبيض ومن ثم استدارت غرباً وعادت ثانية إلى الجنوب. نزلت هذه القوة على سواحل اللسان البحري درينغيست, وهي نفس طريق الجليد المتكسر التي سلكها فينغولفين, فدخلت هذه القوة إلى مملكة هيثلوم من الغرب لكنهم كانوا مراقبين طوال الوقت. عندها نزل عليهم فينغون من بين التلال عند رأس اللسان البحري. ودحر أغلب الأوركس إلى البحر. لم تحسب هذه المعركة من المعارك العظيمة, لأن الأوركس كانوا قلةً, وقسم واحد من شعب هيثلوم هو من شارك بها. بعد هذه المعركة كان هناك سلام لعدة سنوات ولم يأتي أي هجوم مباشر من أنغباند, لأن مورغوث أدرك بأن الأوركس لم يكونوا مدعومين كفاية لمنازلة نولدور. فالتمس الرأي بقلبه لابتكار أساليب جديده.

وبعد مرور مئة سنة أخرى ظهر من الشمال النوع الأول من أورولوكي, أي البط الناري (التنين), وكان اسمه غلاورونغ, خرج من خلف أبواب أنغباند في الليل, وكان ما يزال يافعاً ونادراً ولم يكتمل نموه بعد, لأن حياة التنانين طويلة وبطيئة, فعندما رآه الجان هربوا من أمامه خائفين واتجهوا إلى إيريد ويثرين و دورذونيون. وكان قد خرَّب حقول أرد غالين. عندها قام فينغون أمير هيثلوم بمطاردته على ظهور الخيل برفقة النبالين, وطوقوه بحلقة من الخيالة السريعين, ولم يستطع غلاورونغ تحمل سهام النبالين لأن درعه المسلح لم يكتمل تشكله بعد. فهرب متراجعاً إلى أنغباند, وبقي هناك لعدة سنوات لم يخرج منها. بعد هذه المعركة الصغيرة كسب فينغون الثناء العظيم وفرحت كل نولدور لأن بعضهم كان قد تنبأ بمثل هذا التهديد الجديد. لكن مورغوث كان غير ممتن لأنه كان متسرعاً في كشفه عن غلاورونغ. بعد هذه الهزيمة كان هناك سلام طويل غير منجز بشكل كامل لمدة تقارب المائتي سنة. في كل ذلك الوقت كانت المشاجرات على التخوم فقط. فازدهرت كل بيليرياند وازدادت في الغنى, وبفضل حماية وحراسة جيوشها المرابطة في الشمال فقد بنت نولدور المساكن والأبراج, وعملوا الكثير من الأشياء الجميلة في تلك الأيام. فكتبوا القصائد والتواريخ والعلوم. أصبحت نولدور وسيندار متحدتين في أغلب الأراضي وملتحمتين كشعب واحد, وكانتا تتكلمان نفس اللغة, مع ذلك بقي بعض الاختلاف بينهم, لأن نولدور كانت تمتلك القوة الأعظم في العقل والجسم ومحاربوها كانوا الأكثر جبروتاً وحكمةً. فبنوا بيوتهم من الحجارة وأحبوا سفوح الجبال والأراضي المفتوحة. أمّا سيندار فكانت لديها الأصوات الصافية والمهارة العالية في الموسيقى, فقد تفوقوا على الجميع ماعدا ماغلور بن فيانور من نولدور فقط. أحبوا الغابات وضفاف الأنهار, ومازال بعض الجان الرماديين تائهين بدون مسكن ثابت ودائماً ما ينشدون ويغنون أينما ارتحلوا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

W2w الفصل الرابع عشر  بيليرياند وممالكها


          هذه هي أنماط الأراضي التي جاءت إليها نولدور في شمال المناطق الغربية للأرض الوسطى في الأيام القديمة. ونجد هنا أيضاً أخباراً عن الأسلوب الذي ارتبط فيه زعماء إيلدار وتوحدوا ضد مورغوث بعد المعركة الثالثة من حروب بيليرياند والتي سميت داغور أغلاريب.

نصب ميلكور في العصور القديمة إيريد أنغرين, أي الجبال الحديدية, في الجزء الشمالي من العالم كسياج لحصنه أوتومنو, وكانت هذه الجبال منتصبةً على حدود مناطق البرودة الأبدية, وهي تشبه قوساً كبيراً يمتد من الشرق إلى الغرب. بنى ميلكور أيضاً قلعةً أخرى وراء جدران إيريد أنغرين من الجهة الغربية, في المنطقة التي تلتف فيها الجبال نحو الشمال, فقد بناها كدفاع ضد الهجوم الذي قد يأتيه من ڤالينور. وعندما عاد إلى الأرض الوسطى. كما قيل. فقد استقر سكنه في جحيم الحديد في الأقبية العميقة من أنغباند. وأثناء حرب سلطات الڤالار وبسبب تسرعهم لإسقاطه في معقله العظيم أوتومنو, فلم يتمكنوا من تدمير أنغباند كلياً ولم يستطيعوا البحث عن كل أمكنته العميقة, لأنه كان قد صنع نفق عظيم تحت إيريد أنغرين يصل إلى جنوب الجبال. هناك بنى بوابة هائلة, وخلف سفوح الجبال فوق هذه البوابة, كوَم الأبراج المدوية ثانغورودريم التي صُنعت من الرماد وخبث الأفران الموجودة تحت الأرض, ومن بقايا حفر الأنفاق. كانت أبراج ثانغورودريم سوداء مقفرة وعالية جداً, ينبعث من قممها دخان مظلم كريه يغطى سماء الشمال. فينشر من أمام أبواب أنغباند ولعدة أميال, كل أنواع القذارة والخراب على طول السهل العريض لأريد غالين, لكن مجيء الشمس أغنى هذه الأرض بالأعشاب, وعندما كانت أنغباند محاصرة وأبوابها مغلقة. فقد نمت هناك أشياء خضراء حتى بين الحفر والصخور المكسرة أمام أبواب الجحيم.

إلى الغرب من ثانغورودريم يتمدد هيسيلومي, أي أرض الضباب, هكذا أسمته نولدور بلغتها بسبب الغيوم التي أرسلها عليهم مورغوث في أول أيام معسكرهم هناك. فيما بعد أصبح اسمه هيثلوم في لغة سيندار. الذين سكنوا تلك المناطق, كانت هيثلوم أرض جميلة أثناء حصار أنغباند, بالرغم من هواءها الهادئ وشتاءها بارد. يحدها من الغرب إيريد لومين, جبال الصدى المتاخمة للبحر, ومن الشرق والجنوب الالتواء العظيم إيريد ويثرين, الجبال الغامضة, المطلة على أرد غالين ووادي سيريون.

أقام كل من فينغولفين وابنه فينغون في هيثلوم أما غالبية شعب فينغولفين فسكنوا في ميثريم حول شواطئ البحيرة الكبرى. كانت دور لومين الممتدة إلى الغرب من ميثريم, من نصيب فينغون, وكانت قلعته الرئيسية إيثيل سيريون الواقعة شرقي إيريد ويثرين. وهي القلعة التي أبقت المراقبة مستمرةً على أرد غالين, فكان فرسانهم يجوبون ذلك السهل حتى ظلال ثانغورودريم. وبسبب عشب سهل أرد غالين الأخضر الغني فقد ازدادت أعداد خيولهم بشكل كبير. كان منشأ غالبية تلك الخيول من ڤالينور. وهي من نسل الخيول التي أعطاها مايذروس إلى فينغولفين كتعويضٍ عن خسائره. وكانوا قد حملوها معهم بالسفن إلى لوزغار.

أما نيڤراست فتقع غربي دور لومين, خلف جبال الصدى الواقعة جنوب اللسان البحري درينغيست المتاخم للأراضي الداخلية. تعني كلمة نيڤراست في لغة سيندارين, الشاطئ الأقرب, ذلك الاسم كان قد أُعطي من قبل إلى كل الساحل الجنوبي للسان البحري. لكن بعد ذلك أصبح يدل فقط على الأراضي التي تقع شواطئها بين درينغيست وجبل تاراس. هناك منذ سنوات كانت تقع مملكة تورغون الحكيم, ابن فينغولفين. محاطة بالبحر وإيريد لومين والتلال الممتدة حتى أسوار إيريد ويثرين من الجهة الغربية. ومن إيڤرين إلى جبل تاراس الواقف على الصخور الشاطئية. احتفظت بعض أراضي نيڤراست بحقها بأن تكون تابعةً إلى بيليرياند منه إلى هيثلوم لأنها كانت أرضاً أكثر اعتدالاً. تُروى بالرياح الرطبة القادمة من البحر وتُحمى من الرياح الشمالية الباردة التي تهب على هيثلوم. فهي أرضٌ منخفضة, محاطةً بالجبال والمنحدرات الساحلية العظيمة العالية الواقعة خلفها, لا يتدفق إلى هناك أي نهر, أمّا في وسط نيڤراست فكانت توجد بحيرة كبيرة بدون شواطئ محدده, لكنها محاطة بالمستنقعات العريضة, واسم تلك البحيرة لينايوين بسبب تعدد الطيور التي تسكن هناك. مثل الطيور التي تحب القصب الطويل والطيور التي تحب المياه الضحلة. وأثناء مجيء نولدور كان العديد من الجان الرماديين يعيشون في نيڤراست قرب السواحل. خصوصاً حول جبل تاراس في المنطقة الجنوبية الغربية. لأنه إلى ذلك المكان اعتاد كل من أولمو وأوسي أن يأتيا في الأيام القديمة. اتخذت كل تلك الشعوب تورغون سيداً لهم. وحدث الاختلاط بين نولدور وسيندار عندما كانوا قريبين من بعضهما هناك. سكن تورغون لمدة طويلة في تلك القاعات التي سميت ڤينيامار الواقعة تحت جبل تاراس بجانب البحر.

دورذونيون هي الهضبة العظيمة الواقعة جنوب أرد غالين, وتمتد لستين فرسخاً من الغرب إلى الشرق. تحمل على جوانبها الصنوبر العظيم المثمر, خصوصاً على جوانبها الشمالية والغربية, فالانحدار اللطيف للسهل يبعده عن الأرض الكئيبة والعالية. يوجد هناك الكثير من البحيرات الجبلية عند جذور تلك التلال الجرداء, ذات القمم العالية, فقممها أعلى حتى من قمم إيريد ويثرين. وتطل جنوباً نحو دورياث المنخفضة مباشرة عبر المنحدرات المخيفة. حرس أنغرود وإيغنور أبناء فينارفين من المنحدرات الشمالية لدورذونيون, حقول أرد غالين, وكان معهم في هذه الحراسة أتباع أخيهم فينرود سيد نارغوثروند, فهم شعب قليل العدد لأن أرضهم قاحله. تعتبر هذه المرتفعات العظيمة الموجودة خلفهم, بمثابة الحصن والمانع من عبور مورغوث لتلك الأرض أو الاقتراب منها.

بين دورذونيون والجبال الغامضة كان هناك وادٍ ضيق, جدرانه ملتفة بالصنوبر, واخضرار هذا الوادي كان بسبب تدفق نهر سيريون السريع نحو بيليرياند. حمى فينرود ممرات سيريون وبنى على جزيرة تول سيريون في وسط النهر برج مراقبة هائل اسمه ميناس تيريث, لكن بعد أن بنى نارغوثروند فقد تعهد بإبقاء تلك القلعة بعهدة اخيه أورودريث.

هذه البلاد الجميلة العظيمة والتي اسمها بيليرياند تمتد على جانبي نهر سيريون الهائل المشهور بالأغاني, فهو ينبع من إيثيل سيريون ويسير محاذياً لحافة أرد غالين, ثم يتدفق من خلال المعابر فيصبح أشبه بالسيول الجبلية. من هناك يتابع سيره جنوباً لمئة وثلاثين فرسخاً. حيث تجتمع مياهه مع العديد من روافده. أثناء فيضانه الهائل يتصل سيريون بالعديد من روافده مشكلاً الدلتا الرملية في خليج بالار, يجري سيريون من الشمال إلى الجنوب ويمتد من الجانب الأيمن لغرب بيليرياند إلى غابة بريثيل التي تقع بين سيريون وتيغيلين, بعد ذلك تأتي مملكة نارغوثروند بين تيغيلين وناروغ. هناك ينشأ نهر ناروغ من شلالات إيڤرين في الوجه الجنوبي لدور لومين ويجري حوالي ثمانين فرسخاً حتى يتصل بسيريون في نان تاثرين أًرض الصفصاف. وإلى الجنوب من نان تاثرين توجد منطقة أشربة العسل المليئة بالكثير من الأزهار, حيث سكنت فيها بضعة أقوام. وتمتد وراءها مستنقعات جزر القصب الواقعة حول مصبات نهر سيريون ورمال الدلتا الفاقدة لأي شيء حي إلا طيور البحر.

 

الشكل(4) مصور بيليرياند الشرقية والغربيةوممالكهما

 

تمتد مملكة نارغوثروند إلى غرب ناروغ حتى نهر نينينغ, الذي ينتهي إلى البحر في إيغلاريست. أصبح فينرود السيد الأعلى لكل جان بيليرياند السكنين بين سيريون والبحر. باستثناء منطقة فالاس. فقد سكن هناك سيندار الذين مازالوا يحبون السفن, وسيدهم كيردان بناء السفن. كان بين كيردان وفينرود صداقة وتحالف, أعاد كيردان بناء المرافئ في بريثومبار وإيغلاريست من جديد بمساعدة نولدور. بنى جان الفالاس خلف أسوارهم العظيمة البلدات والموانئ الجميلة, دعّموا أرصفة الموانئ بالحجارة. نصب فينرود على الرأس الغربي من إيغلاريست برجاً, اسمه باراد نيمراس لمراقبة البحر الغربي, وفيما بعد أثبت بأنه لم يكن له داعٍ, لأن مورغوث لن يكون سريعاً في بناء السفن ولن يشنَّ حرباً عن طريق البحر, بالإضافة إلى أن كل خدم مورغوث يتجنبون الماء, ولم تكن لديهم الرغبة في ركوب البحر إلا في الحاجات العظيمة أو عند الخوف الشديد. بنى بعض شعب نارغوثروند سفناً جديدة بمساعدة جان المرافئ. وذهبوا لاكتشاف الجزيرة العظيمة في بالار. عازمين على تهيئة مأوىً أخيراً لهم إذا جاء الشر, لكن القدر لم يجعل من تلك المنطقة سكناً لهم أبداً.

هكذا كانت مملكة فينرود الأعظم إلى حد بعيد مع أنه الأصغر بين السادة العظام من نولدور. فينغولفين, فينغون, مايذروس, وفينرود فيلاغوند. اعتبر فينغولفين كسيد أعلى لكل نولدور. بعده أتى فينغون. مع أن ممالكهم الخاصة كانت في الأرض الشمالية لهيثلوم, فقد كان شعبهم هو الأكثر رعباً وشجاعةً. وعلى الدوام كانوا أكثر اعداء الأوركس رعباً, والأكثر كرهاً عند مورغوث.

على الجهة اليسرى من سيريون تقع بيليرياند الشرقية, وهي أراضٍ شاسعة تبلغ حوالي مئة فرسخ من سيريون غرباً إلى جيليون وحدود أوسيرياند شرقاً. بين سيريون ومينديب توجد بدايةً الأراضي الفارغة ديمبار, تحت قمم كريسايغريم, وكريسايغريم هذه هي مسكن النسور. وبين مينديب والمياه العليا من إيسغالدوين تقع نولاند, وهي من أراضي نان دونغورثيب. تلك المنطقة مخيفةٌ جداً, لأنها مسيجة فقط من جانب الحدود الشمالية لدورياث بقوة ميليان, لكن على الجانب الآخر, توجد المنحدرات الهائلة من إيريد غورغوروث, جبال الرعب. وكما أخبرنا في السابق فقد هبطت أونغوليانت من أعالي دورذونيون هاربةً من سياط بالروغز, وسكنت هناك لفترة من الوقت فملأت الوديان بظلمتها القاتلة, عندما كانت ماتزال هناك, وعندما ماتت فإن نسلها الكريه تربص هناك ونسج شباكه الشريرة, فدنس المياه الرقيقة التي انسكبت من إيريد غورغوروث وأصبحت خطرة على كل من شربها, أو من تذوق هذه المياه كان يمتلئ قلبه بظلال الجنون واليأس, لذلك تتجنبها كل الكائنات الحية في تلك الأرض, لم تعبر نولدور أراضي نان دونغورثيب إلا في وقت الحاجة العظيمة. على الممرات القريبة من حدود دورياث وأبعد من تلال المطاردة, كان هنالك طريق معمول منذ مدة طويلة, من قبل الوقت الذي عاد فيه مورغوث إلى الأرض الوسطى. يوصل السير في هذا الطريق شرقاً إلى إيسغالدوين, ثم إلى الجسر الحجري إيانت تاور الذي مازال يقف هناك منذ أيام الحصار, بعدها يمر عبر دور دينيين, الأرض الصامته ويعبر آروسيّاخ (ومعناه يشير إلى معابر آروس). حتى يصل إلى التخوم الشمالية لبيليرياند, حيث يسكن أبناء فيانور.

إلى الجنوب من دورياث تقع الغابة المحمية مسكن ثينغول الملك الخفي, ضمن مملكته فلا أحد يمر إلا بإرادته, في شمالها, وهو الجزء الأصغر توجد غابة نيلدوريث المحاطة شرقاً وجنوباً بالنهر المعتم إيسغالدوين, الذي ينحني إلى الغرب في وسط الأرض, وبين آروس وإيسغالدوين, من جهة ضفته الجنوبية تتمدد أعظم وأكثف غابة في المنطقة. حيث يدور إلى الغرب نحو سيريون, وهناك توجد كهوف مينيغروث. كل دورياث تمتد لشرق سيريون مما يؤمن لها الاقتراب من منطقة الغابة بين التقاء تيغيلين وسيريون وبحيرات الغسق. أطلق شعب دورياث على هذه الغابة اسم نيڤريم, أي الحدود الغربية. هناك نمت أشجار البلوط العظيمة المحاطةٌ أيضاً ضمن زنار ميليان. وذلك الجزء من سيريون المحبوب والمقدس من قبل أولمو يجب أن يبقى كله تحت سيطرة ثينغول.

في الجنوب الغربي لدورياث حيث يصب آروس في سيريون فيصنع البحيرات والمستنقعات العظيمة على كِلا جانبي النهر الذي توقف جريانه هناك وتاهت مياهه في قنوات كثيره. وقد سميت تلك المنطقة آيلين أويال, بحيرات الغسق, لأنها ملفوفة بالضباب, يمتد فوقها سحر دورياث. كل الجزء الشمالي لبيليرياند ينحدر جنوباً إلى هذه النقطة,بعد ذلك ولمسافة بسيطة تكون أرض سهلية, يستمر فيها تدفق سيريون. لكن جنوب آيلين أويال تنحدر الأرض فجأة بشكل حاد. أمّا كل الحقول المنخفضة التي كان قد شكلها سيريون نتيجة جرفه للتربة من السهول العليا, فإنها تظهر بنظرة واحدة من الجنوب إلى الشمال كسلسلة لانهائية من التلال, تسير من إيغلاريست خلف ناروغ في الغرب إلى آمون إيريب في الشرق. على مرمى البصر من جيليون جاء نهر ناروغ من خلال هذه التلال في وادٍ عميق, وتدفق على المنحدرات لكنه لم يصنع شلالات. وعند ضفته الغربية ترتفع الأرض إلى الهضاب العظيمة المشجرة من تاورين فاروث. أمّا على الجانب الغربي من الوادي فيتراجع على المدى القصير ليهبط كتيار من فقاعات الرغوة المضطربة إلى ناروغ من أعالي فاروث. هناك حيث أسس فينرود معقله العظيم نارغوثروند. لكن على بعد حوالي خمسة وعشرين فرسخاً شرق وادي نارغوثروند, يتدفق سيريون من الشمال منحدراً في سقوطه الهائل من تحت البحيرات, ثم يهبط فجأة تحت الأرض إلى الأنفاق العظيمة التي حفرها تساقط مياهه, ثم يظهر ثانيةً بعد مسيره لمسافة ثلاثة فراسخ تحت الأرض باتجاه الجنوب, بصخب عظيم ودخان من خلال الأقواس الصخرية في أسفل التلال التي تدعى بوابات سيريون.

هذا التشعب الهابط للنهر من نارغوثروند إلى نهاية الأسوار في رامدال شرقي بيليرياند, سمي أندرام أي السور الطويل, لكن في الشرق أصبح انحرافه أقل والسبب أن وادي جيليون ينحدر بثبات نحو الجنوب. لم يكن هناك في جيليون لا منحدرات نهرية ولا شلالات في كافة أنحائه, لكن في هذه النقطة كان سيريون أسرع مما كان عليه بين رامدال وجيليون, حيث لا يوجد هناك سوى تل وحيد بمدى كبير وانحدار قليل, لكنه يبدو أكثر هولاً مما هو بالحقيقة, يسمى ذلك التل آمون إيريب, وعلى آمون إيريب مات دينثور ملك ناندور الذي سكن في أوسيرياند. وهو الذي سار لمساعدة ثينغول ضد مورغوث. في تلك الأيام عندما كان أول ظهور للأوركس بالقوة وانكسار سلام بيليرياند المضاءة بالنجوم. وعلى ذلك التل أيضاً سكن مايذروس بعد الهزيمة العظيمة. لكن جنوب أندرام بين سيريون وجيليون كانت أرض برية من الغابات المتشابكة حيث لم يمشي هناك أي قوم. إلا بعض الجوالين من الجان المظلمين, وسميت هذه الغابة تاور إم دويناث, أي غابة بين الأنهار.

يعتبر جيليون نهراً عظيماً. فهو ينبع من مصدرين, وكل مصدر كان عنده في بادئ الأمر فرعان. جيليون الصغير الذي أتى من تل هيمرينغ. وجيليون الكبير الذي أتى من جبل ريريير. بعد اجتماع فرعيه الكبير والصغير, يتدفق جيليون إلى الجنوب لمسافة أربعين فرسخاً قبل أن يجد روافده, وقبل وصوله للبحر يكون أطول بمرتين من سيريون, مع أنه أقل عرضاً من سيريون وممتلأً أكثر بسبب المطر الغزير المتساقط في هيثلوم ودورذونيون. من حيث يسحب سيريون مياهه, كذلك تدفقت عليه من الشرق من إيريد لوين ستة روافد لجيليون. آسكار(الذي سمي فيما بعد راثلورييل), ثالوس, ليجولين, بريلثور, دويلوين, أدورانت, كلها جداول سريعة ومضطربة وتسقط بشكل حاد من الجبال. وبين آسكار في الشمال وأدورانت في الجنوب وبين جيليون وإيريد لوين تتمدد أوسيرياند البلاد الخضراء البعيدة, أرض الأنهار السبعة. وتقريباً في النقطة التي في منتصف طريقه ينقسم جدول أدورانت ثم يعود ويجتمع ثانيةً. فيشكل جزيرة, وتلك الجزيرة التي طوقتها مياهه تسمى تول غالين, الجزيرة الخضراء التي سكن عليها بيرين ولوثايين بعد عودتهما.

سكن في أوسيرياند الجان الخضر بحماية أنهارهم, فبعد سيريون أحب أولمو جيليون أكثر من كل مياه العالم الغربي. حرفة أهل أوسيرياند الأساسية هي فن صناعة الأخشاب, وإذا عبر غريب أرضهم من أولها إلى آخرها لم يكن يرى أحداً منهم, لأنهم كانوا يلتفون برداء أخضر في الربيع والصيف على حدٍ سواء. وصوت غنائهم يمكن أن يسمع حتى عبر مياه جيليون. لهذا السبب فقد سمى نولدور تلك البلاد ليندون, أي أرض الموسيقا, وسموا الجبال التي خلفها إيريد ليندون. لأنهم أول شيء رأوه من أوسيرياند.

شرق دورذونيون كانت حدود بيليرياند مفتوحة للهجوم. فلم يكن يحمي جيليون من الشمال إلا التلال المنخفضة فقط. سكن أبناء فيانور ومعهم شعب كثير في تلك المنطقة, وهي الممتدة من تخوم مايذروس إلى الأراضي التي خلفها. وفي أغلب الأحيان كان خيالتهم وفرسانهم يجوبون السهل الشمالي لوثلان, خشية أن يحاول مورغوث شن غارات على بيليرياند من الشرق. يقع سهل لوثلان شرق أرد غالين وهو سهل شاسع وفارغ. بنى مايذروس حصنه الرئيسي على تل هيمرينغ الدائم البرودة. وكان هذا التل عريض الأكتاف, عاري من الأشجار, قمته مسطحة, وتحيط به بعض التلال الصغيرة. يوجد بين هيمرينغ ودورذونيون ممر يسير بانحدارٍ حاد نحو الغرب, واسم ذلك الممر أغلون. الذي يعتبر الباب إلى دورياث, فمن خلاله تهب دائماً الريح القارسة من الشمال. حصّن كل من  كيليغورم  وكوروفين ممر أغلون بالقوة العظيمة. أمّا هملاد  فهي كل الأراضي الجنوبية الواقعة بين نهر آروس النابع من دورذونيون ورافده كيلون القادم من هيمرينغ.

تقع ردهة ماغلور بين ذراعي جيليون(الكبير والصغير), وهنا في مكان واحد فقط فقد فشلت حماية كل التلال, بكل ما في الكلمة من معنى. فمن هنا قدم الأوركس إلى شرق بيليرياند قبل المعركة الثالثة, لذلك فقد اعتمدت نولدور على سلاح الفرسان في تلك السهول. حيث قام شعب كارانثير بتحصين الجبال الواقعة شرق فجوة ماغلور. خارج المدى الرئيسي لإيريد ليندون من جهة الغرب يقف جبل ريريير وحوله العديد من المرتفعات قليلة الارتفاع. وفي الزاوية بين ريريير وإيريد ليندون كانت هناك بحيرة مظللةً بالجبال من كل الجوانب إلا من جهة الجنوب, تلك هي بحيرة هيليڤورن, عميقة ومظلمة. سكن بجانبها كارانثير. وكل الأرض العظيمة الواقعة بين جيليون والجبال وبين جبل ريريير ونهر آسكار كانت قد سميت من قبل نولدور ثارجيليون. أي الأرض الواقعة خلف جيليون, أو سموها دور كارانثير أي أرض كارانثير. هناك في تلك الأرض كان اللقاء الأول بين نولدور والأقزام. لكن ثارجيليون كانت فيما سبق تدعى من قبل الجان الرماديين تالاث روونين أي الوادي الشرقي.

هكذا كان أبناء فيانور تحت قيادة مايذروس أسياد بيليرياند الشرقية, لكن أماكن سكن شعبهم في غالب الأحيان كانت في شمال الأرض, ولم يركبوا إلى الجنوب إلا فقط من أجل الصيد في الغابة الخضراء, حيث كانت تلك الأراضي برية لكن جميلة جداً. هناك سكن أمرود وأمراس, ونادراً ما ذهبا إلى الشمال في زمن الحصار. أتى إلى هناك أيضاً سادة آخرون من الجان, حتى من الأراضي البعيدة, ومنهم  فينرود فيلاغوند, فقد جاء في أغلب الأحيان بسبب حبه الكبير للطواف والتشرد, حتى أنه جاء إلى أوسيرياند فاكتسب صداقة الجان الخضر, لكن من نولدور لم يذهب أحد أبداً إلى إيريد ليندون عندما كانت ممالكها قائمة ومستمرة. وفي النهاية فهناك نُدرةٌ في الأخبار الواصلة إلى بيليرياند حول الذين عبروا مناطقها الشرقية. 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

FAf   الفصل الخامس عشر نولدور في بيليرياند


          يقال أنه, بتوجيه وإرشاد من أولمو, اكتشف تورغون الذي يسكن في نيڤراست الوادي المخفي الذي أصبح يعرف فيما بعد باسم توملادين. وهو الوادي الذي يمتد إلى شرق المياه العليا لسيريون ضمن حلقة من الجبال الشاهقة شديدة الانحدار. وإلى هذه المنطقة لم يأتِ أي نوعٍ من الكائنات الحية إلا نسور ثوروندور, فقد كان هناك طريق عميق تحت الجبل حُفر في ظلام العالم بواسطة المياه التي تدفقت نتيجة اتحاد جداول سيريون. وجد تورغون هذا الطريق وجاء إلى السهل الأخضر وسط الجبال فرأى هناك تل من الحجارة الناعمة الصلبة. وضمن هذا الوادي كانت هناك بحيرة كبيرة قديمة. عرف تورغون بأنه وجد المكان الذي يحلم به, فصمم على بناء مدينة جميلة هناك, تشبه مدينة تيريون على تلة تونا, لكنه عاد إلى نيڤراست وبقي هناك في سلام, مع ذلك فقد تأمل دائماً في فكره كيف يستطيع إنجاز ذلك التصميم.

بعد داغور أغلاريب عاد القلق الذي وضعه أولمو في قلب تورغون, فقام باستدعاء أمهر وأشجع الحرفيين من شعبه, وقادهم سراً إلى الوادي المخفي. هناك بدأوا ببناء المدينة التي صممها تورغون. ووضعوا عليها حراسة, خشية أن يأتيهم أحد وهم يعملون, بالإضافة إلى أن قوة أولمو التي تجري في سيريون هي من حمتهم. بقي تورغون يقيم في نيڤراست حتى أتم بناء المدينة, واستغرقوا في ذلك اثنين وخمسين سنة من العمل السري الشاق لإكمال العمل وتمام البناء. يقال بأن تورغون عين لها اسماً, وهو أونوليندي ومعناه في لغة جان ڤالينور صخرة موسيقى الماء. وذلك بسبب وجود نافورات على التل, لكن في لغة سيندارين تغير الاسم وأصبح غوندولين. أي الصخرة المخفية. بعدها استعد تورغون لمغادرة نيڤراست وترك قاعاته في ڤينيامار بجانب البحر. وهناك جاء إليه أولمو ثانيةً, فتكلم معه قائلاً: ستذهب أخيراً إلى غوندولين يا تورغون! وسأبقي قوتي في وادي سيريون, وفي كل مياه ذلك المكان, فلا إشارة تدل على ذهابك, ولن يستطيع أحد إيجاد مدخلك المخفي. وستكون هذه المملكة هي الأطول عمراً بين كل ممالك إيلدالي, وستقف غوندولين ضد ميلكور. لكن المحبة لن تكون على مايرام فهي من عمل يديك ورغبات قلبك. وتذكر بأن الأمل الحقيقي لنولدور مستلقياً في الغرب وسيأتيكم من البحر.

قام أولمو بتحذير تورغون بأنه سيقع تحت قدر ماندوز أيضاً. فهذا القدر لا يستطيع أولمو السيطرة عليه أو حتى إزالة ارادته, وقال له: بأن لعنة نولدور ستصل إليك قبل النهاية, وستصحى الخيانة ضمن جدرانك, وستكونون في خطر النار, وهذا الخطر يقترب بالفعل. سيأتي شخص من نيڤراست ليحذرك, ومن هذا الشخص, وبعد الخراب والنار سيولد الأمل لكلٍ من الجان والبشر. لذا اترك في هذا البيت سلاحاً وسيفاً لأنك ستحتاج إليهم في السنوات القادمة. وقد قلت لك هذا لكي لا تكون مخدوعاً. وقد أوضح أولمو لتورغون, عن ماهية نوع وقوام الخوذة والسيف والدرع الذين سيتركهم خلفه.

بعد ذلك رجع أولمو إلى البحر. وقام تورغون بإرسال الأخبار إلى كل شعبة حتى إلى القسم الثالث من نولدور, وهم أتباع فينغولفن. فهم كمجموعة أكبر من سيندار, غادروا إلى هناك جماعةً خلف جماعةٍ, سراً تحت ظلال إيريد ويثرين, حتى وصلوا إلى غوندولين غير مرئيين ولم يعرف أحد إلى أين ذهبوا. وآخر الواصلين إلى هناك كان تورغون, فقد ذهب هو وأهل بيته بصمت من خلال التلال وعبروا الباب الموجود في  الجبال وأغلقوه خلفهم.

سنوات كثيرة مرت ولم يعبر أحد إلى داخل غوندولين إلا فقط هورين وأخوه هوور. ولم يخرج جمهور تورغون من هناك ثانيةً إلا في سنة الرثاء بعد أكثر من ثلاثمائة وخمسين سنة. لكن خلف دائرة الجبال كان النمو والازدهار من نصيب شعب تورغون, فقد وضعوا عليها مهاراتهم بالعمل المتواصل. لذلك أصبحت غوندولين فوق آمون غواريث[66] جميلة جداً, وأصبحت ملائمة للمقارنة مع جان تيريون التي خلف البحر في ڤالينور. فقد كانت جدرانها البيضاء عالية, وأدراجها مصقولة. وبرج الملك طويل وقوي. شُغلت هناك النافورات المشرقة. حيث تقف في قصور تورغون تماثيل الأشجار القديمة, التي عملها تورغون بنفسه بحرفته الجنية. وسمى الشجرة التي صنعها من الذهب غلينغال, وصنع الشجرة المزهرة من الفضة وسماها بيلثيل. لكن الأجمل من كل عجائب غوندولين كانت إيدريل بنت تورغون, وهي التي دعيت كيليبريندال, القدم الفضية. شعرها كذهب لاوريلين قبل مجيء ميلكور. هكذا عاش تورغون بالنعمة لمدة طويلة, لكن نيڤراست كانت مقفرة. ولم يعش فيه أي شعب حتى خراب بيليرياند.

بينما كانت تبنى مدينة غوندولين في السر, كان فينرود فيلاغوند يعمل في الأماكن العميقة من نارغوثروند, أمّا أخته غالادريل فقد أقامت في مملكة ثينغول في دورياث, وأحيانا كانت تتكلم مع ميليان عن ڤالينور وعن أيام البركة القديمة. لكن عمّا حدث بعد الساعة المظلمة من موت الأشجار فلم تتكلم غالادريل عن ذلك وبقيت صامتةً دائماً. قالت لها ميليان في إحدى الأوقات: هنالك بعض الأحزان التي وقعت عليكِ وعلى عشيرتك, يمكنني أن أرى ذلك فيكِ. لكن كل ماعدا ذلك فهو مخفي عني. فمن قبل لم تكن تمر رؤيا أو فكر أو أي شيء يمكن أن يعبر من الغرب إلا وأراه. لكن الأكاذيب ظللت كل أراض أمان, ووصلت من البعيد عبر البحر فلم أعد أبصر الرؤية جيداً. فلماذا لا تخبريني أكثر ؟

قالت غالادريل: لقد مضى هذا الحزن وأود أن أنتهز ما  يوجد من الفرح هنا كي لا أكدره بالتذكر. ربما ستأتي أحزان بما فيه الكفاية فيما بعد لكن مع ذلك يبقى الأمل موجوداً.

نظرت ميليان في عيون غالادريل وقالت: لا أعتقد بأن خروج نولدور كان كرسل للڤالار, كما قيل في بادئ الأمر, ولم يأتوا في ساعة حاجتنا لهم. ولم يتكلموا أبداً مع الڤالار, ولم يجلب ساداتهم العاليين أية رسالة إلى ثينغول, سواء من مانوي أو أولمو أو حتى أُولُويْ أخو الملك ثينغول, أو من شعبه الذين ذهبوا عبر البحر. فما هو السبب يا غالادريل, لقد خرج شعب نولدور العالي من أمان كمنفيين, فماهي الأكاذيب الشريرة الملقاة عليكم لكي يكون أبناء فيانور متغطرسين وفيما بعد منكسرين. فهل اقتربت من الحقيقة يا غالادريل؟.

فقالت لها غالادريل: تقريباً ,إلا أننا لم نطرد, بل جئنا بكامل إرادتنا لكنه ضد رغبة الڤالار. ومن خلال الخطر العظيم, ورغماً عن الڤالار, أتينا من أجل أخذ الثأر من مورغوث واستعادة ما سرقه منا.

بعد ذلك تكلمت غالادريل مع ميليان عن السيلماريلس, وعن ذبح الملك فينوي في فورمينوس. لكنها لم تقل ولا كلمه عن القسم أو عن مذبحة الأقارب أو إحراق السفن في لوزغار. لكن ميليان قالت: أخبرتني أكثر, والآن فهمت, ما سبب ذلك الظلام الملقى على الطريق الطويل من  تيريون, لكني أرى شراً هناك, وهو ما يجب أن يَعلمهُ ثينغول ليتحاشاه.

فقالت غالادريل: لربما, لكن لن يعلمه مني.

فلم تتكلم ميليان أكثر من ذلك مع غالادريل في هذه الأمور. لكنها أخبرت الملك ثينغول بكل ما سمعت به عن السيلماريلس. وقالت له فعلاً إنها مسألة عظيمة, وأعظم من أن يفهمها نولدور أنفسهم, لأن ضوء أمان ومصير أردا, مقفل عليهما الآن في هذه الأشياء. فالذي ذهب هو عمل فيانور, وأتوقع بأنهم لن يستردوهم ولا بأي قوة من إيلدار. وهذه نبوءتي: سيتحطم العالم من المعارك القادمة قبل انتزاع هذه الأشياء من مورغوث. انظر الآن, لقد ذبح فيانور وسيذبح آخرين كثر كما أضن, لكن في البداية, الموت الذي جلبوه عليهم تحقق أولاً بمقتل صديقك فينوي, فقد قتله مورغوث قبل أن يهرب من أمان.

بقي ثينغول صامتاً يملأه الحزن ونذير الشؤم, لكنه بعد مدة تكلم فقال: الآن فهمت لماذا خرجت نولدور من الغرب, فقد تساءلت كثيراً قبل ذلك ولم أحصل على جواب, فلم يأتوا لمساعدتنا (إلا بالصدفة) لأن أولئك المتبقون في الأرض الوسطى سيتركهم الڤالار وشأنهم لحين الحاجات القصوى. إذاً فقد جاءت نولدور من أجل الانتقام وتعويض الخسائر, فوق كل ذلك فهم متأكدون ولدرجة كبيرة بأننا سنكون حلفاءهم ضد مورغوث, بمعاهدات لم يكونوا قادرين على التوصل إليها فيما سبق.

لكن ميليان قالت: حقاً لهذه الأسباب جاؤوا؟ لكن انتبه فهنالك أسباب أخرى. وعليك الحذر من أبناء فيانور, فظلال غضب الڤالار ملقاةً عليهم. وأرى بأنهم قد عملوا الشر في أمان وفي عشيرتهم. لكن الفتنةُ نائمةٌ الآن بين أمراء نولدور.

أجابها ثينغول: ما شأني بفيانور. لكن بالحقيقة فقد سمعت الكلام الذي يجعله عظيماً, أما عن أبناءه فما سمعت إلا القليل مما يسرني, رغم أنهم من المحتمل أن يكونوا الخصوم الأخطر لنا.

وقد قلت يا ميليان بأن سيوفهم ونصيحتهم لها وجهان. بعد ذلك, لم يتكلم ثينغول وميليان أكثر في هذه المسأله.

لم يمضي وقت طويل حتى بدأ همس الحكايات بالمرور بين سيندار بشأن أفعال نولدور قبل مجيئهم إلى بيليرياند. والحقيقة المؤكدة هي من أين جاؤوا. أمّا الحقيقة الشريرة كانت مُجَمَّلة ومسممة بالأكاذيب. لكن سيندار كانت قليلة الحيطة وتثق بالكلام. وكما كان يُعتقد, فقد اختارهم مورغوث للهجوم الأول لأنهم لم يعرفوه بعد. سمع كيردان تلك الحكايات المظلمة فانزعج. ولأنه حكيم أدرك بسرعة, إن كانت تلك الحكايات حقيقة أم باطله, وماذا غيَّروا فيها بسبب خبثهم, لأنه اعتبر بأن ذلك نابع من الحقد الذي كان بين أمراء نولدور بسبب الغيرة والحسد بين بيوتهم, لذا فقد أرسل الرسل إلى ثينغول ليخبروه بكل ما سمع.

وقد صادف في ذلك الوقت بأن زار أبناء فينارفين ثينغول كضيوف, متمنين رؤية أختهم غالادريل. فبدأ ثينغول يتحرك كثيراً, ثم تكلم بغضب موجهاً كلامه إلى فينرود قائلاً: أعلم ماذا ستعمل لي يا قريبي يا من أخفيت الأمور العظيمة عني, أما الآن فقد علمت بكل أعمال نولدور الشريرة. فأجابه فينرود: ما الذي سأفعله لك يا سيدي؟ أو ما هو الشر الذي فعلته نولدور في مملكتك ليحزنك, لا ضد قرابتك ولا ضد شعبك عملوا شراً أو حتى فكرو به.

فقال له ثينغول: أتعجب منك يا بن إياروين بأنك تأتي إلى مجلس قريبك هكذا متلبساً بجريمة ذبح أمهات عشيرتك. وتقول لحد الآن في دفاعك بأن ذلك كان شيء تافه حتى أنك لم تطلب العفو عنه لحد الآن.

انزعج فينرود كثيراً لكنه بقي صامتاً لأنه لم يستطيع الدفاع عن نفسه, إلا بجلب التهم ضد أمراء نولدور الآخرين, فقد كان كان مرغماً على عمل ذلك أمام ثينغول. عندها تدفقت إلى ذاكرة أنغرود كلمات كارانثير صاعدةً بالمرارة, فصرخ قائلاً: سيدي لا أعرف ما هي الأكاذيب التي سمعتها أنت, ولا من أين أتتك, لكننا لم نأتِ متلبسون بالجريمة. فقد صعدنا أغرار عديمي الخبرة, ربما كانت حماقتنا هي بالإصغاء إلى كلمات فيانور. التي جعلتنا كالسكارى لفترة قصيره. فنحن لم نعمل الشر على دروبنا, لكن تَحَمَلتْ أنفسنا خطأ عظيم, وغفرنا له. لذلك ندعى حاملي الحكاية إليك والخائنون لنولدور. وهذا كما تعلمون غير دقيق, فنحن قدمنا ولائنا لك صامتين ومع ذلك فقد كسبنا غضبك, والآن بما أنك عرفت الحقيقة فلم نعد نتحمل هذه التهم.

ثم تكلم أنغرود بشكل لاذع ضد أبناء فيانور. وتحدث عن جريان الدم في ألكوالوندي وقدر الموت الموكل به ماندوز, وإحراق السفن في لوزغار فصرخ قائلاً: هل بسبب ذلك يجب أن نتحمل مشقة لقب قاتلوا الأقارب والخونة.

فقالت له ميليان: رغم ذلك فإن ظل ماندوز يستلقي عليك أيضاً. بقي ثينغول صامتاً لفترة طويلة ثم قال لهم: اذهبوا فقلبي الآن يحترق, قد تعودون لاحقاً إن أردتم فلن تكون أبوابي مغلقةً أمام وجوهكم للأبد. يا أقربائي ليتكم لم تساعدوا الذي تورط في الشر. وأنا سأبقي على الصداقة مع فينغولفن وشعبه أيضاً, لأنهم كفّروا عن ذنبهم بأعمالهم. وفي كراهيتنا للقوة التي عملت كل هذه المشاكل فإن الأسى سينتهي, لكن استمعوا لكلامي جيداً. لن تسمع أذناي ثانيةً لغة أولئك الذين ذبحوا أقربائي في ألكوالوندي. لا هنا ولا في كل مملكتي يتكلم أحد بتلك اللغة علانيةً. طالما بقيت وبقيت سلطتي, وكل سيندار ستصغي لأوامري فلن يتكلموا بلغة نولدور ولن يردوا بها أو عليها. وكل من سيستخدمها سيتحمل وزر جريمة مقتل الأقرباء وخيانتهم بغير ندم.

غادر أبناء فينارفين مينيغروث بقلوبٍ مثقلةً بالهمّْ لإدراكهما صدق نبوءة ماندوز, فلا أحد من نولدور يمكنه أن يتبع فيانور إلا ويكون الظل ملقى على بيته. أطاعت سيندار أومر ثينغول. وفيما بعد مُنعتْ لغة نولدور في كافة أنحاء بيليرياند, وتجنبوا النطق بها علانيةً. وأَخذ المنفيون لغة سيندار في كل حاجاتهم اليومية. واللغة العليا للغرب (لغة نولدور) لم يتحدث بها فقط إلا أسياد نولدور فيما بينهم. رغم ذلك فقد عاشت تلك اللغة للأبد كلغة للعلم أينما سكن ذلك الشعب.

عندما تم الانتهاء من بناء نارغوثروند ( في الوقت الذي كان لايزال يسكن فيه تورغون قاعات ڤينيامار). فاجتمع هناك أبناء فينارفين إلى وليمة وجاءت غالادريل من دورياث وأقامت فترةً في نارغوثروند. لم يكن الملك فينرود فيلاغوند متزوجاً بعد. فسألته غالادريل كيف يكون هذا فأنت ملكٌ وليس لك زوجة وأولاد. فتفتحت بصيرة فيلاغوند بالحكمة عندما تكلمت وقال: سأقسم أمامكم الآن ويجب أن أكون حراً لإنجازه أو أذهب إلى الظلام, ولا أحد في مملكتي سيتحمل وزر ذلك القسم, فالابن يجب أن يرث.

لكن يقال بأنه حتى تلك الساعة فمازالت برودة الأفكار تسيطر عليه, لأنه بالحقيقة يحب فتاة من ڤانيار وهي أماري التي بقيت في الغرب ولم تخرج معه إلى المنفى.

 

    WEw

 

الفصل السادس عشر مايغلين

 

          أريذيل آرفينيل. سيدة نولدور البيضاء بنت فينغولفن التي سكنت مع أخوها تورغون في نيڤراست ثم ذهبت معه إلى المملكة المخفية, لكنها تعبت من كثرة الحراسة في مدينة غوندولين. فبعد مرور مئتي سنه على إنشاء غوندولين, تكلمت مع تورغون طالبةً منه إذناً بالمغادرة, بسبب رغبتها الجامحة في ركوب الخيل ثانية في الأراضي الشاسعة والمشي في الغابات كما كانت عادتها في ڤالينور. كان تورغون غير راغب في منحها هذا الاذن. وقد أنكره لمدة طويلة, لكنه أخيراً خضع لرغبتها وقال لها اذهبي, وإن فعلت فذلك فسيكون ضد حكمتي, فإنني أتكهن بأن السوء سيأتي لكلينا أنا وأنت من هذه الرحلة, فيجب أن تذهبي فقط إلى أخونا فينغون. لذلك سأرسل معكِ هؤلاء الحراس, وكلي أملٌ بأن تعودي بسرعةٍ إلى غوندولين مثلهم.

لكن أريذيل قالت له أنا أُختك ولست خادمتك, وسأذهب ما بعد حدودك كما يحلو لي فإن كنت تحسدني على مرافق, فسأذهب بمفردي.

أجابها تورغون: أنا أحسدك! لا شيء عندي من هذا القبيل أبداً, لكني لا أرغب بخروج أحدٍ من الذين سكنوا داخل هذه لاأسوار, لأنهم على دراية بأقرب الطرق إلى هنا, وإذا وثقت بكِ أنت لأنك أختي فهل أثق بالآخرين؟ وإن كانت لدي ثقة بالآخرين فهل هناك رقيب على ألسنتهم.

عيَّن لها تورغون ثلاثةً من سادات عائلته لمرافقتها وطلب منهم أن يقودوها إلى فينغون في هيثلوم, إذا استطاعوا إقناعها, وليكونوا حذرين مع ذلك, لأنه صحيح أن مورغوث محاصرٌ في الشمال لكن هنالك الكثير من الأخطار في الأرض الوسطى, والتي لا تعرف عنها السيدة أي شيء. غادرت أريذيل غوندولين, وكان قلب تورغون ثقيلاً عند ذهابها.

وعندما وصلت إلى معبر بريثياخ على نهر سيريون قالت لمرافقيها: استديروا نحو الجنوب الآن وليس إلى الشمال لأنني لن أذهب إلى هيثلوم, بالأحرى فإن قلبي راغب في إيجاد أبناء فيانور أصدقائي القدامى, ولأنهم لم يستطيعوا ثنيها عن قرارها, استداروا نحو الجنوب كما أمرتهم. أرادت أريذيل الدخول إلى دورياث لكن حرس الحدود منعوهم لأن ثينغول كان يمنع أي شخص من نولدور من عبور الزنار. ناهيك عن أولئك الذين كانوا أصدقاء أبناء فيانور, إلا أقربائه من بيت فينارفين. لذلك قال حراس الحدود لأريذيل, لا يمكنكم على الاطلاق العبور إلى أرض كيليغورم التي تقصدها السيدة عبر مملكة ثينغول, بل يجب أن تركبوا إلى ما بعد زنار ميليان باتجاه الجنوب أو الشمال. أمّا أسرع الطرق فهو الذي يسير إلى الشرق من بريثياخ من خلال ديمبار وعلى طول الحدود الشمالية لهذه المملكة, حتى تعبرون جسر إيسغالدوين ومعابر آروس, عندها تصلوا إلى الأراضي التي تقع خلف تل هيمرينغ, هناك كما نعتقد تقع مساكن كيليغورم وكوروفين. ومن الممكن أن تجدوهم هناك, لكن الطريق خطر جداً.

عادت أريذيل وسلكت الطريق الخطر بين إيريد غورغوث, الوديان المسكونة بالأشباح, والسياج الشمالي لدورياث. وبنفس الوقت كانوا قد اقتربوا من المنطقة الشريرة من نان دونغورثيب, فوقع الخيالة المرافقون لها في شباك الظل, وابتعدت أريذيل عن رفقتها وتاهت. بحثوا عنها مطولاً لكن دون جدوى, انتابهم الخوف من أن تكون قد تورطت وشربت من الجداول المسمومة لتلك الأرض, لكن نزول مخلوقات أونغوليانت الساكنة في الوديان التي كانت تتبع آثارهم. أخافهم وجعلهم بالكاد يهربون وينجون بحياتهم. فعادوا إلى تورغون وأخبروه بما حدث معهم. فوقع خزنٌ عظيمٌ في غوندولين, بعدها جلس تورغون لمدة طويلة لوحده في حزنٍ دامي وغضبٍ صامت.

أمّا بالنسبة لأريذيل فبعد أن بحثت دون جدوى عن رفقتها, ركبت لوحدها لأنها كانت شجاعةً وجريئة القلب. شأنها في ذلك شأن كل أبناء فينوي. سارت على الطريق وعبرت من إيسغالدوين وآروس إلى أرض هيملاد الواقعة بين آروس وكيلون حيث كان يسكن كيليغورم وكورفين في تلك الأيام قبل كسر حصار أنغباند. وفي ذلك الوقت كان كيليغورم وكوروفين خارج البيت, لأنهما كانا قد ركبا باتجاه الشرق مع كارانثير إلى ثارجيليون, لكن شعب كيليغورم رحبوا بها وعرضوا عليها الإقامة بينهم معززة مكرمة حتى عودة سيدهم. بقيت أريذيل هناك لفترة وكانت راضية ومسرورة بحرية التجول في الغابات. لكن طول فترة غياب كيليغورم, فقد مرت حوالي سنة تقريباً ولم يعد, فانتابها القلق, ومن جديد عزمت على الركوب والخروج لوحدها, كي تلتمس طرقاً جديدةً وفسحاً غير مداسة, وصادف ذلك الوقت في نهاية السنة. وصلت أريذيل في تجوالها إلى جنوب هيملاد ومرت فوق كيلون, وكان لديها إدراك مسبق عن خطر شباك الظل في نان إيلموث.

ففي تلك الغابات في العصور القديمة مشت ميليان في غسق الأرض الوسطى عندما كانت الأشجار فتية, ومازال السحر ملقىً عليها, لكن الآن أصبحت الأشجار في نان إيلموث طويلة ومعتمة أكثر من كل أشجار بيليرياند ولم تستطع أشعة الشمس الدخول عبرها إلى الغابة. وهناك كان يسكن إيول وهو واحدٌ من الجان المظلمون. في الماضي كان من أقرباء ثينغول, لكنه عندما يكون في دورياث يصبح مضطرباً ومريضا. وعندما وضعت ميليان الزنار حول غابات المنطقة حيث كان يسكن, هرب من هناك إلى نان إيلموث, وعاش في الظل العميق, فهو يحب الليل والغسق تحت النجوم. ابتعد عن نولدور لأنه حملهم مسؤولية عودة مورغوث لتعكير صفو بيليرياند, لكنه منذ القدم كان عنده ميلٌ للأقزام أكثر من كل شعب الجان, ومنه تعلم معظم الأقزام الذين عبروا أراضي إيلدار.

أما حركة مرور الأقزام النازلين من الجبال الزرقاء في السابق فكانت عبر طريقين, الأول يمر من شرقي بيليرياند, والثاني من الشمال ويذهب نحو معابر آروس فيمر مقترباً من نان إيلموث. هناك قابل إيول ناوغريم وتحدث معهم, فنمت صداقتهم وكان أحياناً يذهب كضيف إلى القصور العميقة لنوغرود أو بيليغوست. وفي تلك الأماكن تعلم إيول معظم أعمال التعدين, فامتلك المهارة العظيمة, وابتكر معدناً صلباً كفولاذ الأقزام لكنه طيِّع جداً بحيث يمكن جعله رقيقاً ومرناً, ومقاوماً للنصال والنبال. سمى ذلك المعدن غالڤورن, لأنه كان أسود لماع مثل الكهرمان الأسود, وكان يلف جسده فيه أينما ارتحل. لكنه ومن كثرة اشتغاله بالحدادة فقد انحنى ظهره لأنه لم يكن قزماً, فهذه الحرفة تتطلب قامات قصيرة, لكنه جان طويل من القرابة العالية لتيليري, مع ذلك فهو نبيلٌ, متجهم الوجه, ويمكن لعيونه أن ترى أعماق الظلال والأماكن المظلمة. حدث بأن رأى أريذيل آرفينيل وكأنها تائهةٌ بين الأشجار الباسقة قرب حدود نان إيلموث, فبدت إليه جميلة جداً, لكأنها الوميض الأبيض في الأرض الخافتة, ورغب بها, فوضع سحره حولها كي لا تستطيع اكتشاف طرق الخروج. ومن ثمَّ استدرجها للاقتراب من مسكنه في أعماق الغابة حيث كانت ورشاته وقاعاته المعتمة, وكان لديه أُناس كالخدم, صامتون وسريون كسيدهم. ولأن أريذيل المرهقة من تجوالها وصلت أخيراً إلى أبوابه, فكشف نفسه لها مرحباً بها, وقادها إلى بيته. هناك سكنت واتخذها إيول زوجة له, ومضت فترة طويلة قبل أن يستمع ثانيةً أحدٌ إليها من أقربائها أو أفراد عشيرتها.

يقال بأن أريذيل لم تكن غير راغبة به بشكل تام, ولا إن حياتها في نان إيلموث كانت بغيضة لعدة سنوات, مع ذلك فعندما كانت تحت سلطة إيول, كان يجب عليها أن تتجنب نور الشمس, وكانت تتجول مع إيول بعيداً تحت ضوء النجوم أو ضوء الهلال, وكانت تفعل ما يحلو لها, إلا ما منعها منه إيول, وهو السعي إلى أبناء فيانور, أو أي أحد آخر من نولدور. حملت أريذيل في ظلام نان إيلموث ابناً لإيول, وأعطته في قلبها اسماً بلغة نولدور المحرمة, وهو لوميون, ومعناه طفل الغسق, لكن أباه لن يعطيه أي اسم حتى يبلغ الثانية عشر من العمر , وعندما بلغها أطلق عليه اسم مايغلين, ومعناه النظرة الثاقبة, لإدراكه بأن عيون ابنه كانت حادةً وثاقبةً أكثر من عيون أبيه. فكان باستطاعته أن يقرأ بفكره أسرار القلوب خلف ضباب الكلمات.

نشأ مايغلين وكبر على القوام الكامل فكان وجهه يشبه أقربائه من نولدور, أمّا في الطباع والتفكير فقد كان ابن أبيه, وكان مُقلاً في الكلام فلا يتكلم إلا في الأمور التي تمسه شخصياً. وكان لنبرة صوته تأثير على من يسمعها والصمود في وجه من يعاديه. كان طويلاً أبيض البشرة, شعره أسود وعيناه داكنة, لامعه وحاده تشبه عيون نولدور. كان يذهب في أغلب الأحيان مع إيول إلى مدن الأقزام في الجهة الشرقية من إيريد ليندون, وهناك كانت لديه لهفة لتعلم كل معارف وعلوم الأقزام, خاصةً حرفة التنقيب عن خامات المعادن في الجبال.

يقال بأن مايغلين أحبَّ أُمه كثيراً, فعندما كان يسافر أبوه للخارج, كان يبقى جالساً مع امه لمدة طويلة, يستمع إليها في كل ما تخبره به عن أقاربهم وأعمالهم في إيلدامار, وعن قوة وشجاعة بيت فينغولفين. استقرت كل هذه الأشياء في قلبه, لكن أكثر شيء أثر فيه هو أن تورغون لم يكن لديه وريث, لأن زوجته إيلينوي ماتت أثناء عبور هيلكاراكسي, وليس لديه سوى إيدريل كيليبريندال ابنته الوحيده فقط.

وبإخباره لتلك الحكايات, استيقظت الرغبة عند أريذيل في رؤية أقاربها مجدداً, وتعجبت كيف أنها عاشت مرهقةً من أضواء غوندولين, والنافورات في الشمس والمرجة الخضراء في توملادين تحت نسائم سماوات الربيع, علاوة على ذلك فقد كانت تبقى غالباً لوحدها في الظلال عندما يكون ابنها وزوجها غائبين عن المنزل. نشأت من هذه الحكايات أيضاً الخلافات الأولى بين مايغلين وإيول, لأنه من غير الممكن ولا بأي حال من الأحوال أن تكشف له أمه أين يسكن تورغون, ولا بأي طريقة قد يذهب الشخص إلى هناك. فتحين الوقت المناسب ليجعلها تثق به وتبوح له بسرها أو ربما يستطيع قراءة ذاكرتها غير المحمية. فقد يحقق رغبته برؤية نولدور والتكلم مع أبناء فيانور أقربائه الذين سكنوا بعيداً. لكنه عندما أعلن عن نيته هذه لأبيه, ثار غضب إيول وقال له: أنت من بيت إيول يا مايغلين يا ولدي. وليس من غولوذريم (غولوذريم هو اسم نولدور بلغة سيندار). فكل هذه الأرض أرض تيليري. لا أنا ولا ابني سوف نتعامل مع قتلة أقربائنا, هؤلاء المحتلون المغتصبون لبيوتنا. وفي هذه ستطيعني وإلا قيدتك, فلم يجبه مايغلين لكنه كان بارداً وصامتاً, بعدها لم يخرج كثيراً مع إيول. وأصبح إيول يشك به.

حدث ذلك في منتصف الصيف, فالأقزام كما كانت عادتهم طلبوا من إيول أن يرافقهم في العيد إلى نوغرود, لبى إيول الدعوى وركب مسافراً إلى نوغرود. وبقي مايغلين وأمه متحررين لفترة بأن يذهبا حيثما أرادا. لذلك ركبا مرات كثيرة إلى أطراف الغابة, يلتمسان نور الشمس, فنمت رغبةٌ حارةٌ في قلب مايغلين لترك نان إيلموث إلى الأبد. لذلك قال لأريذيل: سيدتي دعينا نغادر. فمازال لدينا الوقت, فما هو أملنا أنا وأنت هنا في هذه الغابة. هنا نحن محكومان بالعبودية, ولن نجد مكاسب. من أجل ماذا تعلمت كل هذه العلوم من أبي أو ما الذي سيكشفه لي ناوغريم بعد. هل لا يجوز لنا الذهاب إلى غوندولين؟ هيا لنذهب فتكوني دليلي وأكون حارسك.

فرحت أريذيل بهذا الكلام ونظرت إلى ابنها بفخر, ثم أخبرت خدم إيول بأنهما سيقصدان أبناء فيانور. ركبا مسرعين إلى الطرف الشمالي لنان إيلموث, ومن هناك عبرا الجدول الضعيف كيلون إلى أرض هيملاد, ثم إلى معابر آروس, وهكذا سارا على طول الحدود الغربية لدورياث.

عاد إيول من الشرق مبكراً أكثر مما توقع مايغلين, فوجد بأن زوجته وابنه قد ذهبا منذ يومين. غضب غضباً عظيماً, وبالحال ذهب في إثرهم حتى في وضح النهار, كتم غضبه بدخوله إلى هيملاد وراح يمشي بحذر متذكراً الأخطار التي قد تواجهه من كيليغورم وكوروفين, فقد كانا من السادة الجبابرة ولم يحبا إيول مطلقاً. علاوة على ذلك فإن مزاج كوروفين صعبٌ جداً. أرشد كشافون من أغلون كل من مايغلين وأريذيل, إلى معابر آروس. رأى كوروفين أشياء غريبة قادمةً من الجنوب تجري عبر المعابر واقتربت من المخيم. وقبل أن يركب إيول مبتعداً عبر هيملاد. أوقعه خيالة كوروفين في كمين وجاؤوا به إلى سيدهم.

فقال له كوروفين: ماهي المهمة التي تقصدها في أيها الجن المظلم في أرضي؟ ربما مهمة مستعجلة تلك التي تبقي شخصاً مثلك يسير في ضوء الشمس الخجول بالخارج.

علم إيول بخطورة موقفه فقاوم الكلمات القاسية التي أشرقت في عقله وقال: لقد علمت يا سيدي كوروفين بأن ابني وزوجتي السيدة البيضاء لغوندولين ركبا وجاءا لزيارتك, وبقيت أنا في البيت, فبدا لي بأنه من غير اللائق أن لا ألتحق بهم في هذه الزيارة.

سخر كوروفين من إيول وقال له: ربما كانوا سيجدوا ترحيباً أقل مما يتمنون إن كانوا برفقتك. لكن لا مشكلة, فتلك لم تكن مهمتهم, لقد مرَّا على آروسيّاخ منذ أقل من يومين ومن هناك ركبا بسرعة للغرب, يبدو بأنك تخدعني, مالم تكن أنت نفسك قد خُدعتْ.

فأجابه إيول: إذا يا سيدي. ربما ستسمح لي بالذهاب لاكتشاف حقيقة هذه المسأله.

فقال له كوروفين: نعم سأسمح لك, لكن ليس مع محبتي, وكلما أسرعت في مغادرة أرضي فتلك أفضل أمنياتي.

ركب إيول حصانه قائلاً: سيدي كوروفين جيدٌ في تلبية حاجات أقربائه بلطف هكذا. وأنا سأتذكره عندما أعود. فنظر إليه كوروفين بعبوس وقال له: لا تتباهى يا إيول بلقب زوجتك أمامي, فأولئك الذين يسرقون بنات نولدور ويتزوجونهم بدون هدية أو إذن, فلا يكسبون القرابة مع أهلها. لقد أذنت لك بالرحيل, فخذ إذنك وارحل. وعلى حسب قوانين إيلدار فإني لن أذبحك في هذا الوقت, وأضيف لك هذه النصيحة, عد إلى مسكنك في ظلام نان إيلموث, فقلبي يحذرني بأنك لو تبعت اللذان لا يحبانك كثيراً فقد لا تعود من هناك.

بعدها ركب إيول مستعجلاً وخرج يملأه الحقد والكراهية على كل نولدور وأدرك بأن مايغلين وأريذيل كانا هاربين إلى غوندولين. قاد حصانه بغضب, وبشعور الذل والعار عبر معابر آروس, فتعقبهما على الطريق الذي سارا عليه من قبل, لكنهما لم يعرفا بأنه كان يتبعهما, لأن جواده كان الأسرع, ولم يشاهداه حتى وصلا إلى بريثياخ, فقد خانهم الحظ بمرض خيولهم, لذلك تركوها خلفهم فأخذت تصهل بصوت عالي, عندها سمعهم جواد إيول وأسرع نحوهم, ورأى إيول من بعيد رداء أريذيل الأبيض, وعلم الطريق الذي ذهبت منه, قاصدة الطريق السري في الجبال.

وصل أريذيل ومايغلين إلى البوابة الخارجية, ذلك الحارس المظلم لغوندولين تحت الجبال. وهناك استقبلت بالفرح وعبرت الأبواب السبعة, جاءت مع مايغلين إلى تورغون على آمون غواريث. استمع الملك مندهشاً لكل الأخبار التي جلبتها أريذيل, ونظر بمودة إلى مايغلين ابن أخته فقد رأى فيه واحداً مما يجدر به أن يكون أحد أمراء نولدور أو أن يحسب بينهم.

فقال تورغون: أنا مسرور فعلاً بعودة أرفينيل إلى غوندولين, فالآن سيعود الجمال والصفاء ثانية بعد أن عادت من كنا نعتبرها مفقودة وضائعه, وستبدو مدينتي كما كانت في الأيام الخوالي. وسيكون مايغلين في مرتبة الشرف العليا في مملكتي.

عندها جثا مايغلين على ركبته وأعطى ولاءه لتورغون سيداً وملكاً, ليفعل ما يشاء, ثم وقف صامتاً ينظر إلى نعمة وعظمة غوندولين, فقد فاقا كل التصورات التي أخذها من حكايات أمه. وكان مندهشاً بقوة المدينة وبالشعب المقيم بها. نظر إلى الكثير من الأشياء الغريبة والجميلة, لكن أكثر شيء انسحبت عيونه عليه كانت إيدريل بنت الملك الجالسة بجانب أبيها, لأنها كانت ذهبية كالڤانيار أقرباء أمها, وقد بدت له كالشمس التي أخذت منها قاعات الملك ضوءها.

تبع إيول أثر أريذيل إلى أن وجد النهر الجاف والطريق السري, فزحف خلسة, حتى انتبه إليه الحراس فألقوا القبض عليه بعد أن شكوا بأمره. لكن عندما سمعوا ادعائه بأن أريذيل تكون زوجته تعجبوا من ذلك, وأرسلوا على جناح السرعة رسول إلى المدينة.

وصل الرسول إلى قاعات الملك ونادى: سيدي لقد أسر الحرس شخصاً تسلل خلسةً إلى البوابة المظلمة, اسمه إيول وهو جني طويل مظلم ومتجهم من عشائر سيندار. يدعي بأن السيدة أريذيل هي زوجته. هذه هي مطالبه التي نضعها أمامك لكن غضبه عظيم وكبح جماحه صعب جداً, ولم نذبحه كما يأمر قانونك الخاص.

قالت أريذيل: يا للأسف لقد تبعنا كما كنت متخوفة, لكن بخلسة عظيمة لأننا لم نرى أو نسمع أي ملاحق لنا, كما أننا دخلنا على الطريق المخفي, ثم قالت للرسول: أنه يقول الحقيقة. فهو إيول وأنا زوجته وهو أبو ابني. لا تذبحوه لكن قودوه إلى هنا لعله يقترب من عدالة الملك, طبعاً بعد إذن الملك.

عمل الحارس كما قالت له أريذيل, فجلب إيول إلى قاعة تورغون. وقف إيول أمام مقعد تورغون العالي, فخوراً متجهماً, مع أن دهشته لم تكن بأقل من دهشة ابنه في كل ما رأى. فقد ملأ قلبه بالغضب والحقد أكثر على نولدور. لكن تورغون عامله بشرف, فنهض وأخذ يده وقال: مرحباً بك فأنت قريبنا وضيفنا, وستسكن هنا مسروراً, إلا أنك ستبقى هنا ولن تغادر مملكتي. لأن قانوني يقول لا أحد يجد الطريق المخفي ويغادر بعد ذلك.

سحب إيول يده وقال: لا أعترف بقانونك. ولا يحق لك ولا لأي أحد من أقربائك بإقامة الممالك أو وضع الحدود هنا وهناك, فهذه كلها أرض تيليري. وإنك ستجلب الحرب وكل الساعين لها إلى هنا. تتعاملون مع الناس دائماً بتفاخر وبشكل ظالم. لا أريد شيء من أسرارك ولم آتي لأتجسس عليك, لكنني أتيت لأدعي ما هو لي, زوجتي وابني. رغم ذلك بالنسبة لأريذيل اختك فهي عندك إن أرادت أن تبقى فسأتركها, ترك الطير ليعود إلى القفص. حيث هي قريباً سوف تمرض ثانيةً, كما مرضت من قبل, لكن مايغلين لا لن يبقى, فهو ابني ولن تستطيع أن تحجبه عني. ثم نظر إلى ابنه وقال: مايغلين يا بني تعال إلي أبوك يأمرك. دع البيت لأعدائه ولمن قتلوا أقرباءهم, أو تكون ملعوناً. فلم يجبه مايغلين بأية كلمة.

عندها جلس تورغون في مقعده العالي مستدعياً موظفي الموت لديه. ثم تكلم بصوت عميق وقال: لن أتناقش معك أيها الجان المظلم. بفضل سيوف نولدور فإن غابتك المظلمة بقيت محمية ومصانة, وأنت مدين لأقربائي بحرية تجوالك هنالك في بريتها. منذ مدة طويلة, حينما كنت أنت ماتزال عبداً تعمل في حفر أنغباند, كنت أنا ملك هنا, وسواء فعلت أو لم تفعل فحكم الموت عندي قانون, وأمامك أنت وابنك خيارين إما البقاء هنا أو الموت هنا.

عندها نظر إيول في عيون الملك ولم يرتعب لكنه وقف مطولاً صامتاً بدون حراك. بينما مايزال الصمت مخيماً على القاعة, كانت أريذيل خائفةً, لأنها متيقنةً من وجود الخطر. فجأة وبسرعة كالثعبان, وضع يده على الرمح المخفي تحت عباءته, وسدد طعنة إلى مايغلين صارخاً. هذا هو خياري الثاني, آخذه لي ولابني أيضاً فلن تأخذ ما هو لي. لكن أريذيل قفزت أمام الطعنة فأصابها في كتفها. تراكض الجميع إلى إيول فغلبوه وقيدوه, واقتادوه, بينما استدار الآخرون نحو أريذيل. نظر مايغلين إلى أباه وبقي صامتاً.

تقرر بأن يؤخذ إيول في اليوم التالي إلى حكم الملك. وطلبتا أريذيل وإيدريل له الرحمة من تورغون. مع المساء مرضت أريذيل, فقد بدا بأن الجرح صغير لكنها سقطت في الظلام وماتت في الليل, وذلك لأن رأس الرمح كان مسموماً. ولم يعرف أحد بموتها حتى وقت متأخر جداً.

لذلك عندما أُحضر إيول أمام الملك فلم يجد أي رحمة, بل اقتادوه إلى كاراغدور, وهي صخرة الهاوية السوداء وتقع على الجانب الشمالي لتلة غوندولين, من أجل رميه هناك إلى أسفل الجدران المائلة للمدينة, وكان مايغلين واقفاً بجانبه ولم يقل شيئاً, لكن إيول صرخ أخيراً: هكذا تتخلى عن أباك وأهله, فعلاً إنك ابن حرام, هنا ستفشل كل آمالك. وهنا ستموت ميتتي هذه.

ثم القوا بإيول من فوق كاراغدور وكانت تلك نهايته, وبدا ذلك إلى كل غوندولين بأنه عدالة. لكن إيدريل كانت منزعجة. وأصبحت تشك بقريبها منذ ذلك اليوم. لكن مايغلين كبر وتعاظم بين غوندوليندريم[67]. مدحه الجميع وأثنوا عليه, وتحصل على أعلى دعم ومساندة من تورغون, لأنه كان متلهف للتعلم بسرعه, وكان لديه الكثير ليعلمه للآخرين. فاجتمع لديه كل ذلك, لكن كانت لديه نزعة لحرفة الحدادة والتعدين, لذلك قصد إيخورياث[68] فوجد عروق غنية من خام معدن يشبه اللؤلؤ. واكتشف الكثير من الحديد الصلب في منجم أنغابار إلى الشمال من إيخورياث, ومن هناك حصل على الثروة من صياغة المعدن والفولاذ, وذلك لأن أسلحة غوندوليندريم صنعت أكثر حدةً وقوة, وهي التي وضعتهم في موضع جيد في الأيام القادمة, فقد كان مايغلين حكيم وحذر في آرائه, وشجاع وجريء عند الحاجة. وهذا شوهد بعد أيام, عندما كانت سنة الخوف من نيرنايث أرنوي دياد, فقد افتتح تورغون, عهد اتحاده مع فينغون, وزحف لمساعدته في الشمال. ولم يبقى مايغلين في غوندولين كوصي للملك, بل ذهب إلى الحرب وقاتل إلى جانب تورغون وأثبت جسارةً وشجاعةً في المعركة.

هكذا بدا كل ذلك جيداً بفضل الثروات التي جمعها مايغلين, وهو الذي ارتفع ليكون عظيماً بين أمراء نولدور. بأعظم وأكثر شهرة بين ممالكهم, مع أنه لم يفصح عما في قلبه, فلم تذهب كل الأشياء التي يتحملها بصمت هدراً, فقد كان تفكيره محجوب عن البعض لكن كان يمكن لبعض الآخرين قراءته, وإن لم تكن تلك التي تقرأ أفكاره هي إيدريل كيليبريندال فمن سيكون غيرها. فمنذ أيامه الأولى في غوندولين, كان يحمل الأسى والحزن, فكان يبدو دائماً مستاء, وذلك ما أخذ منه دائماً كل بهجةٍ. فقد أحب جمال إيدريل ورغبها زوجةً, لكن بدون أمل, فالزواج من إيلدار لا يقاس باقتراب المسافة منهم, ولا أبداً من قبل الذي لديه الرغبة في الاقتراب أكثر. على أية حال قد يكون مايغلين أحب إيدريل لكن ليس في كل شيء, فهو يعرف فكرها بأنها أحبته أقل من ذلك, لأنه كان يبدو إليها كشيء غريب, أو فيه خدعة ما. حيث أن في إيلدار ومنذ اعتبار مذبحة الأهل كثمرة شريرة, ومازال ظل لعنة ماندوز يسقط على آخر آمال نولدور. لكن بمرور السنوات بقي مايغلين يراقب إيدريل وينتظر. ثم اتجه حبه إلى ظلام قلبه, فقد أراد أكثر أن يتجه إلى أمور أخرى, ولم يكن ذلك تهرباً من التعب والمسؤولية, إذ أنه يمتلك القدرة ويتحلى بالقوة لذلك.

هكذا كان هو في غوندولين, وسط كل نعم تلك المملكة, مادام مجدها باقياً, فالبذرة المظلمة للشر كانت قد بُذرتْ.

 

       

 

 

ff r الفصل السابع عشر مجيء البشر إلى الغرب


          بعد مرور أكثر من ثلاثمائة سنة على قدوم نولدور إلى بيليرياند, وفي أيام السلام الطويلة. سافر فينرود فيلاغوند سيد نارغوثروند إلى شرق سيريون ذاهباً للصيد. وكان معه ماغلور ومايذروس أبناء فيانور, لكنه تعب من الصيد والمطاردة فمرَّ لوحده نحو جبال إيريد ليندون التي رآها تتألق من بعيد, سالكاً طريق الأقزام عبر جيليون في ممر سارن أثراد, ثم اتجه جنوباً عابراً الجداول العليا من آسكار, حتى وصل إلى شمال أوسيرياند.

في وادٍ بين سفوح الجبال تحت ينابيع ثالوس رأى أضواء في المساء, وسمع من بعيد صوت أغاني, وتساءل كثيراً, فالجان الخضر في تلك الأراضي لم يشعلوا النيران من قبل, ولا يغنون في الليل. في البداية خاف بأن يكون ذلك هجوم من الأوركس على مناطق اتحاد الشمال, لكنه عندما اقترب أدرك بأنهم ليسوا أوركس. فقد استعمل المغنون لغة لم يسمعها من قبل, ولم يكونوا من الأقزام, ولا من الأوركس. وقف فيلاغوند في الظل الليلي للأشجار صامتاً, ونظر للأسفل إلى المعسكر, هناك شاهد الناس الغرباء.

فهؤلاء كانوا جزء من عشيرة يتبعون بيور الكبير. كما علم فيما بعد, وهذا بيور هو زعيمٌ بين البشر. بعد الكثير من حياة التيه, قادهم بيور من الشرق عبر الجبال الزرقاء إلى بيليرياند, فهم أول جنس من البشر يدخل بيليرياند, وقد غنوا مسرورين لاعتقادهم بأنهم هربوا من كل الأخطار ووصلوا في نهاية المطاف إلى أرضٍ خاليةٍ من الخوف.

راقبهم فيلاغوند لفترة طويلة, وحركت محبتهم شيئاً في قلبه, لكنه بقي مختفياً بين الأشجار حتى أصبحوا كلهم نيام, ثم دخل بين الناس النائمين وجلس بالقرب من نارهم المحتضرة حيث لم يبقوا أحداً للحراسة. أخذ القيثارة البسيطة التي كان بيور يضعها بجانبه, وعزف موسيقى لم تسمع آذان البشر مثلها من قبل, لأنه ولحد الآن لم يعلمهم أحد في علوم الفن والموسيقى. إلا أنهم قد سمعوا من قبل فقط الجان المظلمون في أراضي البرية.

استيقظ البشر واستمعوا إلى صوت قيثارة فيلاغوند, وغنوا معه, فكل واحدٍ منهم ظن بأنه كان في شيء من الحلم الجميل, حتى رأى بأن زملاءه مستيقظين بجانبه أيضاً. لكنهم لم يتكلموا أو يتحركوا أثناء عزف فيلاغوند بسبب جمال المعزوفة وبهجة الأغنية. فالحكمة التي كانت في كلمات ملك الجان تلقفتها تلك القلوب عاقلة مصغيةً. ومن الأشياء التي غنى لها. صُنع أردا وبركة أمان الواقعة خلف ظلال البحر. وقد جاءت كرؤيا بين أعينهم, وكلامة باللغة الجنيًة فُسِّر في كل عقل طبقاً لإدراكه.

هكذا دعا البشر فيلاغوند وهو أول من التقوا به من إيلدار, دعوه نُووُم أي الحكمة في لغة أولئك الناس, وبعده سموا شعبه نوومين, أي الحكماء. حقيقةً كانوا قد اعتقدوا بأن فيلاغوند هو أحد الڤالار الذين سمعوا عنهم بأنهم يسكنون بعيداً في الغرب. وهذا كان بعض الرأي عن سبب هجرتهم. أقام فيلاغوند بينهم وعلمهم معرفةً حقيقيةً وهم أحبوه وأخذوه إلى سيدهم, بعدها أصبحوا موالين لبيت فينارفين.

بما أن إيلدار كانوا من أمهر الناس في اللغات, فلقد اكتشف فيلاغوند أيضاً بأنه يمكنه أن يقرأ في عقول البشر مثل هذه الافكار, أي أنهم تمنوا الكشف في اللغة لكي يستطيعوا ترجمة الكلمات بسهولة, ويقال بأن هؤلاء البشر كان عندهم تعاملات لمدة طويلة مع الجان المظلمون شرق الجبال, ومنهم تعلموا معظم الكلام, بحيث أن كل لغات كويندي كانت من أصل واحد. تتشابه لغة بيور وشعبه باللغة الجنية في الكثير من الكلمات والأدوات. لم يتواصل فيلاغوند مع بيور مطولاً في الحديث من قبل, لكن عندما سكن معهم فقد تكلما كثيراً مع بعضهما. لكن عند سؤاله عن ظهور البشر وترحالهم فقد كان بيور يتكلم قليلاً, في الحقيقة لأنه لا يعرف إلا القليل, فآباء شعبه قد أخبروه بضع حكايات عن ماضيهم. ثم وقع صمتٌ على ذاكرتهم, وقال بيور: يكمن الظلام خلفنا, ونحن أدرنا ظهورنا له, ولا رغبة لدينا بالعودة إلى هناك حتى ولو بالفكر, فقد استدارت قلوبنا نحو الغرب, ونعتقد بأننا سنجد الضوء هناك.

لكنه قيل فيما بعد في إيلدار بأنه عندما ظهر البشر في هيلدورين عند الشروق الأول للشمس فإن جواسيس مورغوث كانوا يقظين وجلبوا له الأخبار. وبدا ذلك إليه كمسألة عظيمة عن ذلك السر تحت الظلال, فغادر مورغوث نفسه من أنغباند وصعد إلى الأرض الوسطى, تاركاً ساورون خلفه لقيادة الحرب, لم يتعرف إيلدار في ذلك الوقت أي شيء عن تعامل مورغوث مع البشر. ولم يعلموا بعدها إلا القليل عن ذلك, لأن الظلام قد تمدد على قلوب البشر( كما تمدد ظل ذبح الأهل وموت ماندوز على نولدور), وأدركوا وبوضوح تام, حتى بين أولئك الناس الذين كانوا أصدقاء الجان والذين علموا في البداية بأن الرغبة الرئيسية لمورغوث كانت هي الإفساد أو التحطيم المطلق لهذا الظهور الجديد والجميل, وبلا شك كان هذا الهدف هو من أولويات مهماته, بأن يزرع العداوة والخصام بين البشر وإيلدار, وذلك بزرعه للخوف والأكاذيب فيما بينهم. لهذه الغاية استقدم بعض البشر لتربيتهم في الشرق ضد بيليرياند, لكن هذا التصميم كان بطيء النضوج, ولم ينجز بالشكل الكامل (كما قيل). لأن أعداد البشر في بادئ الأمر كانت قليلة, ووبسبب خوف مورغوث من نمو القوة الناتجة عن اتحاد إيلدار, رجع إلى أنغباند, تاركاً خلفه في ذلك الوقت بعضٌ من خدمه, وهم أقلُ قوةً ومكراً من غيرهم.

عَلم فيلاغوند من بيور بأن هناك الكثير من البشر الذين كانت لديهم نفس الرغبة في السفر إلى الغرب. وأن آخرين من خواص أقربائه عبروا الجبال وتجولوا في المناطق القريبة, أما هالادين فهم الشعب الذي انفصلنا نحن ولغتنا منهم. ومازالوا يقيمون في الوديان منتظرين الأخبار على السفوح الشرقية قبل أن يخاطروا أبعد من ذلك. وهناك بشر آخرون لحد الآن لديهم لغة تشبه لغتنا, ولدينا أحياناً بعض التعاملات معهم, فقد كانوا أمامنا على الحدود الغربية, لكننا تجاوزناهم, لأن عددهم كبير وهم يبقون سويةً مجتمعين ويتحركون ببطيء, وجميعهم محكومون من قبل زعيم واحد يدعى ماراخ.

انزعج الجان الخضر في أوسيرياند من مجيء البشر, وعندما سمعوا عبر البحر بأن سيد إيلدار بينهم فقد أرسلوا الرسل إلى فيلاغوند وقالوا له: إذا كان لديك سيطرة على هؤلاء القادمين الجدد اعرض عليهم أن يعودوا من حيث أتوا, أو لا تدعهم يتقدمون أكثر من ذلك, فلا نريد غرباء في هذه الأرض لكي لا يختل السلام الذي نعيش فيه, فهذا شعب يقطع الأشجار ويصطاد البهائم ولن نكون نحن وإياهم أصدقاء, وإذا لم يغادروا فإننا سنستهدفهم في كل الطرق, وأينما رأيناهم.

قام فيلاغوند بنصيحة بيور بأن يجمع كل العوائل التائهة وكل أقربائه, ويدعوهم لمغادرة جيليون, فحصل ذلك وسكنوا في أمرود وأمراس على الضفة الشرقية لكيلون جنوب نان إيلموث بالقرب من حدود دورياث. وأصبح اسم تلك الأرض فيما بعد إيستولاد, أي المخيَّم. لكن بعد مرور سنة رغب فيلاغوند بالعودة إلى بلاده وطلب من بيور أن يذهب معه, بقي بيور في خدمة ملك نارغوثروند طوال حياته. وبهذه الطريقة حصل بيور على اسمه حيث كان اسمه فيما سبق, بالان ومعنى بيور في لغة شعبه هي التابع. وحكم شعبه من بعده ابنه الأكبر باران. ولم يعد بيور بعدها ثانيةً إلى إيستولاد.

بعد مغادرة فيلاغوند مباشرةً, جاء بقية البشر الآخرين الذين أرسل إليهم بيور ووصلوا إلى بيليرياند. أول الواصلين كان هالادين, لكن لم يقابلهم الجان الخضر بالمودة فاستداروا شمالاً وسكنوا في ثارجيليون في بلاد كارانثير بن فيانور, هنالك ولفترة من الوقت عاشوا بسلام, ولم يهتم بهم شعب كارانثير كثيراً. وفي السنة التالية قاد ماراخ شعبه على الجبال, وكانوا قوم طوال القامة ومحاربين أشداء. تقدم في كتائب منظمة وأخفى جان أوسيرياند أنفسهم ولم يكمنوا لهم. لكن ماراخ سمع بأن شعب بيور كانوا قد سكنوا في أرض خضراء وخصبة. فنزل عبر طريق الأقزام واستقر جنوب البلاد, إلى الشرق من مساكن باران بن بيور, وكانت هناك صداقات عظيمة بين تلك الشعوب.

أما فيلاغوند نفسه فقد عاد لزيارة البشر في أحيان كثيرة, وسافر الكثير من الجان الآخرين من كلاً من نولدور وسيندار إلى إيستولاد, لأنهم كانوا متلهفين لرؤية إيداين الذين تنبؤا بمجيئهم منذ مدة طويلة. والآن أتتاني, أي الشخص الثاني, كان ذلك هو الاسم الذي أعطي للبشر من قبل ڤالينور في العلوم التي أخبرت عن مجيئهم. لكن في لغة بيليرياند ذلك الاسم أصبح إيداين وهذا الاسم لم يستخدم إلا للدلالة فقط على ثلاثة عشائر وهم الذين كانوا من أصدقاء الجان.

أرسل فينغولفن وبصفته ملك لكل نولدور رسائل الترحيب بقدوم البشر. بعدها سافر الكثير من الشباب المتلهفون من إيداين متخذين خدماتٍ مع الملوك وسادة إيلدار, من بين هؤلاء كان مالاخ  بن ماراخ الذي سكن في هيثلوم لأربعة عشرة سنة, وتعلم لغة الجان وأعطي فيما بعد اسم أرادان.

لم يقتنع إيداين بالسكن لمدة طويلة في إيستولاد, فالكثيرين منهم مازالت لديهم الرغبة في الذهاب إلى الغرب. لكنهم لم يعرفوا الطريق, فأمامهم سياج دورياث ومن الجنوب يمتد سيريون وحوله المستنقعات غير القابلة للعبور, لذلك فالملوك الثلاثة من بيوت نولدور. رأوا بأن أمل القوة يأتي من بني البشر. لذلك أرسلوا خطاباً إلى إيداين متمنين فيه على البشر بأن يأتوا للسكن والإقامة بينهم. وبهذه الطريقة بدأت هجرة إيداين. في بادئ الأمر كانت رويداً رويداً لكن لاحقاً أصبحت الهجرة بالعوائل والعشائر, فخرجوا وتركوا إيستولاد. بعد حوالي خمسين سنة دخلت آلافٌ كثيرة منهم إلى أراضي الملوك, وأغلب هذه الهجرات أخذت الطريق الطويل الشمالي حتى أصبح أشهر الطرق عندهم. فأتى شعب بيور إلى دورذونيون وسكنوا في أراضي تخضع لحكم بيت فينارفين. وشعب أرادان (الذي هو ابن ماراخ بقي في إيستولاد حتى موته). والجزء الأكبر منهم استقروا بالغرب, وجاء بعضهم إلى هيثلوم لكن ماغور بن أرادان والكثير من الناس عبروا نهر سيريون إلى بيليرياند وسكنوا فترة في وديان السفوح الجنوبية من إيريد ويثرين.

يقال بأنه في كل هذه الأمور لم يتشاور الملك ثينغول مع أحد إلا فينرود فيلاغوند, ولم يكن كلاهما مسروراً بسبب الأحلام والأخبار المزعجة التي سمعت من قبل فيما يتعلق بمجيء بني البشر, لذا أمر أولئك البشر بأن لا يأخذوا أية أراضي للسكن إلا في الشمال, وستقع المسؤولية في تنفيذ هذه الأوامر على عاتق أُمراء البشر الذين خدموا أمام الملوك. وقال أيضاً: لن يأتي إلى دورياث أي رجل مادامت مملكتي قائمة, ولا حتى أولئك الذين هم من بيت بيور الذي يخدم فينرود المحبوب, لم تقل له ميليان شيء في ذلك الوقت لكن بعد ذلك قالت إلى غالادريل: الآن يسير العالم بسرعة شديدة إلى الأخبار العظيمة. وواحد من البشر من بيت بيور سيأتي فعلاً, وزنار ميليان لن يعيقه, لأن القدر الذي هو أعظم من قوتي سيرسله, والأغاني التي ستنبع من ذلك المجيء ستبقى عندما تتغير كل الأرض الوسطى.

بقي كثير من البشر في إيستولاد, وعاش هناك خليط من الناس لمدة طويلة فيما بعد, وبقوا حتى خراب بيليرياند, عندما انغمرت أرضهم فقسم مات وقسم هربوا عائدين إلى الشرق, لأنها كانت الأرض الأقرب والتي اعتبرت بأيام تشردهم القديمة هناك. ليسوا قلائل أولئك الذين كانت لديهم رغبة بالذهاب بطرقهم الخاصة, وهم الذين خافوا إيلدار وضوء عيونهم, بعد ذلك نمت خلافات بين إيداين, وهذه الخلافات تظهر فيها ظلال مورغوث, لأنه كان متأكداً من قدوم البشر إلى بيليرياند وصداقتهم المتزايدة مع الجان.

كان زعماء السخط هما بيريغ من بيت بيور وأملاخ أحد أحفاد ماراخ. وهم قالوها بشكل واضح: لقد أخذنا طرق طويلة راغبين بالهرب من الأرض الوسطى والأشياء المظلمة الساكنة هناك, فلقد سمعنا أنه هناك في الغرب ضوء لكننا الآن عَلمنا بأن الضوء يقع خلف البحر وإلى هناك لا نستطيع الوصول حيث تسكن الآلهة في النعمة, ولم تبقِ لنا هذه الآلهة هنا إلا واحد فقط, سيدٌ ظلاميٌ يقبع أمامنا, فقد سقطت حكمة إيلدار عندما جعلت الحرب لانهائية مع مورغوث الذي يسكن في الشمال, ويقولون بأنه هناك يتواجد الألم والموت الذي منه نحن هربنا, لذلك لن نذهب في ذلك الطريق ولن نسكن في الشمال.

ثم دعيا البشر إلى اجتماعٍ للتشاور, جاءت أعداد عظيمة إلى هناك, ووجه أصدقاء الجان تساؤلات إلى بيريغ قائلين: حقاً إن كل الشرور التي هربنا منها تأتي من السيد المظلم, لكنه يريد سيادة كاملة على كل الأرض الوسطى, وأينما ذهبنا سيلاحقنا ما لم يكن مغلوباً هنا, أو أضعف الإيمان أن نكون متحدين لمواجهته, فلقد قاومته شجاعة إيلدار, وربما كان هدفهم من جلبنا إلى هذه الأرض هو حاجتهم إلى مساعدتنا.

إلى هنا أجاب بيريغ: دع إيلدار يبحثون عنه, فحياتنا قصيرة بما فيه الكفاية. ثم ظهر من بين الجموع شخص بدا للجميع وكأنه أملاخ بن إيملاخ, تكلم ووقعت كلماته عليهم وهزت قلوب كل من سمعها, حيث قال: كل ذلك ما هو إلا علوم جنية وهي عبارة عن حكايات لتسلية القادمين الجدد لكي يبقوا غافلين. ليس للبحر نهاية ولا وجود للضوء هناك في الغرب. لقد اتبعتم نار الجان المخادعة إلى نهاية العالم, فمن منكم رأى من هو أقل من الآلهة ؟ ومن رأى الملك المظلم في الشمال؟ لم يره أحدٌ إلا إيلدار, فهم يريدون سيادة الأرض الوسطى. وبسبب طمعهم للثروة حفروا في الأرض, وللأرض أسرارها فقد أثاروا غضب الأشياء الساكنة في الأسفل. هكذا فعلوا ودائماً سيفعلون. لندع الأوركس بعالمهم الذي لهم. ونحن سيكون لنا عالمنا الخاص بنا. هناك أماكن كثيرة في هذا العالم. فكما وجدت إيلدار نحن سنكون أيضاً.

وقعت الدهشة وظل الخوف على قلوب كل المستمعين لهذا الكلام. وصمموا على المغادرة والابتعاد عن أراضي إيلدار, لكن بعد ذلك عاد أملاخ بينهم نافياً بأنه كان حاضراً في نقاشهم أو أنه تكلم مثل هذه الكلمات التي ذكروها له. فتولد من كلامه شك وحيرة بين البشر, وقال أصدقاء الجان: بالنهاية أنت تعتقد فعلاً بأنه يوجد هناك سيد مظلم ولديه جواسيس ومبعوثين, وهو يخشانا ويخشى قوتنا التي سنساعد بها خصومه.

لكن ماتزال إجابات البعض بأنه يكرهنا أيضاً, بالأحرى سيزداد كرهه لنا كلما طالت مدة سكننا هنا. فالتدخل في خصومات ملوك إيلدار لا تعتبر مكسباً بالنسبة لنا. كان قد بقي  كثيرين في إيستولاد وهم جاهزون للمغادرة. قاد بيريغ الآلاف من شعب بيور مبتعداً نحو الجنوب. وقد خرج هؤلاء من أناشيد تلك الأيام, لكن أملاخ أسف قائلاً: سيكون لدي حساب مع سيد هذه الأكاذيب, وهذا الحساب سيدوم حتى نهاية حياتي, بعدها ذهب إلى الشمال ودخل في خدمة مايذروس. لكن بقية شعبه والذين كانوا في مثل عقلية بيريغ فقد اختاروا زعيماً جديداً. وعادوا إلى جبال إيريادور, وكانوا منسيين.

في أثناء هذا الوقت بقيت هالادين في ثارجيليون وكانوا راضين. لكن مورغوث رأى بأنه بالأكاذيب والخدع فقط لن يستطيع أن يصنع العداء بين الجان والبشر, فامتلأ بالغضب وسعى لإحداث أذى بين البشر, لذلك بعث عليهم غارة من الأوركس. مرت من الشرق لتتحاشى التحالف. فتسلل الأوركس إلى إيريد ليندون عابرين طريق الأقزام, ووقعوا على هالادين في الغابة الجنوبية لأرض كارانثير.

لم يعش هالادين وفق قاعدة حكم الأسياد للتجمعات. بل كان لكل منزل أرض مستقلة يتحكم فيها بشؤونه الخاصة, وكان من الصعب تجمعهم بسرعة. كان بينهم رجل يدعى هالداد, وهو بارع شجاع ومقدام, جمع حوله كل الرجال الشجعان الذي يمكن أن يجدهم. وتراجع إلى زاوية في الأرض بين آسكار وجيليون, وبنى في آخر مداخلها حاجزاً من الماء إلى الماء, وجلب كل النساء والأطفال لخلف هذا الحاجز لكي يؤمن لهم الحماية. لكن هناك تمت محاصرتهم حتى نفذت مؤنهم.

كان لدى هالداد توأم وهما ابنته هاليث وابنه هالدار, كليهما كانا شجاعين. وكانت هاليث امرأه بقلب عظيم القوة, لكن عندما ذبح هالداد في غارة ضد الأورك, أسرع هالدار لسحب جثة أبيه من مجزرتهم, فقتل هالدار هناك بجانب أبيه. عندها جمعت هاليث الناس مع أنهم كانوا من دون أمل. فالبعض منهم راح يرمي نفسه في النهر ليغرق. لكن بعد سبعة أيام على بدء هجوم الأوركس على الحاجز استطاعوا اختراقه. عند هذه اللحظة دوَّت فجأة أصوات أبواق كارانثير مع جماعته نازلاً من الشمال فدحر الأوركس نحو الأنهار.

نظر كارانثير بعين العطف إلى البشر وإلى الشرف العظيم الذي عند هاليث فعرض عليها مكافأة وتعويضاً عن أباها وأخاها, وعن البسالة التي أبداها إيداين. ولو أنها جاءت متأخرة, فقال لها إن رضيتم أن تتركوا هذه الأرض وتسكنون في الشمال, فسيكون لديكم هناك أصدقاء من الجان وتضمنون حماية إيلدار, وتملكون أراضٍ مجانية خاصة بكِم.

لكن هاليث كانت متكبرة وغير راغبة في الحكم والإدارة, وأغلب هالادين كانوا في مثل طبعها, لذلك شكرت كارانثير على عرضه. فأجابها: سيدتي إذا أردتم رأيي, فالخير لكم أن تتركوا ظل الجبال وتذهبوا إلى الغرب, إلى تلك الأماكن التي ذهب إليها أقرباؤكم. ثم جمع من هالادين كل مَن وُجدوه حياً, وأولئك الذين هربوا إلى البرية عبر الغابة قبل مجيء الأوركس, فجمعوا ما تبقى من سلع في بيوتهم المحروقة. واتخذوا هاليث رئيسةً لهم, قادتهم هاليث إلى إيستولاد. سكنوا في إيستولاد لفترة من الوقت, لكن بقي كل ناسٍ منقسمين على حده. وكانت تلك صفة معروفة دائماً لدى البشر والجان, فيقال في الأمثال كشعب هاليث, أي منقسمين كل بيت على حده. بقيت هاليث رئيسةً مادامت على قيد الحياة, ولم تتزوج. بعدها انتقلت قيادة القبيلة إلى هالادان بن هالدار شقيقها. قررت هاليث على أية حال التحرك نحو الغرب ثانيةً, ومع ذلك فقد كانت غالبية شعبها ضد هذا الرأي. فصعدت بهم ثانيةً, وذهبوا بدون مساعدة أو إرشادٍ من إيلدار. مروا فوق كيلون وآروس وسافروا في الأرض الخطرة بين جبال الرعب وزنار ميليان, رغم ذلك فلم تكن تلك الأرض شريرة بعد, كما أصبحت عليه فيما بعد. لكنه لم تكن هناك طرق للبشر الفانين للسير بها من دون مساعدة. إلا هاليث فكانت هي الوحيدة التي قادت شعبها من خلال تلك الطرق بالمشقة والخطر, لم يعيق قوة رغبتها بالتقدم إلا الخسائر. وأخيراً عبروا بريثياخ. ندم كثيرون منهم بشكل مرير بسبب متاعب الرحلة. لكنهم وصلوا إلى مرحلة اللاعودة, لذلك عادوا في الأراضي الجديدة إلى حياتهم القديمة كأفضل ما يكون. وسكنوا في المنازل المجانية في غابة تالاث ديرنين بعد تيغيلين وتجول بعضهم إلى مملكة نارغوثروند, لكن كان هناك العديد ممن أحبوا السيدة هاليث وتمنوا الذهاب أينما ذهبت ورغبوا بأن يبقوا تحت حكمها. فسارت بهم إلى غابة بريثيل بين تيغيلين وسيريون, وإلى هذه الغابة عاد الشعب المتفرق في الأيام الشريرة التي تلت تلك الأيام.

ادعى الملك ثينغول بأن غابة بريثيل هي جزء من مملكته مع أنها لم تكن واقعةً ضمن زنار ميليان. وقد أنكرها على هاليث, لكن فيلاغوند الذي كان صديق ثينغول, وكان قد سمع كل الذي حصل مع شعب هاليث, فقد طلب من ثينغول بأن يبقيهم في بريثيل ليسكنوا بشكل حر على شرط واحد, وهو أن يحرس شعبها معابر تيغيلين ضد كل أعداء إيلدار, ولا يسمحوا للأوركس بالدخول إلى غابتهم. إلى هذا الحد أجابت هاليث: أين هالداد أبي وهالدار أخي؟ إذا كان ملك دورياث يخاف الصداقة بين هاليث وأولئك الذين أفنوا أقاربها, إذاً فإن أفكار إيلدار تعتبر غريبة على البشر. سكنت هاليث في غابة بريثيل حتى ماتت, وقد رفع شعبها فوق قبرها تل أخضر على مرتفعات الغابة, ويدعى تور هاريثا, أي رابية السيدة, وفي لغة سيندارين يقال له هاوذ اين إيروِّينْ.

بهذه الطريقة كانت كيفية حدوث سكن إيداين في أراضي إيلدار. فالبعض هنا والبعض هناك والبعض يتجولون والبعض استقروا كقبائل وشعوب صغيرة. وبسبب لهفة الكثيرين لعلوم الجان فقد تعلم جزء كبير منهم لغة الجان الرماديين, إذ كانت تعتبر كلغة مشتركة بينهم. لكن بعد فترة رأى ملوك الجان بأن سكن البشر والجان مع بعضهم والاختلاط بينهم سيؤدي إلى التخبط. لأن البشر بحاجة إلى زعماء من جنسهم, فيجب أن يكون لديهم مجموعة مناطق مستقلة, لكي يتمكن البشر فيها من عيش حياتهم الخاصة. والزعماء الذين يحملون مسؤولية الحكم وحماية أراضيهم بحرية. فقد كانوا حلفاء إيلدار في الحرب لكنهم زحفوا إليها تحت قيادة زعمائهم. رغم كل ذلك فقد كان العديد من إيداين مبتهجين بصحبتهم مع الجان والسكن بينهم لمدة طويلة إذا سمح لهم الجان بذلك. وفي أغلب الأحيان أُخذ الشباب للخدمة في جيوش الملوك لفترة من الوقت.

دخل هادور لوريندول بن هاثول بن ماغور بن مالاخ أرادان إلى بيت فينغولفن في شبابه. فأحبه الملك فينغولفن وأعطاه سيادة دور لومين. جمع إلى تلك الأرض كلَّ أقربائه وقبيلته وأصبح هو الأقدر بين زعماء إيداين. ولم يتكلم في بيته إلا لغة الجان, مع أنه لم ينسَ لغته الأصلية, وهي تلك اللغة التي جاءت منها اللغة المشتركة لنومينور فيما بعد, أما في دورذونيون فقد أعطيت سيادة شعب بيور وبلاد لادروس[69] إلى بورومير بن بورون حفيد بيور الكبير.

أبناء هادور كانوا, غالدور وغووندور, وأبناء غالدور كانوا هورين وهوور, وابن هورين كان تورين ذابح التنين غلاورونغ, وابن هوور كان توور, والد إيارينديل المبارك. أما ابن بورومير فكان بريغور, وأبناؤه هما بريغولاس وباراهير, وأبناء بريغولاس هما باراغوند وبيليغوند, وبنت باراغوند كانت موروين والدة تورين. وبنت بيليغوند كانت رِيان والدة توور. لكن ابن باراهير كان بيرين ذو اليد الواحدة الذي فاز بحب لوثايين بنت ثينغول, وهو الذي عاد من الموت, ومنهما جاءت إيلوينغ زوجة إيارينديل ومن ثم كل نسل ملوك نومينور فيما بعد.

كل هؤلاء دخلوا ضمن شبكة أقدار نولدور. وقد عملوا الأعمال العظيمة التي مازال يذكرها إيلدار بين تواريخ الملوك القدامى, وفي تلك الأيام أُضيفت قوة البشر إلى قوة نولدور, وكانت آمالهم كبيرة, وأقفل الطوق حول مورغوث. لأن شعب هادور كانوا قساة يتحملون البرد ويتجولون لمدة طويلة, ومن سكرة الخوف أحياناً كانوا يذهبوا إلى الشمال للاستمرار بمراقبة تحركات العدو هناك. تضاعفت وازدهرت أعداد شعب البيوت الثلاثة لكن الأعظم بينهم كان بيت هادور الرأس الذهبية. نظير أسياد الجان. فقد كان شعبه من القوة والقوام العظيم. ذو عقل متيقظ, شجاع وصامد, سريع إلى الغضب, سريع الصلح, وكان هائلاً بين أبناء إلوڤاتار في الأيام الأولى للبشرية, فغالبيتهم كان شعرهم أصفر, وعيونهم زرقاء, لكن تورين لم يكن كذلك, فأمه كانت موروين من بيت بيور, وأهل ذلك البيت (بيت بيور) كان شعرهم بني داكن وعيونهم رمادية. وفي كل شيء كان البشر يشبهون نولدور. وأكثر شيء أحبوه هو نولدور. لأنهم كانوا تواقين للعقل بارعين بالحيل وسرعة الفهم وقوة الذاكرة. فانتقلوا حالاً إلى الرحمة بهم بدل السخرية منهم. كما كان منهم من شعب هاليث, شعب الغابة, لكن قوامهم كان أقل, وتلهفهم للعلم أقل, فقد كان حديثهم مقتضباً, ولا يحبون كثيراً اللقاءات مع البشر, فالكثيرين منهم فرحوا بالخلوة, والحرية والتشرد في الغابات الخضراء, بينما كانت أعجوبة أراضي إيلدار جديدة عليهم. لكن أيامهم في ممالك الغرب كانت قصيرة وأيامهم حزينة.

كانت سنوات إيداين طويلة, طبقاً لحسابات البشر بعد مجيئهم إلى بيليرياند. لكن أخيراً عندما مات بيور الكبير, وكان قد عاش ثلاثة وتسعين سنة, عاش منهم أربعة وأربعين سنة في خدمة فيلاغوند. ثم مات بشكل طبيعي بدون جرح أو ألم, بل لنفاذ عمره, ولأول مرة ترى إيلدار التلاشي السريع لحياة البشر, وموت التعب الذي لم يعرفوه هم في أنفسهم. فحزنوا كثيراً لفقد أصدقائهم. وأخيراً تخلى بيور عن حياته بشكل لائق وعبرها بسلام. تساءلت إيلدار كثيراً عن هذا المصير الغريب للبشر, لأنه في كل علومهم لا توجد رواية أو وصف لذلك, ونهايته كانت مخفيةً عنهم.

مع ذلك فإن إيداين القديمة كانت لديها سرعة التعلم من إيلدار, في كل أنواع الفنون والمعرفة التي يتحصلون عليها, وازداد أبناؤهم في الحكمة والمهارة حتى فاقوا كل البشر الآخرين الذين مازالوا يسكنون شرق الجبال, ولم يشاهدوا وجوه إيلدار التي شاهدت ضوء ڤالينور.

  VZv                                                                                           الفصل الثامن عشر  خراب بيليرياند وسقوط فينغولفن


          يرى فينغولفن ملك الشمال والملك الأعلى لنولدور, بأن شعبه أصبح كثير العدد والقوة. وحلفاءه من البشر كانوا على قدر كبير من الشجاعة والعدد, لذلك فكر أكثر من مرة بالهجوم على أنغباند, لأنه يعلم بأن حياتهم مهددةً دوماً ما دامت دائرة الحصار على مورغوث غير مكتملة, ومادام مورغوث يتمتع بحرية العمل في سراديبه وأقبيته العميقة, مبتكراً لشرورٍ لا يمكن التنبؤ بها قبل أن يكشفها. هذا الرأي كان حكيماً طبقاً لإجراءات معرفته هو. ولأن نولدور لم يكونوا على علم لحد الأن باكتمال قوة مورغوث, ولم يفهموا بأن حربهم غير المدعومة عليه كانت بالنهاية من دون أمل. سواء عجلوها أو أخروها, لكن لأن الأرض كانت جميلة وممالكها متسعة. فقد كانت أغلبية شعب نولدور راضية بالأشياء كما هي وواثقة بذلك للنهاية, لذلك كانوا متباطئين في بدء الهجوم. ولأن في الحرب موت للكثيرين منهم, إن كان هناك نصر أو هزيمة, فلم يهتموا كثيراً بالإصغاء إلى آراء فينغولفن. وفي ذلك الوقت فقط أنغرود وإيغنور من أبناء فيانور هما من كانا يوافقان آراء الملك من بين كل زعماء نولدور. لأنهما يسكنان في المناطق القريبة من حصن مورغوث, فمنها يمكن مشاهدة أبراج ثانغورودريم, وتهديد مورغوث كان حاضراً في فكرهم دائماً. لذلك فلم تنجح مقاصد فينغولفن في شنّ الحرب على مورغوث. ولغاية ذلك الوقت بقيت الأرض تنعم بالسلام الهش لفترة.

لكن عند الجيل السادس للبشر بعد بيور وماراخ, وكانوا لم يصلوا بعد إلى حد اكتمال القوة. وافق ذلك في السنة الخامسة والخمسين بعد الأربعمائة لمجيء فينغولفن. فقد وقع شرٌ وكان مرعباً لمدة طويلة, فقد اعتبر رهيباً جداً, بل كان الأكثر مباغتةً من أساليب رعبه المظلمه. لأن مورغوث جهز قوته لمدة طويلة في السر, وكان الحقد في قلبه ينمو ويكبر وكراهيته لنولدور تتزايد, فلم يكن راغباً فقط في إنهاء الخصومة لكنه كان يريد تحطيم وتشويه الأراضي التي أخذوها وجعلوها جميلة, ويقال بأن حقده تغلب على النصح والمشورة, لذلك فلم يكن ليحتمل الانتظار لفترة طويلة. لأنه وفق خطته فإنه سيقضي على نولدور نهائياً في هذه المعركة. مع أنه قدّر شجاعة الجان لكنه لم يحسب حساباً لشجاعة البشر.

كان ذلك في ليالي الشتاء الحالكة حيث لا وجود لضوء القمر, وكان سهل أرد غالين الفسيح, من تلال نولدور الحصينة إلى أسفل ثانغورودريم, يمتد باهتاً تحت أضواء النجوم الباردة. كانت نيران الحراسة خافته, وعدد الحراس قليل, فلم تكن على السهل مستيقظةً إلا بضع خيّالة في معسكرات هيثلوم. فجأةً أرسل مورغوث أنهار لهب عظيمة من ثانغورودريم, نزلت مسرعةً أسرع من بالروغز, وانصبت على كامل السهل, وتجشأت جبال الحديد تزفر النيران السموم في الأجواء, فأنتن الهواء من دخانها وأصبح مميتاً. هكذا مات أرد غالين والتهمت النيران أعشابه, واحترق حتى أصبح كصحراء مقفرة. لقد امتلأ بالغبار الخانق وأصبح قاحلاً بلا حياة, وفيما بعد تغييّر اسمه ودعي إنفاوغليث, أي لهاث الغبار. فقد كان قبر بلا سقف للكثير من العظام المتفحمة, ولقي الكثير من نولدور حتفهم في ذلك الحريق, إذ لحقهم تيار اللهب ولم يستطيعوا الطيران إلى التلال. صدَّت كلٌ من سلسلة جبال إيريد لوين وهضبة دورثونيون السيول النارية, لكن الغابة المطلة على السفوح نحو أنغباند فكانت كلها كالموقد. فارتبك المدافعون وتشوشت رؤيتهم من الدخان. هكذا بدأت رابع المعارك العظيمة, داغور براغوللاخ, معركة اللهب المفاجئ.

في جبهة النار أتى غلاورونغ الذهبي أبو التنانين في تمام قوته, يجر وراءه البالروغز, وخلفهم جيوش الأوركس السوداء. فلم يسبق لنولدور أن رأوها أو تخيلوها. هاجموا قلاع نولدور وكسروا الحلف الذي كان يحاصر أنغباند, فذبحوا نولدور وحلفاءهم من الجان الرماديين والبشر حيثما وجدوهم. قُتل الكثير من الشجعان من خصوم مورغوث في الأيام الأولى لتلك الحرب. فالحيرة والتفرق كانت غير قادرة على حشد قواهم. توقفت الحرب لكن ليس كليةَ لأنها عادت وبدأت ثانيةً في بيليرياند, أما نهاية معركة اللهب المفاجئ فكانت عند مجيء الربيع عندما تناقصت شدة هجوم مورغوث.

هكذا انتهى حصار أنغباند, وتبعثر خصوم مورغوث متفرقين عن بعضهم. فأكثر الجان الرماديين هربوا إلى الجنوب وتركوا الحرب الشمالية, والكثير منهم استُقبلوا في دورياث. وفي ذلك الوقت تعاظمت المملكة وازدادت قوة ثينغول. ولن يستطيع الشر الدخول إلى ذلك العالم المخفي لآن قوة الملكة ميليان حيكت حول حدودها. أمّا الآخرين فقد لجأوا إلى القلاع بجانب البحر وإلى نارغوثروند. هرب البعض من الأرض وأخفوا أنفسهم في أوسيرياند, أو عبروا الجبال وتاهوا بلا مأوى في البرية. انتشرت أخبار الحرب وكسر الحصار إلى كل البشر في شرق الأرض الوسطى.

تحمل أبناء فينارفين وطأة العبء الأكبر للهجوم, فقد قتل كل من أنغرود وإيغنور. وبجانبهما سقط بريغولاس سيد بيت بيور, وجزء كبير من محاربي ذلك الشعب. لكن باراهير شقيق بريغولاس ابتعد غرباً بجانب معابر سيريون. هناك كان الملك فينرود فيلاغوند الذي جاء مسرعاً من الجنوب فانفصل عن شعبه مع مجموعة صغيرة, وحوصر ضمن حوض مستنقع سيريخ وكان يمكن أن يُذبح أو يُؤسر, لكن باراهير ومجموعة من رجاله الشجعان أنقذوه وجعلوا حوله جداراً من الرماح. فخرجوا من المعركة بالخسارة العظيمة. هكذا نجا فيلاغوند وعاد إلى قلعته العميقة نارغوثروند. لكنه أقسم قسماً يلتزم فيه بصداقة ومساعدة باراهير وعشيرته, وكدلالة على قسمه فقد أعطى خاتمة إلى باراهير الذي أصبح الآن بحق سيد بيت بيور وعاد إلى دورثونيون. لكن أغلب شعبه هربوا من بيوتهم ولجأوا إلى هيثلوم.

كان هجوم مورغوث من الضخامة بمكان بحيث لم يستطع فينغولفين وفَينْغوُنْ أن يأتيا لمساعدة أبناء فينارفين, فعاد جيش هيثلوم بالخسارة العظيمة إلى قلاع إيريد ويثرين وبالكاد استطاعوا الدفاع عنها ضد هجمات الأوركس العنيفة. فقد سقط هادور الشعر الذهبي المدافع عن حامية جيش سيده فينغولفين أمام أسوار إيثيل سيريون, وكان وقتها بالسادسة والستين من عمره, سقط معه في المعركة أيضاَ ابنه الأصغر غووندور الذي اخترقت جسمه سهام كثيرة. فندبهم الجان وحزنوا عليهم كثيراً. بعد ذلك أخذ غالدور الطويل الزعامة عن أبيه. وبسبب القوة وارتفاع الجبال الغامضة, التي قاومت سيول النار وبفضل شجاعة الجان ورجال الشمال فلم يستطع لا الأوركس ولا البالروغز من التغلب عليهم. فبقيت هيثلوم صامدةً لم تقهر بل على العكس كانت تهدد جناح هجوم مورغوث. أما فينغولفين فقد انفصل عن عشيرته وأقربائه ببحر من الأعداء.

اتجهت الحرب مؤخراً ضد أبناء فيانور, وباقتراب الهجوم من غالبية الحدود الشرقية فقد بدا ذلك جيداً بأن ممر أغلون أصبح كممر إجباري, وكانت كلفته باهظة على أصحاب الأرض من قبل مورغوث. فهُزم كيليغورم وكوروفين وهربا من حدود دورياث الجنوبية والغربية حتى وصلا أخيراً إلى نارغوثروند, قاصدين مأوى عند فينرود فيلاغوند, وبدخولهما إلى هناك فقد زاد شعبهم من قوة نارغوثروند. لكنه كان يمكن أن يكون أفضل, كما لوحظ فيما بعد, فقد كانت لديهم بقية من شعبهم في الشرق تقاتل مع أخوهم مايذروس الذي أبدى شجاعة خارقة. واستطاع هزيمة الأوركس. فبعد عذاباته على جدران ثانغورودريم أصبحت روحه المشتعلة بداخله مثل النار البيضاء. فكان أشبه بشخص عاد من الموت. لذا كانت قلعته العظيمة على تل هيمرينغ عصيّةً على الأعداء, واجتمع لدية الكثير من الشجعان من شعب دورثونيون ومن التخوم الشرقية, لذلك قام مايذروس بحشد جيشه هناك وأغلق معبر أغلون لفترة من الوقت لكي لا يتمكن الأوركس من الدخول إلى بيليرياند عن ذلك الطريق. لكن خيّالة شعب فيانور سحقوا هناك على لوثلان, لأن غلاورونغ أتى إلى هناك ومرَّ من خلال فجوة ماغلور محطماً كل الأرض بين أذرع جيليون. فاستولى الأوركس بذلك على القلعة الغربية الواقعة على سفوح جبل ريريير. ودمروا ثارجيليون, أرض كارانثير ودنسوا بحيرة هيليڤورن. ومن هناك مروا فوق جيليون بالنار والرعب حتى وصلوا إلى شرق بيليرياند. انضم ماغلور إلى مايذروس على تلة هيمرينغ, لكن كارانثير هرب وانضم إلى بقية شعبه الصيادين المتفرقين في الغابات. أما أمرود وأمراس فقد تراجعا وعبرا رامدال في الجنوب, وأبقوا على بعض المراقبة وقوة الحرب على آمون إيريب. فقد أعانهم على ذلك الجان الخضر. وبالتالي فلم يتمكن الأوركس من الوصول إلى أوسيرياند ولا إلى تاور إم دويناث وبراري الجنوب.

وصلت أخباراً إلى هيثلوم تُفيد بأن دورثونيون سقطت وضاعت وأن أبناء فينارفين سقطوا, وأُخرج أبناء فيانور من أراضيهم. عندها نظر فينغولفين ( كما بدا له) الخراب المطلق لنولدور. فالهزيمة غير قابلة للتعويض لكل بيوتهم. فامتلأ بالغضب واليأس, لذلك ركب لوحده على حصانه العظيم روخالور ولم يستطع أحداً إيقافه أو منعه, سار ماراً فوق دور نو فاوغليث مثل ريحٍ وسط الغبار. وكل من رأى طلعته هرب مندهشاً. لاعتقادهم بأنه أورومي نفسه, فقد أشرقت عيونه مثل عيون الڤالار من شدة الغضب التي كانت باديةً عليه. حتى وصل لوحده إلى بوابة أنغباند فأطلق صوت بوقه, وضرب مرة أخرى على الأبواب النحاسية متحدياً مورغوث بأن يبرز إليه بمعركة فردية. وجاءه مورغوث.

تلك كانت آخر مرة  يعبر فيها مورغوث أبواب معقله ويخرج أثناء أو بعد الحروب, ويقال بأنه لم يأخذ هذا التحدي عن رغبة. على الرغم من أن قوته كانت أعظم قوة في هذا العالم, وهو الوحيد من بين الڤالار الذي عرف الخوف, لكنه لا يستطيع أن ينكر التحدي الذي وجه إليه فينغولفين أمام قادته. فقد رنت الصخور من شدة صوت بوق فينغولفين, وجاء صوته واضحاً ومتحمساً إلى أعماق أنغباند, وقد نعت فينغولفين مورغوث بالجبان, وسيد العبيد, لذلك جاء مورغوث. يرتفع ببطء من عرشة تحت الأرض وضجيج أقدامه كصوت الرعد تحت الأرض. خرج ملتفاً بدرعه الأسود, ووقف أمام الملك كبرج متوج بالحديد بدرعه الواسعة المزركشة القاتمة التي ألقت فوقه ظلالاً كالغيوم الملبدة. لكن فينغولفين لمع من تحته كنجم يرسل بريقاً مغلفاً بالفضة, لأن درعه الأزرق كان مرصعاً بالبلورات. فسحب سيفه رينجيل[70] المتألق كالثلج وكان جاهزاً للنزال.

لوّح مورغوث بمطرقته غروند (مطرقة العالم السفلي). وأنزلها بقوة كالصاعقة على خصمه, لكن فينغولفين تحاشى الضربة وقفز جانباً, فصنعت غروند حفرة كبيرة في الأرض, واندفع من هذه الحفرة دخان ونار. حاول مورغوث ضربه أكثر من مرة, وفي كل مرة كان فينغولفين يتحاشى الضربة بالقفز بعيداً. وبضربات خاطفة كالبرق من تحت الغيمة المظلمة أصاب فينغولفين مورغوث بسبعة جروح, وفي المرات السبعة كان مورغوث يصرخ من الألم. بحيث أن جماهير أنغباند سقطوا على وجوههم من الفزع, وتردد صدى الصراخ في كل الأرض الشمالية.

لكن أخيراً تعب الملك. وثقب له مورغوث درعه بعد أن أصابه بمطرقته ثلاث مرات, فأصبحت درع فينغولفين محطمةً إلى مستوي الركبة. لكن فينغولفين كان ينهض في المرات الثلاث حاملاً درعه المكسور وخوذته المهشمة, ولأن الأرض كانت مشققه ومحفّره تعثرت قدم فينغولفين ووقع أمام أقدام مورغوث. فوضع مورغوث قدمه اليسرى على رقبته, وكانت ثقيلة كتلٍ ساقط, رغم ذلك ضرب فينغولفين الضربة الأخيرة المستميتة بسيفه رينجيل فقطع قدم مورغوث, وتصاعد من الجرح دم أسود, فملأ الدخان الحفر التي حفرتها المطرقة غروند.

هكذا كانت نهاية فينغولفين الملك الأعلى لنولدور, أكثر ملوك الجان القدامى فخراً وشجاعةً. ولم يتفاخر الأوركس بتلك المبارزة أمام الباب. ولم يمجدها الجان بالأغاني والأناشيد, لأن حزنهم كان عميقاً, رغم ذلك فمازال الجان يتذكر تلك الحكاية. جلب ثوروندور ملك النسور الأخبار إلى غوندولين وإلى هيثلوم من بعيد. وكان مورغوث يريد أخذ جثة ملك الجان وتحطيمها وإطعامها لذئابه. لكن ثوروندور جاءه مسرعاً من وكره من على قمم كريسايغريم وهجم على مورغوث بمخالبة وأفسد له وجهه, فقد كانت سرعة أجنحة ثوروندور مثل ضوضاء رياح مانوي. ثم أخذ جثة فينغولفين بمخالبة الهائلة, وارتفع بها بسرعة فوق نبلات الأوركس, فحمل جسد الملك بعيداً ووضعه على قمة الجبل المطل على الوادي المخفي لغوندولين. بعد ذلك جاء تورغون وبنى صرحاً عالياً من الحجارة فوق جسد أبيه, وبعدها لم يتجاسر الأوركس أبداً على المرور من فوق جبل فينغولفين, ولا حتى الاقتراب من قبره, إلى أن جاءت نهاية غوندولين وولدت الخيانة بين أقربائه. أما مورغوث فقد ذهب يعرج بقدم واحده, بعد ذلك اليوم, وألم جراحه لن يشفى للأبد, وبوجهه كانت آثار الندوب التي حفرتها مخالب ثوروندور.

حلّ هناك حزنٌ عظيم في هيثلوم بعد سماعهم نبأ موت الملك فينغولفين. واستلم فينغون من بعده سيادة بيت فينغولفين ومملكة نولدور بحزن. لكن ابنه الشاب إيرينيون بن فينغون (الذي سمي فيما بعد غيل غالاد) فقد أُرسل إلى المرافئ.

تغلبت قوة مورغوث على كل الأرض الشمالية إلا دورذونيون التي كان فيها باراهير الذي لم يهرب وبقي يتنافس مع أعدائه على الأرض قدم بقدم. فطارده مورغوث هو وشعبه إلى الموت حتى لم يبقى منهم إلا قلة. وأُخذت كل غابات السفوح الشمالية من تلك الأرض رويداً رويداً إلى منطقة تشبه السحر المخيف المظلم, حتى أن الأوركس لم يدخلوها إلا مكرهين وبداعي الحاجات الملحّة فقط. دعيت تلك الغابات ديلدواث, و تاور نو فوين أي الغابة الواقعة تحت حجاب الليل. فالأشجار التي نمت هناك بعد الحريق كانت سوداء ومتجهمة, وجذورها كانت متشابكة تخرمش في الليل مثل المخالب. وأصبح كل من يتيه داخل هذه الغابات مفقود أو أعمى. فقد وجدوا هناك أناس مشنوقين أو مَن مَسّهُمْ الجنون من التخيلات المرعبة. أخيراً أصبحت حالة باراهير يائسة. أمّا زوجته إيميلدير الملقبة, قلب الرجل (والتي يقول المنطق بأن قتالها إلى جانب ابنها وزوجها كان أولى بها من الهرب), كانت قد جمعت إليها كل النساء والأطفال الذين تُركوا وحَمَلَتهم أسلحة, وقادتهم إلى الجبال الواقعة خلفهم عبر طُرقٍ محفوفة بالمخاطر, حتى وصلوا أخيراً وبعد بؤس وخسائر كثيرة إلى بريثيل. فاستُقبل بعضهم هناك بين هالادين, ونُقل آخرون إلىْ الجبال إلى دور لومين, وكان معهم شعب غالدور بن هادور وبين أولئك كانت رِيان بنت بيليغوند وموروين بنت باراغوند, والتي سميت إيلذوين, أي وميض الجان. لكن لم يرَ أحد فيما بعد أي من الرجال الذين غادروا. لأنهم ذُبحوا كلهم, الواحد تلو الآخر. حتى لم يبقى أخيراً من قوم باراهير إلا اثنا عشر رجلاً, وهم ابنه بيرين وباراغوند وبيليغوند أبناء أخيه بريغولاس, وتسعة من الخدم المطيعين لبيته. والتي بقيت أسماؤهم مذكورةً في أغاني نولدور لمدة طويلة. وهؤلاء التسعة هم: راذروين ودايروين. وكان كل من داغنير وراغنور وغيلدور وغورليم يلقبون بالتعساء. أما أرثاد وأورثيل وهاثالدير فيلقبون بالشباب. وقد أصبحوا كلهم عبارة عن عصابة من الخارجين عن القانون بدون أمل, وفرقة مستميتة لا تستطيع الهرب أو العمل والانتاج. لأن مساكنهم دُمرت, وزوجاتهم وأولادهم ربما أسروا أو ذبحوا أو هربوا, فلم تأتي من هيثلوم لا أخبار ولا مساعدات, فأصبح باراهير ورجاله مطاردين مثل وحوش البرية. لذلك تراجعوا إلى المرتفع القاحل فوق الغابة, وتجولوا بين البحيرات الجبلية والأراضي البور الصخرية من تلك المنطقة. مبتعدين عن جواسيس وتعاويذ مورغوث, مفترشين الأرض القاسية وملتحفين السماء القاتمة.

بعد مرور سنتين تقريباً على داغور براغوللاخ. ومازالت نولدور تقاوم في المعابر الغربية حول منابع سيريون, لأن قوة أولمو كانت في ذلك الماء, صمدت ميناس تيريث بوجه الأوركس. لكن ما حدث بالتفصيل هو أنه بعد سقوط فينغولفين, أتى ساورون, وهو من أعظم خدم مورغوث فظاعة. وهو الذي يقال له بلغة سيندارين غورثور, أتى ليقاتل أورودريث قائد برج المراقبة على تول سيريون. فبعد أن أصبح ساورون ساحراً بقوة مخيفه, فهو الآن سيد الظلال والأشباح. وبحكمته الفاسدة وقوته القاسية كان يفسد كل ما يلمسه, فهو الحاكم الملتوي وسيد المستذئبين, فلم تكن زعامته إلا عذاباً. أخذ ميناس تيريث بالقتال. لأن غيمة مظلمة من الخوف سقطت على المدافعين عنها. هُزم أورودريث في برج المراقبة على تول سيريون, وهرب إلى نارغوثروند. فيما بعد جعل ساورون البرج, كبرج مراقبة لمورغوث. فأصبح معقل الشر والخطر. وأصبحت الجزيرة الجميلة تول سيريون ملعونة. وسميت فيما بعد (تول إن غاورهوث) أي جزيرة المستذئبين, فلا يمكن لأي مخلوق حي أن يعبر ذلك الوادي الذي يراقبه ساورون من البرج حيث يقيم. تمسك مورغوث بالممر الغربي. وملأ إرهابه حقول وغابات بيليرياند. فقد لاحق خصومه باستمرار إلى ما وراء هيثلوم, باحثاً عن مخابئهم, آخذاً معاقلهم الواحد تلو الآخر, وأصبح الأوركس يتجولون بكل وقاحة بالطول وبالعرض. فنزلوا إلى سيريون في الغرب وكولون في الشرق, فأحاطوا بكل دورياث. واستباحوا كل الأراضي, لذلك هرب الطير والوحش من أمامهم, وانتشر الصمت والخراب في كل الشمال. أُسر كثيرون من نولدور وسيندار واقتيدوا عبيداً إلى أنغباند. فأجبروهم على استخدام مهاراتهم ومعارفهم لخدمة مورغوث. بعث مورغوث بجواسيسه متخفين بالهيئات الزائفة والكلام المخادع, ليصنعوا الأكاذيب والوعود الزائفة, فقاموا بإثارة الخوف والشك بين الناس بالكلام المخادع. واتهموا الملوك والزعماء بالطمع والخيانة من واحد إلى آخر. وبسبب لعنة ذبح الأقارب في ألكوالوندي. فقد تم تصديق أغلب تلك الأكاذيب. بالفعل فقد كان مقياس الحقيقة في ذلك الزمان يوافق قتامة تلك الأيام. وقد أصبحت قلوب وعقول جان بيليرياند مغلفةً باليأس والخوف. لكن أكثر ما أخاف نولدور هو خيانة أقاربهم, الذين كانوا عبيداً عند مورغوث فقد استعمل بعضهم لأغراضه الشريرة, بادعائه بأنه أعطاهم حريتهم وأرسلهم خارج أنغباند. لكنه قيّد إراداتهم. فلا يستطيعون إلا أن يعودوا إليه ثانيةً, لذلك فكل من هرب من أسر مورغوث حقيقةً, كان يلقى القليل من الترحاب ببين أهله. لذلك خرجوا كجوالين متوحدين تائهين مجرمين.

اختلق مورغوث رحمة ليست فيه, وبعث برسائل إلى البشر لعل أحد يسمعها, حيث قال بأن مشاكل البشر جاءت من عبوديتهم لثوار نولدور. لكن على يدي السيد الشرعي للأرض الوسطى. فإنهم سيحصلون على الشرف والمكافآت المجزية على شجاعتهم إذا تركوا التمرد. أصغت إليه بضعة من بيوت البشر الثلاثة لإيدايين فقط, ولم يستطع أخذ البقية إلى عذاب أنغباند, لذلك فقد طاردهم بكراهية, مرسلاً رُسلهُ على الجبال.

قيل أنه في ذلك الوقت جاء إلى بيليرياند أوئل البشر السُمر. وبعضهم كان تحت قيادة مورغوث بالسر. وقد أتوا إلى بيليرياند بناء على طلبه, لتكريس الإشاعات في أراضيها ومائها, في حروبها وثرواتها, وقد مشوا بها طولاً وعرضاً. حتى وصلت أقدام البشر المتجولين في تلك الأيام إلى الغرب. وكان هؤلاء البشر قصار القامة عريضوا الأكتاف. وكانت أذرعهم طويلة وقوية, وجلودهم شاحبه, وشعرهم قاتماً وكذلك عيونهم. وكانت بيوتهم كثيرة. والبعض منهم كانوا أقرب الشبه إلى أقزام الجبال منه إلى الجان. لكن مايذروس الذي كان يعرف بضعف نولدور وإيداين. بينما كانت أقبية أنغباند تبدو وكأنها مخزنٌ دائمٌ متجددٌ لا ينضب. لذلك عقد حلفاً مع هؤلاء القادمين الجدد من البشر. ومنح صداقته لأعظم زعماء قبائلهم وهم بور وأولفانغ. وكان مورغوث راضٍ تماماً عن ذلك لأن الأمور سارت كما صمم لها. وكان أبناء بور هم بورلاد, بورلاخ, بورثاند. وهم من تبعوا مايذروس وماغلور وخيبوا أمل مورغوث لأنهم كانوا مخلصين, وأبناء أولفانغ الأسود كانوا ثلاثة وهم أولفاست, أولوارث, وأولدور الملعون, الذين تبعوا كارانثير وأقسموا الولاء له وأثبتوا خيانتهم.

لم تكن هناك مودة بين إيداين وإيستيرلينغز. ونادراً ما اجتمعوا, لأن القادمين الجدد سكنوا لمدة طويلة في بيليرياند الشرقية. وشعب هادور مغلق عليه في هيثلوم. وبيت بيور اقترب منه الخراب والتدمير كثيراً. كان شعب هاليث في البداية بمنأى عن حرب الشمال, لأنهم سكنوا جنوب غابة بريثيل. لكن حدثت هناك معركة بينهم وبين الأوركس الغزاة, فقد كانوا رجالاً أشداء ولن يتركوا الغابة التي أحبوها, وفي وسط أخبار هزائم ذلك الوقت فإن أعمال هالادين كانت مذكورة بالشرف. فبعد أن أخذ الأوركس ميناس تيريث عبروا من الممرات الغربية, إذ ربما كان التدمير سيطال كل شيء وصولاً إلى مصبات نهر سيريون, لكن هالمير سيد هالادين أرسل خطاباً سريعا إلى ثينغول, لأنه كان يمتلك صداقة مع الجان الذين يحرسون حدود دورياث. فأرسل له ثينغول بيليغ الملقب بالقوس القوي, رئيس حرس موكب ثينغول. على رأس قوة كبيرة من سيندار مسلحة بالفؤوس إلى بريثيل. انتشرت هذه القوة من أعماق الغابة, وقام هالمير وبيليغ بمباغتة قلب جيش الأوركس فحطموه, واستأصلوا المد الأسود الآتي من الشمال إلى كل تلك المنطقة, بعدها لم يجرؤ الأوركس على عبور تيغيلين لعدة سنوات. سكن شعب هاليث متيقظين ينعمون بالسلام في غالبة بريثيل, ومن وراء حراستهم استراحت مملكة نارغوثروند لفترة, فأخذت تعد العدة وتحشد قواها.

في هذا الوقت كان هورين وهوور أبناء غالدور من دور لومين يسكنان مع هالادين لأنهم أقرباء. وفي الفترة التي سبقت داغور براغوللاخ, فإن هذين البيتين من إيداين كانت قد جمعتهما حفلة عرس كبيرة, عندما تزوج غالدور وغلوريذيل بنات هادور الرأس الذهبية, من هاريث وهالدير أبناء هالمير سيد هالادين. وهكذا فقد تربى أبناء غالدور في بريثيل عند عمهما هالدير. وبحسب أعراف البشر في ذلك الوقت, فقد ذهبا كليهما إلى تلك المعركة مع الأوركس حتى هوور لأنهم لم يستطيعوا منعه, مع أنه كان بعمر ثلاثة عشر سنة. لكنه أبى إلا أن يكون من بين الصحبة الذين قطعوا العهد على ملاحقة الأوركس حتى معابر بريثياخ. هناك كان يمكن أن يقتلوا جميعهم لولا قوة أولمو التي كانت ما تزال مسيطرة في مياه سيريون. فظهر ضبابٌ من النهر أخفاهم عن أعين أعدائهم. وبذلك استطاعوا الهرب إلى بريثياخ من خلال ديمبار, ساروا بين التلال والأسوار المائلة من كريسايغريم, فتاهوا من خداع تلك الأرض, ولم يتمكنوا من معرفة طريق العودة, هناك في الأعالي كان ثوروندور يراقبهم, فأرسل اثنين من نسوره لمساعدتهم, فحملتهم النسور إلى غوندولين المدينة المخفية التي لم يكن قد رآها بشري بعد لحد الآن.

هناك في غوندولين استقبلهم الملك تورغون بشكل لائق عندما علم لمن ينتسبون, فقد جاءته رسائل أولمو سيد المياه عبر الأحلام من فوق مياه سيريون ومن البحر, تحذره من المشاكل القادمة وتنصحه بالتعامل بلطف مع أبناء بيت هادور, ومن أين عليه أن يطلب المساعدة في وقت الحاجة. سكن هورين وهوور كضيوف في بيت الملك مكرمين حوالي سنة. ويقال بأن هورين تعلم الكثير من علوم الجان. وفهم بعض استشارات الملك وأهدافه, ولأن تورغون أحب أبناء غالدور حباً عظيماً فكان يتكلم معهما كثيراً, ومن خالص محبته لهما, فقد تمنى عليهما حقيقةً البقاء في غوندولين, وليس فقط من أجل قانونه الذي يحرم على أي غريب وجد الطريق إلى المملكة السرية ونظر إلى المدينة أكان ذلك إنس أم جان فيجب أن لا يغادرها ثانيةً, حتى يفتتح الملك الطوق, وعندها فقط يجب على الناس المخفيين أن يخرجوا.

لكن هورين وهوور رغبا بالعودة إلى وديارهم ليشاركا أهلهم بالحرب والهموم التي تعصف بهم. فقال هورين للملك تورغون: يا سيد, نحن بشرٌ هالكون على خلاف إيلدار الخالدون الذين يعيشون لسنوات طويلة, فبإمكانهم انتظار معركة مع أعدائهم وفرصتهم للانتقام طويلة وبعيدة. لكن نحن عمرنا قصير وأمل قوتنا يذبل بسرعة, علاوة على ذلك فلم نكن نحن من وجد الطريق إلى غوندولين. وبالحقيقة لا نعرف أين تقع هذه المدينة, فقد جاء بنا الخوف إلى هنا ومن دهشة عيوننا بطرق السماء العالية, حُجبت عيوننا بالرحمة فلم نرَ شيئاً. عند ذلك منحهم تورغون بركته وقال: بالمناسبة بما أن ثوروندور قد أتى بكما إلى هنا فسيكون لديكما إذن بالمغادرة إذا رغب ثوروندور بذلك. مع أني حزين لفراقكما رغم قصر الفترة التي جمعتنا سويةً (بالنسبة لحسابات إيلدار) فقد نلتقي ثانيةً.

لكن مايغلين ابن أخت الملك. وكان عظيماً في غوندولين, لم يحزن على الإطلاق لذهابهما, مع ذلك فقد حسدهما على إحسان الملك لهما, لأنه بالأساس لم يكن عنده أي محبة لجنس البشر. وقال مخاطباً هورين: تعرف بأن نعمة الملك أعظم منك, والقانون يصبح أقل شدةً بمرور الوقت. وإلا فلم يكن أمامك من خيارٍ إلا البقاء هنا حتى نهاية حياتك.

فأجابه هورين: في الحقيقة نعمة الملك عظيمة, ويعجز الكلام عن شكره لكننا سنؤدي اليمين لك أيضاً, وأقسم الأخوة بأنهم لن يكشفوا مجلس تورغون وسر عيشهم وكل ما رأوه في مملكتهم. ثم أخذا الإذن بالرحيل وأتت النسور لتحملهم. أخذتهما النسور بعيداً في الليل ووضعتهما قبل الفجر عند دور لومين. ابتهج أهلهما لرؤيتهما ثانيةً, فقد أتت رسالة من بريثيل وأخبرت بأنهما فقدا. لكنهما لم يُعلما حتى أبيهما أين كانا, فقد قالوا بأنهما أُنقذا من البرية بواسطة النسور التي جلبتهم إلى منزلٍ في البرية. لكن غالدور قال: هل سكنتما سنة في البرية ؟ أو أسكنتكما النسور في أوكارها. لكنكما وجدتما نعمة وطعام وثياب جميلة وعدتم كالأمراء الشباب. وليس كمتشردين في الغابات, فأجابه هورين: كن مطمئناً لعودتنا فلقد أقسمنا على الصمت وهذا هو المسموح به تحت هذا القسم. بعدها لم يستجوبهما غالدور ثانيةً, لكن العديد من الآخرين خمنوا بالحقيقة, وبمرور الوقت والثروة الغريبة التي ظهرت على هورين وهوور, وصل خبرها إلى آذان خدم مورغوث.

علم تورغون بأن الحصار المضروب حول أنغباند من قبل الاتحاد كان قد كسر. وبأنه لن يعاني هو وشعبه من آثار الحرب لاعتباره بأن غوندولين كانت قوية. والوقت لم ينضج بعد لكشفها. لكنه اعتقد أيضاً بأن إنهاء الحصار كان بدايةً لسقوط نولدور. ما لم تأتهم مساعدة, لذلك أرسل بالسر جماعات من غوندوليندريم إلى مصبات نهر سيريون وإلى جزيرة بالار. فبنوا هناك السفن وأبحروا إلى الغرب بأقصى سرعة لإيصال رسالة تورغون إلى ڤالينور, وفيها يطلب العفو والمساعدة من الڤالار. ولأجل تلك الغاية فقد توسلوا طيور البحر لتدلهم على الطريق. لكن البحار كانت موحشة وواسعة. وأُلقي عليهم السحر والظل, فاختفت ڤالينور عنهم, لذلك لم يصل رسل تورغون إلى الغرب, وضاع كثيرون وعاد البعض, لكن نهاية غوندولين اقتربت أكثر فأكثر.

وصلت إشاعات هذه الأخبار إلى مورغوث, فقد كان قلقاً وسط انتصاراته, ورغب كثيراً بمعرفة أخبار فيلاغوند وتورغون , لأنهما اختفيا خارج حدود معرفته ولم يموتا, لذلك خاف مما قد ينجزاه ضده. وبالحقيقة فقد سمع عن نارغوثروند بالاسم فقط, لكنه لم يعرف لا مكانه ولا شيء عن قوته, أما عن غوندولين فلم يعرف شيئاً. ثم فكر بتورغون وانزعج أكثر. ولهذه الغاية كان يبعث الجواسيس باستمرار إلى بيليرياند, لكنه تذكر بأن جيش أنغباند الرئيسي هو من الأوركس. فأدرك بأنه لن يكون انتصاره كاسحاً ونهائياً ما لم يجمع قوةً جديدة. وأنه أيضا لم يحسب بشكل صحيح شجاعة نولدور ولا قوة وأسلحة البشر الذين قاتلوا إلى جانبهم, مع ذلك فقد كان نصره كبيراً في براغوللاخ والسنوات التي تلتها, وقد تسبب بضرر كبير لأعدائه. لكن خسائره لم تكن بأقل من خسائر أعداءه مع أنه كان قد ضمن دورثونيون وممرات سيريون. بدأت إيلدار بالتعافي من آلامها فأعدوا العدة لاستعادة ما خسروه. وهكذا عاد السلام مجدداً إلى بيليرياند في الجنوب, لكن لعدة سنوات فقط, لكنه وفي أثناء ذلك فإن كيران الحدادة في أنغباند كانت تعمل بكامل طاقتها.

بعد انقضاء سبع سنوات على المعركة الرابعة عاود مورغوث هجومه من جديد وأرسل قوة عظيمة إلى هيثلوم, حيث كان هجومه على ممرات الجبال الغامضة قاسياً جداً, وقُتل سيد دور لومين غالدور الطويل بسهمٍ أثناء حصار إيثيل سيريون. فقد كان غالدور حاكماً على هذه القلعة نيابة عن فينغون الملك الأعلى للجان. وفي نفس مكان مقتل أبيه قُتل هادور لوريندول لكن قبله بوقت قصير. ثم جاء ابنه هورين وكان حديث الرجولة بعد وفتى صغير لكنه كان قوي البنية سليم العقل والفكر. فقاد شعبه ضد الأوركس وذبحهم ذبحة عظيمة ودحرهم عن إيريد ويثرين ثم طاردهم بعيداً عبر رمال إنفاوغليث.

لكن الملك فينغون كان قد طلب منه وبشدة بأن يسير إليه ليمنع جيش أنغباند الذي نزل من الشمال وانضم إلى المعركة الدائرة على سهول هيثلوم. هناك تفوق الأعداء بعددهم على فينغون وجيشه. لكن سفن كيردان أبحرت بقوة فوق اللسان البحري درينغيست. وفي وقت الحاجة وقع جان الفالاس على جيش مورغوث من الغرب, فانكسر الأوركس وهربوا. وكان النصر وقتها حليف إيلدار, وبقي النبالون يطاردونهم على الخيول حتى الجبال الحديدية.

فيما بعد حكم هورين بن غالدور بيت هادور في دور لومين, وكان ولاءه لفينغون, لكن كانت منزلة هورين أقل من منزلة آبائه أو حتى ابنه بعده, لكنه كان لا يتعب وجسمه كثير التحمل, لين وسريع كأقرباء أمه هاريث من هالادين, وكانت وزوجته موروين إيلذوين بنت باراغوند. من بيت بيور, وهي التي هربت من دورثونيون مع رِيان بنت بيليغوند وإيميلدير أم بيرين.

وفي تلك الأيام أيضاً كسرت شوكة الخارجين عن القانون في دورثونيون كما قيل فيما بعد. وبالكاد استطاع بيرين بن باراهير النجاة والهرب وحيداً إلى دورياث.

 VAv الفصل التاسع عشر بيرين و لوثايين

 

          من بين حكايات الحزن والدمار التي وصلتنا من ظلام تلك الأيام, والتي مازال البعض لحد الآن يبكي فيها الفرح الذي أنار ذلك الصمود تحت ظل الموت. حكاية بيرين ولوثايين الراسخةِ في آذان الجان, فقد صيغت قصة حياتهما في (لاي أوف ليثيان)[71] ومعناه التحرر من العبودية, وهو الأطول من بين محفوظات أشعار العالم القديم, لكننا هنا نخبرها بالقليل من الكلمات وبدون قصائد وأشعار.

يقال بأن مورغوث طارد باراهير من أجل سيطرته على دورذونيون, حتى لم يبق له سوى اثنا عشر رفيقاً. ترتفع غابة دورثونيون جنوباً عبر الأراضي البور الوعرة, وفي شرق تلك المرتفعات تقع بحيرة تارن إيلوين المحاطة بالمروج البرية, وكانت كل تلك الأراضي برية وبدون معابر, حتى أنه في أيام السلم الطويل لم يسكنها أحد. لكن مياه بحيرة تارن إيلوين المقدسة كانت زرقاء صافية في النهار ومرآة للنجوم في الليل. وقيل بأن ميليان نفسها هي من حفر تلك البحيرة في الأيام القديمة. هرب باراهير وجماعته إلى دورذونيون فكانت عرينهم. ولم يستطيع مورغوث اكتشافهم, لكن إشاعات أعمال باراهير ورفاقه انتشرت للقاصي والداني. فأصدر مورغوث أمراً إلى ساورون لكي يجدهم ويسحقهم.

كان من بين رفاق باراهير شخص يدعى غورليم بن أنغريم, وزوجته تدعى إيلينيل, كان حبهما عظيماً قبل وقوع الشر. لكن عندما عاد غورليم من الحرب وجد بيته مهجوراً ومسلوباً, ولم يجد زوجته, فلم يعرف هل كانت مقتولةً أم أسيرةً, بعد ذلك التحق بصحبة باراهير, وكان الأكثر تهوراً وشراسة من بين كل الصحبة, لكن كان الشك يأكل قلبه لأنه يعتقد بأن إيلينيل لم تمت, فكان يذهب أحياناً بالسر لوحده لكي يزور بيته الواقف وسط الحقول والغابات. فضبط مرةً هناك وأصبح معروفاً بالنسبة لخدم مورغوث.

وفي أحد أيام الخريف جاء غورليم عند الغسق إلى بيته, وبينما هو يقترب وإذا به يرى ضوءاً ينبعث من النافذة, تقدم بحذر ونظر من النافذة فرأى زوجته إيلينيل وكان وجهها مرهقاً من الجوع والحزن, وبدا له وكأنها تندب مصيبتها بتركه لها. لكنه عندما صرخ بصوت عالي هبت ريحٌ أطفأت الضوء بالداخل, وعوت الذئاب بالخارج وشعر فجأةً بالأيدي الثقيلة لصيادي ساورون على كتفيه. ووقع غورليم في ورطه. أخذوه إلى معسكرهم وعذبوه, لكي يعرفوا منه مخبأ باراهير والطرق المؤدية إليه, لكن غورليم لم يخبرهم بشيء. فوعدوه بأنهم سيطلقون سراحه ليعود إلى إيلينيل إذا خضع لإرادتهم واستسلم, أخيراً بدأ يشعر بالألم, ويتوق إلى زوجته. وعندما ضعفت إرادته أخذوه مباشرةً إلى حضور ساورون المخيف. فقال له ساورون: اسمع, الآن ستعقد مقايضة معي, فما هي طلباتك.

أجابه غورليم: يجب أن تجد لي إيلينيل وأكون أنا وهي أحراراً معاً, لأنه كان يعتقد بأن إيلينيل أسيرة.

ابتسم ساورون وقال له: أنه سعر بخسٌ لخيانة عظمى. وبالتأكيد سيكون لك ما أردت.

أراد غورليم التراجع لكن الرهبة في عيون ساورون أخبرته بأنهم عرفوا كل شيء. ضحك ساورون ساخراً من غورليم وكشف له بأن ما رآه لم يكن إلا وهم عُمل بخدعة السحر للإيقاع به, لأن إيلينيل كانت ميته. ومع هذا سأحقق لك أمنيتك لكي تلتحق بإيلينيل وتكونان متحررين من خدمتي. ثم قتله بقسوة.

بهذه الطريقة تم اكتشاف مخبأ باراهير. ورمى مورغوث شباكه حوله وجاءه الأوركس, وقبل ساعات الفجر باغتوا رجال دورثونيون وذبحوهم كلهم, نجى منهم فقط واحد وهو بيرين بن باراهير لأن أبوه كان قد أرسله في مهمة خطرة للتجسس على طرق العدو, وكان بعيداً عندما احتلوا العرين. لكنه حلم عندما كان نائماً في الغابة بطيور الموت تجلس بثقلٍ كأوراقٍ على الأشجار العارية بجانب البحيرة والدم يتقاطر من مناقيرها.

أدرك بيرين بأن الشكل الذي جاء إليه عبر الماء لم يكن إلا شبح غورليم, ليتكلم معه وليلعن خيانته وموته. وطلب منه الإسراع بالعودة إلى أبيه لتحذيره. صحا بيرين من حلمه وأسرع خلال الليل عائداً إلى العرين, وفي الصباح الثاني عندما اقترب من العرين فَرّت طيور الموت من الأرض وجلست على الأشجار بجانب بحيرة تارن إيلوين. وراحت تنعق بسخرية.

دفن بيرين عظام أبيه هناك ورفع نصباً من الصخور فوقها وأقسم فوق القبر قسم الثأر. فتبع أولاً الأوركس الذين ذبحوا أباه وأقرباءه, حتى وجد معسكرهم ليلاً في ريفيلز ويل فوق مستنقع سيريخ. وبسبب براعته في التخفي في الغابات فقد اقترب من نارهم ولم يروه. وكان زعيمهم يتفاخر بأعماله. وكيف رفع يد باراهير وقطعها كعلامة لساورون بأن المهمة أنجزت. وكان خاتم فيلاغوند في تلك اليد, فوثب بيرين من خلف الصخرة وقتل قائد الأوركس. وأخذ اليد والخاتم وهرب, راح الأوركس يدافعون عن مصيرهم ويرمون عليه سهامهم الوحشية.

فيما بعد ولأكثر من أربع سنوات بقي بيرين يتجول منفرداً في دورثونيون كفردٍ خارجٍ عن القانون, لكنه أصبح صديق الطيور والوحوش, وهم ساعدوه ولم يخونوه. بعد ذلك لم يأكل أي لحم ولم يذبح أي شيء حي إلّا من كان في خدمة مورغوث, ولم يخف من الموت, بل من الأسر, وأصبح أكثر شجاعة وشراسةً. هذه الجرأة وهذا البأس هما من أنقذاه من الموت والأسر معاً, وتجاسر في وحدته على أعمالٍ أُشيعت في كافة أنحاء بيليرياند. ووصل متعقبوه حتى إلى دورياث. فقد وضع مورغوث مكافأةً كثمن لرأسه لن تقل عن ثمن رأس فينغون الملك الأعلى لنولدور, لكن الأوركس فرّوا منه بدلاً من أن يسعوا إليه. لذلك أرسل مورغوث إليه جيشاً تحت قيادة ساورون, الذي جلب معه المستذئبين. ونزلت الوحوش بتلك الأجساد المسكونة بالأرواح المخيفة.

وامتلأت كل تلك الأرض بالشر وغادرتها كل الأشياء الطاهرة, وضُغطَ على بيرين بشدة حتى هرب أخيراً من دورثونيون. فقد ترك تلك الأرض وقبر أبيه في وقت الشتاء والثلوج. وتسلق إلى الأراضي العالية لدورياث, هناك تمنى لو كان باستطاعته النزول إلى المملكة المخفية. حيث لا قدم إنسان هالك داست عليها. كانت رحلته باتجاه الجنوب فظيعة. فقد كانت سفوح إيريد غورغوث مائلة, وقبل طلوع القمر كانت الظلال تحتها تمتد إلى ما بعد برية دونغورثيب, (حيث حوصر بيرين هناك بين سحر ساورون وقوة ميليان, فمشى بين الرعب والجنون). وإلى ذلك المكان نزلت في الماضي عناكب من جنس أونغوليانت, ناسجةً شبكاتها غير المرئية لاصطياد كل شيء حي. وتجولت الوحوش المولودة في الظلام الطويل (من قبل خلق الشمس). تطارد بصمت وبعيونٍ كثيرةٍ. ولم يوجد في تلك الأرض المسكونة بالأشباح أي طعامٍ للجان أو البشر, ولم يكن سوى الموت. مع كل هذا فلم تحسب تلك الرحلة من بين الأعمال العظيمة لبيرين, ولم يتكلم عنها لأحد خشية أن يعود الرعب إلى ذهنه, ولا يعلم أحد كيف وجد الطريق, أو كيف اهتدى إلى ذلك الطريق الذي لم يتجاسر أحداً قبله إن كان من الإنس أو الجان على عبوره إلى حدود دورياث, فقد مرّ من خلال المتاهات التي نسجتها ميليان حول مملكة ثينغول, كما قالت في نبوءتها, لذلك أُلقي عليه قدرٌ عظيم.

وقيل في (لاي أوف ليثيان) بأن بيرين جاء صدفةً إلى دورياث, وكان على هيئة كبار السن محني الضهر, أشيب الشعر, كمن مرت عليه سنين من الهم والحزن, فقد كان عذاب طريقه عظيم جداً. لكن خلال تجوله في الصيف في غابة نيلدوريث وقعت عيناه على لوثايين بنت ثينغول وميليان في وقت المساء تحت إشراقة ضوء القمر. حيث كانت ترقص على العشب المتبقي في الفسحة بجانب إيسغالدوين. فذهبت عنه كل آلامه, ووقع في سحر لوثايين. لأنها كانت أجمل أبناء إلوڤاتار. كان رداءها أزرقُ كالسماء الصافية, وعيونها رمادية كالسماء المضاءة بالنجوم, وعباءتها محاكة بالزهور الذهبية, لكن شعرها كان قاتماً كظلال الغسق. كضوءٍ على أوراق الأشجار, كصوتِ المياه الصافية, كنجومٍ فوق عتمة العالم, مثل مجدها كان سحرها, والضوء يشرق من وجهها.

اختفت تلك الفتاة من أمام ناظريه فأصابه الخرس, كمن أصابته نوبة وتاه بالغابة لفترة طويلة, وراح يبحث عنها بريٌّ متيقظ كالوحش. وسماها في قلبه تينوفيل, أي العندليب, أو ابنة الغسق في لغة الجان الرماديين لأنه لم يعرف اسمها الحقيقي, ولأنه كان قد رآها من بعيد كأوراق الخريف وسط الريح, وفي الشتاء كالنجم على التل. لكنها كانت كالقيد على يديه.

عند الفجر عشية الربيع رقصت لوثايين على التل الأخضر وراحت تغني. كان غناؤها قوياً, يدخل القلب كأغنية القبرة التي تعلو أبواب الليل, ساكبةً صوتها بين النجوم الخافته, والشمس البادية خلف جدران العالم. فأطلقت أغنية لوثايين من خلف جدران العالم وحررت روابط الشتاء, وتكلمت المياه المتجمدة فأنبتت زهور الأرض الباردة من حيث داست أقدامها.

ذهبت نوبة الصمت التي أصابت بيرين فصرخ بصوت عالٍ تينوفيل, ورددت الغابة الاسم فتوقفت من الدهشة ولم تهرب, فأتى إليها بيرين. وعندما نظرت إليه سقط عليها القدر وأحبته, لكنها انزلقت من بين ذراعيه واختفت من أمام بصره, فتبددت فرحة ذلك اليوم. ووقع بيرين على الأرض مغشياً عليه, كشخص قتل للتو من النعمة والحزن, سقط بنومه إذا جاز التعبير إلى هاوية الظل. ثم استيقظ بارداً كالحجارة بقلبٍ قاحلٍ مهجور, وعقلٍ تائهٍ يتلمس طريقهُ كمن أصابه العمى المفاجئ وراح يجاهد بيديه لإدراك الضوء المختفي. هكذا بدأ مصيره المؤلم الذي ألقي عليه, وارتبطت معه لوثايين بهذا المصير. فقد كانت خالدةً واشتركت معه في الفناء, وكانت حرّةً فاستلمت منه القيود. وكان ألمها أعظم من أي ألم عُرف في إيلدار.

وبعد أن غادره الأمل عادت إليه حيث كان يجلس في الظلام, ووضعت يدها في يده, وفيما بعد كانت تأتي إليه, ويدخلا سراً في أغلب الأحيان إلى الغابة من الربيع إلى الصيف. ولم يكن أحد آخر من أبناء إلوڤاتار عنده بهجة عظيمة مثلهما, مع ذلك فقد كان وقتهما قصير.

لكن المنشد دايرون كان يحب لوثايين أيضاً وكان يراقب لقاءاتها مع بيرين, فوشى بها عند ثينغول. غضب الملك لأنه كان يحب لوثايين أكثر من أي شيء آخر. فمكانها بين أمراء الجان وليس بين البشر الفانيين, لأنهم لا يصلحوا حتى لخدمتها. لذلك تكلم بالحزن والدهشة مع لوثايين لكنها لم تكشف له شيء. مع أنه أقسم لها بأنه لن يذبح بيرين ولن يدخله السجن, لكنه أرسل خدمه ليحضروه إلى مينيغروث كمجرم. لكن لوثايين أحبطت محاولاتهم وجعلتهم يقتادوه إلى عرش ثينغول كضيف مبجل بالاحترام.

نظر ثينغول إلى بيرين باحتقار وغضب وبقيت ميليان صامته, فقال له الملك: لقد أتيت إلى هنا كلص. من غير أن يطلب منك أحد ذلك وتتجرأ أيضاً على الاقتراب من عرشي؟

لكن بيرين المملوء بالفزع من فخامة مينيغروث وهيبة ثينغول العظيمة, لم يجب. لذلك تكلمت لوثايين قائلةً. أنه بيرين بن باراهير سيد البشر والخصم الهائل لمورغوث. والتي أصبحت حكايات أعماله أغنية حتى بين الجان.

 فقال لها ثينغول: دعي بيرين يتكلم عن سبب وجوده هنا, هذا الهالك التعس, وما الذي دعاه لترك أرض آباءه وأجداده والدخول إلى هذه الأراضي المحرمة على أمثاله. لعلنا نجد سبباً يمنعنا من معاقبة وقاحته وحمقه !

لكن عندما نظر بيرين للأعلى رأى عيون لوثايين ووجه ميليان, فبدا وكأن الكلام قد وضع على فمه وغادرهُ الخوف, فعاد إليه فخر البيت الأكبر للبشر, وقال: قدري أيها الملك, هو من قادني إلى هنا, من خلال أخطارٍ قلما يتجاسر بعض الجان على عبورها, وبالحقيقة لم أجد ما أبحث عنه, لكن وجدت ما أحتفظ به للأبد, فهو فوق كل الذهب والفضة والجواهر, فلا الصخور ولا الفولاذ ولا نيران مورغوث ولا كل قوى ممالك الجان. ستبعدني عن كنزي الذي وجدته, وهذا الكنز هو ابنتك لوثايين أجمل أبناء العالم.

بعد ذلك وقع صمتٌ على القاعة, فقد كانت لوثايين مذهولةً وخائفة, لظنها بأن بيرين سيقتل, لكن ثينغول تكلم بهدوء قائلاً: لقد حكمت على نفسك بالموت بهذه الكلمات. ويجب أن تموت حالاً. لكنني لن أكون متسرعاً بالحكم كي لا أندم على قتلك أيها الولد البشري الخسيس, الذي تعلم الزحف في مملكة مورغوث والسير كجواسيسه وعبيده.

فأجابه بيرين: أقبل أنك تسطيع أن تهبني الموت أو لا, ولكن ما لا أقبله منك هو أنني ولد بشري خسيس, فلستُ جاسوساً ولا عبداً. وهذا خاتم فيلاغوند الذي أعطاه إلى أبي باراهير في ساحة معركة الشمال, وأهلي لم يكسبوا مثل هذا الصيت من أي جني, سواءً كان ملكاً أم لا.

كانت كلمات بيرين فخورة جداً فنظرت كل العيون إلى الخاتم لأنه رفعه عالياً. ولمعت جواهره الخضراء التي أبدعها نولدور في ڤالينور. فقد كان هذا الخاتم مرصعٌ بتوأمٍ من الثعابين, عيونها من الزمرد, ويجتمع رأسيهما تحت تاج من الزهور الذهبية, واحد يدعم التاج والآخر يلتهم. وتلك كانت شارة فينارفين وبيته. عندها انحنت ميليان إلى جانب ثينغول, وهمست له بنصيحة بسيطة قائلةً: خفف من غضبك فلن يكون مقتل بيرين بواسطتك. بل بعيداً وحراً سيُقادُ إلى مصيرهِ في النهاية, على الرغم من أنك جرحت مشاعره. فاحترز.

لكن ثينغول كان ينظر بصمتٍ إلى لوثايين ويقول في نفسه. بشر تُعساء, أبناءُ أسيادٍ صغار, ومُلكٌ مختصر, هل مثل هذه الأيدي امتدت عليكِ وتبقى على قيد الحياة للآن. ثم كسر حاجز الصمت وقال: أرى الخاتم, يا بن باراهير, وأدرك بأنك فخور, وتعتبر نفسك من الأقوياء. لكن أفعال أبيك وإن كانت بتقديمِ خدماتٍ جليلةٍ لنا, فلن تشفع لك للفوز بابنة ثينغول وميليان. انظر الآن, أنا أيضاً أرغب بكنزٍ مخفي. لأن الصخر والفولاذ ونيران  مورغوث تحفظ تلك الجوهرة, وأريد امتلاكها مقابل كل قوى ممالك الجان. وبعد أن سمعتك تقول بأن هذه القيود لا ترعبك. لذلك اذهب في طريقك واجلب لي بيدك السيلماريل من تاج مورغوث. وإن فعلتها فستكون يد لوثايين بيدك, وستكون جوهرتي عندك. وبما أن مصير أردا يقع ضمن السيلماريلس, فسوف تكون مكرّماً عندي.

هكذا هو القدر المعمول لدورياث كان مشمولاً بلعنةِ ماندوز, أما أولئك الذين سمعوا هذا الكلام أدركوا بأن ثينغول سينفذ قَسَمهُ. فقد أرسل بيرين إلى حتفه. لأنهم يعرفون بأن كل قوة نولدور, قبل كسر الحصار, لم تُفد  فيانور حتى برؤية إشراق ضوء السيلماريلس من بعيد. وهم الآن في التاج مورغوث الحديدي, وتعتبر كثروة عزيزة ومقدمة على كل شيء في أنغباند. محمية من البالروغز, وسيوف كثيرةٌ لا حصر لها. ورماحٌ قويةٌ, وجدرانٌ منيعةٌ, وعظمة ظلمة مورغوث.

ضحك بيرين من هذا السعر البخس وقال: هكذا يفعل ملوك الجان, يبيعون بناتهن بالمجوهرات وبأشياء مصاغة. لكن إنْ كانت تلك هي رغبتك يا ثينغول فأنا سأؤديها لك. وعندما نلتقي ثانية ستكون يدي حاملة السيلماريل من التاج الحديدي, فلن تحتاج للبحث في النهاية على مَنْ هو بيرين بن باراهير. لكنه نظر إلى عيون ميليان التي لم تتكلم. ثم ودع لوثايين تينوفيل وانحنى أمام  ثينغول وميليان, فتفرق الحراس من حوله وغادر مينيغروث لوحده.

أخيراً تكلمت ميليان قائلةً: سيدي الملك ثينغول لقد خدعت بالنصيحة, لكن إذا لم تفقد عيوني رؤيتها, فسيكون وبالاً عليك, سواء نجح بيرين في مهمته أم فشل. فالقدر سيلاحقك أنت أو ابنتك. وسينسحب مصير دورياث إلى عالم أكثر جبروتاً, لكن ثينغول أجاب: لن أبيع للجان أو البشر. من أحب وأُعز فهم فوق كل الكنوز. وإذا كان هناك أملٌ أو خوف من عودة بيرين على قيد الحياة إلى مينغروث, فلن يرى ضوء السماء ثانية, على الرغم من أنني حلفت له.

بقيت لوثايين صامته ومن تلك الساعة لم تعد للغناء ثانيةً في دورياث. فخيّم الصمت الكئيب على الغابة, واستطالت الظلال في مملكة ثينغول.

قيل في (لاي أوف ليثيان) بأن مرور بيرين عبر دورياث كان بدون عوائق, وقد جاء بالتفصيل إلى بحيرات الغسق ومستنقعات سيريون تاركاً أرض ثينغول متسلقاً التلال التي فوق شلالات سيريون حيث يغور النهر تحت الأرض بضجةٍ عظيمة. ومن هناك نظر غرباً, فرأى من خلال الضباب والأمطار الملقى على تلك التلال, تالاث ديرنين, السهل المراقب, الممتد بين سيريون وناروغ, ولمح من بعيد مرتفعات تاور إن فاروث, المرتفعةِ فوق نارغوثروند, وبدا فقيراً بدون أملٍ أو نصيحة, فأدار قدمية إلى هناك.

أبقى جان نارغوثروند مراقبة مستمرة على طول ذلك السهل, وكل تل على الحدود توجوه بأبراج المراقبة المخفية, كان مجال النبالون فيه يغطي كامل الحقل والغابة, بحرفيةٍ وسريّةٍ نادرة. فقد كانت سهامهم مميتة ولم يستطع أحد من التسلل إلى هناك من دون علمهم. وقبل أن يسير بيرين على طريقه كانوا على علمٍ به, وكان موته قريباً, لكن لأنه كان يعرف مدى الخطر هناك فقد أبقى على خاتم فيلاغوند مرفوعا في يده. على الرغم من عدم وجود أي شيء حي هناك بسبب تسلل الصيادين. فكان عندما يشعر بأنه مراقب, كان يصرخ وفي أغلب الأحيان يصرخ بصوت عالي, أنا بيرين بن باراهير صديق فيلاغوند. خذوني إلى الملك. لذلك لم يذبحه الصيادون, لكنهم تجمعوا وكمنوا له, وأمروه بالتوقف. وعندما رأوا الخاتم انحنوا أمامه, مع أنه كان في محنته الشريرة ودربه المهلكة, فاقتادوه شمالاً وغرباً وكان يمر ليلاً خشية انكشاف طرقهم, وفي ذلك الوقت لم يكن هناك أي معبر أو جسر على سيل ناروغ قبل بوابة نارغوثروند, لكن إلى الشمال حيث ينضم غينغليث إلى ناروغ. فالفيضان كان أقل, عبروا من هناك وانعطفوا ثانية نحو الجنوب. قاد الجان بيرين تحت ضوء القمر إلى البوابة المظلمة من قاعاتهم المخفية.

هكذا جاء بيرين إلى أمام الملك فينرود فيلاغوند, فعرفة فيلاغوند ولم يكن بحاجة للخاتم لكي يتعرف على أقرباء بيور وباراهير. ثم جلسوا خلف الأبواب المغلقة, وأخبره بيرين عن موت باراهير, وكل ما حدث له في دورياث. لكنه بكى عندما تذكر بهجته مع لوثايين. أمّا فيلاغوند فقد سمع الحكاية بدهشةٍ وقلق. لأنه علم بأن الشخص الذي سيقع عليه القَسَمْ المقدر بالموت هو بيرين, كما تنبأت بذلك غالادريل قبل مدة طويلة, ثم تكلم مع بيرين بقلب حزين وقال: من السهولة أن يرغب ثينغول بموتك, لكن يبدو أن هذا الموت يتجاوز هدفه. وهذا هو قسم فيانور يعود ثانيةً, لأن السيلماريلس ملعونٌ بقسم الكراهية, حتى إن اسمهم يحرك رغبة عظيمة بالكسل. وأبناء فيانور على استعدادٍ لتدمير كل ممالك الجان مقابل امتلاك السيلماريل, لأن القسم يقودهم. وفوق ذلك كله فإن كيليغورم وكوروفين يسكنان هنا في قاعاتي, مع أنني أنا الملك ابن فينارفين. فقد كسبا هنا قوة كبيرة في المملكة, ويسيطرون على الكثير من شعبهم, ولا يظهران لي المودة إلا عندما يحتاجونني, وكل ما أخشاه بأنهم لن يظهروا لك أي محبة أو رحمة, إذا علموا بمسعاك. حتى أنا لا زلت أحفظ قسمي معهم وبهذا الشكل فكلانا أنا وأنت متورطان.

بعد ذلك تكلم الملك فيلاغوند أمام الشعب مذكّراً بأعمال باراهير والنذر الذي وضعه على نفسه بأن يساعد باراهير أو أي شخص من بيته عند الحاجة, وهذا هو الآن ابن باراهير يلتمس المساعدة, فظهر كيليغورم من بين الجماهير ساحباً سيفه وهو يصرخ. سواءٌ أكان صديقاً أو عدوا, من شياطين مورغوث أو من الجان أو أبناء البشر, أو أي شيءٍ حيٍ في أردا. فلا قانون ولا محبة ولا أحلاف الجحيم أو جبروت الڤالار, ولا أي قوة سحرية في العالم. ستدافع عنه ضد ملاحقة عداوة أبناء فيانور له. إن أخذ أو وجد السيلماريل واحتفظ به, فمن حقنا وحدَنا نحن أبناء فيانور المطالبة بالسيلماريلس حتى نهاية العالم.

كانت كلمات كيليغورم فعّالة جداً, كما كانت من قبل كلمات أبيه في تيريون والتي ألهبت التمرد الأول في نولدور. بعد كيليغورم تكلم كوروفين لكن بهدوءٍ أكثر وبقوةٍ أقل, مناشداً عقول الجان لاستحضار مناظر الحرب وخراب نارغوثروند. وبكلامه هذا فقد وضع على قلوبهم خوفاً عظيم. بعد ذلك لم يدخل الجان في معركة مفتوحة حتى زمن تورين. لكنهم طاردوا الغرباء عن طريق الكمائن والتنقلات السرية بالسحر والنبال المسمومة, ونسوا أواصر القربى. وهكذا سقطت بسالة وحرية الجان القديمة وأظلمت أراضيهم.

سارت الإشاعة بين الشعب بأن ابن فينارفين ليس ڤالا حتى يأمرنا. فأداروا وجوههم عنه. لكن لعنة ماندوز وقعت على الأخوة فأظهرت في قلوبهم أفكاراً مظلمة. وأخذوا يفكرون بإرسال فيلاغوند لوحده إلى الموت, من أجل اغتصاب عرش نارغوثروند, فهما من أقدم سلالات أمراء نولدور.

أدرك فيلاغوند بأنه أصبح منبوذاً, فنزع تاج نارغوثروند الفضي عن رأسه ووضعه بين قدميه قائلاً: ربما انكسر قسمكم الذي كنت أؤمن به. لكني يجب أن أبرَّ بقسمي الخاص. وإذا بقي أحد لم يسقط بعد تحت ظل اللعنة, فعليَّ إيجاد بضعةٍ على الأقل لتتبعني, ويجب أن لا نذهب إلى هنالك كمتسولين نطرد من الأبواب, فوقف بجانبه عشرة, ومن بينهم كان شخص يدعى إيدراهيل وهو القائد بينهم. انحنى إيدراهيل أمام الملك ورفع التاج وطلب بأن يسلم لشخص كوكيل على العرش حتى عودة فيلاغوند. وقال موجهاً كلامه للملك: أنت تبقى مليكي. ثم توجه إلى الآخرين بالكلام وقال: مهما حدث.

قام فيلاغوند بإعطاء تاج نارغوثروند إلى أخيه أورودريث لكي يحكم مكانه, ولم يقل كيليغورم وكوروفين أي شيء, لكنهما ابتسما وخرجا من القاعات.

في مساءٍ خريفي, غادر فيلاغوند وبيرين مع أصحابهم العشرة. وبدأت رحلتهم من جانب نهر ناروغ إلى منابعه عند شلالات إيڤرين, وأثناء مرورهم ليلاً تحت الجبال الغامضة وقعوا على معسكرٍ للأوركس فذبحوهم كلهم, وغنموا أسلحتهم وعتادهم. فبفضل فنون فيلاغوند استطاعوا تغيير وجوههم فأصبحت تشبه وجوه الأوركس. ساروا على طريقهم الشمالي هكذا متنكرين. مغامرين بالسير غرباً بين إيريد ويثرين وهضبة تاور نو فوين, لكن ساورون رآهم من برجه, وشكَّ بأمرهم لأنهم كانوا يسرعون في سيرهم. فلم ينتظر ليبلغوه عنهم, لكنه أصدر الأوامر إلى كل خدم مورغوث بالتوجه إلى ذلك المكان, لقطع الطريق عليهم واقتيادهم إليه.

هكذا وقع الصراع المشهور بين فيلاغوند وساورون. فقد كافح فيلاغوند مع ساورون بأغاني القوة معلناً أن القوة التي عند الملك عظيمة جداً, لكن ساورون كانت لديه الإجادة والسيطرة, كما أُخبرنا في (لاي أوف ليثيان).

رتَّل أغنية سحرية بصوت مدوي, كان افتتاح , الخيانة
لكشف وتعرّية الغدر. تمايل فيلاغوند مباشرةً وغنى أغنية الصمود ضد الهيمنة, وإفشاء السر صلباً كالبرج ,بثقةٍ مطلقةٍ بالحرية والخلاص. فقد كان تغيير وتحويل الشكل هو المخلص لهم من الكمائن, وكسر الشراك. فُتح باب السجن, كَبلت الأغلال أيديهم وأصبحت أغنيتهم حائرة, وخارت قواهم. تضخم الهتاف. قاتل فيلاغوند لكأنه استحضر كل السحر الجني لكلماته. فأنصتوا بسكينة الحزن لأصوات الطيور تغني بعيداً في نارغوثروند وشاهدوا خلف البحر, رمالاً في الغرب أراضي الجان رمالٌ من اللؤلؤ جمعتهم الكآبة, وازدياد العتمة في ڤالينور بجانب البحر تدفق الدم الأحمر
لقد ذُبح كثيرون على أيدي نولدور أخذوا أسلابهم وركبوا زبد الموج بسفنٍ بيضاء ذوات أشرعةٍ بيض ناحت الريح في مرافئ لامبلايت عوت الذئاب وهربت الغربان دمدم الثلج في فم البحر والأسرى حزانا يندبون في أنغباند قرقع الرعد, واشتعلت النيران وسقط فينرود أمام العرش.

جردهم ساورون من تنكرهم فوقفوا أمامه عراة خائفين. وعلى الرغم من أنه استطاع اكتشاف أنواعهم. لكنه لم يستطع معرفة أسمائهم وأهدافهم, لذلك كان يرميهم في حفرةٍ عميقةٍ مظلمةٍ وصامته, مهدداً إياهم بميتةٍ قاسية إذا لم يخبروه من هم. وكانوا يلمحوا في تلك الحفرة من حينٍ لآخر أعيناً تلمع في الظلام. ثم بعد حين يلتهم الذئب أحد الرفاق, بقوا على هذا الحال حتى جاء الدور على الجميع, ومع ذلك لم يخن أحدٌ منهم سيده.

وفي الوقت الذي جاء فيه دور بيرين لكي يلقى في الحفرة. وقع رعبٌ ثقيل على قلب لوثايين, وذهبت إلى ميليان تطلب النصيحة, فأخبرتها بأن بيرين أسيراً في زنزانات تول ان غاورهوث, ولا أمل لديه بالنجاة. لكن لوثايين أدركت بأن لا أحد في الأرض يستطيع مساعدته. لذلك صممت على السفر بسرعة من دورياث والذهاب إليه بنفسها. لكنها طلبت المعونة من دايرون. لكنه غدر بها, فقد كان يريد حرمان لوثايين من ضوء السماء لخشيته عليها من الفشل والتلاشي. لذلك راح يعيقها وكان هو السبب في البيت الذي سيبنى لها كي لا تهرب. في مكانٍ ليس بعيد عن بوابة مينيغروث تنتصب الشجرة الأعظم في غابة نيلدوريث. كانت تقع تلك الغابة من أشجار الزان في النصف الشمالي للملكة, وكان هذا الزان الهائل يدعى هيريلورن وكانت لدية ثلاثة جذوع متساوية في الاستدارة, وذو قشرة طويلة مصقولة ومتلاصقة. لم تنمو من هذه الجذوع فروع لمستوى عالي فوق الأرض, وبمكانٍ مرتفع جداً بين أغصان هيريلورن بُني هناك بيتٌ خشبي, وأسكنوا لوثايين فيه, ووضعوا لها الحراسة على السلالم من خدم ثينغول, وأمنوا لها كل ما تحتاج إليه.

وقيل في (لاي أوف ليثيان) كيف تمكنت لوثايين من الهرب من البيت في هيريلورن لأنها تعلمت فنون السحر, بسبب زيادة طول شعرها بشكل كبير, قامت بنسج عباءةٍ قاتمةٍ من شعرها ولفّت بها جمالها وأخفته, وكان شعرها محمّلٌ بتعويذةٍ من النعاس. ثم قامت بصنع حبلٍ من جدائلها. وأنزلته من النافذة, وعندما تدلى من فوق الحراس, أصابهم بالنعاس وغطوا في نومٍ عميق, عندها خرجت لوثايين من سجنها مغطاةً بعباءتها الغامضة وهربت. مختفيةً خارج دورياث.

تصادف خروج كيليغورم وكوروفين للصيد على السهل المحمي. وسبب ذلك هو أن ساورون شك بأمر الجان فأرسل إلى أراضيهم الكثير من الذئاب. لذلك أخذوا معهم كلاب صيدهم وركبوا لطرد الذئاب. معتقدين أنه قبل عودتهم سيسمعون أخباراً تتعلق بالملك فيلاغوند. وكان كلب الصيد الذي يتبع كيليغورم, اسمه هوان وهو سيد كلاب الصيد, لم يولد هذا الكلب في الأرض الوسطى, لكنه أتى مع كيليغورم من الأرض المباركة, فقد أعطاه إياه أورومي في ڤالينور منذ زمنٍ بعيد. كان هوان يتبع بوق سيده هناك في ڤالينور قبل مجيء الشر. وبعد النفي بقي يتبع كيليغورم في المنفى وكان مخلصاً له. هكذا وقع عليه قدر الموت المحتم على نولدور, وحتماً سيلاقي حتفه لكن ليس قبل أن يلتقي ويتقاتل مع أقدر ذئب يمشي في هذا العالم.

وجد هوان لوثايين تطير مثل ظلال النهار تحت الأشجار بينما كان كيليغورم وكوروفين يستلقيان للاستراحة عند الطرف الغربي لدورياث. فلا شيء يمكن أن يهرب من أمام بصر أو حاسة شم هوان, فهو لا يقع تحت السحر. ولا ينام لا بالليل ولا بالنهار. وعندما وجدها جلبها إلى كيليغورم. عرفته لوثايين بأنه أمير نولدور, وخصمٌ لمورغوث. فكان مسروراً بها. أعلنت لوثايين عن نفسها, بإلقائها للعباءة جانباً, مظهرةً جمالها المذهل تحت الشمس, فأُعجب بها كيليغورم, ووعدها بأنه سوف يساعدها إذا عادت معه الآن إلى نارغوثروند. لكنها لم تكشف له أي إشارة عن بيرين أو مسعاه أو أي شيء تعرفه عنه, ولا بأنها هي المشكلة الأساسية التي تمس بيرين.

هكذا قطعوا الصيد وعادوا إلى نارغوثروند, وخانوا لوثايين لأنهم أبطأوا من سرعتها وأخذوا عباءتها. ولم يسمحوا لها بعبور البوابة ولا بالكلام مع أحد إلا مع الأخوين كيليغورم وكورفين. لأنهم اعتقدوا بأن بيرين وفيلاغوند محتجزان ولم يعد هناك أمل في المساعدة. لذلك صمما على ترك الملك يموت. والاحتفاظ بلوثايين ثم إجبار ثينغول على إعطاءها للأمراء الأقدر في نولدور. فهما لم يعقدا العزم للحصول على السيلماريلس بالحيلة أو بالحرب. ولم يعاني الناس بسببهم, حتى أصبحت كل قوة ممالك الجان تحت أيديهم. ولم يكن أورودريث يمتلك القدرة على مقاومتهم, فقد أمالوا قلوب ناس نارغوثروند. وأرسل كيليغورم الرسل إلى ثينغول يحثون حميته.

لكن كلب الصيد هوان كان صادق القلب, أحب لوثايين منذ أن التقى بها لأول مرة وحزن لأسرها. لذا كان يأتي في أغلب الأوقات إلى غرفتها, ويتمدد أمام بابها بالليل, لشعوره بأن الشر قد أتى إلى نارغوثروند. وغالباً ما كانت لوثايين تتكلم مع هوان في وحدتها. وتخبره عن بيرين الذي كان صديقاً لكل الوحوش والطيور التي لا تخدم مورغوث. أعلن هوان لها بأنه يفهم كل الأصوات والكلام الذي قالته له لوثايين لكن غير مسموح له بالكلام سوى ثلاث مرات قبل أن يموت.

لذلك ابتكر خطة لمساعدة لوثايين, وفي الليل جلب لها العباءة, وتكلم للمرة الأولى معها مقدماً لها النصيحة, ثم قادها من المخارج السرية لنارغوثروند وهربا سويةً باتجاه الشمال, أحنى ظهره وتحمل ركوبها على ظهره كجواد. كما يركب الأوركس أحياناً على الذئاب العظيمة. وبهذا فقد كانت سرعتهم كبيرة, لأن هوان سريعاً جداً ولا يعاني أبداً من التعب.

ألقى ساورون بكل من فيلاغوند وبيرين في الحفرة. فقد مات كل رفاقهم لحد الآن, لكن ساورون كان مصمماً على إبقاء فيلاغوند على قيد الحياة لإدراكه بأنه حكيم ومن عظماء نولدور, واعتبر بأن سر المهمة معه. لكن عندما جاء الذئب ليأكل بيرين, فما كان من فيلاغوند إلا أن وثب عليه وبكل قوته, قاطعاً قيوده, فتصارع مع الذئب وقتله بيديه وأسنانه. لكنه بالمقابل تعرض لجراحٍ مميته, مما دعاه ليتكلم مع بيرين قائلاً: الآن سأذهب إلى راحتي الأبدية الطويلة في القاعات الخالدة وراء البحار وجبال أمان. وستمر مدة طويلة قبل أن أشاهد ثانيةً بين نولدور. وقد لا نجتمع ثانية لافي أوقات الموت ولا الحياة وسيكون مصير أقربائنا كل على حده, الوداع! أخيراً مات فيلاغوند في الظلام في تول ان غاورهوث. والذي هو نفسه من بنى برجها العظيم. وهكذا فقد برَّ الملك فينرود فيلاغوند بقسمه, وكان الأجمل والأحب من بين كل أفراد بيت فينوي. لكن بيرين جلس بجانبه يندبه بيأس.

في تلك الساعة وصلت لوثايين, ووقفت على الجسر المؤدي إلى جزيرة ساورون وغنت أغنيةً لا يمكن لأي جدران أن تمنع عبور صوتها. سمعها بيرين واعتقد أنه يحلم, فأشرقت النجوم فوقه وراحت عنادل الأشجار تغني. فجاوبها بأغنية التحدي تلك التي تمتدح النجوم السبعة, منجل الڤالار الذي علقته ڤاردا فوق الشمال كعلامةٍ تشير إلى سقوط مورغوث وانكساره. ثم خارت قواه وسقط في الظلمة.

سمعت لوثايين جوابه فغنّتْ أغنية بقوة أكبر, جعلت الذئاب تعوي, والجزيرة تهتز. وقف ساورون في البرج العالي تلفه أفكاره السوداء. لكنه ابتسم عند سماع صوتها, لأنه عرف بأنها لوثايين بنت ميليان, المشهورة بجمالها وغنائها منذ مدة طويلة في دورياث. واعتقد أن باستطاعته أسرها وتقديمها كهدية لسلطة مورغوث, وعندها ستكون جائزته عظيمة. لذلك أرسل أحد الذئاب إلى الجسر. فقتله هوان بصمت. ومازال ساورون يرسل ذئابه الواحد تلو الآخر, وكان هوان يمسكهم من العنق ويقتلهم. حتى أرسل أخيراً دراوغلوين[72] وحش مخيف. قديم في الشر, سيد وزعيم ذئاب أنغباند الضارية. كانت قوته عظيمة. دارت معركة شرسة بين هوان ودراوغلوين, رغم ذلك وبعد مدة طويلة هرب دراوغلوين عائداً إلى البرج وسقط قتيلاً أمام أقدام ساورون. لكنه قبل أن يموت أخبر سيده بأن هوان هناك. يعرف ساورون جيداً كما يعلم كل من في تلك الأرض. المصير المقدر لكلب ڤالينور, وخطر في باله لما لا أكون أنا قاتله, لأجل ذلك تنكر ساورون بشكل ذئب وجعل نفسه أقدر ذئبٍ مشى على الأرض لحد الآن. وصعد إلى الجسر ليربح.

عظيم جداً كان منظره عند هجومه على هوان الذي تحاشاه وتنحى جانباً, فقفز ساورون على لوثايين. التي تلاشت تدريجياً أمام عنف تهديد الروح التي في عينيه, ومن البخار الكريه الخارج من أنفاسه, لكنها التفت بعباءتها قبل أن يقع عليها فاختفت من أمام عينيه. فتعثر وسقط, وبسقوطه أمام عباءتها أصابه النعاس. عندها قفز عليه هوان ودارت معركةٌ بين هوان وذئب ساورون. كان العواء والنباح يتردد صداه عبر التلال. فسمع الحراس على أسوار إيريد ويثرين عبر الوادي الصوت من بعيد جداً, وأصابهم الفزع.

لكن بما أنه, لا سحر ولا تعويذة. ولا سُم ولا ناب, ولا فنون الشيطان ولا قوة الوحوش قادرة على هزيمة هوان دون نبذ جسده تماماً. فقد سقط ذئب ساورون بأنياب هوان, وقبل أن تغادر روح ساورون الكريهة بيتها المظلم. جاءته لوثايين وقالت: سأرجعك إلى مورغوث شبحاً يرتجف, لتبقى هناك روحاً عارية تتحمل عذاب احتقاره ونظرات عيونه إلى الأبد, ما لم تمكنني من السيطرة على برجك.

خضع ساورون لإرادتها. واستلمت لوثايين السيطرة على الجزيرة وكل ما فيها, وبعد ذلك قام هوان بإطلاق سراحه. فاتخذ فوراً شكل مصاص دماء, وعبر أمام ضوء القمر كغيمة مظلمة كبيرة. هارباً تقطر دماء حنجرته على الأشجار. حتى وصل إلى تار نو فوين, وسكن مرعوباً هناك.

وقفت لوثايين على الجسر معلنةً سلطتها. وفككت بالتعويذة روابط الحجارة من الحجارة فأُنزلت الأبواب, وانفتحت الأسوار فتكشّفت الأقبية وخرج الكثير من الأسرى والعبيد, متعجبين خائفين. يغطون أعينهم من شحوب ضوء القمر, بسبب إقامتهم الطويلة في ظلمات ساورون. لكن بيرين لم يأتِ, لذلك ذهب هوان ولوثايين للبحث عنه في الجزيرة. أخيراً وجدته لوثايين مستلقياً بحزنه العميق يندب فيلاغوند. لكنه لم يسمع وقع أقدامها. فظنته ميتاً, لذلك وضعت ذراعيها عليه وسقطت إلى ظلام النسيان, لكن بيرين عاد إلى الضوء, بعد أن انقشع اليأس. ونظرا ثانيةً إلى بعضهما أحدهما إلى الآخر عندما كان النهار يشرق عليهما بنورة من خلف التلال المظلمة.

دفن جثمان فيلاغوند على قمة تل في جزيرته, بعد أن عادت الجزيرة نظيفةً ثانيةً. وبقي قبره الأخضر منيعاً حتى تغيرت الأرض وتكسّرت منهارةً تحت حطام البحار. لكن فينرود ابن فينارفين أنقى وأجمل أمراء الجان, مشى مع فينارفين أباه تحت الأشجار في إيلدامار.

أصبح بيرين ولوثايين تينوفيل أحرار ثانيةً وتمشيا سويةً في الغابة وجددا لفترة من الوقت بهجتهما, مع أن الشتاء أتى عليهم ولم يؤذيهم, حيث الزهور كانت توجد حيثما ذهبت لوثايين. وغنت الطيور على التلال المغطاة بالثلوج. لكن هوان المخلص عاد إلى سيده كيليغورم. وما كان حبهما بأقل من قبل.

وقعت اضطرابات في نارغوثروند, بسبب عودة الكثير من الجان الذين كانوا سجناء في جزيرة ساورون, ونهض الصخب بين الناس لأنهم لم يسمعوا أية كلمة من كيليغورم, تندب موت فيلاغوند ملكهم. وقالوا بأن العذراء تجاسرت على فعل مالم يتجاسر على فعله أبناء فيانور. فأدرك الكثيرون بأن الخيانة كانت وراء مواقف كيليغورم وكورفين وليس الخوف. تلك كانت بداية ابتعاد الناس عن قبول سيادتهم على نارغوثروند, ويجب أن تعود السيادة ثانيةً إلى بيت فينارفين. أطاع الشعب أورودريث لكنهم لن يتحملوا ذنب مذبحة الأقارب معهم, كما رغب البعض, لأن إراقة دم القريب لقريبه سوف تعيد لعنة ماندوز عليهم كلهم, رغم ذلك فلا يمنح كيليغورم وكوروفين لا الخبز ولا الإستراحة ضمن مملكتهم وأقسموا على أنه يجب أن يكون هناك القليل من الود بين نارغوثروند وأبناء فيانور فيما بعد.

قال كيليغورم: فليكن! ولمع الضوء الأخضر في عينيه لكن أخيه كوروفين كان يبتسم. أخذوا معهم عشرة من خيولهم وغادروا غاضبين كعاصفة النار, باحثين عن أقرباء لهم في الشرق. لم يذهب معهم أحد, حتى من الناس الذين كانوا من شعبهم, فقد أدرك الكل بأن اللعنة أثقل ما تكون على الأخوة. تبعهم فقط شر تلك اللعنة. وفي ذلك الوقت كيليبريمبور بن كوروفين أنكر أفعال أبيه وبقي في نارغوثروند. ثم تبعهما هوان فمازال يعتبر كحصان لسيده كيليغورم.

ركبوا شمالاً لنيتهم الإسراع في عبور ديمبار على طول الحدود الشمالية لدورياث, قاصدين بذلك الطريق السريع إلى هيمرينغ, حيث يسكن أخوهما مايذروس متمنين الوصول بسرعة. لكونه على مقربة من حدود دورياث, وقد تجاوزوا نان دونغورثيب والتهديد البعيد لجبال الإرهاب.

يحكى بأن بيرين ولوثايين وصلا بتجوالهما إلى غابات بريثيل واقتربا بنهاية المطاف من حدود دورياث. فأخذ بيرين يفكر بيمينه الذي أقسمه لثينغول, وصمم على تنفيذه ولوكان ضد رغبات قلبه, فأخبر لوثايين قائلاً لها بأنه سيعيدها ثانية بالسلامة إلى أرضها أمّا هو فسيعود لتحقيق قسمه. لكنها لم تكن راغبة بالانفصال عنه مرةً أخرى, فقالت له: عليك أن تختار بين أمرين إما أن تتخلى عن قسمك ويمينك وتعيش في الأرض متشرداً. أو أن تتمسك بكلمتك وتتحدى قوى الظلام على عرشها. وفي كلا الطريقين ستجدني معك وموتنا سيكون معاً.

وبينما هما في الغابة يمشيان ويتكلمان مع بعضهما بهذه الأشياء بدون انتباه. وإذا بكيليغورم وكورفين يمرّا مستعجلين عبر الغابة. لمحمهما الأخوين من بعيد وعرفاهما. فأدار كيليغورم لجام حصانه وأوقفه على قائمته الخلفيتين قاصداً دفع بيرين بقائمتي الحصان الأماميتان لإلقائه على الأرض. ثم مال كوروفين وانحنى عن حصانه وأمسك بلوثايين, ووضعها على حصانه. فقد كان خيالاً بارعاً وقوياً. نهض بيرين عن الأرض من أمام كيليغورم وانطلق بكامل سرعته باتجاه حصان كوروفين المسرع الذي تجاوزه, وقفز بيرين قفزته التي اشتهر بها بين الإنس والجان. فأمسك بكورفين من الخلف بحنجرته وقذفه خلفه, وسقطا سويةً على الأرض, فارتفع الحصان وسقط على الأرض, رامياً لوثايين عن ظهرة فوقعت ممددةً على العشب.

ضغط بيرين بقسوة على عنق كوروفين يريد خنقه, وكان الموت قريباً منه لولا أن كيليغورم أبعده عنه بالرمح. وفي تلك اللحظة ترك هوان الخدمة وكيليغورم معاً. ووثب على كيليغورم لكي لا يقترب من بيرين, وبسبب الرهبة العظيمة لكلب الصيد, قفز الحصان ورمى كيليغورم عن ظهره. فلعن كيليغورم كلاً من كلب الصيد والحصان, لكن هوان لم يتأثر. ثم نهضت لوثايين ونهت بيرين عن قتل كوروفين. لكن بيرين سلبه ترسه وأسلحته وعندما أخذ منه سكينه بقي الغمد على جانب كوروفين. وانشطر إلى نصفين كما لو كان من الخشب الأخضر. ثم قام بيرين برفع كوروفين ودفعه عنه, وطلب منه العودة إلى أهله النبلاء فوراً. كي يعلموه الاستخدام الأجدر للشجاعة, ثم قال له: حصانك أبقيه لخدمة لوثايين. وهو قد يكون سعيداً لأنه تحرر من سيد مثلك.

قام كوروفين بلعن بيرين تحت الغيم والسماء. وقال له: ارحل من هنا إلى الموت السريع المر, ثم حمله كيليغورم بجانبه على الحصان, وتأهب الأخوين للمسير بعيداً. استدار بيرين من دون أن يحسب حساباً لكلامهم. لكن كوروفين المملوء بالخزي والحقد أخذ قوس كيليغورم وأطلق سهماً, كان السهم مصوبٌ نحو لوثايين. فقفز هوان والتقط السهم بفمه, لكن كوروفين أطلق سهماً ثانياً فقفز بيرين إلى إمام لوثايين ليحميها فأصابه السهم بصدره.

قيل بأن هوان طارد أبناء فيانور, فهربا مسرعين من الخوف. وعاد من الغابة إلى لوثايين ومعه عشبة لتوقف نزف جرح بيرين. وبفضل فنونها ومحبتها له فقد شفي جرحه. هكذا عادوا أخيراً إلى دورياث, وهناك كان بيرين يتمزق بين قسمه وحبه. ولأنه يعلم بأن لوثايين أصبحت بأمان الآن, بكر قبل إشراقة شمس أول صباح وتعهدها بحماية هوان, وغادر لمعاناته الكبيرة بينما ماتزال هي نائمةٌ على العشب.

سار شمالاً بأقصى سرعة إلى معبر سيريون بمحاذاة تاور نو فوين ونظر عبر صحاري إنفاوغليث فرأى من بعيد قمم ثانغورودريم. وبذلك المكان أطلق حصان كوروفين وطلب منه المغادرة ليعيش حراً ويترك حياة الفزع والعبودية على المروج الخضراء لأراضي سيريون, وبقي على عتبة الخطر النهائي لوحده, فغنى أغنية الفراق, وفيها مديح للوثايين وأضواء السماء لأنه اعتقد بأن عليه الآن أن يقول وداعاً للحب والضوء. وهذا جزء من كلمات تلك الأغنية:

الوداع أيتها الأرض الحلوة والسماء الشمالية
زرقاء إلى الآبد لأنها مستلقيةٌ هنا.
فهنا ركضت بأقدامها الطرية
تحت القمر, تحت الشمس
لوثايين تينوفيل
فهي أجمل ما يمكن أن تصفه لغة البشر
فلو أن الدمار نزل على العالم
وأذابه ورماه بعيداً
ودمره بالهاوية
مع ذلك فقد أحسن صنع
الغسق, الفجر, الأرض, البحر,
ولوثايين تلك التي يجب أن تبقى.

كان يغنى بصوت عالٍ, فلم يكن مهتماً للآذن التي ستسمعه لأنه كان يائساً, ولم يبحث عن مهرب.

لكن لوثايين سمعت أغنيته وأجابته بأغنية. كما أن مجيئها عبر الغابة كان غير متوقع. لأن هوان رضي أن يكون جوادها مرة أخرى. وقد حملها بسرعة شديده بإثر بيرين, ولمدة طويلة كان يفكر في نفسه, عن ماهية الرأي الذي يمكن تدبيره لشخصين واقعين في الحب, لكي ينجوا من الخطر. لذلك سار بجانب جزيرة ساورون, وها هما يتجهان للشمال ثانيةً. هناك التقى الذئب الفظيع دراوغلوين, والخفاش مصاص الدماء ثورينغويثيل[73], رسول ساورون الذي كان يطير إلى أنغباند عادةً على شكل مصاص دماء. يرتدي ملابس مخيفة ذات مخالب وأجنحة كبيرة مزودةٍ بأشواك, وكان يوجد في نهاية كل مفصل مخلب حديدي. أما هوان ولوثايين فقد مرا عبر تاور اون فوين وهربت كل الأشياء من أمامهما.

رأى بيرين اقترابهم فأصابه الفزع وتساءل عند سماعه لصوت تينوفيل. لاعتقاده بأن ما يراه ما هو إلا شبح ليوقعه بالفخ. لكنهما عندما وقفا وخلعا تنكرهما, ركضت لوثايين نحوه, هكذا اجتمع بيرين ولوثايين ثانيةً بين الصحراء والغابة, وبقي صامتاً لفترة وكان مسروراً, لكنه بعد فترة ناضل كثيراً لكي يثني لوثايين عن مرافقته في الرحلة.

وقال: للمرة الثالثة ألعن قسمي لثينغول فيا ليته ذبحني في مينيغروث بدلاً من أن أجلبك إلى هنا, إلى تحت ظل مورغوث.

وللمرة الثانية تكلم هوان ونصح بيرين قائلاً: لم يعد بإمكانك حماية لوثايين من ظل الموت, فبفضل حبها أصبحت معرضّةً له. يمكنك أن تتملص من مصيرك وتتوجه بها إلى المنفى. تلتمس السلام دون جدوى بينما حياتك بأواخرها. لكنك إذا واجهت موتك. فستكون لوثايين مهجورة وبالتأكيد ستموت وحيدة. أو أنها ستتحدى معك مصيراً ميؤوساً منه. مع ذلك فهو غير مؤكد. ولا يمكنني أن أنصحك أكثر من ذلك, ولا أود أن تذهب أبعد من ذلك في طريقك. لكن قلبي ينذرني ما الذي ستجده عند البوابة, أما خلفها فعيوني لا تستطيع الرؤية, فلا أرى إلا الظلام. مع ذلك لدينا ثلاثة طرق تؤدي إلى دورياث. وقد نلتقي قبل النهاية.

أدرك بيرين بأن لوثايين لا يمكنها أن تنفصل عن القدر الملقى عليهما معاً. ولم يعد هناك من مسعى لثنيها عن عزمها. فالنصيحة من هوان والسحر من لوثايين. لذلك ألبسته جلد الذئب دراوغلوين, ولبست هي أجنحة وأصبحت تشبه ثورينغويثيل. أصبح بيرين يشبه الذئب في كل شيء إلا في عيونه, فقد أشرقت منهما روح متجهمة لكنها نظيفة. وارتعب عندما رأى بجانبه مخلوق يشبه خفاش متعلق بأجنحته المجعدة. ثم دوى عواء تحت ضوء القمر وقفز إلى أسفل التل. وتحرك الخفاش مصفقاً بجناحيه فوقه.

عبروا المخاطر حتى وصلوا يعلوهم الإرهاق وغبار الطريق الطويل إلى الوادي الكئيب الممتد أمام بوابة أنغباند. وفجواتٍ سوداء مفتوحةً بجانب الطريق, فيها تتصارع أشكالٌ شيطانية. ومن الجهة الثانية تقف السفوح كالجدران المحصنة. وتجلس فوقهم طيور الجيفة تصرخ بصوت خفيف. وأمامهم كانت البوابة الحصينة. كقوسٍ عريضٍ وكبيرٍ سوداء قاتمة تقبع أسفل الجبل, ورُفع فوقها ألف قدمٍ من الجروف والمنحدرات.

دخل الاستياء إليهم. لأن حارس البوابة كان الذئب كارخاروث. فمنذ أن سُمع في أسفل ممرات الغابة. نباح هوان, كلب الحرب العظيم. وهو الكلب الذي أطلقه الڤالار منذ عهد بعيد. وتذكر مورغوث قدر هوان وكيف سيواجهة, لذلك قام مورغوث باختيار جرو صغير من جنس دراوغلوين. وأطعمه بيديه ورباه على اللحم الحي ووضع قوته عليه. كبر هذا الجرو سريعاً كذئب, وتضخم حتى أصبح غير قادر على الاختباء في الوكر, بل كان يتمدد جائعاً أمام أقدام مورغوث. هناك دخل إليه ألم الجحيم والنار. فأصبح روحاً مفترسةً قوية, فظيعة ومعذبة. وأسماه كارخاروث, أي الحوصلة الحمراء. وفي حكايات تلك الأيام, كان يسمى أنفاوغلير, الفكوك العطشة. وضع مورغوث هذا الذئب أمام أبوب أنغباند بهيئة نائم خشية قدوم هوان.

لمحهم كارخاروث من بعيد, وشكّ بهم لأن أخباراً وصلت لأنغباند منذ فترة طويلة تخبر بموت دراوغلوين. لذلك عندما اقتربوا من البوابة منعهم من الدخول, واعترض طريقهم واقفاً ومهدداً. وشمَّ رائحةً غريبةً في الهواء حولهم. لكن فجأة نزل شيء من القوة المقدسة وتملكت لوثايين. فقامت بنزع رداء التنكر. ووقفت صغيرة أمام جبروت كارخاروث لكنها كانت متألقةً وفظيعة, فرفعت يدها وأمرته بالنوم قائلةً: أيتها الروح المولودة بالكآبة اسقطي الآن إلى غياهب النسيان المظلم. وانسي لبعض الوقت عذاب الحياة الرهيب. فسقط كارخاروث. كما لو أن صاعقة ضربته.

مرَّ بيرين ولوثايين عبر البوابة ونزلا درجات المتاهة. جنباً إلى جنب مع بعضهما قاما بعملٍ عظيم, وهو العمل الذي لم يتجرأ على القيام به من قبل أي من الإنس والجان على حد سواء. نزلا إلى مجلس مورغوث في أخفض قاعاته المؤيدة بالرعب, والمضاءة بالنار والمملوءة بأسلحة الموت والعذاب, إلى هناك تحت عرشه, انسل بيرين على هيئة الذئب. لكن لوثايين كانت متجردةً من تنكرها, لإلهاء مورغوث. فأمال بصره نحوها, ولم ترعبها عيونه. وعرّفت عن نفسها باسمها الحقيقي عارضةً خدمتها بأن تغني أمامه على طريقة المغنين. نظر مورغوث إلى جمالها, وحملته أفكاره إلى رغبة شريرة بتصميم بأكثر تصاميم قلبه الظلامية منذ خروجه من ڤالينور. وهكذا تم خدع مورغوث بحقده. لأنه راح يراقبها, وتركها حرةً للحظة. فدخل على فكره بهجة سرية. وفجأة تملصت من بصره, وخرجت من الظلال وبدأت بأغنيةٍ فائقةِ الحسنْ, فيها قوة تعمي الأبصار.وأصبح يستمع إليها مرغماً, فوقع العمى على عيونه, وراحت عيناه تدور يميناً ويساراً تريد رؤيتها.

أصبح كل قصره يغط بالنوم, وبهتت كل النيران وانطفأت. فتوهجت جواهر السيلماريلس في تاج مورغوث تتألق بالإشعاع الأبيض. وهذا الحمل الثقيل للتاج وجواهره أحنت رأس مورغوث, كما لو أن أثقال العالم محمولةً بالحرص والخوف والرغبة وُضِعَت فوقه. لم تستطع إرادة مورغوث دعمه كي لا ينحني. عندها التقطت لوثايين عباءتها التي كانت على الأرض ورفعتها في الهواء, وجاء صوتها متهدجاً ينزل كالمطر المتـساقط على وجه البحيرات. وألقت بعباءتها عميقةً ومظلمة أمام عيني مورغوث, فسقط في حلمٍ معتم كظلام الفراغ عندما كان يمشي هناك لوحده.

فجأة سقط مورغوث كانهيار تلٍ جليدي, ووقع عن عرشه متمدداً على أرض الجحيم فتدحرج التاج عن رأسه. وبقيت كل الأشياء كما هي.

أما بيرين الذي كان مستلقياً على الأرض كوحشٍ ميت. فأمسكته لوثايين من يده, وهزّتها لتوقظه. نهض ورمى برداء الذئب جانباً. وسحب السكين أنغريست[74] وفصل السيلماريل عن المخالب الحديدية.

أمسك السيلماريلس بيده. فتدفق الشعاع في اللحم الحي, وأصبحت يده كالمصباح المشرق. ولم تؤذيه الجوهرة عندما لمسها. جاء إلى فكره بأن قسمه سيتحقق, ولم يبقى عليه إلا اخراج مجوهرات فيانور الثلاثة من أنغباند. لكن قدر السيلماريلس لم يكن كذلك. فقد انكسرت السكين أنغريست, وتطايرت قطعة من نصلها وأصابت خد مورغوث, فتأوه واضطرب واستيقظ كل سكان أنغباند ونهضوا من نومهم وغفلتهم.

وقع الرعب على بيرين ولوثايين وهربا طائشين بدون تنكر, راغبين برؤية الضوء مرة أخرى, ولم يطاردهم ولم يقاومهم أحد, لكنهم منعوا من الخروج من البوابة لأن كارخاروث استفاق من النوم ووقف على عتبة بوابة أنغباند غاضباً. فمن قبل أن يدركا وجوده كان قد رآهما وقفز عليهما وهما يركضان.

لكن لوثايين كانت مرهقةً ومتعبة فليس لديها قدرة على مقاومة الذئب. أما بيرين كان يمشي أمامها وبيده اليمنى كان يحمل السيلماريل, توقف كارخاروث وخاف للحظةٍ. فصرخ عليه بيرين تراجع واهرب لأنه مشتعل وسيبددك أنت وكل الأشياء الشريرة, ودفع بالسيلماريل أمام عيون الذئب.

لكن كارخاروث نظر إلى تلك الجوهرة المقدسة ولم يخف. وفجأة استيقظت روحه المفترسة كالنار وفغر فاه وأخذ بفكيه اليد والجوهرة وقطعها من الرسغ. فامتلأ جوفه بسرعة باللهب والألم, وحرق السيلماريل لحمه الملعون. فانسحب من أمامهم يعوي, رددت جدران الوادي خلف الباب أصداء صوت عذابه. فقد أصبح فظيعاً جداً بجنونه, حتى أن جميع مخلوقات مورغوث المقيمة في الوادي, أو التي كانت متواجدة على الطرق المؤدية إلى هناك, هربت منه إلى الشمال لأنه كان يقتل كل الكائنات الحية التي تقف في طريقه. وانفجرت من الشمال بالخراب على كل العالم. وكانت تلك أكبر من كل الرعب الذي اجتاح بيليرياند قبل سقوط أنغباند, بسبب جنون كارخاروث المخيف جداً التي سببته له قوة السيلماريل المخفية في جوفه.

أما بيرين فقد سقط مغمياً عليه داخل الأبواب الخطرة وكان الموت قريباً منه بسبب أنياب الذئب المسمومة. قامت لوثايين بسحب السم بشفتيها, ووضعت كل قوتها لسد الجرح القبيح. لكن خلفها في أعماق أنغباند مشت الأخبار عن إثارة الغضب العظيم واستيقظت جماعات مورغوث.

هكذا كان السعي وراء السيلماريل قد أدى في النهاية إلى الخراب واليأس. لكن في تلك اللحظات ظهرت ثلاثة طيور هائلة فوق جدران الوادي, ترفرف بأجنحتها شمالاً أسرع من الريح. فقد انتشرت الأخبار بين الطيور والوحوش. حول مسعى وحاجة بيرين. وهوان نفسه هو من طلب مراقبة كل شيء, لأنهم قد يطلبونهم للمساعدة. ارتفع ثوروندور وأتباعه فوق مملكة مورغوث. وكانوا يشاهدون جنون الذئب وسقوط بيرين. فنزلوا بسرعة للأسفل. قبل أن تستيقظ قوى أنغباند وتنهض من النوم السحري.

قام ثوروندور ورفاقه برفع بيرين ولوثايين عن الأرض وحملوهما عالياً إلى الغيوم. وتحتهم فجأة هدر الرعد وتصاعد البرق واهتزت الجبال وانطلق الدخان متصاعداً من ثانغورودريم. انطلقت سهام مشتعلة قذفت بعيداً وسقطت تدمر الأرض تحتها, فارتعد شعب نولدور المقيم في هيثلوم. لكن دروب ثوروندور كانت بعيدة فوق الأرض, قاصداً الطرق العالية في السماء, حيث الشمس تلمع طوال النهار والقمر يمشي وسط النجوم الصافية. هكذا عبروا بسرعة من فوق دور نو فاوغليث وفوق تاور نو فوين , ووصلوا فوق الوادي المخفي توملادين. حيث لا غيمة ولا عتمة تمتد هناك. نظرت لوثايين فرأت من بعيد بداية ضوء أبيض من جوهرة خضراء. أنه بريق غوندولين الجميلة حيث يسكن تورغون. لكنها بكت لأنها اعتقدت بأن بيرين سيموت بالتأكيد. فهو لم يتكلم ولم يفتح عيونه, ولم تعرف شيئاً عن طيرانه, أخيراً أنزلتهم النسور عند حدود دورياث, في نفس المكان من الوادي الذي انسل منه بيرين بيأسه تاركاً لوثايين نائمة.

هناك وضعتهما وعادت إلى أوكارها في قمم كريسايغريم العالية, وصل هوان إليها وأصبحا يعتنيان سويةً ببيرين, كما صنعا عندما شفت جرحه الذي سببه له كوروفين, لكن هذا الجرح سام ومميت. نام بيرين لفترة طويلة, وتجولت روحه على حدود الموت المظلمة, مع العلم بأن كل الآلام كانت تطارده من حلم إلى حلم. ثم فجأة وبعد أن غادرها الأمل تقريباً استيقظ بيرين ثانيةً ونظر للأعلى وشاهد الأوراق مقابل السماء. وسمع من تحت الأوراق لوثايين تينوفيل تغني بنعومة ورقّه. وكان ذلك في وقت الربيع ثانيةً.

فيما بعد دُعي بيرين باسم إيرخاميون ومعناه صاحب اليد الواحدة, وحفرت المعاناة في وجهه. لكنه أخيراً انسحب إلى الحياة بحب لوثايين وظهرا سوية يمشيا في الغابة مرة أخرى فلم يستعجلا الخروج من ذلك المكان لأنه كان يبدو جميلاً إليهما, وبالحقيقة فإن لوثايين كانت راغبة بالتشرد في البرية دون عودة, فهي تريد نسيان البيت والناس ومجد ممالك الجان. بقي بيرين راضياً لفترة من الوقت, لكنه لا يستطيع أن ينسى قسمة لمدة طويلة لكي يتمكن من العودة إلى مينيغروث, وهل سيحجب لوثايين عن أبيها ثينغول للأبد. لأنه عقد عليها وفقاً لقانون البشر, وهو ما يعتبر خطيراً بالنسبة لهما لأنه احتقار لإرادة الأب. وبدا إليه أنه من غير المستحسن أن تكون واحدة مثل لوثايين وهي فرد من عائلة مالكة, تعيش دائماً حياة التشرد في الغابة, كالمطرودين الوقحين بين أبناء البشر. بدون بيت أو شرف أو الأشياء الجميلة التي تتمتع بها ملكات إيلدالي. لذلك فقد أقنعها بعد فترة بأن تترك تشردها في الأرض بدون بيت, وعبر إلى دورياث. متوجهاً إلى بيت لوثايين, حيث شاء قدرهما.

وقعت أيام شريرة على دورياث. عم الصمت والحزن على كل الناس عندما ضاعت لوثايين, وبحثوا عنها لمدة طويلة لكن دون جدوى, ويقال أنه في ذلك الوقت دايرون منشد ثينغول ابتعد عن الأرض, ولم يره أحد بعد ذلك. كان قد عمل موسيقى لترقص عليها لوثايين قبل مجيء بيرين إلى دورياث, فقد أحب لوثايين ووضع كل أفكارها في موسيقاه, وأصبح هو المنشد الأعظم للجان في شرق البحر, حتى أنه قُدم على ماغلور بن فيانور, لكن حبه للوثايين جعله يائساً متشرداً على أرصفة الشواطيء الغربية. فعبر من فوق الجبال وأتى إلى الأرض الوسطى. مرت عصورٌ كثيرة ومازال بجانب المياه المظلمة يندب لوثايين, أجمل كائنٍ حيٍ على الإطلاق.

في ذلك الوقت اتجه ثينغول إلى ميليان التي حجبت نصيحتها عنه. وقالت: ذلك القدر الذي دبرته يجب أن يمشي إلى نهايته المحددة, والآن يجب انتظار مرور الوقت. لكن علم ثينغول بأن لوثايين سافرت بعيداً عن دورياث, وقد جاءته الرسائل من كيليغورم. يقول فيها, بأن فيلاغوند قد مات, وبيرين مات أيضاً, لكن لوثايين في نارغوثروند ويريد كيليغورم الزواج منها. غضب ثينغول وبعث الجواسيس مفكراً بشن الحرب على نارغوثروند, لكنه علم بأن لوثايين هربت ثانيةً. وطُرد كيليغورم وكوروفين من نارغوثروند. وتحيّر رأيه, لأنه لم تكن لديه القوة الكافية لمهاجمة أبناء فيانور السبعة. لذلك أرسل الرسل إلى هيمرينغ يطلب مساعدتهم في البحث عن لوثايين. لكون كيليغورم لم يرسلها إلى بيت أبيها, ولم يستطع الحفاظ عليها بأمان.

أمّا في الشمال من مملكته فقد اجتمع رسله على خطرٍ مفاجئ لم يكن بالحسبان. عبر هجوم مباغت من كارخاروث ذئب أنغباند. ففي جنونه بدأ بالدمار من الشمال, ومر على طول تاور نو فوين ونزل على الجانب الشرقي من منابع إيسغالدوين مثل النار المدمرة. ولم يستطع أي شيء منعه فلم يكن جبروت ميليان قادراً على إبقاءه خارج حدود الأرض. فقد قاده مصيره وحملته قوة السيلماريل إلى عذابه هذا. هكذا اقتحم غابة دورياث المحرمة, وهرب الجميع من الخوف مبتعدين. نجا من بين الرسل فقط مابلونغ  قائد الحرس الملكي. فقد هرب وأتى إلى ثينغول جالباً له الأخبار المرعبة.

عاد من الغرب في تلك الساعة المظلمة بيرين ولوثايين مستعجلين, وخبر قدومهم سار أمامهما مثل صوت الموسيقى المحمول بالريح إلى البيوت المظلمة حيث يجلس البشر حزانى. ثم وصلوا أخيراً إلى بوابة مينيغروث, وتبعهم خلق كثير, أخذ بيرين لوثايين إلى أمام عرش أبيها ثينغول, نظر الملك بتعجب إلى بيرين, فقد كان يعتقد أنه ميت, لكنه لم يحبه, بسبب المشاكل التي جلبها على دورياث, لكن بيرين انحنى أمامه وقال: أعود طبقاً لكلمتي, وآتي مطالباً بمكسبي.

فأجابه ثينغول ما هو مسعاك وما هو قسمك؟

أجابه بيرين: لقد أنجزته وحتى الآن السيلماريل في يدي.

عندها قال ثينغول: أرني إياه !

 فرفع بيرين يده اليسرى وفتح أصابعه ببطء, لكنها كانت فارغة. ثم رفع ذراعه الأيمن, ومنذ تلك الساعة سمي كاملوست أي فارغ اليدين.

راق مزاج ثينغول ولان فأجلس بيرين عن يساره على العرش ولوثايين عن يمينه, وأخبراه بكل القصة في مسعاهما, بينما كان كل المستمعين مذهولين, فقد بدا بيرين إلى ثينغول بأنه يختلف عن كل البشر الفانيين, وكل عظماء أردا. ومحبته للوثايين غريبة وجديده. فهي القدر الذي لا يمكن لأي قوة في العالم أن تقاومه. لذلك استسلم أخيراً لإرادتيهما. واستلم بيرين يد لوثايين من أمام عرش أبيها.

وقع الظل على بهجة دورياث بعودة لوثايين الجميلة, لعلمهم بقصة جنون كارخاروث فقد ازداد خوف الناس, لإدراكهم بأن قوته كانت مشحونةً بقوة مخيفة بسبب الجوهرة المقدسة, ومن الصعب القضاء عليه. سمع بيرين عن هجوم الذئب, وفهم بأن مسعاه لم ينجز بعد.

ومنذ اليوم الذي اقترب فيه كارخاروث أكثر من مينيغروث, وهم مستعدون لصيد الذئب. من بين كل مخاطر صيد الوحوش كان هو الأكثر والأشد خطورةً. وإلى ذلك الصيد ذهب كلٌ من هوان كلب صيد ڤالينور. ومابلونغ اليد الثقيلة. وبيليغ القوس القوية. وبيرين إيرخاميون. وثينغول ملك دورياث. فلقد ركبوا في الصباح الباكر وعبروا من فوق نهر إيسغالدوين. لكن لوثايين بقيت خلف أبواب مينيغروث. ونزل عليها ظلٌ أسود فبدا إليها لكأنما الشمس مرضت واسودت.

استدار الصيادون شرقاً وشمالاً وبعد عبورهم مجرى النهر وصلوا أخيراً إلى الذئب كارخاروث, حيث كان في الوادي المظلم. أسفل الجانب الشمالي في المكان الذي يسقط فيه إيسغالدوين إلى سيل ينتهي بالانهيارات الحادة, وفي أسفل الانهيارات كان كارخاروث يشرب ليخفف من العطش الذي أنهكه, وراح يعوي. كانوا مدركين له أمّا هو فكان يراقب نظراتهم ولم يندفع لمهاجمتهم بسرعة. قد يكون ذلك من حيّل شيطان قلبه الذي صحا. أو من حلاوة مياه إيسغالدوين التي خففت ألمه, لكن عندما هاجموه تنحى جانباً إلى أجمةٍ عميقةٍ واختفى فيها. أخذوا حذرهم من ذلك المكان وانتظروه طويلاً, فلم يخرج وطالت الظلال في الغابة.

وقف بيرين بجانب ثينغول, وأدركوا فجأة بأن هوان لم يكن بجانبهم. فجأةً علا نباحٌ عظيمْ ارتفع من الأجمة, فقد نفذ صبر هوان في انتظار الذئب, لذلك دخل لوحده لإخراجه من هناك. لكن كارخاروث تحاشاه, وقفز على ثينغول بسرعة ككتلة من الأشواك, وبسرعة شديدة قفز بيرين من أمامه وأبعده عن ثينغول برمحٍ كان في يده, لكن كارخاروث دفعه وأوقعه أرضاً وعضه بصدره. عندها قفز هوان من الأجمة على الذئب من الخلف وسقطا سوية يتقاتلا بشكل عنيف. بمعركة لا تشبهها أي معركة أخرى بين ذئب وكلب صيد. فقد سُمع في نباح هوان صوت أبواق أورومي وغضب الڤالار, وفي عواء كارخاروث كان حقد مورغوث أقسى من الأسنان الفولاذية. فتمزقت الصخور من الصخب وسقطت مختنقةً في إيسغالدوين. هناك تقاتلا حتى الموت, لكن ثينغول لم يعط لذلك أي انتباه لأنه كان راكعاً أمام بيرين. الذي تأذى كثيراً من عضّة الذئب.

قضى هوان على كارخاروث في تلك الساعة. وهناك في نسيج غابة دورياث كانت قصة موته الطويل المعروفة قد أُنجزت فقد أصيب بجروحٍ قاتلة ودخل إليه سم مورغوث, عندها سقط بجانب بيرين ونطق للمرة الثالثة بالكلام. مودعاً بيرين قبل أن يموت, وبيرين لم يتكلم, لكنه وضع يده على رأس كلب الصيد حتى افترقا.

أسرع مابلونغ وبيليغ  لمساعدة الملك لكن عندما رأوا ما حدث وضعوا رماحهم جانباً وبكوا. ثم أخذ مابلونغ السكين ومزق بطن الذئب. وضمن بطنه كان كل شيء كمن أكلته النار, إلا يد بيرين التي حملت الجوهرة  فقد بقيت على حالها. لكن عندما أراد مابلونغ لمسها فقد كانت يد لا أكثر, والسيلماريل ملقاةً هناك مكشوفة والضوء المنبعث منها ملأ ظلال الغابة من حولهم, أخذها مابلونغ بسرعة وبخوف ووضعها في يد بيرين الحيه, تحرك بيرين عندما لمس السيلماريل. ورفعه عالياً, وعرضه على ثينغول ليسلمه إياه وقال له: الآن أنجزت مسعاي تماماً, وموتي المقدر حصل ولم يتكلم بعدها.

حملوا بيرين كاملوست بن باراهير على نعشٍ من فروع الأشجار, وجثة هوان كلب الصيد بجانبه. حلّ الليل قبل أن يصلوا إلى مينيغروث, قابلتهم لوثايين يسيرون ببطء وبعض الضوء بجانب التابوت عند هيريلورن الزان العظيم. هناك وضعت ذراعيها حول بيرين وقبلته وطلبت منه أن ينتظرها وراء البحر الغربي. فنظر في عينيها قبل أن تغادره الروح, وخفت ضوء النجوم وسقطت العتمة على لوثايين تينوفيل, وهكذا انتهى السعي إلى السيلماريل. لكن (لاي أوف ليثيان) التحرر من العبودية لم ينتهي بعد.

لأن روح بيرين غير راغبة بترك هذا العالم فقد تأخرت في العرض أمام قاعات ماندوز حتى جاءت إليها لوثايين لتقول لها في وداعها الأخير, على الشواطئ القاتمة للبحر المحيط. من حيث أن البشر كلهم يموتون بغير رجعة. حتى هربت روح لوثايين وفي النهاية نزلت إلى الظلام, أما جسدها فقد تمدد مثل الزهرة التي قُطفت للتو وأُلقيت لفترة على العشب غير ذابله.

أتى شتاء العمر على ثينغول كما يأتي الشيب على البشر الفانيين, لكن لوثايين جاءت إلى قاعات ماندوز إلى الأماكن المخصصة لإيلدالي, على حدود العالم خلف قصور الغرب. هنالك يجلس المنتظرون في ظلال فكرهم, وهناك كان جمالها أكثر من جمالهم وحزنها أعمق من حزنهم. فانسحبت وسجدت أمام ماندوز وغنت له.

كانت الأغنية التي غنتها لوثايين أمام ماندوز, هي الأغنية الأجمل على الاطلاق من بين كل الأغاني المنسوجة بالكلمات, والأكثر حزناً, والتي لن يسمع العالم مثلها من قبل, وبقيت خالدةً, بدون تغيير, ومازالت تغنى خلف أسماع العالم في ڤالينور. سمعها الڤالار فحزنوا, لأن لوثايين نسجت كلماتها من موضوعين معاً. حزن إيلدار وحزن البشر. من فترة قربهم من إلوڤاتار إلى فترة سكنهم في أردا. مملكة الأرض وسط النجوم الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى. وبسجودها أمام ماندوز فقد سقطت دموعها على أقدامه كما تسقط الأمطار على الحجارة فتحركت شفقته, والتي لم يعرفها من قبل منذ أن وجد.

لذلك استدعى بيرين, وكما تكلمت معه لوثايين في ساعة موته فقد اجتمعوا ثانيةً وراء البحر الغربي, لكن ماندوز لم تكن لديه قوة حجب أرواح البشر الذين ماتوا ضمن حدود العالم, بعد أن يأتي وقتهم. ولا يمكنه أن يغير مصير أبناء إلوڤاتار, لذلك ذهب إلى مانوي سيد الڤالار الذي يحكم العالم تحت يد إلوڤاتار وأراد استشارة فكره العميق. في كشف إرادة إلوڤاتار في هذه المسألة.

وضع ماندوز أمام لوثايين خيارين بسبب عملها وحزنها, الأول: إما أن تخرج من عند ماندوز وتذهب إلى ڤاليمار, لتسكن هناك بين الڤالار حتى نهاية العالم. حتى تنسى كل حزن كانت قد عرفته في حياتها. وإلى هناك لا يمكن لبيرين أن يأتي, فلم يكن مسموحاً للڤالار بأن يمنعوا الموت عنه. فالموت هدية إلوڤاتار إلى البشر. أمّا الخيار الثاني فهو بأنها قد تعود إلى الأرض الوسطى وتأخذ معها بيرين لتسكن هناك ثانيةً, لكن بدون يقين الحياة وبهجتها, وبالتالي تصبح هي هالكة أيضاً. وتعود إلى الأرض خاضعةً للموت الثاني, مثله هو, قبل أن تغادر العالم إلى الأبد, ويصبح جمالها مجرد ذكرى في أغنية.

اختارت لوثايين التخلي عن العالم المبارك, وأن تضع جانباً كل ادعاءات القرابة مع أولئك الذين يسكنون هناك. مهما كان الحزن الذي سيلقى عليها. وهكذا ارتبط مصيرها بمصير بيرين. ليسيرا سوية خلف حدود العالم. فهي الوحيدة من إيلدالي التي ماتت بالفعل, وتركت العالم منذ عهد بعيد, لكن باختيارها, وبهذا العمل فقد ضمت قبيلتين إلى بعضهما. فهي متقدمة بالمنزلة على كثيرين من إيلدالي من الذين مازالوا يُرَون لحد الآن. وقد تغير كل فكر العالم تَشبُهاً بلوثايين المحبوبة التي فقدوها.

                  feF الفصل العشرين المعركة الخامسة: نيرنايث أرنوي دياد  

          يقال بأن بيرين ولوثايين عادا إلى السكن في الأراضي الشمالية من الأرض الوسطى, وعاشا معاً حياةً بشرية كرجل وامرأة, فاتخذا ثانيةً الأشكال التي كانا عليها في دورياث. تلك الأشكال التي رأوا فيها الحزن والفرح والخوف معاً. ذهبت لوثايين إلى مينيغروث وبلمسة من يدها أزاحت الهم والهرم عن قلب أبيها ثينغول. لكن ميليان نظرت في عيونها وقرأت الموت المكتوب هناك, لكنها استدارت عنها لعلمها بأن الفراق سيحل بينهما للأبد حتى بعد نهاية العالم. لم يكن أي حزن أثقل من حزن المايا ميليان. بعدها خرج بيرين ولوثايين لوحدهما لا يخشيا جوعاً أو عطش وعبرا إلى ما وراء نهر جيليون, إلى أوسيرياند وسكنا في تول غالين, الجزيرة الخضراء, وسط أدورانت. حتى انقطعت كل أخبارهما, وفيما بعد سمى إيلدار تلك البلاد دور فيرن آي غوينار, أرض الموتى الذين عاشوا. وهناك وُلِدَ لهما ديور أرانيل الجميل والذي عرف فيما بعد باسم ديور إيللوخيل. والذي هو ولي عهد ثينغول. لم يتكلم أي بشر هالك مع بيرين ثانيةً ولم يره أحد لا هو ولا لوثايين يتركا العالم, ولا توجد أية إشارة عن مكان دفن أجسادهما.

في تلك الأيام نزع مايذروس بن فيانور الرهبة من قلبه لإدراكه بأن مورغوث لم يكن منيعاً ومحصناَ. بسبب أفعال بيرين ولوثايين التي جسدها الناس بالكثير من الأغنيات في كافة أنحاء بيليرياند. على الرغم من أن مورغوث سوف يحطمهم كلهم واحداً تلو الآخر إذا لم يتحدوا ثانيةً, ويكون لهم حلفاً جديداً ومجلساً مشتركاً. فبدأ مشاوراته لرفع حظوظ إيلدار. ودعي ذلك الحلف, اتحاد مايذروس.

لكن بسبب قَسم فيانور والأعمال الشريرة التي نتجت عنه, فلم يحصل مايذروس بالنهاية على المساعدة التي كان يرجوها, مما أدى إلى إحباط جزء من مخططاته. فلقد امتنع أورودريث من الزحف لمساعدة أي شخص من أبناء فيانور بسبب الأفعال الشنيعة لكلٍ من كيليغورم وكوروفين. ومازال جان نارغوثروند واثقين بأنهم محميين في معقلهم المخفي. ولم يأتِ من نارغوثروند إلا كتيبة صغيرة, وهم أتباع غويندور بن غويلين, فلقد كان غويندور أميراً شجاعاً جداً, خالف إرادة أورودريث وذهب مع جماعته إلى حرب الشمال, لأنه حزن على فقد أخيه غيلمير الذي قتل في داغور براغوللاخ. ساروا إلى الحرب تحت رايات فينغون حاملين شارات بيت فينغولفين, ولم يرجع منهم إلا واحداً.

أمّا من دورياث فقد جاءت مساعدة صغيرة. لأن مايذروس وأخوته المقيدين بقَسمهم, أرسلوا إلى ثينغول وذكروه بكلمات متغطرسة بأن يعيد لهم السيلماريل التي هي من حقهم, أو تكون العداوة بينهم وبين ثينغول. نصحته ميليان بأن يسلمهم إياها. لكن كلمات أبناء فيانور الفخورة والمهددة. أغضبت ثينغول, وتفكيره بمعاناة لوثايين ودماء بيرين الذين كانا الثمن لاكتساب هذه الجوهرة, بصرف النظر عن خبث كيليغورم وكوروفين. وكان ثينغول وفي كل يوم ينظر فيه إلى السيلماريلس, كانت تزداد رغبته في الاحتفاظ به للأبد, ومن هنا كانت قوته. لذلك رفض مطلب مايذروس وأعاد إليه الرسل بالكلام المحتقر. لم يجب مايذروس على ذلك, لأنه كان قد بدأ بتصميم إنشاء تحالف واتحاد الجان, لكن كيليغورم وكوروفين أقسما وعلى الملأ بأن يذبحا ثينغول ويسحقا شعبه, إذا عادوا منتصرين من الحرب, ولم يكن ثينغول قد أعاد الجوهرة من تلقاء نفسه. قام ثينغول بتحصين تخوم مملكته ولم يذهب إلى الحرب, ولم يخرج أحد من دورياث, إلا مابلونغ وبيليغ الذين لم يكونا راغبين في التخلي عن حصة من هذه الأعمال العظيمة. فأعطاهما ثينغول إذناً بالذهاب, بشرط أن لا يخدموا أبناء فيانور. لذلك انضم مابلونغ وبيليغ في المعركة تحت راية فينغون.

لكن مايذروس كانت لديه المساعدة من ناوغريم بالسلاح وبالمقاتلين, فكانت ورشات الحدادة في نوغرود وبيليغوست تعمل بشكل مستمر في تلك الأيام. فقد استطاع ثانيةً من جمع كل أخوته والشعوب التي تتبعهم. أيضاً جاءته مساعدة البشر من بور وأولفانغ, المنظمين والمدربين على الحرب, واستدعوا أيضاً الكثير من أقاربهم من الشرق. علاوة على ذلك فقد جاء فينغون من الغرب, وهو صديق مايذروس الدائم. وعقد مجلساً في هيمرينغ. أمّا في هيثلوم فكان نولدور والبشر من بيت هادور مستعدين للحرب. وفي غابة بريثيل جمع هالمير سيد شعب هاليث رجاله وبدأوا بشحذ فؤوسهم, لكن هالمير مات قبل أن تبدأ الحرب فاستلم ابنه هالدير الحكم من بعده. أيضاً وصلت الأخبار إلى تورغون في غوندولين المملكة المخفية.

لكن مايذروس عمل اختباراً لقوته في المناطق القريبة منه, قبل إتمام خططه بشكل كامل. حيث قام بطُرد الأوركس من مناطق بيليرياند الشمالية, وحرر دورثونيون لفترة من الوقت. لذلك أخذ مورغوث حذره من انتفاضة إيلدار وأصدقاء الجان, واتخذ خطةً لمواجهتهم, فقد بعث بينهم بالكثير من الجواسيس والخونة, وهذا أكثر شيء كان قادراً على فعله الآن, لأن الخونة من البشر والموالين سراً لمورغوث, كانوا متغلغلين في معسكرات أبناء فيانور.

وبالتفصيل, بعد أن جمع مايذروس كل القوة التي يمكن أن يجمعها من الجان والبشر والأقزام. عزم على مهاجمة أنغباند من الشرق والغرب, وتعمدوا الزحف بالرايات المنشورة وبالقوة المفتوحة على سهل إنفاوغليث. لكن عندما كانوا صاعدين, كما كان مرجواً. كانت جيوش مورغوث بالمرصاد, عندها يجب على فينغون أن يهاجم عبر ممرات هيثلوم. هكذا كان الاتفاق من أجل أخذ قوة مورغوث بين فكي كماشة أو بين مطرقة وسندان وتفتيتها. والإشارة بينهما على ذلك كانت اشتعال منارة دورثونيون العظيمة.

في صباح اليوم المحدد في منتصف الصيف, حيّت أبواق إيلدار شروق الشمس. وفي الشرق رُفعت راية أبناء فيانور, وفي الغرب راية فينغون الملك الأعلى لنولدور. نظر فينغون خارج جدران إيثيل سيريون, وجيشهُ مصطفٌ في الوديان والغابات على الجانب الشرقي من إيريد ويثرين. وقد تخفّوا جيداً عن أعين العدو, لكنه عرف بأنه كان عظيماً جداً. فقد اجتمع هناك نولدور من هيثلوم, جنباً إلى جنب مع جان الفالاس وجماعات غويندور من نارغوثروند. وكانت لديه قوة كبيرة من الرجال. وعلى ميمنة الجيش كانت كل الشجاعة من هورين وأخوه هور من دور لومين, وانضم إليهم هالدير من بريثيل ومعه الكثير من رجال الغابة.

ثم نظر فينغون باتجاه ثانغورودريم فرأى حولها غيمة سوداء, ثم بعد ذلك بدأ الدخان الأسود بالتصاعد منها, فعرف بأنهم قد أثاروا غضب مورغوث. وبأنه قبل التحدي. وقع ظلُ الشك عل قلب فينغون, ونظر شرقاً لعله يرى بنظره الجني غبار إنفاوغليث يتصاعد تحت أقدام جيش مايذروس. فهو لم يعلم بأن خطة مايذروس قد عرقلت, بإحاطته بخديعةٍ من شعب أولدور الملعونين. الذين خدعوه بتحذيرات كاذبة عن هجومٍ من أنغباند.

تعالت صيحاتٌ حملتها ريحٌ جنوبية من وادٍ إلى وادي. ورفع الإنس والجان صوتهم بالبهجة والأعجوبة, لأن تورغون غير المستدعى فتح معسكراته من غوندولين, وأتى بجيش من عشرة آلاف مقاتل بالدروع اللامعة والسيوف الطويلة ورماح كأنها غابة لكثرتها, وعندما سمع فينغون من بعيد صوت البوق العظيم لأخيه تورغون, ارتفع الظل عن قلبه وصاح بصوتٍ عالي. أوتوليين آووري ! أياا إلدالي  آر أتاناتاري , أوتوليين آووري! أي, لقد حان الوقت ! انظر شعب إيلدالي وآباء البشر, لقد حان الوقت ! وكل مَن سمع صدى صوته العظيم يتردد في التلال أجابوه بالصراخ  آوتا  آي  لومي ! أي ذهب الليل.

والآن مورغوث الذي كان يعلم معظم خطط أعداءه, فقد اختار ساعته, وهو يثق بأعوانه الغادرين لمنع مايذروس وصد اتحاد خصومه, لذلك بعث بقوة تبدو كبيرة ,(ولكن لم يظهر منها إلا جزء بسيط على أهبة الاستعداد لحد الآن) نحو هيثلوم. وكانوا ملتفين بأردية قاتمة, لم تظهر أجسامهم الصلبة. وبالتالي أصبحت بعيدةً بالفعل على رمال إنفاوغليث قبل أن تُظهر أسلوبها.

ازدادت حرارة قلوب نولدور. وتمنى القادة منهم بدء الهجوم على خصمهم في السهل, لكن كان رأي هورين مخالفاً لأنه كان يعتقد أن بالأمر مكر وخدعة من مورغوث. لأن قوته بالحقيقة أقوى مما تبدو عليه. وهدفه الحقيقي غير الذي يكشفه لنا. ومع أن الإشارة لم تأتِ بعد من مايذروس. فازداد نفاذ صبر الجيش. لذلك نبههم هورين إلى التحلي بالصبر وانتظار الإشارة. وليتركوا الأوركس يكسرون أنفسهم بالهجوم على التلال.

لكن قائد جند مورغوث في الغرب كان قد أمر بإخراج فينغون بسرعة من تلاله مهما كان الثمن. ولهذه الغاية سار حتى أصبحت مقدمة موقعه مرتفعة أمام مجرى سيريون, من أسوار قلعة إيثيل سيريون إلى تدفق ريفيل في مستنقع سيريخ. وكان باستطاعة المواقع الأمامية لفينغون رؤية عيون أعدائهم, لكن لم يستجب أحد إلى هذا التحدي, وتلعثمت سخرية الأوركس عندما نظروا على الجدران الصامتة والتهديد الخفي من التلال. ثم أرسل قائد جند مورغوث بخيالة يحملون شارات التفاوض, فركبوا إلى ما قبل متاريس باراد إيثيل, وأحضروا معهم غيلمير بن غويلين, ذلك السيد من نارغوثروند الذي أسروه في براغوللاخ. وكانوا قد فقأوا عينيه, ثم قام رسل أنغباند برفعه للأعلى وصرخوا قائلين: لدينا الكثير مثل هذا في البيت, لكنكم يجب أن تسرعوا إذا كنتم تريدون إيجادهم. لأننا سنتعامل معهم هكذا عند عودتنا, ثم قطعوا أقدام وأيدي غيلمير وأخيراً قطعوا رأسه على مرأى من الجان, وتركوا جثته ملقاةً على الأرض ورحلوا.

وللصدفة التعيسة. كان غويندور أخو غيلمير يقف في ذلك المكان خلف المتاريس من نارغوثروند, فجنَّ جنونه من الغضب, وقفز على ظهر جواده ورافقه عدد من الفرسان. حتى لحقوا بالرسل وقضوا عليهم. ثم تابع هجومه إلى عمق الجيش الرئيسي. وشاهد ذلك كل جيش نولدور فاشتعلوا من الغضب. ثم وضع فينغون على رأسه خوذته البيضاء ورنت أصوات أبواقه, وقفز كل جند هيثلوم خارجين من التلال بانقضاضٍ مفاجئ, كان الضوء المرسوم من بريق سيوف نولدور يلمع مثل النار في حقل القصب. هكذا كانت سريعة وفظيعة بدايتهم التي أضاعت غالبية مخططات مورغوث. وقبل أن يعزز الجيش الذي أُرسله إلى الغرب كانوا قد اكتسحوه أيضاً, مرت رايات فينغون فوق إنفاوغليث ورُفعت أمام أسوار أنغباند. وكان غويندور وجان نارغوثروند في طليعة المقاتلين دائماً. فلم يستطع أحدٌ من إيقافهم حتى الآن. فما كان منهم إلا الإندفاع من خلال الأبواب وقضوا تماماً على كلّ الحراس المتواجدين على أدراج أنغباند. ارتعد مورغوث على عرشه العميق عندما سمع صوت ضرباتهم على أبوابه. لكنهم حوصروا هناك وذُبحوا جميعاً إلا غويندور فقد أخذوه حياً. لم يكن باستطاعة فينغون مساعدتهم. لأن مورغوث شنّ هجوماً معاكساً بواسطة جيشه الرئيسي الذي أبقاه منتظراً وعلى أهبة الاستعداد عبر أبواب ثانغورودريم السرية الكثيرة, فضربوا جيش فينغون من الخلف, وكانت خسائر فينغون التي تلقاها من الهجوم المعاكس الذي أتاه عبر الأسوار كبيرةٌ جداً.

وفي اليوم الرابع للحرب, وعلى سهل إنفاوغليث بدأت نيرنايث أرنوي دياد, الدموع غير المحصية, فلا أغنية ولا قصة يمكنها احتواء كل ذلك الحزن. تراجع جيش فينغون عن الرمال, وذُبح هالدير سيد هالادين الذي كان في حامية الجيش في المؤخرة وسقط معه غالبية رجال بريثيل, ولم يرجع بهم إلى الغابة أبداً. أما في اليوم الخامس ومع حلول الليل لكنهم لا يزالوا بعيدين عن إيريد ويثرين. هناك أحاطت جموع الأوركس بجند هيثلوم واستمر القتال طوال الليل, ضغط عليهم الأوركس كثيراً حتى جاء الصباح بالأمل, عندما سمعت أصوات أبواق تورغون تهدر وقد زحف بجيش غوندولين الرئيسي الذي كان متمركزاً لحراسة معابر سيريون, منع تورغون غالبية الجيش من التهور والطيش في الهجوم, وأسرع لنجدة أخيه, فقد كان غوندوليندريم أقوياء تغطيهم الدروع اللامعة, ومسير صفوفهم تحت أشعة الشمس كان يلمع كنهرٍ من الفولاذ.

اخترقت كتيبة الحرس الملكي صفوف الأوركس, وقطع تورغون طريقة إلى جانب أخيه. وقيل بأنه هناك التقى تورغون مع هورين الذي وقف بجانب فينغون, فحدث السرور وسط المعركة وتجدد الأمل في قلوب الجان وفي ذلك الوقت بالتحديد, في الساعة الثالثة من الصباح دوَّت أبواق مايذروس أخيراً صاعدةً من الشرق, وهاجمت ألوية أبناء فيانور مؤخرة العدو. قال البعض بأن الغلبة كانت لإلدار في ذلك اليوم. لأن كل الجنود أثبتوا عن إخلاصهم في المعركة, ولأن الأوركس كانوا مترنحين مع أن الهجوم كان قد هدأ, وبعضهم كان يتجه إلى الهرب. لكن عندما وقعت طليعة جيش مايذروس على الأوركس, أطلق مورغوث قوته الأخيرة, وقد أفرغ أنغباند نهائياً, فقد بعث الذئاب وراكبي الذئاب, وجاء معهم إلى هناك بالروغز وغلاورونغ أبو التنانين. وفي الحقيقة كانت قوة ورعب الدودة العظيمة كبيرٌ جداً. ذبلت قوة الإنس والجان أمام هذه القوى العاتية, وفصلوا بين جيشي مايذروس وفَينْغوُنْ واكتسحوا كل جيشٍ على انفراد.

رغم كل ذلك لا بالذئاب ولا من بالروغ ولا بالتنين, أنجز مورغوث انتصاره, إنما بسبب خيانات بعض البشر, فقد انكشفت في تلك الساعة خدعة أولفانغ وتحول الكثيرين من إيستيرلينغز وهروبهم من المعركة. فقلوبهم مملوءة بالخوف والأكاذيب. لكن أبناء أولفانغ ذهبوا مباشرةً إلى مورغوث وضربوا مؤخرة جيش أبناء فيانور, وضمن هذا الارتباك الحاصل فقد اقتربوا من راية مايذروس. ولم يحصلوا على المكافأة التي وعدهم بها مورغوث, لأن ماغلور ذبح أولدور اللعين زعيم الخونة. وذَبح أبناء بور قبل أن يقتلا كل من أولفاست وأولوارث. جاءت الآن قوةٌ من البشر الأشرار التي كان قد استدعاها أولدور, وأبقاها مخبأةً في التلال الشرقية. هوجم جيش مايذروس من ثلاثة اتجاهات, فانكسر وتبعثر, وبهذه الطريقة تلاشى واندحر. رغم ذلك فقد حمى القدر أبناء فيانور, فلم يجرح أو يقتل أحدٌ منهم, لأنهم انسحبوا معاً بعد أن جمعوا البقية من نولدور وناوغريم حولهم, وخرجوا من المعركة, هاربين بعيداً نحو جبل دولميد في الشرق.

القوة الأخيرة التي بقيت صامدة في الشرق كانت أقزام بيليغوست, وبهذا كسبوا الصيت والشرف, لأن ناوغريم قاوم النار بجرأة أكثر من الإنس والجان. وكان من عاداتهم, أن يلبسوا في المعارك أقنعةً كبيرة وقبيحة المنظر, وهذا ما جعلهم يصمدون أمام التنانين, وحولهم ذبل غلاورونغ وذريته الذين كانوا قد تركوا نولدور. قام ناوغريم بصنع دائرة من مقاتليهم عندما هاجمهم غلاورونغ, فلم تحميه درعه كثيراً من ضربات فؤوسهم العظيمة, وفي حمي غضبه استدار غلاورونغ وقتل أزاغال سيد بيليغوست. وأراد أن يدب عليه, لكن بضربته الأخيرة قبل أن يموت قطع أزاغال بسيفه جلد التنين ودخل النصل إلى بطنه وجرحه عميقاً, فرّ غلاورونغ من الميدان, وتبعته وحوش أنغباند من الفزع. بعدها رفع الأقزام جسد أزاغال وحملوه بعيداً وساروا خلف جثمانه بخطواتٍ بطيئة مرددين لحنا جنائزياً بالأصوات العميقة. وصنعوا له حفلاً تأبينياً مهيباً في بلادهم, ولم يعطوا أي اهتمام لخصومهم, ولم يتجاسر أحداً عليهم.

لكن في المعركة الغربية فقد هوجم فينغون وتورغون بموجة من الأعداء أكبر بثلاثة أضعاف من القوة المتبقية معهم. فقد أتى غوثموغ, سيد البالروغز, القائد الأعلى في أنغباند, واقتحم الصفوف بين جيوش الجان المحيطة بالملك فينغون, ودحر تورغون وهورين نحو مستنقع سيريخ, ثم استدار نحو فينغون وهاجمه وكان لقاءاً شرساً, أخيراً وقف فينغون وحارسة الذي مات وهو يدافع عنه, وقاتل مع غوثموغ حتى أتى بالروغ آخر ولفه بسياط النار, عندها قطعه غوثموغ بفأسه السوداء, فانطلق لهب أبيض من خوذة فينغون عندما انشقت, وسقط الملك الأعلى لنولدور. لقد هزموه والغبار يعلو صولجانه وداسوا رايته الزرقاء المرصعة بالفضة, وتركوه بمستنقعٍ من الطين المجبول بدمائه.

فُقد الميدان ومازال هورين وهور والمتبقين من بيت هادور ثابتين مع تورغون من غوندولين. ولحد الآن لم يستطع جيش مورغوث السيطرة على معابر سيريون, عندها تكلم هورين مع تورغون قائلاً: اذهب الآن ياسيدي, فما زال لدينا بعض الوقت, لأنه ببقائك حيّاً يعيش آخر أملٍ لإيلدار, وببقاء غوندولين واقفةً, يبقى الخوف باقٍ في قلب مورغوث. فأجابه تورغون: لا يمكن لغوندولين أن تبقى مخفيةً لوقت طويل, وعندما تنكشف سوف تسقط.

فقال له هور: إذا وقفت لفترة قصيرة, فإنه خارج بيتك سيعود الأمل للإنس والجان. أقول لك كلامي هذا يا سيدي ونحن في عيون الموت, مع أننا سنفترق للأبد, ولن يكون باستطاعتي النظر إلى أسوارك البيضاء مجدداً, وسيشرق منك ومني نجم جديد. الوداع.

كان يقف إلى جانب تورغون في تلك اللحظة, مايغلين ابن اخته الذي سمع كل الكلام ولم ينساه لكنه لم يقل شيئاً.

أخذ تورغون بنصيحة هورين وهور واستدعى المتبقين من جندغوندولين وبقية شعب فينغون بقدر ما استطاع أن يجمع وانسحب متراجعا نحو معبر سيريون. وقام قادته ايكثيليون وغلورفينديل بحراسة جناحي الميمنة والميسرة لكي لا يخترقهما العدو. وقام رجال دور لومين بحماية المؤخرة كما تمنى هورين وهور, فلم تكن قلوبهم راغبة بمغادرة الأراضي الشمالية, وإذا لم يستطيعا العودة إلى الوطن فهناك سيصمدان حتى النهاية. هكذا تكون قد عُوضتْ خيانة أولدور, بكل أعمال الحرب التي قام به أبناء البشر لمصلحة إيلدار. وقد كانت هذه الوقفة الأخيرة لرجال دور لومين مشهورة جداً.

هكذا شقَّ تورغون طريقة جنوباً حتى تراجع تماماً, وتحت حماية هورين وهور عبر سيريون ونجا. ثم اختفى في الجبال المخبأة عن أعين مورغوث. لكن الأخوة سحبوا بقية رجال بيت هادور حولهم حتى وصلوا إلى ما وراء مستنقع سيريخ, وكان جدول ريفيل أمامهم, هناك وقفوا ولم يفسحوا المجال لأحد.

احتشد كل جنود أنغباند ضدهم, وقتلوا منهم خلق كثير حتى امتلأ مجرى النهر من جثث الأوركس فكانت هذه الجثث هي الجسر الذي عبروا عليه, وطوقوا بقية هيثلوم من كل الجهات, كما يطوق الموج الصخرة. هناك عند غروب شمس اليوم السادس, عندما أظلمت ظلال إيريد ويثرين, سقط هور بسهم مسموم أصابه في عينه, وقتل جميع الرجال الشجعان من بيت هادور حوله, فقطع الأوركس الرؤوس وكوموها, وكانت كومة رؤوسهم كتلٍ من ذهب في غروب الشمس.

لم يبقى في ساحة المعركة أخيراً إلا هورين واقفاً لوحده. قام بنزع درعه وأمسك بفأسٍ ذي رأسين وراح يغني, أنه الفأس الذي جعل الدم الأسود  للغول حارس غوثموغ يتصاعد كالدخان حتى أفناه. وكلما قتل واحداً منهم كان هورين يصرخ ويقول, آووري إينتولوفا, أي سيأتي النهار ثانيةً. سبعين مرة لفظ تلك الصرخة, ولكنهم أخيراً أخذوه حياً طبقاً لأوامر مورغوث. لأن الأوركس اشتبكوا معه بالأيدي وأمسكوه على الرغم من أنه مازال يقطع فيهم بفأسه, لكنهم تكاثروا عليه حتى سقط تحتهم, ثم قيَّده غوثموغ وجرّوه صاغراً إلى أنغباند.

هكذا كانت نهاية نيرنايث أرنوي دياد. مع هبوط الشمس خلف البحر. وسقوط الليل على هيثلوم, وقدوم عاصفة عظيمة من الريح الغربية إلى هناك.

كان نصراً عظيماً لمورغوث وقد حقق مبتغاه في التنفيذ كما في التخطيط. لأن البشر قتلوا بعضهم, وخانوا إيلدار, ونشأ الخوف والكراهية بين أولئك الذين يجب أن يتحدوا ضده, ومنذ ذلك اليوم فقد جافت قلوب الجان كل البشر. باستثناء فقط البيوت الثلاثة من إيداين.

لم تعد مملكة فينغون موجودة. وأبناء فيانور تفرقوا مثل أوراق الشجر التي تبعثرها الريح. تبعثرت أسلحتهم وقوتهم وانكسرت أحلافهم, وأُخذوا إلى حياة الغابة والبرية في سفوح إيريد ليندون. مختلطين مع الجان الخضر في أوسيرياند, محرومين من قوتهم ومجدهم القديم. وفي بريثيل سكن بضعة من هالادين ولحد الآن ما زالوا يعيشون بحماية الغابة. وكان سيدهم هاندير بن هالدير. وإلى هيثلوم لم يرجع أحدٌ أبداً من جند فينغون, ولا أي أحد من البشر من بيت هادور, ولم تعرف أخبارهم في المعركة ولا مصير ساداتهم.

أرسل مورغوث شعب إيستيرلينغز الذين خدموه إلى هيثلوم. ليحرمهم من أراضي بيليرياند الغنية التي طلبوها. فحاصرهم في هيثلوم مانعاً عبورهم منها, فهذه الجائزة كانت هي أكبر مكافأة لهم على خيانتهم لمايذروس. وقد أرسلهم من أجل السلب وإزعاج الشيوخ والنساء والأطفال من شعب هادور. أما البقية الباقية من إيلدار الذين كانوا يسكنون في هيثلوم فقد أُخذوا إلى مناجم الشمال, وعملوا هناك كعبيد. إلا مَنْ استطاع منهم المراوغة والهرب إلى البراري والجبال.

أصبح الأوركس والذئاب يتحركون بحرية تامة في كل الشمال, حتى وصلوا إلى الجنوب, وإلى بيليرياند, ونان تاثرين أرض الصفصاف, وحدود أوسيرياند, ولم يعد في البراري والحقول أي مكان آمن. فلم يبق فعلاً إلّا دورياث, أما قاعات نارغوثروند فقد كانت مخفية. لكن مورغوث لم يعرهم الكثير من الاهتمام, إما لأنه لا يعرف الكثير عنهم. أو أن ساعتهم لم تحن بعد في أعماق حقده. كثيرون هربوا إلى المرافئ واتخذوا لهم مأوىً خلف أسوار كيردان. أما الملاحون فقد نزلوا إلى الشواطئ, حيث كانوا يناوشون العدو بغزوات سريعة ومفاجئة. لكن قبل مجيء الشتاء في السنة التالية, أرسل مورغوث قوة عظيمة إلى هيثلوم ونيفراست, وصلت هذه القوة ونزلت إلى أنهار بريثون ونينينغ, فدمرها جان الفالاس كلها. وحاصروا أسوار بريثومبار وإيغلاريست, وجلبوا معهم الحدادين وعمال المناجم وصناع النار. وبدأوا بصناعة المحركات العظيمة. وقاوموا بكل شجاعة لكن في النهاية انهارت أسوارهم وخرب كل شيء إلا المرافئ. دمر برج باراد نيمراس. وأكثر أقسام شعب كيردان كان مقتولاً أو مستعبداً. لكن البعض هرب وسافر خارجاً بالسفن عبر البحر, وكان بينهم إيرينيون غيل غالاد بن فينغون الذي أرسله أبوه إلى المرافئ بعد داغور براغوللاخ. أمّا البقية فقد أبحرت جنوباً مع كيردان إلى جزيرة بالار وجعلوها مأوىً لكل من يأتي إلى هناك, لأنهم أبقوا لهم موطئ قدم في مصبات سيريون. فهناك يمكن للكثير من السفن السريعة المضاءة الاختباء في الروافد والمياه حيث كانت حقول القصب كثيفة كالغابة.

وعندما سمع تورغون عن هذا, أرسل رُسله إلى منابع سيريون. وطلب مساعدة كيردان في بناء السفن. بنى كيردان لتورغون سبع سفن سريعة. أبحرت هذه السفن باتجاه الغرب لكن لم تعد أخبار منهم إلى بالار أبداً. نجت سفينة واحدة بعد أن دخلت العاصفة وكابد ملاحوها الكثير من المشقات والتعب طويلاً لكن أخيراً أخفقوا بيأس في العاصفة على مرمى البصر من الأرض الوسطى. وكان أولمو قد أنقذ أحد ملاحيها من غضب أوسي, إذ حمله بالموج ورماه على اليابسة في نيڤراست وكان اسمه ڤورونوي. وهو أحد الرسل الذين بعثهم تورغون من غوندولين.

أصبح كلُّ تفكير مورغوث منصبّاً الآن على تورغون, لأن تورغون هو الوحيد الذي نجا منه ومن شروره, فهو خصم مزعج لأنه كان من أوائل الراغبين في تحطيم مورغوث. وهذا التفكير أقلقه وأفسد عليه فرحة النصر. فتورغون هو ابن البيت الهائل, بيت فينغولفين الذي كان بحق ملك كل نولدور, وكان مورغوث يخاف ويكره بيت فينغولفين لأنهم أصدقاء أولمو خصمه اللدود, وأيضاً بسبب الجروح التي أحدثها فيه سيف فينغولفين. والأهم من كل ذلك هو أن جمهور مورغوث وأعوانه, كانوا يخشون تورغون. لأنه منذ القدم في ڤالينور قد أضاءت عين تورغون على مورغوث, وكلما كان يقترب تورغون منه كان يسقط الظل على روح مورغوث. وهذا نذير شؤم لمورغوث بأنه في الفترة التي لا تزال فيها مملكة تورغون مخفية, فإن الخراب سيأتي لعالم مورغوث.

لذلك فقد أُحضر هورين ووُضع أمام مورغوث. لأن مورغوث علم برابطة المودة والصداقة بينه وبين تورغون ملك غوندولين, لكن هورين سخر من مورغوث وتحداه. لذلك قام مورغوث بلعن هورين وزوجته موروين وكل ذريتهم, وقرر لهم عذاباً من الظلام والحزن. فأخذ هورين من السجن ووضعه على كرسي من الحجارة في أعلى مكانٍ في ثانغورودريم. هنالك رُبط بقوة مورغوث. وقف مورغوث بجانبه ولعنه مرةً ثانية. وقال له: اجلس هناك وراقب الأراضي ولاحظ الشر واليأس اللذان سيقعان على من أحببت. لأنك تجرأت على السخريةَ مني, وشككت بقدرات ميلكور سيد أقدار أردا. لذلك فسوف ترى بعينيّ وتسمع بأُذنيّ. ولن تتحرك خطوة من هذا المكان حتى يتم كل شيء إلى نهاياته المريرة.

رغم ذلك يقال بأن هورين لم يطلب من مورغوث الرحمة أو الموت لا لنفسه ولا لأي شخصٍ من أقاربه.

وطبقاً لأوامر مورغوث قام الأوركس بتجميع كل أجساد الذين سقطوا في المعركة العظيمة هم وأسلحتهم وعتادهم الحربي. وكوموهم في كومة عظيمة وسط سهل إنفاوغليث. وكانت تبدو من بعيد وكأنها تل, وسموه هاوذ آين ندينغين. أي تل القتلى. لكن الجان سموه, هاوذ آين نيرنايث. أي تل الدموع. كان هذا التل هو المنطقة الوحيده في كل صحراء مورغوث الذي نمت عليه الأعشاب الخضراء الطويلة. ولم يتجرأ فيما بعد أحد مخلوقات مورغوث من أن يدوس على تلك الأرض المدفون تحتها بقايا صدأ سيوف إيلدار وإيداين.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

zjmep الفصل الحادي والعشرين تورين تورامبار  

          رِيان بنت بيليغوند كانت زوجة هور بن غالدور, وكانت قد تزوجت منه قبل شهر من ذهابه مع أخيه هورين إلى نيرنايث أرنوي دياد. وعندما لم تأتها أخبارٌ عن سيدها هربت إلى البرية, فساعدها هناك الجان الرماديون من ميثريم, ولما ولدت ابنها  تور فقد رباه الجان الرماديون, ثم غادرت رِيان هيثلوم إلى تلة هاوذ آين ندينغين وألقت نفسها عن التل وماتت.

موروين بنت باراغوند. كانت زوجة هورين سيد دور لومين, وكان ابنهم تورين قد ولد في تلك السنة نفسها التي التقى فيها بيرين إيرخاميون مع لوثايين في غابة نيلدوريث. وكانت لديهم بنت تدعى لالايث, أي الضاحكة, كانت محبوبة من قبل أخوها تورين. لكنها ماتت عندما كان عمرها ثلاث سنوات من الوباء الذي أتى على هيثلوم على إثر الريح التي خرجت من أنغباند.

بقيت موروين بعد نيرنايث أرنوي دياد في دور لومين, وكان تورين بعمر حوالي ثماني سنوات, وفي بداية السنة رزقت مورين ثانيةً بطفلة, وأطلقت عليها اسم ناينور, أي الحزينة. بنت هورين. وكانت تلك أيامٌ شريرة, فقد جاء شعب إيستيرلينغز إلى هيثلوم وأذلوا من بقي فيها من شعب هادور وقاموا باضطهادهم, وسلبوهم أراضيهم وأمتعتهم واستعبدوا أبناءهم. لكنهم لم يتجرؤوا على سيدة دور لومين الجميلة, أو على أحدٍ من أفراد عائلتها. بسبب الإشاعة المنتشرة عن موروين, بأنها خطرة وماهرة في السحر ومتحالفةً مع الجان. على الرغم من أنها أصبحت فقيرة وجائعة ولم يساعدها أحد. إلا تلك المساعدات التي كانت تقدمها لها قريبة تورين والتي تدعى آيرين زوجة برودا وهو من شعب إيستيرلينغ. وقد اتخذ آيرين زوجة له بالقوة رغماً عنها. أما موروين فقد خافت كثيراً على ابنها تورين بأن يأخذوه ويستعبدوه لذا أرسلته سراً إلى الملك ثينغول لكي يأويه, لأن بيرين بن باراهير كان من أقرباء أبيها. وأيضاً لأن ثينغول كان صديق هورين قبل وقوع الشر. لذا ففي خريف عام الرثاء أرسلت ابنها تورين عبر الجبال مع اثنين من خدمهم القدامى. لعلهم يجدون مدخلاً إلى مملكة دورياث, هكذا نُسج مصير تورين. وقصته الكاملة مذكورة في كتاب يدعى ’نارن إيي هيين هورين’ , أي حكاية أبناء هورين, وهي النشيد الأطول الذي يتحدث عن تلك الأيام. وهنا نخبرها بإيجاز. لارتباطها بمصير السيلماريلس وبالجان. وتدعى قصة الحزن, لأنها مؤلمة وفيها انكشفت أكثر أعمال مورغوث باوغلير الشريرة.

عبر تورين ورفاقه أخطاراً كثيرةً حتى وصلوا أخيراً إلى حدود دورياث, وأول من وجدهم هناك كان بيليغ  القوس القوية, رئيس الحرس الملكي للملك ثينغول والذي قادهم إلى مينيغروث. استلمهم ثينغول وأخذ تورين لكي يرعاه في بيته تكريماً لهورين الصامد. لأن مزاج ثينغول تبدل نحو بيوت أصدقاء الجان. ثم ذهب الرسل إلى هيثلوم في الشمال لكي يعرضوا على موروين الخروج من دور لومين والعودة معهم إلى دورياث. لكنها قالت بأنها لا تريد مغادرة المنزل الذي سكنت فيه مع هورين. وعندما غادرها رُسل الملك أرسلت معهم خوذة التنين من دور لومين وهي أعظم إرث بيت هادور.

كبر تورين في دورياث وكان جميلاً قوياً لكنه كان موسوماً بالحزن, عاش في قاعات ثينغول لمدة تسع سنوات, ولم يكن حزنه يقل فقط إلّا عندما يذهب الرسل إلى هيثلوم, ويعودوا بأخبار جيدة عن موروين وناينور.

بعد فترة لم يعد يرسل الملك ثينغول الرسل إلى الشمال, لأن رسله قتلوا ذات مرةٍ بالشمال, فازداد خوف تورين على أمه وأخته, وفي كآبته وحزنه ذهب إلى الملك وطلب منه الدرع والسيف. وضع على رأسه خوذة التنين وخرج للقتال في معركة على تخوم دورياث. وأصبح رفيق سلاح مع بيليغ كوثاليون.

بعد مرور ثلاث سنوات عاد تورين ثانية إلى مينيغروث, لكنه جاء من البرية, وكان أشعث الشعر, وملابسه ودرعه باليين. وكان هناك شخص من شعب ناندور يسكن في دورياث, ويعمل بمنصب كبير مستشاري الملك واسمه سايروس. كان سايروس هذا يحسد تورين منذ مدة طويلة بسبب الشرف الذي منحه إياه الملك ورعايته له. وكان يجلس قبالته في المجلس عندما وبخه قائلاً:

إذا كان رجال هيثلوم متوحشين بهذا الشكل وسقطوا أمام مورغوث, فما هو نوع نساء تلك الأرض, هل يركضون في البرية مثل الأيائل عراة يكسوهم الشعر فقط. فقام تورين ومن شدة غضبه برفع كأس الشراب وضرب به سايروس, فجرحه بشكل كبير.

في اليوم التالي كمن سايروس لتورين منتظراً خروجه من مينيغروث للعودة إلى المعسكرات, لكن تورين تغلب عليه. وجعله يركض أعزلاً وطارده كما تُطارد الوحوش في البراري, وأثناء هروبه خائفاً من تورين سقط سايروس في هوة جدول وتَكسَّر جسمه على صخرة كبيرة في الماء. رأى الآخرون ماذا حصل بين الرجلين ومن بينهم كان مابلونغ. فطلب من تورين العودة معه إلى مينيغروث والالتزام بقرار الملك. وطلب العفو, لكن تورين اعتبر نفسه مجرماً وخاف من أن يسجنوه, فرفض عرض مابلونغ, وهرب مبتعداً بسرعة شديدة. عَبَرَ زنار ميليان حتى وصل إلى الغابة الموجودة غرب سيريون. هناك انضم إلى عصابة من الرجال المشردين واليائسين مثله. وكما يمكن أن يحدث في تلك الأيام الشريرة في الغابة فقد تحولت أيديهم على كل من جاء في طريقهم من الإنس والجان والأوركس.

لكن عندما علم الملك ثينغول بكل الذي حصل. عفا عن تورين واعتبره مظلوماً, وفي ذلك الوقت عاد بيليغ القوس القوية من المعسكرات الشمالية إلى مينيغروث يريد رؤية الملك. فقال له ثينغول, أنا حزين يا كوثاليون, لأنني أعتبر ابن هورين مثل ابني, وسيبقى كذلك مالم يعود هورين من الظل لطلب ملكه. ولم يكن لدي أي مسؤولية تجاه خروج تورين إلى البرية وهو مظلوم, وأنا أرحب بعودته لأنني أحب له الخير.

فأجابه بيليغ سأبحث عن تورين حتى أجده, وسأعيده إلى مينيغروث لأنني أنا أحبه أيضاً.

بعدها غادر بيليغ مينيغروث وعبر بعيداً في بيليرياند, لكنه عبثاً سعى مكابداً الكثير من الأخطار لكي يخبر تورين بأنه بريء ومظلوم.

استقر تورين لمدة طويلة مع المجرمين وأصبح قائدهم وسمى نفسه نَيثان, أي المظلوم. وبحذر شديد سكنوا في الأراضي المشجرة جنوب تيغيلين. لكن بعد بمرور سنة على هرب تورين من دورياث, عثر بيليغ على مخبأهم ليلاً, وتصادف ذلك مع ذهاب تورين لخارج المخيم, فألقوا القبض على بيليغ وربطوه وعاملوه بقسوة, لأنهم ظنوه جاسوس ملك دورياث. لكن عندما عاد تورين ورأى ما فعلوه به, ندم على الأعمال الشريرة والفوضوية, وحرر بيليغ, وجدد صداقته معه, فيما بعد تخلى تورين عن الحرب والنهب ضد الجميع باستثناء خدم أنغباند.

أخبر بيليغ, تورين بعفو الملك عنه وأراد إقناعه بالعودة إلى دورياث لأنهم بحاجة إلى قوته وبسالته في حماية المعسكرات الشمالية للمملكة. وقال له: لقد وجد الأوركس أخيراً الطريق للخروج من تاور نو فوين. ولقد عملوا طريقاً يمر من أناخ.

فقال له تورين : أنا لا أتذكره.

قال له بيليغ: فعلاً نحن لم نذهب أبداً خارج الحدود, لكنك رأيت قمم كريسايغريم من بعيد. وإلى الشرق منها تقع الأسوار المظلمة لغورغورث, وعبر أناخ يقع بينهما, فوق ينابيع مينديب العاليه, وهو طريق صعب وخطر إلا أن كثيرين يعبرونه الآن. وديمبار الذي اعتاد أن يكون آمناً, سقط الآن تحت اليد السوداء. ورجال بريثيل قلقون, فهم بحاجتنا هناك.

لكن بكبريائه رفض تورين عفو الملك ولم تنفع كلمات بيليغ في تغيير مزاجه, ومن جهته حث بيليغ على البقاء معهم في غرب سيريون, لكن بيليغ قال له بأنه لا يستطيع أن يفعل ذلك, وقال له كم أنت قاسي وعنيد يا تورين. والآن جاء دوري فإذا تمنيت أن تكون بجانبك قوسٌ قوية فابحث عني في ديمبار, لأنني عائدٌ إلى هناك.

في اليوم التالي خرج بيليغ وذهب معه تورين على بعد رمية قوس من المخيم لكنه لم يقل شيئاً. إذاً هذا وداعٌ يا ابن هورين ؟ قالها بيليغ. عندها نظر تورين إلى الغرب ورأى في البعيد وعلى ارتفاع كبير, آمون روذ, وغير مكترثٍ لما يراه أمامهُ أجاب: لقد قلت لي ابحث عني في ديمبار لكنني أقول لك: ابحث عني على آمون روذ أيضاً. وهذا وداعنا الأخير, ثم افترقا كصديقين حزينين.

عاد بيليغ إلى الكهوف الألف, ووقف أمام ثينغول وميليان وأخبرهما بكل ما حدث معه, إلا المعاملة الشريرة التي لقيها من أصحاب تورين. تنهد ثينغول قائلاً: ماذا يريد مني تورين أن أفعل أكثر من ذلك؟

فقال له بيليغ: دعني أغادر يا سيدي وأنا سأحرسه وأرشده مثلما أرشد نفسي. عندها لا نريد أن يقول أي إنسان, بأن كلام الجان وعهودهم لا قيمة لها. ولا أتمنى رؤية الأشياء العظيمة الرائعة تسير إلى الفناء في البرية.

أذن له ثينغول بالذهاب كما أراد وقال له: يا بيليغ كوثاليون لقد اكتسبت شكري وامتناني لك في الكثير من الأعمال, ولن يكون آخرها إيجاد الابن الذي ربيته, وفي هذا الافتراق اسألني أي مكافئة تريد ولن أنكر عليك شيء.

فقال بيليغ أريد سيفاً قيماً لأنني قد أواجه الأوركس وسيكون قريبين جداً مني, ومثل هذا النصل الذي في يدي غير قادر على اختراق دروعهم السميكة.

فقال له ثينغول: اختر ما شئت إلا أرانروث[75], فهو لي.

عندها اختار بيليغ سيف اسمه أنغلاخيل[76], وكان سيف عظيم القيمة, وجاء اسمة من الحديد الذي سقط من السماء كنجم مشتعل, فهو يستطيع شق وقطع كل الحديد المستخرج من الأرض. هناك سيف آخر في الأرض الوسطى يعادل هذا السيف وهو من صنع نفس الحداد ونفس الخامة مع أن ذلك السيف لا يدخل في قصتنا هذه. وذلك الحداد يكون إيول الجنيّ المظلم المقيم في نان إيلموث, زوج أريذيل أخت الملك تورغون. وقد دفع هذا السيف أنغلاخيل للملك ثينغول كرسم لإقامته في نان إيلموث. لكنه احتفظ عنده بنظير هذا السيف وهو أنغويريل. حتى سرقه منه ابنه مايغلين.

لكن عندما أدار ثينغول مقبض أنغلاخيل نحو بيليغ, نظرت ميليان إلى النصل وقالت: هناك حقد في هذا السيف. فمازال القلب الأسود للحداد الذي صنعه يسكن فيه, وهو لن يحب اليد التي تمسكه. لكنه سيبقى معك لمدة طويلة.

فقال بيليغ: مع هذا فأنا سأستخدمه ببراعة إذا صار لي.

قالت له ميليان: الهدية الأخرى ستكون مني لك يا كوثاليون, وتلك ستكون مَعينٌ لك في البرية, لتساعدك وتساعد من تختار معك. فأعطته مخزن من ليمباس وهو خبز الطريق لدى الجان, ملفوفة بأرواق فضية, والخيوط التي ربطتها بها ختمت بعقد خاتم الملكة. وهو عبارة عن رقائق من الشمع الأبيض يشبه شكل زهرة تيلبيريون طبقاً لعادات إيلدالي, فإعطاء الليمباس أو منعه مرتبط فقط بالملكة وحدها. فلم تعمل ميليان بأي عمل ظاهري يؤيد تورين, أعظم من هذه الهدية, ولم يسمح إيلدار لأي إنسان أن يستخدم الليمباس, خبز الطريق, ومن النادر أن يعملها ثانيةً.

غادر بيليغ بهذه الهدايا من مينيغروث عائداً إلى المعسكرات الشمالية حيث كان مسكنه هو وأصدقاءه هناك. ثم طردوا الأوركس عن ديمبار, وأنغلاخيل في غمده. لكن عندما أتى الشتاء وهدأت الحرب فجأة تغيب الرفاق عن بيليغ, ولم يعد إليهم بعد ذلك.

بعد أن افترق بيليغ عن تورين والمجرمين الذين معه وعاد إلى دورياث. قاد تورين مجموعته وخرجوا من غرب وادي سيريون, لأنهم تعبوا من حياة الترقب والمطاردة, وأرادوا البحث عن ملجأ أكثر أماناً. وتصادف في ذلك الوقت من المساء أن وقعوا على ثلاثة أقزام. هرب الأقزام من أمامهم وتخلف واحد منهم, فقبضوا عليه وأسروه, وأخذ أحد أعضاء الصحبة سهماً ووضعه في قوسه ورمى نحو القزمين الذين فرا, لكنهما اختفيا في الغسق. كان اسم القزم الذي أسروه مييم, تذرع هذا القزم لتورين بأن يبقيه حيّاً. وعرض عليهم كفدية لحياته, بأن يقودهم إلى قاعاته المخفية. والتي لن يتمكن أحد من إيجادها بدون مساعدته هو. فأشفق عليه تورين وأنقذه وقال له أين بيتك؟

عندها أجاب مييم: أنه في الأعلى فوق التل, يتمدد بيت مييم على التل الكبير المسمى آمون روذ, فقد دعوه بهذا الاسم منذ أن غير الجان كل الأسماء.

صمت تورين ونظر مطولاً إلى القزم وقال له أخيراً: أنت الذي ستأخذنا إلى ذلك المكان.

ذهبوا في اليوم التالي إلى تل آمون روذ يتبعون مييم. يقف ذلك التل على حافة الأراضي البرية, المرتفعة بين وديان سيريون وناروغ. كمرجة خضراء مرفوعة كالتاج على أعلى القمم الحجرية. لكن رأس التل كان رمادياً وعراً, وعارياً من كل شيء إلا من السيريغون[77] الأحمر الذي كان يغطي الحجارة. وعندما صعد رجال تورين واقتربوا أكثر, كانت أشعة الشمس الغاربة تكسر الغيوم وتسقط على التاج. وفي وقتها كان كل السيريغون مُزهراً فقال أحد الصحبة هناك دماءٌ على قمة التل.

قادهم مييم من طرقٍ سريةٍ, فوق سفوح آمون روذ الحاده. وعند مدخل كهفه انحنى القزم لتورين قائلاً: ادخل بار آين دانويذ, بيت الفدية, ينبغي أن يصبح اسمه هكذا لأنني افتديت به نفسي.

دخل عليهم قزمٌ آخر يحمل ضوء بيده, رحب بهم وتحدثوا معه ثم قام مسرعاً ونزل إلى ظلمة الكهف. فتبعه تورين, وبعد مسافة طويلة وصل إلى غرفة مضاءة بالمصابيح الخافتة المعلقة بالسلاسل, هناك وجدوا مييم راكعاً أمام سرير حجري بجانب الجدار. يمزق لحيته وينوح صارخاً, مردداً اسماً واحداً. وعلى الأريكة كان يستلقي قزمٌ ثالث, فدخل تورين ووقف بجانب مييم وعرض عليه المساعدة, نظر مييم إليه وقال: لن تستطيع مساعدتي, لأن هذا هو ابني خييم, لقد مات بسهم أطلق عليه عند غروب الشمس. وابني إيبون هو من أخبرني بذلك.

عندها دخلت الشفقة إلى قلب تورين وقال لمييم: يا للأسف. ليس بإمكاننا استرداد ذلك السهم. وحقيقة فهذا البيت هو بار آين دانويذ. فلم آتي من أجل الثروة, وسأدفع لك فدية ابنك ذهباً, كرمزٍ عن الحزن, على الرغم من أن قلبك لن يفرح بذلك كثيراً.

وقف مييم ونظر مطولاً إلى تورين وقال: سمعتك. فأنت تتكلم مثل سادة الأقزام القدماء. وأنا متعجب من هذا, الآن برد قلبي مع أنه غير مسرور, وفي هذا البيت ستسكن, إذا أردت, لأنني أنا سأدفع فديتي.

هكذا بدأت إقامة تورين في بيت مييم المخفي على آمون روذ. وراح يمشي على العشب أمام مدخل الكهف, وينظر شرقاً وغرباً وشمالاً, وبينما كان ينظر شمالاً لمح غابة بريثيل الخضراء تتسلق حول آمون أوبيل القابع في وسطها, فانسحبت عيونه إلى ذلك المكان ولم يعرف لماذا, لأن قلبه موجود بالأحرى في المنطقة الشمالية الغربية, حيث على بعد فراسخ فوق فراسخ بعيداً على مشارف السماء يمكنه أن يلمح جبال الظل, جدران بيته. وفي المساء نظر تورين إلى الغرب عند هبوط الشمس. وكان طريق الشمس الأحمر النازل إلى الأسفل يعتم فوق السواحل البعيدة حيث هناك يقع وادي ناروغ عميقاً بين الظلال.

في ذلك الوقت تحدث تورين مع مييم كثيراً, وكان يجلس معه لوحده ويستمع إلى علمه وقصة حياته. لأن مييم أتى مع الأقزام في الأيام الغابرة من مدن الأقزام العظيمة في الشرق, قبل عودة مورغوث بزمن طويل تجولوا إلى الغرب من بيليرياند. لكن بسبب تناقص قيمة حرفة الحدادة, فقد أخذ الأقزام إلى الحياة السرية, والمشي بأكتاف محنية وخطوات خفيفة وماكره. وقبل أن يأتي أقزام نوغرود وبيليغوست إلى الغرب عبر الجبال فلم يكن يعرف الجان من هم هؤلاء الآخرون. لذلك تعقبوهم وقتلوهم لكن بعد ذلك تركوهم وشأنهم, وأولئك دُعوا نويغيث نيبين, أي الأقزام التافهين. بلغة سيندارين. فهم لم يحبوا إلا أنفسهم. وكانوا يخافون الأوركس ويكرهونهم كثيراً, ولم يقّل كرههم لإيلدار عن ذلك, ومن إيلدار كرهوا أكثر من الجميع المنفيون لأنهم قالوا بأن نولدور قد سرق أرضهم وبيوتهم, فمنذ مدة طويلة اكتشف الأقزام كهوف نارغوثروند قبل أن يأتي إليها الملك فينرود فيلاغوند من البحر ويبدأ الحفر بواسطتهم. وتحت تاج آمون روذ, التل الأقرع, فقد ضجرت الأيدي البطيئة للأقزام التافهين, وعمقت الكهوف التي يسكنوها هناك خلال السنوات الطويلة. غير متأثرين بالجان الرماديين الذين يسكنون الغابة, لكن الآن تضاءلوا كثيراً, واندثروا من الأرض الوسطى. ولم يبقى منهم إلا مييم وولديه. كان مييم كبيراً بالسن حتى في حسابات الأقزام. قديم ومنسي, حتى في قاعاته فإن ورشة الحدادة كانت معطلة, والفؤوس صدأه. ولم يذكر اسمهم إلا في الحكايات القديمة لدورياث ونارغوثروند.

في منتصف الشتاء حيث نزل الثلج الثقيل من الشمال وكان أكثر مما تعودت عليه الوديان النهرية وغطّت الثلوج آمون روذ. قيل بأن قسوة شتاء بيليرياند كانت بسبب ازداد قوة أنغباند, فلم يتجرأ على الحركة في الخارج إلا القليل من المتجاسرين, وسقط البعض مرضى والجميع قرصهم الجوع. لكن في أحد أيام ذلك الشتاء وفي الغسق الخافت ظهر فجأة بينهم رجل, ضخم الجثة والبطن, يرتدي عباءةً طويلةً ذات غطاء للرأس وكانت مغطاة بالثلوج. مشى إلى النار دون أن ينطق بحرف, وعندما نهض الرجال واقفين من الخوف, ضحك وازاح قلنسوته عن رأسه وتحت عباءته العريضة كان يحمل علبة كبيرة, وعلى ضوء النار نظر إليه تورين ثانيةً فعرفه وإذا هو بيليغ كوثاليون.

هكذا عاد بيليغ مرة أخرى إلى تورين وكان لقاءً سعيداً. وكان قد جلب معه من ديمبار خوذة التنين من دور لومين. فقد كان يعتقد أن باستطاعته جعل تورين يتخلى عن عيشة التشرد في البرية كزعيم لجماعة تافهة, لكنه اصطدم بعناد تورين الذي لم يكن راغباً بالعودة إلى دورياث مجدداً. فاستسلم بيليغ إلى عاطفته المحبة لتورين, ولو كان ذلك ضد قناعاته وقرر عدم المغادرة والبقاء إلى جانب تورين. وفي ذلك الوقت عمل أشياء كثيرة في مصلحة رفقة تورين, فقد كان بينهم المريض والمجروح فأعطاهم الليمباس الذي منحته إياه ميليان فساعدهم ذلك على الشفاء بسرعة. مع أن الجان الرماديين كانوا أقل معرفة ومهارة من المنفيين من ڤالينور, لكنهم وفي دروب الأرض الوسطى كانوا يمتلكون الحكمة التي كانت خارج متناول البشر, ولأن بيليغ كان قوياً وجلوداً, بعيد البصر والبصيرة, فقد جاء لكي يحمل الشرف بين مجرمين, لكن كراهية مييم للجني الذي دخل إلى بار آين دانويذ ازدادت وتعاظمت. فجلس مع ابنه ايبون في الظل الأعمق من بيته, ولم يتكلما بشيء, ولم يهتم تورين كثيراً لأمر القزم. لكن عندما انقضى الشتاء وجاء الربيع كان لديهم الكثير من الأعمال الصعبة ليفعلوها.

من يعرف الآن ماهي آراء مورغوث؟ ومن يستطيع أن يعلم إلى أين يصل الفكر الذي يمتلكه ميلكور, فقد كان جباراً بين آينور أثناء الأغنية العظيمة. وها هو الآن يجلس كسيدٍ للظلام على عرش الظلام في الشمال, يوازن بين خبثه والأخبار التي تأتيه, فيدرك المقاصد والأعمال, حتى أحكم الحكماء بينهم يخافون منه, باستثناء الملكة ميليان؟ وإليها في أغلب الأحيان اتجه تفكير مورغوث وامتد نحوها لكنه دائماً كان يعود محبطاً.

تحركت قوة أنغباند ثانيةً, وكأصابع اليد الطويلة التي تتلمس, كذلك كانت مقدمة جيوشة تتقصى الطريق إلى بيليرياند, جاؤوا من خلال أناخ. وأخذوا ديمبار وكل المعسكرات الشمالية لدورياث. ونزلوا من الطريق القديم الذي يؤدي إلى الممر الضيِّق لسيريون. حيث الجزيرة التي بنى عليها في الماضي فينرود برج المراقبة ميناس تيريث, وهكذا من خلال الأرض التي بين مالدوين وسيريون, ومن خلال أطراف غابة بريثيل حتى معابر تيغيلين, ومن هناك يستمر الطريق إلى السهل المحروس. لكن الأوركس لم يذهبوا بعيداً فوقه, لأنه يسكن الآن في البرية إرهاب خفي, وعلى التل الأحمر كانت عيون يقظة, والتي لم تُحَذّرْ, لأن تورين وضع خوذة هادور, وسار الهمس في بيليرياند بالطول والعرض, تحت الغابات وعلى الجداول ومن خلال معابر التلال, يقول بأن الخوذة والقوس الذين سقطا في ديمبار ظهرا ثانيةً وراء الأمل. عندها ذهب كثيرون بدون قيادة, محرومين لكن شجعان, أخذتهم العاطفة ثانيةً وجاءوا قاصدين قائدين اثنين. دور كوارثول. أرض القوس والخوذة, هكذا كان اسم تلك المنطقة الواقعة بين تيغيلين والمعسكرات الغربية لدورياث. وسمى تورين نفسه غورثول, الخوذة المرعبة. وعاد قلبهُ قوياً كما كان في السابق. سُمع عن الأعمال المشهورة للقائدين في مينيغروث وفي القاعات العميقة لنارغوثروند وحتى في المملكة المخفية لغوندولين. وفي أنغباند أيضاً سمعوا عنهم, ضحك مورغوث لأنه الآن وبواسطة خوذة التنين فقد انكشف ابن هورين له ثانيةً. وقبل ذلك بمدة طويلة كان آمون روذ, مطوَّقٌ بالجواسيس.

خرج مييم وابنه إيبون من بار آين دانويذ في أواخر السنة لجمع الجذور من البرية لتخزينها للشتاء, فوقعوا أسرى بيد الأوركس. عندها وللمرة الثانية وعدهم مييم بأن يدلهم على الطرق السرية لبيته على آمون روذ. لكنه رغم ذلك حاول أن يؤخرهم وطلب منهم عدم قتل غورثول. عندها ضحك قائد الأوركس وقال لمييم: بالتأكيد لن نذبح تورين بن هورين.

هكذا كانت خيانة بار آين دانويذ, لأن الأوركس وقعوا عليه في وقت غير متوقع من الليل, بإرشاد مييم, وذبحوا كثيرين من جماعة تورين وهم نيام, والبعض هرب من الأدراج الداخلية إلى قمة التل وهناك قاتلوا حتى قتلوا جميعهم, فتدفق دمهم على سيريغون الذي يغطي الحجارة. لكن أُلقيت شبكة على تورين وهو يقاتل, مما جعلته يشتبك بها فتغلبوا عليه وقهروه, واقتادوه معهم.

بعد أن حلَ الصمت ثانيةً بالمكان, زحف مييم خارج عتمة منزله وكانت الشمس ما تزال تطل من بين السحب فوق سيريون. ووقف بجانب القتلى على قمة التل, وهو يدرك بأن ليس كل الملقون على الأرض هنا أموات. ألقى نظرة واحدةً ثم عاد ونظر في عيون الجني بيليغ, فاستيقظت الكراهية القديمة في قلبه. وقف مييم فوق بيليغ وسحب السيف أنغلاخيل الذي كان ملقى تحت جسد شخص مقتولٍ بجانبه وضرب به بيليغ, لكن بيليغ تحاشى الضربة وأمسك بالسيف وطعن به القزم. هرب مييم خائفاً مرتعداً من قمة التل, فصرخ عليه بيليغ قائلاً, إن ثأر بيت هادور سيجدك رغم كل شيء.

كانت جراح بيليغ كبيرةً ومؤذيةً, لكنه كان جباراً بين جان الأرض الوسطى وعلاوة على ذلك, كان بارعاً في المداواة. لذلك لم يمت, وعادت إليه قوته ببطء, وأخذ يبحث عن تورين بين القتلى لكي يدفنه, لكنه لم يجده. فعلم أن ابن هورين مازال حياً وقد يكون أسيراً وأخذوه معهم إلى أنغباند.

غادر بيليغ آمون روذ بالقليل من الأمل, ذهب شمالاً نحو معابر تيغيلين يقتفي أثر الأوركس, عَبَرَ بريثياخ وسار من خلال ديمبار نحو معبر أناخ. ولم يكن بعيداً عنهم, لأنه كان يسير طوال الليل بدون نوم, بينما هم تلكأوا على طريقهم, حيث كانوا يصطادون في الأراضي فلا خوف من أن يطاردهم أحد, واتجهوا نحو الشمال. حتى دخلوا الغابة المرعبة تور نو فوين. عندها انحرف بيليغ قليلاً عن اثرهم, لأن مهارة بيليغ لا يضاهيها أحدٌ في الأرض الوسطى. وعندما عبر تلك الأرض الشريرة ليلاً, أتى على شخص كان نائماً تحت جذع شجرة ميته. وقف بيليغ بجانب النائم فرأى بأنه جني. تكلم معه وأعطاه ليمباس وسأله ما الذي قاده إلى هذا المصير الفظيع, فقال له بأن اسمه غويندور بن غويلين.

نظر بيليغ إليه بحزن لأن غويندور لم يكن سوى ظلٌ مقوس الظهر لما عاناه من الخوف ونوبات الغضب. فأثناء نيرنايث أرنوي دياد كان قد ركب مع سيد نارغوثروند بالشجاعة المتسرعة إلى أبواب أنغباند وهناك تم أُسره. قتل مورغوث بعض الذين أمسك بهم من نولدور, وبعث بالبقية للعمل في المناجم بسبب مهارتهم في التعدين وصناعة المجوهرات. وكان غويندور من بين الذين أخذوهم للعمل في مناجم الشمال. كان بعض جان التعدين هؤلاء يهربون من الطرق السرية التي لا يعرفها غيرهم. وهذا ما حدث مع هذا الشخص الذي وجده بيليغ. وكان مستهلكاً ومحتاراً في متاهات تور نو فوين.

أخبره غويندور أنه رأى وهو متخفي بين الأشجار, مجموعة كبيرة من الأوركس يتجهون إلى الشمال, ومعهم الذئاب وكان بينهم رجل يداه مقيدتان. كانوا يقتادوه بالسياط, وكان طويل جداً بطول رجال تلال هيثلوم الضبابية. ثم أخبره بيليغ بمهمته الخاصة في تور نو فوين, أراد غويندور ثنيه عن مسعاه قائلاً: لأنك ستنظم إليه في المعاناة والألم الذي ينتظره. لكن بيليغ لن يتخلى عن تورين, حتى أنه أثار قلب غويندور اليائس, فتعقبا الأوركس معاً حتى خرجوا من الغابة إلى السفوح العالية النازلة إلى كثبان إنفاوغليث القاحلة. هنالك وعلى مرمى البصر من قمم ثانغورودريم, نصب الأوركس معسكرهم في وادٍ صغيرٍ مكشوف, حيث ضوء النهار كان خافتاً. ووضعوا تورين في حفرة محروسة من الذئاب وهم جلسوا ليشربوا. آنذاك هبت عاصفة عاتية من الغرب, ولمع البرق بعيداً على الجبال الغامضة. عندها تسلل بيليغ وغويندور إلى هذا الوادي الصغير.

وعندما نام كل من في المعسكر, أخذ بيليغ قوسه وراح يرمي في الظلام على الحراس, الواحد تلو الآخر وبشكل صامت. ثم خاطرا كثيراً ودخلا إلى المعسكر فوجدا تورين مقيد اليدين والقدمين وقد ربطوه إلى شجرة يابسة. وعلى كافة أنحاء جسمه آثار خدوش السكاكين التي كانوا يرمونه بها. كان فاقداً للوعي, ونائماً من شدة الإرهاق. لكن بيليغ وغويندور قطعوا القيود التي ربطته. فأخرجاه من الوادي, وحملاه إلى الطريق الذي يمر من فوق أجمةٍ صغيرةٍ من أشجار الزعرور. أصبحت العاصفة قريبةً جداً الآن, فسحب بيليغ سيفه أنغلاخيل وقطع به قيود تورين. لكن القدر كان معانداً في ذلك اليوم, لأن نصل السيف انزلق أثناء قطع الأغلال وجرح قدم تورين. فنهض تورين من نومه غاضباً وقد أثاره الجرح. وبخوفه وغضبه تراءى له بأن شخصاً قد انحنى فوقه بنصلٍ مجردٍ, فقفز من مكانه وهو يصرخ. معتقداً بأن الأوركس بدأوا بتعذيبه ثانية, فأخذ يتصارع مع هذا الشخص في الظلام, ثم استولى على أنغلاخيل, وطعن به بيليغ كوثاليون فقتله وهو يضنه عدواً.

لكنه عندما وقف ووجد نفسه حراً, وكان مستعداً لدفع حياته ثمناً باهضاً لمقاتلة الأعداء الذين تخيلهم. عندها ومضت برقةٌ عظيمة فوقهم وفي ضوئها نظر إلى وجه بيليغ, فوقف مثل الحجر الصامت يحدق في الموت المخيف, وعرف ما الذي فعله, فقد كان وجهه فظيعاً جداً. أضاء البرق كل المكان حوله هناك فرأى غويندور ينكمش على الأرض ولم يرفع عينيه.

اضطرب كل معسكر الأوركس في الوادي لأنهم كانوا خائفين من الرعد القادم من الغرب, لاعتقادهم بأنه أرسل إليهم من أعدائهم العظماء خلف البحر, ثم عصفت الريح وتساقط مطر غزير محدثاً سيولاً تكنس كل ما في طريقها من سفوح تاور نو فوين. مع ذلك فقد نادى غويندور إلى تورين يحذره من خطرهم لكن تورين لم يجب, بل جلس في العاصفة بجانب جثة بيليغ كوثاليون بلا حراك ولا بكاء.

في الصباح مرت العاصفة عن الوادي باتجاه الشرق عبر لوثلان. وأشرقت شمس الخريف لامعة ودافئة. اعتقد الأوركس بأن تورين قد هرب بعيداً عن ذلك المكان حتى أن أثار هروبه أزالتها العاصفة. لذلك رجعوا مستعجلين إلى مورغوث, فارغي اليدين تاركين ابن هورين خلفهم, شاهدهم غويندور من بعيد يمشون على رمال إنفاوغليث الحارقة, أما تورين فقد جلس مخبولاً غير مدركٍ لما فعل على سفوح تاور نو فوين. ويحمل عبئاً أثقل من أغلال الأوركس.

حَثَّ غويندور تورين على مساعدته في دفن بيليغ, فنهض وكأنه يمشي بنومه, وضعا بيليغ في القبر الضحل سويةً, ووضعا بجانبه قوسه العظيم بيلثروندينغ. التي صُنعت من خشب السرو الأسود, لكن السيف المخيف أنغلاخيل فقد أخذه غويندور, قائلاً من الأفضل أن ننتقم به من خدم مورغوث من أن نبقيه ملقى على الأرض, وأخذ ليمباس ميليان لتقويهم في البرية.

هكذا كانت نهاية بيليغ القوس القوية, أوفى الأصدقاء, مهارته عظيمة أكثر من كل الذين آوتهم غابات بيليرياند منذ القدم. وكانت نهايته على يد من أحبَّ, وذلك الحزن محفور في وجه تورين ولن يمحى أبداً. لكن القوة والشجاعة تجددتا في غويندور جني نارغوثروند. فقاد تورين مبتعدين عن تاور نو فوين, ولا مرة أثناء تجوالهم سوية على الطرق الطويلة الصعبة سَمع تورين يتكلم, فقد مشى كانسان بدون هدف أو أمنية, وبينما اقتربت نهاية السنة واقترب الشتاء على الأراضي الشمالية, لكن غويندور كان دائماً إلى جانبه يحرسه ويوجهه, هكذا عبرا غرباً فوق سيريون, وجاءا بعد طول مسير إلى إيثيل إيڤرين, حيث منابع نهر ناروغ تحت جبال الظل. هناك تكلم غويندور مع تورين قائلاً: استيقظ يا تورين بن هورين ثاليون, على بحيرة إيڤرين ضحك لا نهائي, إنها تتغذى من الينابيع البلورية التي لا تنضب, ويحرسها من الدنس, أولمو سيد المياه, الذي صنع جمالها في الأيام الغابرة. ركع تورين وشرب من ذلك الماء. ثم رمى نفسه على الأرض, وأخيراً انهمرت دموعه, وكان شفاؤه من جنونه.

وهناك عمل أغنية لبيليغ. سماها لاير كو بيليغ, أغنية القوس العظيم, وغناها جهورياً غير مهتم للخطر. ووضع له غويندور السيف أنغلاخيل في يده, عرف تورين بأنه سيف قوي وثقيل ويمتلك قوة عظمى. لكن نصله كان أسود وبليد, وحوافه مثلمه, ثم قال له غويندور: هذا نصل غريب ومختلف عن كل ما رأيت في الأرض الوسطى. أنه حزين على بيليغ مثلك, لكن كُنْ مرتاحاً ,لأنني سأعود إلى نارغوثروند إلي بيت فينارفين ويجب أن تأتي معي. وأن تتعافى من جديد.

فقال له تورين: من أنت؟

فأجابه غويندور: جنٌ متشردْ, عبدٌ هاربْ, أنا الذي وجده بيليغ وأعانه. فقد كنت غويندور بن غويلين سيداً من نارغوثروند, حتى ذهبت إلى نيرنايث أرنوي دياد, وهناك وقعتُ في الأسر واستُعبدتْ في أنغباند.

فقال تورين: إذا هل رأيت هورين بن غالدور, محاربٌ من دور لومين؟

فقال له غويندور: لا لم أراه, لكن يشاع في أنغباند بأنه مازال يتحدى مورغوث. وقد وضع مورغوث حوله لعنة تلفه هو وكل أقربائه.

فقال تورين: اعتقدت ذلك.

بعدها غادرا إيثيل إيڤرين مسافرين جنوباً على طول ضفاف ناروغ. فعثر عليهما كشّافةٌ من الجان وأخذوهما أسيرين إلى المعقل المخفي, وهكذا كان وصول تورين إلى نارغوثروند.

في بادئ الأمر لم يتعرف الناس على غويندور الذي خرج صغيراً وقوياً وعاد كواحدٍ من البشر المسنين, بسبب عذابه والأعمال التي كان يقوم بها, لكن فيندويلاس بنت الملك أورودريث عرفته ورحبت به, لأنها كانت تحبه قبل نيرنايث, وكذلك هو أحبَّ جمالها وسماها فايليڤرين, ومعناه وميض الشمس على بحيرة إيڤرين. ومن أجل خاطر غويندور فقد أبقوا على تورين في نارغوثروند, وسكن معه معززاً مكرماً, لكن عندما أراد غويندور أن يلفظ اسمه, كان تورين يقاطعه ويقول: أنا آغارواين من أبناء أومارث (أي هو الملطخ بالدماء, ابن المصير السيء) صياد في الغابات, بعدها لم يستجوبه جان نارغوثروند أكثر من ذلك.

وفي الأوقات اللاحقة ارتفعت قيمة تورين عند الملك أورودريث. وأصبح مقرباً من قلوب الجميع في نارغوثروند, لأنه كان شاباً, وقد وصل الآن إلى اكتمال رجولته, لكن بالحقيقة فإن من ينظر إليه يعرف أنه ابن موروين إيلذوين. بشعرة الأسود وبشرته الشاحبة وعيونه الرمادية, ووجهه الأجمل بين كل البشر. وكلامه ومعاناته في الأيام السابقة  تلك التي كانت في مملكة دورياث, حتى بين الجان فإنه قد يظن بأنه أحد أبناء البيوت العظيمة لنولدور, لذلك فقد دعاه كثيرون أدانيذيل الرجل الجان. أُعيد دق السيف أنغلاخيل ببراعة على أيدي حرفيين ماهرين من نارغوثروند, مع أنه بقي أسود إلا أن حافتاه قد لمعتا كالنور الخافت, وسماه غورثانغ, حديد الموت. فقد كانت بطولته ومهارته عظيمةً في القتال على حدود السهل المحمي وأصبح معروفاً للجميع باسم مورميغيل, السيف الأسود. وقال الجان: بأن مورميغيل لا يمكن أن يُقتَل إلا بسوء الحظ أو بسهم شرير غادر من بعيد. لذا فقد أعطوه درع قزم لحمايته, ووجدوا له في مستودعات السلاح  قناع قزم بهيئةٍ متجهمة ومذهَّبْ بالكامل, وكان يضعه قبل كل معركة, فكان الأعداء يهربون من أمامه.

تحول قلب فيندويلاس عن غويندور فأحبت تورين رغماً عنها, لكن تورين لم يكن يعلم بذلك, وبدأ قلب فيندويلاس يتمزق من الحزن, وأصبحت شاحبة وصامته, لكن غويندور جلس بالفكر المظلم, وفي الوقت المناسب تكلم مع فيندويلاس قائلاَ: يا بنت بيت فينارفين, لا تدعي الحزن يقع بيننا, على الرغم من أن مورغوث قد وضع حياتي في الخراب فمازلت أحبك. اذهبي إلى حيث يقودك قلبك لكن رغم ذلك أحذركِ, فلا يلائم أبناء إلوڤاتار الأقدم أن يتزوجوا من الأصغر, فهذه ليست من الحكمة لأنهم مختزلون وعمرهم قصير ومرورهم في الحياة سريع, فهم يغادروننا بسرعة, يتركوننا للترمل بينما ما تزال نهايات العالم بعيدة, أو أنه سيعاني من مصيره مرة أو مرتين فقط. ونحن لا ندرك ماهية الغاية العليا للقدر. لكن أليس هذا الرجل هو بيرين, فالقدر بانتظاره, وأستطيع قراءة قدره بعيوني, لكن القدر الأسود لن يدخل إليه. وإن فعلتِ فإن حبك سيقودك إلى المرارة والموت. لذلك يجب أن تصغي إليَّ, في الحقيقة هو ليس آغارواين بن أومارث, فاسمه الحقيقي تورين بن هورين. الذي حمله مورغوث إلى أنغباند, وكل عائلته ملعونين, ولا أَشكُ في قوة مورغوث باوغلير. وهذا القدر لم أكتبه أنا.

جلست فيندويلاس طويلاً تفكر, وفي الآخر قالت: لكن تورين بن هورين لم يحبني ولن يفعل.

وعندما علم تورين بالذي حدث بين غويندور وفيندويلاس, غضب وقال لغويندور: في الحب كنت سأحمل لك الخلاص وأبقيه بأمان. لكنك الآن قد آذيتني يا صديقي. فقد غدرتَ بي بذكرك لاسمي الحقيقي. واستدعاؤك لقدري الذي هربت منه.

لكن غويندور أجابه: قدرك يكمن في نفسك وليس في اسمك.

عندما أصبح معروفاً لدى أورودريث بأن مورميغيل هو بالحقيقة ابن هورين ثاليون. منحه شرفٌ عظيمْ. وأصبح تورين هائلاً بين شعب نارغوثروند, لكنه لم يكن ميالاً لأسلوبهم في الحرب. في الكمين والتسلل وإطلاق السهام بالخفاء. فهو يتوق إلى الشجاعة والمعارك المفتوحة في العراء, لاقت نصائحه مع الوقت آذاناً صاغية عند الملك. وفي تلك الأيام فإن جان نارغوثروند تركوا سريتهم وذهبوا إلى المعارك المفتوحة, وعملوا مخزن عظيم للأسلحة. وطبقاً لنصائح تورين, فقد بنى نولدور جسراً هائلاً على ناروغ, من أبواب فيلاغوند لكي يصلوا بسرعة إلى أسلحتهم, ثم طَردوا  خدم أنغباند من كل الأرض بين ناروغ وسيريون شرقاً, ومن نينينغ إلى خرائب فالاس غرباً, على الرغم من كل ذلك كان غويندور يتكلم دائماً ضد تورين في مجلس الملك, بأن كل أعمال تورين ما هي إلا سياسة سيئة, لذلك سقط غويندور إلى العار ولم يلقَ آذاناً صاغية, فقد ضعفت قوته ولم يعد يحمل السلاح لمدة طويلة. وهكذا قام بكشف نارغوثروند إلى كراهية وغضب مورغوث. لكن لم يزل تورين في صلاته لم يذكر اسمه الحقيقي, مع ذلك فقد ذاع صيته حتى وصل إلى دورياث وإلى آذان ثينغول, وسرت الإشاعات فقط حول السيف الأسود لنارغوثروند.

بسب أعمال مورميغيل فقد استأصلت قوة مورغوث من غرب سيريون, وفي ذلك الوقت من الرجاء والأمل, هربت موروين أخيراً من دور لومين ومعها ابنتها ناينور. وغامرت برحلة طويلة حتى وصلت إلى قاعات الملك ثينغول, لكن حزناً جديداً كان بانتظارها لأنها لم تجد ابنها تورين هناك. لأنه كان قد غادر, ولم تأتي أخبار إلى دورياث منذ أن اختفت خوذة التنين من أراضي غرب سيريون, لكن موروين بقيت في دورياث مع ناينور كضيوف ثينغول وميليان, تعاملان بالكثير من التشريف.

بعد مرور أربعمائة وخمسة وتسعون سنة على ظهور القمر وفي ربيع تلك السنة, حدث أن أتى إلى نارغوثروند اثنان من الجان يدعيا غيلمير وأرميناس, كانا من شعب أنغرود. لكنهما ومنذ داغور براغوللاخ سكنا في الجنوب مع  كيردان صُناع السفن. ومن رحلتهم البعيدة فقد جلبوا معهم أخباراً عن تجمعٍ عظيمٍ للأوركس والمخلوقات الشريرة تحت أطراف إيريد ويثرين وفي معابر سيريون, وقالوا أيضاً بأن أولمو جاء إلى كيردان, وحذره من اقتراب الخطر العظيم نحو نارغوثروند.

وقالا للملك: استمع لكلام سيد المياه مع كيردان صُنَّاع السفن حيث قال: لقد دنس الشر القادم من الشمال ينابيع سيريون, وبدأت قوتي تنسحب من المياه المتدفقة, لكن الشيء الأسوأ لم يأتِ بعد. ونصيحتي لسيد نارغوثروند, عليه أن يغلق أبواب القلعة ولا يذهبوا خارج أسوارها. وليحطموا الجسر الذي بنوه وليلقوا بالحجارة العظيمة في صخب النهر. فلربما يتيه الشر الزاحف ولا يجد الباب.

انزعج أورودريث من الكلمات المظلمة للرسل, لكن تورين لم يصغ على الإطلاق لهذه النصائح. على الأقل سيعاني الجميع من تدمير الجسر فقد كان قوياً وصلباً, وسيأمر الجميع كما يتمنى.

سرعان ما اغتيل هاندير, سيد بريثيل, لأن الأوركس غزو أرضه وخسر هاندير المعركة, لكن شعب بريثيل كانوا مترابطين وتراجعوا نحو غاباتهم. وفي خريف تلك السنة عندما حانت ساعتهم أطلق مورغوث على شعب ناروغ. مضيفه العظيم الذي قضى مدة طويلة في إعداده, مرَّ الأورولوكي غلاورونغ فوق إنفاوغليث ووصل أخيراً إلى الشمال من وادي سيريون, فعل هناك شروراً عظيمة. وتحت ظلال إيريد ويثرين كان قد نجّس إيثيل إيڤرين, ومن هناك عبر إلى مملكة نارغوثروند, فأحرق تالاث ديرنين, وهو السهل المحمي بين ناروغ وتيغيلين.

خرج محاربو نارغوثروند للحرب, وبدا تورين في ذلك اليوم طويلٌ وفظيع. وتعلقت قلوب الجيش به وقد ركب عن ميمنة الملك. لكن جيوش مورغوث كانت تبدو عن بعد أعظم بكثير مما أخبر عنه الكشافون. لكن لم يصمد إلا تورين أمام اقتراب غلاورونغ بقناعه قناع القزم. تراجع الجان أمام ضغط الأوركس على سهل تومهالاد بين غينغليث وناروغ. وحوصروا هناك, وفي ذلك اليوم ذهب كل كبرياء وفخر شعب نارغوثروند. فقد قُتل أورودريث منذ بداية المعركة. وأُصيب غويندور بن غويلين إصابات قاتله, فهب تورين لمساعدته بينما تفرق الجميع من حوله. حمل غويندور وخرج به عن الطريق وأوصله إلى الغابة ومدده على العشب.

قال غويندور لتورين: دع نتيجة أعمالي تدفع ثمن معاناتي, فسوء الحظ لي والمجد لك, لأن جسمي سيفسد بعد الشفاء, ويجب أن أترك الأرض الوسطى, مع ذلك فإنني أحبك يا ابن هورين. رغم ذلك فإني نادم على اليوم الذي أنقذتك فيه من الأوركس. لكن لمهارتك العالية وكبريائك فمازال أمامك الحب والحياة. وسيصمد نارغوثروند لفترة, والآن إذا كنت تحبني, اتركني وأسرع إلى نارغوثروند وأنقذ فيندويلاس وهذا آخر شيء أقوله لك. فهي الوحيدة التي تقف بينك وبين قدرك. وإذا فشلت في إيجادها فلن تفشل هي في إيجادك, الوداع.!

رجع تورين مسرعاً إلى نارغوثروند. فلم يجتمع مثل هذا الحشد المهزوم كالذي التقاه هناك على الطريق, فقد ذهبوا مثلما تذهب أوراق الأشجار المتساقطة في ريح عاتية, وعبروا من الخريف إلى الشتاء المريع. لكن حشود الأوركس والتنين غلاورونغ كانوا أمامه وقد وصلوا فجأةً. قبل أن يعلم أولئك الذين تركوا للحراسة ماذا حصل على حقل تومهالاد. وفي ذلك اليوم تبين أن الجسر على ناروغ كان مجلبةً للشر, لأنه كان كبير وصنع بقوة فلم يتمكنوا من تحطيمه بسرعة, ومنه عبر العدو بسهولة فوق النهر العميق. وجاء غلاورونغ بناره العظيمة إلى أمام بوابة فيلاغوند ودمرها وعبر منها إلى الداخل.

وعندما صعد تورين كان النهب المريع لنارغوثروند قد بلغ حدّهُ. حيث قام الأوركس بذبح وطرد من تبقى بأسلحتهم, ونهبوا وحطموا كل القاعات والغرف الكبيرة. أما النساء والعذارى اللواتي لم يحرقن أو يقتلن فقد جمعوهن على الأرصفة أمام الأبواب, ليأخذوهن إلى مورغوث كعبيد. أتى تورين فوق كل هذا الخراب والألم فلا يمكن لشيء أن يوقفه أو يمنعه, وضرب كل من صادفه أمامه ومر فوق الجسر حتى قطع الطريق نحو الأسرى.

وقف وحيداً لأن القلة التي تبعوه كانوا قد هربوا. وفي تلك اللحظة ظهر من الأبواب المفتوحة غلاورونغ وتمدد وراءها بين تورين والجسر, وتكلم فجأة بالروح الشريرة التي كانت فيه قائلاً: أهلاَ بك يا ابن هورين, هذا لقاء جيد.

قفز تورين حوله ومشى نحوه وأشرقت حواف غورثانغ مثل اللهب, لم يطلق عليه غلاورونغ نفخته الحارقة, لكنه فتح عيونه الشيطانية وحدق في تورين, نظر تورين إليه بدون خوف رافعاً سيفه, ومباشرةً سقط تحت التعويذة الملزمة لعيون التنين, فتوقفت حركته, ووقف ثابتاً كأنه تمثال من الحجارة, كانا لوحدهما صامتين أمام بوابة نارغوثروند, لكن غلاورونغ تكلم ثانيةً يعنف تورين ويقول له: كل طرقك كانت شريرة يا ابن هورين. طفل مدلل ناكر للجميل, خارج مجرم, قاتل الصديق, لص الحب, مغتصب نارغوثروند, قائد متهور, تارك أهلك وعشيرتك, أمك وأختك تعيشان كعبيد في دور لومين في البؤس والحاجة, وأنت مصنف هنا كأمير, وهما هناك تسيران في الخرق البالية, تتوقان لرؤيتك, ولكنك لم تحملهم إليك. ربما سيكون أباك سعيداً لمعرفة ولد مثلك عمل كما علمه أبوه. وأثناء ذلك كله ومايزال تورين تحت تأثير تعويذة عيون غلاورونغ مصغياً لكلماته, رأى نفسه كمن ينظر إلى نفسه في مرآة, ممسوخ بالحقد فاحتقر الشخص الذي كان يراه.

وبينما كان تورين محتجز بتعويذة عيون التنين في عذاب العقل ولا يقوى على التحرك, أبعد الأوركس الأسرى, ومروا مقتربين من تورين. عبروا الجسر وكانت فيندويلاس بينهم, صرخت لتورين عندما ذهبت, لكن لا صوتها ولا نوح الأسرى الذي فقد على الطريق الشمالي كان قادراً على تخليص تورين, ولم تتوقف أذناه عن سماع ذلك الصوت الذي طارده فيما بعد.

فجأة سحب غلاورونغ نظرته وانتظر فتحرك تورين ببطء كمن يستيقظ من حلمٍ قبيح. عاد إلى نفسه وقفز على التنين وهو يصرخ, لكن غلاورونغ ضحك قائلاً: إذا ضعفت ستموت, وأنا سأذبحك بكل سرو, لكن مساعدة صغيرة تلك التي طلبتها موروين وناينور, ولم تلتفت إليها ولا لنداءات امرأة جنية. حتى أنك تتنكر لرابطة دمك.

لكن تورين سحب سيفه وطعن التنين في عيونه. فتحاشى غلاورونغ الضربة بسرعة وارتفع للأعلى وقال: كلا على الأقل أنت شجاع, فكل الذين التقيت بهم كانوا يكذبون ويقولون إننا لانكرم شجاعة أعداءنا, انظر فها أنا الآن أمنحك الحرية, اذهب إلى أقاربك, إذا كنت تستطيع, هيا اذهب, وإذا تركت خلفك إنس أو جان فسيعمل حكاية عن هذه الأيام. ومن المؤكد أن اسمك سيكون محتقراً, إذا لم تحفزه هذه الهدية.

بدا تورين مرتبك بعيون التنين. كما لو كانت تلك معالجة من العدو الذي يعرف الشفقة, صدّق كلمات غلاورونغ فاستشاط غضباً وأسرع مبتعداً عن الجسر, لكن عندما ذهب تحدث غلاورونغ خلفة بصوت عنيف, عجّل الآن يا ابن هورين إلى دور لومين, أو ربما ستجد الأوركس أمامك مرة أخرى. وإذا تلكأت عن فيندويلاس. فإنك لن ترى موروين ثانيةً وأيضاً لن ترى ناينور أختك, التي ستلعنك.

لكن تورين أخذ طريقه إلى الشمال مبتعداً. ضحك غلاورونغ كثيراً لأنه أنجز مهمة سيده, ثم التفت إلى سعادته الخاصة, وأرسل نفخةً أحرق بها كل شيء حوله, لكن الأوركس الذين كانوا منشغلين بالنهب, فقد دفعتهم موجة النار ورمتهم بعيداً, وحرمتهم من نهبهم فلم يبقي معهم أي شيء له قيمة. انهار الجسر وسقطت حجارته وما عليها في زبد ناروغ, واستقرت في قاع ناروغ ثروات فيلاغوند مكدّسةً, ومغلق عليها في قاعات عميقة, لترتاح لبعض الوقت.

استعجل تورين على طول الطريق عبر الشمال خلال الأراضي المهجورة الآن, بين ناروغ وتيغيلين. جاء الشتاء مبكراً في تلك السنة, فقد نزل الثلج قبل أن يمر الخريف. وتأخر قدوم الربيع وكان بارداً, بدا إليه كأنما يسمع نداءات فيندويلاس, تناديه باسمه عبر الغابات والتلال, فكانت معاناته كبيرة, أما قلبه فكان حاراً من أكاذيب غلاورونغ, وأصبح يتخيل الأوركس يحرقون بيت هورين, أو يعذبون موروين وناينور, فحمل على طريقة ولم يلتفت إلى أي جانب.

أخيراً بَليتْ ملابسهُ وهيئتهِ من سرعته وطول طريقه ( فقد ارتحل لمسافة أربعين فرسخاً أو أكثر بدون استراحة) ثم وصل مع بدايات ثلج الشتاء إلى بحيرات إيڤرين, التي كانت قد شفته بالماضي من الجنون. أما الآن فقد كانت طين متجمد, ولا يمكنه إلا أن يشرب لا أكثر.

مر بصعوبة من خلال معابر دور لومين بسبب قساوة الثلوج القادمة من الشمال, ووجد ثانيةً أرض طفولته. التي أصبحت كئيبةً وعاريه. كانت موروين قد غادرت. وأصبح بيتها فارغاً محطماً وبارداً, فلا شيء حي يسكن بالقرب منه, لذا غادره تورين. وجاء إلى بيت برودا الإيستيرلينغ الذي زوجته هي آيرين قريبة هورين, هناك علموا من خادمة قديمة بأن موروين قد فرّت منذ مدة طويلة. ذهبت مع ناينور لخارج دور لومين. ولم يعرف أحد إلى أين ذهبت إلا آيرين.

خطا تورين نحو طاولة برودا وأمسك به ساحباً سيفة, وطلب منه بأن يخبره أين ذهبت موروين, عندها صرّحت له آيرين بأنها ذهبت إلى دورياث لتبحث عن ابنها, وقالت: لأن تلك الأراضي حُررت من الشر بالسيف الأسود من الجنوب. وهي نفس الأراضي التي سقطت الآن كما يقولون. عندها تفتحت عيون تورين لكأنما ذهبت الغشاوة عنهما وانتهت الخيوط الأخيرة من تعويذة غلاورونغ. وبسبب معاناته والغضب من الأكاذيب التي ضللته. والكراهية من ظلم موروين, فقد استولى عليه غضب أسود, وذبح برودا في قاعته وهرب إلى الشتاء, رجل مطارد من إيستيرلينغز النزلاء عند برودا. لكن البقية الباقية من شعب هادور ساعدوه وأرشدوه إلى طريق البرية. هرب مع تساقط الثلوج وجاء إلى مأوى مجرمين في الجبال الجنوبية لدور لومين, ومن هناك عبر تورين مرة ثانية من أرض طفولته وعاد إلى وادي سيريون, فقد شعر بالمرارة في قلبه لأنه جلب مشكلة أكبر إلى بقية شعبة في دور لومين. والذين كانوا مسرورين بهروبه, وهذه هي الراحة الوحيدة التي أحس بها. وبسبب براعته بالسيف الأسود فقد كانت الطرق إلى دورياث مفتوحةً أمام موروين. وقال في فكره: تلك الأفعال ليست شريرة على الكل, من جهة ثانية ربما أمنح الأفضل لأهلي, حتى ولو أتيت متاخراً. فإذا كان زنار ميليان محطماً عندها يكون الأمل الأخير قد ضاع, كلا هو أفضل بالحقيقة من أشياء أخرى قد تكون وقعت, لأني أينما حللت يحلُّ الظل, سأدع ميليان تبقيهم. وسأتركهم بسلام غير مظللين لفترة من الوقت.

نزل تورين من إيريد ويثرين ليبحث عن فيندويلاس لكن دون جدوى. يجوب الغابات التي بجانب الجبال فقد كان بريّاً ومتيقظاً كوحش, راقب كل الطرق التي تمر نحو الشمال إلى معابر سيريون, لكنه كان متأخراً جداً, وفَقدَ آثارهم القديمة, أو أن سيول الشتاء طمستها, رغم ذلك عبر إلى الجنوب ونزل إلى تيغيلين, فوجد بعض البشر من بريثيل محاصرين تحيط بهم جماعة من الأوركس. فأنقذهم من الأوركس الذين هربوا من سيفه غورثانغ, وأدعى بان اسمه وايلدمان, رجل البرية, من الغابات, فتوسلوا إليه للبقاء والسكن معهم, لكنه قال بأنه لا يستطيع, لأن عنده مهمةٍ غير منجزة بعد, وهي البحث عن فيندويلاس بنت أورودريث من نارغوثروند. عندها أخبره دورلاس زعيم أولئك الحطابين عن قصة موتها البشعة. فلقد كمن رجال بريثيل للأوركس في معابر تيغيلين, ورأوا حشود الأوركس قادمين يقودون أمامهم أسرى نارغوثروند, وعندما حاولوا إنقاذ الأسرى, قام الأوركس بذبح كل الأسرى وبقسوة, أما فيندويلاس فسمروها على الشجرة برمح, وبقيت هكذا حتى ماتت وآخر ما نطقته: أخبروا مورميغيل بأن فيندويلاس هنا. لذا قام الرجال بوضع جثتها في تلٍ بالقرب من هذا المكان وسموا ذلك التل, هاوذ آين ايللث, تل فتاة الجان.

طلب منهم تورين أن يقودوه إلى ذلك المكان, ومن حزنه سقط في الظلام فاقداً للوعي وكان قريباً من الموت. وقد عرفة دورلاس من سيفه الأسود التي وصلت شهرته إلى أعماق بريثيل, ولبحثه عن بنت الملك, فعَلِمَوا بأن وايلدمان ما هو إلا مورميغيل من نارغوثروند, والمشهور بالإشاعة بابن هورين من دور لومين. لذلك وضعه الحطابون على نعشٍ وحملوه إلى بيوتهم. فقد كانوا متحصنين في غابة إيفيل براندير الواقعة على السفوح العالية لتلة آمون أوبيل. ولأن شعب هاليث كانت قد تناقصت أعدادهم بسبب الحرب, وزعيمهم الآن براندير بن هاندير, رجلٌ لطيف لكنه كان أعرجاً منذ طفولته, وكان يعتمد على السرية أكثر من الأعمال الحربية لتفادي قوة الشمال. لذا فقد خاف من الأخبار التي وصلت إليه عن الشخص الذي جلبه معه دورلاس, وعندما نظر إلى وجه تورين الممدد على النعش, امتدت إلى قلبه غيمة تنذر بالشؤم وتحريك المشاكل, مع ذلك فقد أخذ الرجل إلى بيته وقام برعايته. كان براندير يمتلك قدرة على العلاج, ومع بداية الربيع قام بنزع الظلمة عن تورين, فاستيقظ من غيبوبته وعادت إليه عافيته من جديد. فكَّر تورين بأن يبقى مختفياً في بريثيل, وبأن يضع ظله القديم خلفه ويترك الماضي, لذلك اتخذ اسماً جديدً هو تورامبار ومعناه في لغة الجان العاليين, سيد الموت. والتمس من الحطابين أن ينسوا بأنه كان غريباً بينهم أو أنه كان يحمل اسماً آخر. مع ذلك فهو لا يستطيع أن يترك الأعمال الحربية نهائياً, فلا يستطيع تَحمُّلَ رؤية الأوركس وهم يأتون إلى معابر تيغيلين أو يقتربوا من هاوذ آين ايللث, فقد جعل ذلك المكان مخيفاً لهم ولذلك فقد تجنبوه. وأيضاً ترك سيفه الأسود, واستخدم عوضاً عنه القوس والرمح.

وصلت أخبار نارغوثروند وما حلَّ بها إلى دورياث مع بعض الناجين من هناك الذين استطاعوا الهرب من الموت والدمار والأسر. فبعد أن تحملوا قساوة الشتاء في البرية, تمكنوا من الوصول في نهاية المطاف إلى ثينغول يطلبون اللجوء عنده, حيث جلبهم حراس الحدود إلى الملك. وقال بعضهم بأن العدو انسحب إلى الشمال وقال آخرون بأن غلاورونغ مازال يقيم في قصور فيلاغوند. والبعض قالوا بأن مورميغيل قد ذُبح. أو وقع تحت تعويذة التنين ومازال هناك كتمثالٍ من الحجر. وصرحوا بأنه كان معروفاً لدى الجميع في نارغوثروند قبل النهاية, بأن مورميغيل هو نفسه تورين بن هورين من دور لومين.

 ذُهلت موروين لسماع هذه الأخبار وأرادت الذهاب للبحث عن ابنها, رافضةً نصيحة ميليان وراحت إلى البرية تفتش عن ولدها أو أية أخبار حقيقية عنه. لذلك فقد أرسل ثينغول خلفها مابلونغ مع العديد من الحراس الأشداء لإيجادها وحراستها أو ربما نقل الأخبار, ولم ينتبهوا إلى أن ناينور كانت خلفهم, فقد قادها الخوف على أهل بيتها من ساعة الشر. وعلى أمل أن تعود موروين إذا رأت ابنتها تذهب معها إلى الخطر, لذلك تنكرت ناينور كأحد أفراد شعب ثينغول, وذهبت بذلك الركب المشؤوم .

وجدوا موروين على ضفاف سيريون وقد توسل إليها مابلونغ بأن تعود معه إلى مينيغروث, لكنها كانت طفولية ولم تقتنع, ثم انكشف مجيء ناينور معهم, وعلى الرغم من أوامر موروين لها إلا أنها رفضت العودة, فاضطر مابلونغ لأخذهم إلى الممرات المخفية في بحيرات الغسق, عبروا نهر سيريون, وبعد سفر لمدة ثلاثة أيام وصلوا إلى آمون إيثير, تل الاستطلاع, الذي رفعه فيلاغوند منذ زمنٍ بعيد بعملٍ عظيم, كمعسكر أمام أبواب نارغوثروند. وهناك وضع مابلونغ لها ولابنتها, حرس من الخيّالة ومنعهم من الذهاب بعيداً. ثم نظر من التل فلم يرَ أية اشارة لوجود الأعداء فهبط مع كشافوه خلسة إلى ناروغ.

لكن غلاورونغ كان مدركاً لهم, فنفخ من حرارة غضبه في ماء النهر فتصاعد من النهر دخان كثيف وكريه, وعندما مرّ هذا البخار على مابلونغ ومجموعته أعمى عيونهم وضاعوا. بعدها عبر غلاورونغ نهر ناروغ إلى الشرق.

شاهد الحراس على آمون إيثير بداية هجوم التنين فأرادوا إبعاد موروين وناينور. وأسرعوا للعودة إلى الشرق. حملت الريح سحباً بيضاء من فوقهم فتأثرت الخيول وكأنها جنّتْ من رائحة التنين الكريهة فأصبحت صعبة الانقياد, وأخذت تركض في كل الاتجاهات, فبعض الخيول اصطدمت بالأشجار وماتت, وبعضها الآخر هرب بعيداً. هكذا أضاعوا السيدات, وفي الحقيقة لم يأتي فيما بعد أي خبر مؤكد إلى دورياث فيما يخص موروين, لكن ناينور كانت قد سقطت عن ظهر جوادها ولم تتأذى, فأخذت طريقها عائدةً إلى آمون إيثير, لتنتظر مابلونغ هناك, كان الدخان يغطي التل ويحجب نور الشمس, وعندما نظرت إلى جهة الغرب وجدت عيون غلاورونغ الذي وضع رأسه على قمة التل تحدق بها مباشرةً.

حاولت جاهدة مقاومته لفترة لكنه رفع من قوته, وبعد أن علم من هي أجبرها على التحديق في عينيه, واضعاً عليها تعويذةً من الظلام والنسيان المطلق, لكي لا تستطيع أن تتذكر أيَّ شيء حدث لها لا اسمها ولا اسم أيَّ شيء آخر, بقيت لعدة أيام لا تسمع ولا ترى ولم تتحرك بإرادتها, بعدها تركها غلاورونغ واقفةً لوحدها على آمون إيثير, وعاد إلى نارغوثروند.

قام مابلونغ والذي هو شجاعٌ فعلاً, باستكشاف قاعات فيلاغوند عندما كان غلاورونغ غائباً عنها, ثم هرب من القاعات في غفلة عين التنين وعاد إلى آمون إيثير, غابت الشمس وحل الليل بينما هو يتسلق صاعداً إلى التل, فلم يجد هناك إلا ناينور التي كانت واقفة تحت النجوم كصورة منقوشة على حجر, ولم تتكلم بأية كلمة ولم تسمع كلامه, لكنها تبعته عندما أمسك يدها واقتادها بعيداً, كان حزنه عليها عظيماً جداً, مع ذلك فقد بدا إليه بأن مسعاه عقيم, لأن كلاهما مشرفٌ على الهلاك بدون معين لهم في البرية.

وجدهما في البرية ثلاثة من أصحاب مابلونغ, فسافروا ببطء شديد نحو الشمال ثم إلى الشرق نحو أسيجة أرض دورياث خلف سيريون. والجسر المحروس يقترب من تدفق إيسغالدوين, وببطء عادت قوة ناينور كلما اقتربوا من دورياث, لكنها مازالت لا تستطيع الكلام أو السمع, فمشت كأنها عمياء تسير حيثما اقتيدت, لكن عندما اقتربوا من الأسيجة غالبها النعاس وأرادت النوم, فوضعوها على الأرض وجلسوا ليرتاحوا هم أيضاً, لكنهم لم يكونوا حذرين بالشكل الكامل لأنهم مرهقين تماماً, فهاجمتهم هناك فرقة من الأوركس. على غير العادة, فقد أصبح الأوركس يتجرؤون على التجول بالقرب من أسيجة دورياث. تعافت ناينور في تلك الساعة وعاد إليها السمع والبصر واستيقظت من صيحات الأوركس, فنهضت مرعوبة وهربت قبل أن يأتي أحدٌ إليها.

ثم تعقبها الأوركس وكان الجان خلفهم, فتجاوزوهم وقتلوهم قبل أن يؤذوها, لكن ناينور هربت. لقد فرت كالمجنون الخائف وكانت أسرع من الغزلان, فتمزق كل لباسها عنها وهي تركض حتى أصبحت عارية, واتجهت نحو الشمال. بحثوا عنها لمدة طويلة فلم يجدو لها أيَّ أثر, وأخيراً عاد مابلونغ بيأس إلى مينيغروث وأخبر الحكاية. حزن ثينغول وميليان كثيراً, لكن مابلونغ عاد مرةً أخرى ليفتش عنها لفترة طويلة لكن دون جدوى فلا أخبار من موروين وناينور.

ركضت ناينور داخل الغابة حتى استهلكت وسقطت من التعب فنامت, واستيقظت في صباحٍ مشمسٍ, مبتهجةً بالضوء وبدا من حولها كل شيء جديد, فكل ما رأته عيناها كان جديدٌ وغريب, فلم تكن تعرف ماهي أسماء هذه الأشياء, لأنها لا تتذكر إلا الظلام الذي كان يلقي خلفها ظلال الخوف. لذا مشت في الغابة بحذر كمن يتعقب وحشاً, وكانت جائعة, لأنها لم تأكل ولا تعرف كيف ستحصل على الطعام. أخيراً قادتها خطواتها إلى معابر تيغيلين, فعبرتها قاصدةً ملاذ أشجار بريثيل العظيمة, لأنها كانت خائفة, حيث بدا لها بأن ظلالاً من أولئك الذين هربت منهم قد تجاوزتها ثانيةً.

 ثم هبت عاصفة رعدية كبيرة من الجنوب, ومن الخوف والرهبة خبأت ناينور نفسها أسفل تل هاوذ آين ايللث, وسدت أذنيها من صوت الرعد لكن المطر هطل عليها وبللها وهي مستلقية مثل وحشٍ بريٍ يعاني سكرات الموت. هناك وجدها تورامبار, حيث كان قد ذهب إلى معابر تيغيلين بعد أن سمع بأن فرقة متجولة من الأوركس كانت هناك. ورأى في شعلة ضوء البرق جسماً ممدداً وكأنها عذراء مقتولة على تل فيندويلاس. فتألم من قلبه, لكن الحطابين رفعوها, ووضع عليها تورامبار عباءته. حملوها إلى كوخٍ قريبٍ من المكان, ودفأوها وأعطوها طعاماً, وبمجرد أن نظرت إلى تورامبار شعرت بالارتياح, لأنه بدا إليها وكأنها أخيراً وجدت الشيء الذي كانت تسعى إليه في ظلمتها. ولا تريد الانفصال عنه. لكن عندما سألها عن اسمها وأقاربها وتعاستها. اضطربت مثل الطفل الذي طلب منه شيء ولا يستطيع أن يفهم ما هو هذا الشيء, فبكت. قال لها تورامبار: لا تقلقي سننتظر الحكاية, لكن سأعطيكِ اسماً, وأنا سأدعوك ناينيل, العذراء الدامعة. فهزت رأسها دلالة على الموافقة. ثم قالت: ناينيل, كانت هذه أول كلمة تقولها بعد ظلمتها, وأصبح هذا هو اسمها فيما بعد بين الحطابين.

حملوها في اليوم التالي نحو إيفيل براندير, لكن عندما وصلوا إلى دايمروست, درج الأمطار, حيث يهبط جدول كيليبروس مقترباً من تيغيلين. أصابتها رجفة كبيرة, ولهذا السبب دعي ذلك المكان فيما بعد نين غيريث, ماء الرجفة, وقبل أن تصل إلى بيت الحطابين على آمون أوبيل كانت قد مرضت بالحمى, وبقيت هكذا ممددةً لمدة طويلة ونساء بريثيل يعتنين بها, فعلموها لغتهم كما يعلموا الأطفال الرُّضّعْ, وقبل أن يأتي الخريف وبفضل مهارة براندير شفيت من مرضها وأصبحت قادرة على الكلام, لكنها لم تتذكر شيئاً قبل أن يجدها تورامبار على تلة هاوذ آين ايللث. أحبها براندير كثيراً, لكن قلبها كان مع تورامبار.

في ذلك الوقت لم يعد يعاني الحطابون من هجمات الأوركس ولم يعد تورامبار يذهب إلى الحرب, وحلَّ السلام في بريثيل, تعلق قلب تورامبار بحب ناينيل وطلب منها الزواج, لكنها في ذلك الوقت تأخرت في الرد على الرغم من حبها له, لأن براندير تنبأ بوقوع الشر ولم يعلم لماذا, فأراد منعها, ليس من أجلها ولكن من أجل تنافسه مع تورامبار عليها. فقد كشف لها بأن تورامبار, هو تورين بن هورين, فلم يعني لها ذلك الاسم شيئاً. لأن الظل كان ساقطاً على عقلها.

بعد مرور ثلاث سنوات على نهب نارغوثروند, سألها تورامبار ثانيةً وأقسم إن قبلت الزواج به الآن فلن يعود إلى الحرب في البرية. فأخذته ناينيل إلى الفرح وتزوجا في منتصف الصيف. أقام لهما حطابوا بريثيل عرساً عظيماً. لكن قبل نهاية العام, أرسل غلاورونغ الأوركس الواقعين تحت سيطرته إلى بريثيل ثانيةً, وكانت تورامبار جالس في البيت لا يعمل شيء, لأنه وعد ناينيل بأن لا يذهب إلى المعركة إلا إذا هوجمت بيوتهم, لكن مجتمع الحطابين كان متماسكاً كقطعة واحدة مترابطة, لذا فقد وبخه دورلاس لأنه لم يساعد الناس الذين اعتبروه واحداً منهم, فقام تورامبار وأشهر سيفة الأسود ثانيةً, وجمع كتيبة كبيرة من رجال بريثيل وهزموا الأوركس تماماً. لكن أخبار سيف بريثيل الأسود وصلت إلى غلاورونغ فتأمل ملياً فيما سمع, وابتكر لهم شراً جديداً.

وفي ربيع السنة التالية حملت ناينيل, فأصبحت شاحبةً وحزينة , وبنفس الوقت جاءت الأخبار الأولى إلى إيفيل براندير, والتي تقول بأن غلاورونغ قد خرج من نارغوثروند. عندها بعث تورامبار الكشافون بعيداً للاستطلاع, ففي الوقت الراهن كان يأمر كما يشاء وقلما التفتت إلى براندير. ومع اقتراب الصيف, اقترب غلاورونغ من حدود بريثيل, وتمدد بالقرب من شواطئ تيغيلين الغربية. فوقع الخوف الكبير بين شعب الغابة, لأنه من السهل الآن على الدودة العظيمة أن تهاجمهم وتدمر أرضهم. لا أن يمر فيها فقط في طريق عودته إلى أنغباند كما كانوا يتمنون. لذلك طلبوا نصيحة تورامبار, فقال لهم: أنه لمن العبث مواجهة غلاورونغ ولو بكل قوتكم, فقط بالخداع والحظ السعيد يمكن أن تهزموه, لذلك سأقدم لكم عرضاً وهو بأن أذهب إلى التنين على حدود الأرض, وتبقى بقية الناس في إيفيل براندير, على ان يكونوا مستعدين للمغادرة بسرعة. فإذا كان النصر حليف غلاورونغ, فإنه سيأتي أولاً إلى بيوت الحطابين ليحطمها, ولا أمل لكم بالصمود, فإذا كنتم مبعثرين ومشتتين فلن يبقى غلاورونغ مقيماً في بريثيل, بل سيعود إلى نارغوثروند.

ثم سأل تورامبار صحبته, عَمّنْ يريد مرافقتهإلى هذا الخطر العظيم, فوقف دورلاس ولم يقف غيره. لذلك وبخهم دورلاس وتكلم بازدراء عن براندير, الذي لا يستطيع أن يقوم بدوره كوريثٍ لبيت هاليث, وفضح براندير أمام الشعب. ومن وقتها حقد براندير على دورلاس, لكن هونثور قريب براندير, طلب الإذن بأن يذهب بدلاً عنه. قال تورامبار لناينيل الوداع! لكنها كانت خائفةً جداً ومتشائمة, وكان فراقهما حزين. خرج تورامبار مع رفيقيه وتوجهوا إلى نين غيريث.

لم تكن ناينيل قادرة على تحمل الخوف, وغير راغبة بأن تبقى منتظرةً في إيفيل لسماع أخبار مصير تورامبار, لذلك خرجت وراءه, وذهبت معها مجموعة كبيرة, وفي هذا كان فزع براندير عظيماً, وأراد نصحهم وثنيهم عن هذا التهور, لكنهم لم يحترموا نصيحته. لذلك تنازل عن السلطة, لأن كل الشعب احتقره. لكنه فكّر بأنه لن يترك خلفه شيء ذا قيمة إلا حبه لناينيل. لذلك توشح سيفه وسار في إثرها, لكن ولأنه كان أعرجاً فقد كان يتعثر في مشيته ويسقط  لذلك بقي خلفهم وبعيداً عنهم.

وصل تورامبار إلى نين غيريث عند المغيب, وعلم بأن غلاورونغ متواجدٌ على الشواطئ العالية لتيغيلين. لذلك رغب بالتحرك عند حلول الليل. ثم أتته أخبارٌ جيده لأن التنين مستلقي الآن على كابيد آين أراس, حيث مجرى النهر هناك عميق وضيق, فهناك الغزلان المطاردة قد تستطيع القفز والهرب, واعتقد تورامبار بأنه يستطيع الذهاب إلى أبعد من ذلك, بأن يحاول المرور فوق الممر الضيّق, لذلك قرر أن يزحف إلى الأسفل عند الغسق, وينزل إلى عمق الوادي في الليل, فيعبر المياه البريه, علاوة على ذلك, فسوف يتسلق الجرف الصخري, وهكذا حتى يأتي إلى التنين في محرسه.

هذه كانت خطته, لكن قلب دورلاس سقط في الخوف عندما وصلوا إلى تدفق تيغيلين الهادر في العتمة فلم يجرؤ على محاولة عبور الخطر بل انسحب متخفياً إلى الغابة, مثقلاً بالعار. أما تورامبار وهونثور فقد عبرا بأمان. وبسبب هدير المياه الصاخبة فقد غرقت كل الأصوات الأخرى ولم  يشعر غلاورونغ بهم بل بقي نائماً. وقبل منتصف الليل استيقظ التنين, لكن عندما تقدم للأمام أحدث ضجة عظيمة من تساقط الصخور والركام لأنه ألقى بالجزء الأمامي من جسده عبر الهوة, ثم بدأ يسحب باقي جسده فيما بعد. كان تورامبار وهونثور قريبين جداً من الهزيمة. لذلك بحثا بسرعةٍ عن وسيلة أخرى للوصول إلى غلاورونغ. فقُتل هونثور من جرّاء تساقط الحجارة الكبيرة من الأعالي عندما كان يمر عليها التنين, فأصابته واحدة في رأسه وألقت به في النهر ومات. مثبتاً بأن بيت هاليث لا تنقصهم الشجاعة.

استجمع تورامبار كل شجاعته وتسلق المنحدر لوحده حتى وصل إلى تحت التنين, ثم سحب غورثانغ وبكل جبروت ذراعة وحقده وكراهيته, طعن بطن الدودة الناعم فانغرس السيف فيه حتى وصل إلى المقبض. وعندما أحس غلاورونغ بآلام موته, صرخ ومن سكرات الموت المريعة رفع جسده للأعلى وألقى بنفسه عبر الهوة, وسقط ممدداً يلف ذيله من نزاع الموت. وجلس ينفخ النار من فمه فأحرق كل ما حوله, فضرب كل شيء بالخراب, حتى انطفأت ناره أخيراً ولا يزال مستلقياً.

كان غورثانغ قد انتزع من يد تورامبار, بسبب شدة ألم غلاورونغ وبقي مغروساً في بطن التنين. عبر تورامبار الماء مرة أخرى راغباً في استعادة السيف وللنظر إلى خصمه فوجده ممداً على طوله على جانب واحد. كانت مقابض غورثانغ لا تزال مستقرةً في بطنه. أمسك تورامبار مقابض السيف, ووضع قدمه على بطن التنين, وصرخ مستهزأ بالتنين وبكلماته في نارغوثروند. رائع يا دودة مورغوث نلتقي ثانيةً, مُتْ الآن, وليأخذك الظلام. هكذا انتقم تورين بن هورين.

سحب تورين السيف فتدفق الدم الأسود بغزارة وسقط على يده, فاحرقها السم الموجود في دمه, عند ذلك فتح غلاورونغ عينيه ونظر إلى تورامبار, وبنفس الحقد الذي ضربه به تورامبار, سدد إليه غلاورونغ ضربةً أوقعته أرضاً, ومن ألم السم وشدة الضربة, سقط تورين فوراً مغشياً عليه, تمدد على الأرض كشخصٍ ميت وسيفه تحته.

سُمع صوت عويل غلاورونغ عبر الغابة, ووصل إلى الناس المنتظرين في نين غيريث. نظروا باتجاه الصوت فرأوا احتراق الخراب الذي عمله التنين من بعيد, فظنوا بأنه انتصر, وحطم مَنْ هاجموه. جلست ناينيل ترتجف بجانب المياه المتساقطة, فزحف عليها الظلام ثانيةً من تأثير صوت غلاورونغ. لذلك لم تكن قادرةً على التحرك من مكانها بإرادتها.

أخيراً وجدها براندير بعد أن وصل إلى نين غيريث يعرج وكان متعباً جداً, لكن عندما سمع بأن التنين قد تغلب على خصومه وأوقعهم في النهر, أشفق على ناينيل وحنَّ قلبه عليها, لأنه ظنَّ بأن تورامبار قد مات, فقال في نفسه: لكن ناينيل ماتزال حيةً وقد تأتي معي, سأقتادها ونهرب من التنين معاً. بعد فترة اقترب ووقف بجانب ناينيل وقال: تعالي لقد حان الوقت للذهاب. إن أردت فأنا سأقودك, أمسك يدها فنهضت صامتةً وتبعته, لم يشاهدهما أحد وهما ذاهبان بسبب العتمة.

عندما هبطا طريق المعابر كان القمر يشرق ويلقي ضوءاً رمادياً على الأرض فقالت ناينيل: هل هذا هو الطريق. فأجابها براندير لا أعرف الطريق, إلا أنني أردت الهروب من غلاورونغ إلى البرية. فقالت له ناينيل: لقد كان صاحب السيف الأسود حبيبي وزوجي وأنا أبحث عنه, فماذا كنت تعتقد ؟ وهربت مسرعةً من أمامه حتى وصلت إلى معابر تيغيلين, نظرت إلى هاوذ آين ايللث في ضوء القمر الأبيض, وانتابها شعورٌ بالفزع, فاستدارت وهي تبكي نازعةً عنها عباءتها, ثم هربت نحو الجنوب على طول النهر.

رآها براندير تركض عن جانب التل, وكان رداءها الأبيض يشرق في ضوء القمر. فتحول جانباً لكي يقطع عليها طريقها, لكنها كانت أسرع منه وكان خلفها عندما وصلت إلى خراب غلاورونغ مقتربةً من حافة كابيد آين أراس. هناك رأت التنين ملقىً لكنها لم تنتبه له, لأنه كان هناك رجل ملقى بجانبه, ركضت ونادت له تورامبار, لكن دون جدوى, ثم انتبهت إلى يده المحترقة فغسلتها بالدموع, ولفتها بقطعة قماشٍ من رداءها, وقبلته وصرخت عليه لكي يصحو, تحرك غلاورونغ من هذه الصرخة وكانت حركته الأخيرة قبل أن يموت. وتكلم قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة قائلاً: رائع يا ناينور بنت هورين. نلتقي هنا ثانيةً قبل النهاية. أهنئك لقد وجدت أخيراً أخاك المفقود, والآن تعرفي على الذي يطعن بالظلام, الغادر بخصومه, الخائن للأصدقاء, جالبُ اللعنةِ على أهله, تورين بن هورين, لكن أسوأ أفعاله على الإطلاق ستشعرين فيها بنفسك.

بعد ذلك مات غلاورونغ آخذاً معه تعويذة الحقد الملقاة عليها, فتذكرت كل أيام حياتها ثم نظرت إلى تورين وصرخت. الوداع يا حبي مرتين, تورين تورامبار  تورون أمبارتانين . سيد الموت بالموت يُقهر. لتكن سعيداً  بموتك. سمع براندير كل الكلام حيث كان يقف مصاباً على حافة الخراب, فأسرع نحوها لكنها ركضت منه مذهولة من الرعب والألم والحسرة, حتى وصلت إلى حافة كابيد آين أراس, وألقت نفسها في المياه الوحشية وفُقدت هناك.

جاء براندير إلى الحافة ونظر للأسفل فاستدار مرعوباً, على الرغم من أنه لم يعد راغباً بالحياة أكثر من ذلك فلا يستطيع أن يطلب الموت في ذلك الماء الهادر. فيما بعد لم ينظر أيَّ رجلٍ ثانيةً على حافة كابيد آين أراس, ولم يأت وحش أو طير إلى هناك ولم تنمو أية شجرة وسمي فيما بعد كابيد نايرامارث, قفزة الموت المروعة.

رجع براندير إلى نين غيريث. لجلب الأخبار إلى الشعب, وكان قد قابل دورلاس في الغابة وقتله, حيث كان دورلاس هو الشخص الأول والأخير الذي يقتله براندير. ثم وصل إلى نين غيريث, فنادى عليه الرجال, هل رأيت ناينيل, لقد ذهبت دون أن نراها؟

أجابهم: ناينيل ذهبت إلى غير رجعه, ووجدت التنين ميت وتورامبار ميت, وهذه أخبارٌ جيده على كل حال. تذمر الناس من هذا الكلام وقالوا بأنه قد جن, لكن براندير قال: اسمعوني حتى النهاية, ناينيل المحبوبة ماتت أيضاً. لقد رمت نفسها في تيغيلين. لم تعد لديها رغبة بالحياة لأنها علمت بأنها هي ناينور بنت هورين من دور لومين, قبل أن يقع عليها النسيان, وتورامبار هو أخوها تورين بن هورين.

أخذ الناس يبكون, عندما توقف عن الكلام, وإذا بتورين يقف أمامهم. لأنه عندما مات التنين, فقد غادره الإغماء وسقط إلى نوم عميق من التعب لكن برودة الليل أزعجته ومقابض غورثانغ عَلّمتْ في جانبه فاستيقظ, ورأى كأن شخصاً كان إلى جانبه وهو من عَصّبَ له يده, فتعجب كثيراً كيف يتركه مستلقياً على الأرض الباردة. ناداه ولم يجبه أحد, بحث عن المساعدة لأنه كان مرهق ومريض.

لكن عندما رآه الناس انتابهم الخوف معتقدين بأنه طيف روحه القلقة. وقال: كلا لتحل السعادة والفرح لأن التنين مات وأنا حي, لكن لماذا سخرتم من رأيي, وجئتم إلى الخطر؟ أين ناينيل ؟ أنا مشتاق لرؤيتها, بالتأكيد لم تجلبوها من بيتها ؟

أخبره براندير بما حدث, وبأن ناينيل ماتت. لكن زوجة دورلاس صرخت لا يا سيدي أنه مخبول فعندما أتى إلى هنا قال أنك ميت, وقال تلك أخبار جيده, لكنك حي.

غضب تورامبار, معتقداً أن براندير قال أو عمل بخبثٍ تجاهه هو وناينيل, لأنه استكثر عليهما المحبة. فتكلم بشكل شرير على براندير ودعاه بالقدم المضروبة, فأخبره براندير عن كل الذي سمعه, بأن ناينيل ما هي إلا ناينور بنت هورين, وصرخ بآخر كلمات غلاورونغ التي قالها. بأن تورامبار لعنةٌ على أهله وعلى كل من يأويه.

غضب تورامبار كثيراً, لأنه قد سمع بهذه الكلمات خطوات قدره تتجاوزه, واتهم براندير بأنه هو من قاد ناينيل إلى حتفها, ونشر أكاذيب غلاورونغ بفرح. إنْ لم يكن بالحقيقة هو نفسه مخترع هذه الأكاذيب. ثم لعن براندير وقتله, وهرب إلى الغابات, لكن بعد فترة شفي من جنونه وجاء إلى هاوذ آين ايللث, جلس هناك متأملاً كل أعماله, ونادى على فيندويلاس كي تقدم له النصيحة, لأنه لم يكن يعرف ماذا سيفعل, سوى الذهاب بتعاسةٍ إلى دورياث للقاء أهله. أو تركهم إلى الأبد قاصداً الموت في معركة.

وبينما هو جالس هناك, وإذا بمابلونغ مع مجموعةٍ من الجان الرماديين جاءوا إلى معبر تيغيلين, عرف تورين ورحب به وكان مسروراً بأن يجده على قيد الحياة, لأنه علم بأن خطة غلاورونغ تقضي بالمسير إلى بريثيل, كان مابلونغ قد سمع تقريراً بأن سيف نارغوثروند الأسود يقيم الآن في بريثيل. لذلك جاء ليحذر تورين ويعرض عليه المساعدة إن كان بحاجة لها. لكن تورين قال له: لقد تأخرت كثيراً لأن التنين قد مات.

تعجبوا مما سمعوا ثم مدحوه كثيراً وأثنوا عليه, لكنه لم يرد بشيء إلا أنه قال لهم: عندي سؤال واحد فقط أريد أخباراً عن أهلي الذين من دور لومين, لقد علمت بأنهم ذهبوا إلى المملكة المخفية.

فزع مابلونغ من سؤاله لكن لابد من إخباره كيف فقدت موروين وكيف وقعت ناينور تحت نوبة النسيان والخرس. وكيف هربت منهم على حدود دورياث, وذهبت نحو الشمال. أخيراً عرف تورين بأن القدر قد تجاوزه وبأنه ذبح براندير ظلماً, لأنه ردد كلمات غلاورونغ ولم يختلق الأكاذيب, فضحك كطفل ثم صرخ, هذه مزحةٌ مؤلمةٌ فعلاً. لكنه طلب من مابلونغ العودة إلى دورياث, باللعنات عليه, وعلى مهمته, ثم قال: كل ما أريده فقط, أن يحلَّ الليل.

ثم هرب منهم مثل الريح, فتعجبوا وتساءلوا ما هذا الجنون الذي استولى عليه, وتبعوه لكن تورين أصبح بعيداً عنهم, فقد ذهب إلى كابيد آين أراس, واستمع إلى هدير الماء, فرأى أن كل أوراق الأشجار قد ذبلت وتساقطت كما لو أن الشتاء جاء. هناك سحب سيفه, فلم يبقى له سواه من كل ما يملك وقال: رائعٌ يا غورثانغ أنت لا تعرف سيداً ولا ووفاء, لا تعرف إلا اليد التي تستخدمك, فليس لك دم لكي تهزل وتنكمش, لذلك فلا تكن ضعيفاً وخذ تورين تورامبار واذبحني بسرعة.

رنَّ صوتٌ من النصل وكان بارداً في جوابه وقال: نعم سأشرب دمك بكل سرور فلم أنسى دم سيدي بيليغ, وبراندير المقتول ظلماً, فأنا سأذبحك بسرعة.

وضع تورين المقبض على الأرض ورمى نفسه على رأس غورثانغ, فأخذ النصل الأسود حياته, لكن مابلونغ والجان الذين معه وصلوا فرأوا غلاورونغ يتمدد ميتاً. ورأوا أيضاً جسد تورين الممدد بجانبه. فحزنوا كثيراً. وعندما جاء شعب بريثيل, أخبروهم عن سبب جنون تورين وموته, فكانوا مرعوبين. قال مابلونغ بشكل مرير: أنا أيضاً مشتبك بقدر أبناء هورين, وبالتالي مع حكايتي هذه فقد قُتل اليوم شخصاً أحبه.

رفعوا جثة تورين فوجدوا غورثانغ مكسور ومفتت. قام الجان والبشر بجمع كميةٍ كبيرةٍ من الخشب وأحرقوا جثة التنين, فاستهلكته النار حتى أصبح رماداً. لكنهم احتفظوا بجثة تورين, ووضعوها على تلٍ عالي في نفس المكان الذي مات فيه ووضعوا شظايا غورثانغ بجانبه. وعندما تم كل شيء. غنى الجان أغاني الرثاء لأبناء هورين. ووضعوا حجارة رمادية كبيرةً على التل. ونصبوا عليها شاهدة نُقش عليها بأحرف دورياث الرونية.

TURIN TURAMBARDAGNIRGLAURUNGA 
وكتبوا تحتها NIENOR  NINIEL
لكن جثتها لم تكن هناك ولا أحد يعرف إلى أي مكانٍ أخذتها مياه تيغيلين الباردة. z الفصل الثاني والعشرون خراب دورياث

          هكذا كانت نهاية حكاية تورين تورامبار, لكن مورغوث لم ينم ولم يعرف طعم الراحة من الشّر, فتعاملاته مع بيت هادور لم تنته بعد, ولم يشبع حقده ضدهم بعد. مع ذلك فقد كان هورين تحت عينيه. وموروين بقيت تتجول حائرةً في البرية.

كان مورغوث مستاء كثيراً من هورين. لأن كل ما يعرفه عن أعمال حقده فإن هورين يعرفه أيضاً. لكن اختلط الكذب بالحقيقة, وبأية حال فإن ذلك جيد إن كان مخبأ أو مشوّه. أراد مورغوث وبكل الوسائل أن يضع ضوءاً شريراً على كل الأعمال التي عملها ثينغول وميليان, لأنه يكرههما ويخاف منهما, لذلك فقد تحيَّنَ الوقت المناسب لشروره. وأطلق هورين وحرره من عبوديته. وعرض عليه الذهاب أينما يريد. متظاهراً بذلك بأنه يشفق على هورين, وبأن عدوه قد هزم تماماً, لكنه كان كاذباً, فلقد كان قصده بالنسبة لهورين, بأن يلعب دوراً في تعزيز الكراهية بين الإنس والجان قبل موته.

مع أن ثقته بكلام مورغوث ضعيفة, لأنه يعرفه بأنه بالحقيقة بدون رحمة أو شفقة, لكنه أخذ حريته وخرج حزيناً يشعر بالمرارة من كلام سيد الظلام. مرت سنة على وفاة ابنه تورين, فلثمانية وعشرين سنة بقي هورين أسيراً في أنغباند. وكان قد كبر بالعمر فأصبح متجهم الوجه وابيضَّ شعره ولحيته منذ زمنٍ طويل, لكن ظهره لم ينحني. عبر إلى هيثلوم متوشحاً سيفه برفقة مجموعة كبيرة من خدم الظلام. أتت الأخبار إلى زعماء الإيستيرلينغز, بأن هناك مسير عظيم من القادة والفرسان وجنود الظلام من أنغباند على رمال إنفاوغليث, ومعهم رجلٌ عجوزْ, كشخص مكرم بالشرف العالي, لذلك لم يضعوا أيديهم على هورين, وتركوه يمشي في تلك الأرض وفق رغبته, كان من الحكمة أن يتجنب شعبه لقاءه لأنه أتى من أنغباند كواحد مكرم ومبجل من حلف مورغوث.

الحرية على هذا الشكل زادت من مرارة قلب هورين, لذلك غادر هيثلوم وصعد إلى الجبال. هناك لمح وسط الغيوم قمم كريسايغريم فتذكر تورغون, ورغب ثانيةً بالعودة إلى غوندولين المملكة المخفية. لذلك نزل من إيريد ويثرين, ولم يكن يعلم بأن مخلوقات مورغوث تراقب كل خطواته. فعبر من بريثياخ إلى ديمبار, حتى وصل قعر إيخورياث المظلم. وكانت كل الأرض هناك باردةً ومقفرةْ. نظر إليها بقليلٍ من الأمل. واقف عند كعب انهيارٍ صخريٍ كبير تحت سور حجري مائل. لم يعرف أن هذا هو كل ما تبقى من طريق الهرب القديم. فالنهر الجاف مسدود, والبوابة المقوسة مختفية, نظر هورين إلى السماء الرمادية, لعله يلمح النسور ثانيةً. كما حدث معه منذ عهد بعيد في شبابه, لكنه لم يرى إلا الظلال التي نفخت من الشرق والغيوم الملتفة حول القمم العالية الصعبة المنال, ولم يسمع إلا صوت الريح تصفر على الأحجار.

لكن مراقبة النسور العظيمة كانت مضاعفةً الآن, فقد ميزت هورين جيداً من على ارتفاع عالي وكان يائساً في الضوء الباهت. بدى وكأن هناك أخبار عظيمة, لذلك ذهب ثوروندور بنفسه فوراً لإخبار تورغون. لكن تورغون قال له: إذا كنت تظن أن مورغوث نائم, فأنت مخطئ.

قال ثوروندور: ليس كذلك. إذا كانت نسور مانوي متعودة على خطأ كهذا. فإن اختفاءك يا سيدي كان يمكن أن يكون بلا جدوى منذ زمنٍ بعيد.

فقال له تورغون: هذا الكلام نذير شؤم, لأنها لا تحمل إلا معنىً واحداً, حتى هورين ثاليون نفسه استسلم لإرادة مورغوث. لقد انغلق قلبي.

لكن بعد ذهاب ثوروندور, جلس تورغون يفكر لمدة طويلة, وكان مضطرباً. تذكر أعمال هورين من دور لومين, فانفتح قلبه وأرسل إلى النسور لكي يأتوا بهورين إلى غوندولين إن كان هو يريد ذلك, لكنه كان قد تأخر جداً لأنهم لم يروا هورين مرة ثانية لا في الضوء ولا في الظل.

وقف هورين بيأس أمام الجروف الصامته من إيخورياث, كانت أشعة شمس الغروب تخترق الغيوم وتصبغ بياض شعره بالأحمر. صرخ بصوت عالٍ في البرية غافلاً عن أية آذانٍ قد تسمعه. فلعن الأرض عديمة الرحمة, ثم وقف على صخرة عالية, نظر باتجاه غوندولين ونادى بأعلى صوته, تورغون. تورغون, أتذكر مستنقع سيريخ. آه يا تورغون أم أنك لا تستطيع سماع صوتي في قاعاتك المخفية؟ لم يكن هناك أيَّ أثر لأي صوت إلا صوت صفير الريح على الأعشاب الجافة, رغم ذلك فقد وصل صوت همس الريح إلى سيريخ عند مغيب الشمس, وبينما هو يتكلم غابت الشمس وراء جبال الظل وحلَّ الظلام, فسكنت الريح, وساد صمت في الأراضي القفر.

لكن كانت هناك آذان تسمع كلام هورين, فبعثوا بتقريرهم إلى العرش المظلم في الشمال, ابتسم مورغوث لأنه عرف الآن وبشكل واضح منطقة سكن تورغون. حيث كان مسكنه محمي بسبب النسور, فلم يكن باستطاعة أي جاسوس, الوصول إلى مرمى البصر من الأرض الواقعة خلف الجبال المحيطة, وهذا كان الشر الأول الذي أنجزته حرية هورين.

عندما حل الظلام تعثر هورين فسقط عن الصخرة, وغطّ في نوم ثقيل بسبب الألم والحزن, سمع في نومه صوت موروين ينوح ويبكي, وغالباً ما كانت تذكر اسمه, بدا له وكأن صوتها يخرج من بريثيل. لذلك عندما صحا مع بداية النهار قفل عائداً إلى بريثياخ, ومر إلى إفريز بريثيل فوصل مع الليل إلى معابر تيغيلين. شاهده الحراس الليليين, فخافوا منه لأنهم اعتقدوا بأنهم رأوا شبحاَ يخرج من بعض تلال المعركة القديمة وراح يمشي حولهم في الظلال. لذلك لم يبق هورين هناك بل ذهب إلى المنطقة التي حُرق فيها غلاورونغ, ورأى الحجارة الطويلة التي تقف بقرب حافة كابيد نايرامارث.

لم ينظر هورين للحجارة ولم يقرأ ما كتب عليها هناك, لكنه رأى بأنه لم يكن لوحده هناك, فقد كان في ظل الحجارة امرأة راكعة على ركبتيها, وعندما وقف هورين وكان صامتاً, رفعت هي قلنسوتها الرثة التي كانت تغطي وجهها, بدت من تحتها امرأة رمادية كبيرة بالسن, لكنه عندما نظر إلى عينيها, عرفها, مع أنهما كانا في برية مليئة بالخوف, فما زال ذلك الضوء يلمع في عينيها, وهو ما أكسبها منذ عهد بعيد اسم إيلذوين. أعزُّ وأجمل النساء الفانيات في كل الزمان القديم.

قالت له: أتيت أخيراً, لقد انتظرتك طويلاً جداً.

أجابها: لقد كان طريقاً مظلماً, لكني أتيت عندما استطعت المجيء.

فقالت له موروين: لكنك تأخرت كثيراً. فلقد ضاعوا.

قال: لقد علمت بذلك. ولكن لم أفقدكِ.

أجابته موروين: أنا منهكة تقريباً وسأذهب مع غروب الشمس, فلم يبقَ لي إلا القليل من الوقت. إذا كنت تعرف شيء أخبرني. فأنا لم أجدهم.

لم يجيبها هورين, لكنهما جلسا بجانب الحجارة ولم يتكلما ثانية, وعندما غربت الشمس تنهدت موروين وأمسكت بيده, بقيت ممسكةً بها حتى ماتت. عرف هورين بأنها ماتت. نظر إليها فقد بدت في الغسق وخطوط الحزن القاسية مصقولة على وجهها منذ زمن وقال: إنها لم تقهر, وأغلق عينيها وجلس بجانبها بلا حراك بينما الليل كان يهبط, ومياه كابيد نايرامارث تهدر لكنه لم يسمع أي صوت, ولم يرى أو يشعر بأي شيء, فقد أصبح قلبه متحجراً. أتت ريحٌ باردةٌ حملتْ معها المطر القاسي إلى وجهه, فاستيقظ وارتفع غضبه كما يتصاعد الدخان, وسيطرت على عقله رغبة أخذ الثأر, للتكفير عن أخطاءه وأخطاء أهل بيته. متهماً كل الذين تعامل معهم في ما أصابه من ألم. صعد فوق الحجارة وعمل قبراً لموروين من الحجارة فوق كابيد نايرامارث, على الجانب الغربي. وكتب فوقه هذه الكلمات. هنا ترقد أيضاً موروين إيلذوين.

يقال بأن عرَّافاً وعازف قيثارة من بريثيل يدعى غليرهوين, ألفا أغنية تقول:

تلك القبور التعيسة.
يجب أن لا يدنسها مورغوث.
ولا يجب أن يهدمها أحد.
حتى وإن غطى البحر كل الأرض.
ولو أن ذلك حدث فعلاً.
فيجب أن تبقى تول موروين.
واقفةً وسط الماء وحيده.
خلف الشواطئ الجديدة.
التي وُجدت أيام غضب الڤالار.
لكن هورين لا يستلقي هناك.
فمازال شقاؤه يسيّرهُ, والظل يتبعه.

عبر هورين من فوق تيغيلين ونزل جنوباً إلى الطريق القديم الذي يصل إلى نارغوثروند, ورأى في الشرق البعيد, المرتفع الوحيد لآمون روذ وعرف ما حصل هناك من أحداث. وبعد مسافة طويلة وصل إلى ضفاف ناروغ وخاطر بعبور النهر البري من فوق الحجارة التي كانت قد سقطت من الجسر. كما غامر من قبله مابلونغ. ووقف أمام أبواب فيلاغوند المكسّرة, المتكئة دعاماتها على الخراب.

هنا يجب أن نقول أنه بعد رحيل غلاورونغ. استدل مييم ذلك القزم التافه, على الطريق إلى نارغوثروند, زحف ضمن القاعات المخربة, واستولى عليها, وجلس هناك ممسكاً بصولجان الذهب المرصع بالمجوهرات, فلم يسمح لأي شيء أن يحرك إلا بمعرفته, لكي لا يقترب أحد منه ويسرقه, فقد كان خائفاً من روح غلاورونغ وذكراه المرعبة. لكن الآن أتى شخص. ووقف أمام العتبة, فخرج إليه مييم وطلب معرفة غرضه, لكن هورين قال: من أنت حتى تمنعني من الدخول إلى بيت فينرود فيلاغوند ؟

أجابه القزم: أنا مييم. فلقد حفر الأقزام قاعات نولوككيزداين, قبل أن يأتي المتكبرون والمتغطرسون من البحر. وأنا عائدٌ لأخذ ما هو لي, لأني أنا الأخير المتبقي من شعبي.

فقال له هورين: إذا لن تستمتع كثيراً بميراثك فيما بعد, لأني أنا هورين بن غالدور, عائدٌ من أنغباند وابني تورين تورامبار, الذي لم تنساه بعد. وهو من ذبح التنين غلاورونغ, الذي دمر هذه القاعات حيث تجلس أنت, ومعلومٌ لديَّ من الذي غدر بخوذة تنين دور لومين.

خاف القزم مييم كثيراً عندما سمع هذا الكلام, وتوسل إلى هورين بأن يأخذ ما يريد وينقذ حياته, لكن هورين لم يعر توسلاته أي اهتمام فذبحه أمام أبواب نارغوثروند. ثم دخل وبقي لفترة في ذلك المكان المخيف, حيث كنوز ڤالينور منثورةً على الأرض وبالية في الظلام. لكن قيل بأنه عندما خرج هورين من حطام نارغوثروند ووقف ثانية تحت السماء فقد كان يحمل معه إلى الخارج من كل ذلك الكنز العظيم شيئاً واحد فقط . . .

سافر هورين شرقاً حتى وصل إلى بحيرات الغسق فوق شلالات سيريون, وهناك أخذهُ الجان الذين يحرسون المعسكرات الغربية لدورياث. للمثول أمام الملك ثينغول في الكهوف الألف. تعجب ثينغول كثيراً وحزن عندما نظر إليه, لأنه عرف أن ذلك المتجهم الهرم هو هورين ثاليون أسير مورغوث, رحب به بلطافة وأظهر له الشرف. لم يجب هورين بأي شيء, لكنه أخرج من تحت عباءته الشيء الوحيد الذي أخرجه معه من نارغوثروند. وكان ذلك كنز ناوغلامير, عقد الأقزام, الذي صُنعَ لفينرود فيلاغوند, منذ زمن طويل من قبل حرفيو نوغرود وبيليغوست, وهو من أشهر أعمالهم في أيام إيلدار. وكان فينرود يقدمه على كل كنوز نارغوثروند. أخرجة هورين ورماه أمام أقدام ثينغول وهو يصرخ بالكلمات البرية المرة.

خُذهُ كأجر لك لأنك حافظت على زوجتي وأولادي. فهذا ناوغلامير المشهور اسمه بين الإنس والجان, وأنا أخرجته لك من ظلام نارغوثروند. حيث أن قريبك فينرود تركه خلفه عندما صعد مع بيرين بن باراهير لإنجاز مهمة ثينغول من دورياث.

نظر ثينغول إلى الكنز العظيم وعرف أنه ناوغلامير, وحسناً فعل بأنه عرف قصد هورين, لكن شفقته منعت غضبه, وتحمل ازدراء هورين له. أخيراً تكلمت ميليان قائلةً: هورين ثاليون لقد سحرك مورغوث, والآن عيون مورغوث تبصر من خلالك, بإرادتك أو خارج إرادتك. فإنك ترى كل شيء بشكل مخادع. لقد تربى ابنك تورين لمدة طويلة في قاعات مينيغروث, ورأى الحب والشرف كابن ملك. ولم يكن بإرادة الملك ولا بإرادتي عدم عودته إلى دورياث, وبعد ذلك زوجتك وابنتك استضفناهما بالشرف وحُسن النية, وحاولنا بكل الوسائل تقديم النصح لموروين بعدم الذهاب إلى طريق نارغوثروند. وأنت الآن توبخ أصدقاءك بصوت مورغوث.

كان هورين يستمع إلى كلمات ميليان وهو يقف ثابتاً, ثم حدق مطولاً في عيون الملكة, وهناك في مينيغروث مازال زنار ميليان يحميهم من ظلام العدو, فقرأ الحقيقة التي كانت, وتذوق أخيراً حجم المشكلة التي وضعه فيها مورغوث باوغلير. ولم يتكلم أكثر عن الماضي. لكنه انحنى ورفع ناوغلامير بعد أن كان قد ألقاه أمام كرسي ثينغول وأعطاه إياه قائلاً: خذ يا سيدي عقد الأقزام كهدية من شخص لا يملك أيّ شيء, وكتذكار من هورين الذي من دور لومين, لأن مصيري الآن قد أُنجز. وتحقق هدف مورغوث, لكنني لم أعد عبداً له.

استدار وغادر الكهوف الألف. وكل من رآه تراجع من أمام وجهه. ولم يشأ أحدٌ مقاومة ذهابه, لم يعرفوا إلى أين سيذهب. لكن قيل بأن هورين لم يعش بعد ذلك. ولأنه كان مجرداً من الأهداف والرغبات, فقد رمى نفسه أخيراً في البحر الغربي. هكذا كانت نهاية المحارب الأكثر جبروتاً بين البشر الفانيين.

بعد أن ذهب هورين من مينيغروث, جلس ثينغول لمدة طويلة صامتاً يحدق في الكنز العظيم الملقى على ركبتيه, وجاء إليه رأي بأن يعاد تصنيع عقد الأقزام ويجب أن تكون السيلماريل موضوعة فيه كمجموعة واحدة. لكن بمرور السنين زاد انشغال فكر ثينغول بجوهرة فيانور بشكل مستمر, وأصبح مرتبطاً بها. ورغب بأن لا يبقي السيلماريل مرتاحٌ وراء أبواب الخزنات العميقة, فتدبر الأمر لحمله معه دائماً, في النوم وفي اليقظة.

وفي تلك الأيام كان مايزال الأقزام يأتون برحلاتهم إلى بيليرياند من قصورهم في إيريد ليندون, ويمرون فوق جيليون من سارن أثراد, المعبر الحجري. كانوا يسافرون عبر الطريق القديم إلى دورياث. ولأن مهارتهم في أعمال التعدين والحجارة كبيرة. كانت الحاجة ماسة إلى مهاراتهم في قاعات مينيغروث. لكنهم لم يأتوا كما كانوا في السابق كمجموعات صغيرة. بل بمجموعات كبيرة مسلحة بشكل جيد لحمايتهم عند مرورهم في الأراضي الخطرة بين آروس وجيليون. سكنوا وقتها في مينيغروث في غرف الحدادة الموضوعة جنباً إلى جنب مع الحرفيون العظماء الذين جاؤوا من نوغرود إلى دورياث. لذلك أعلن لهم الملك عن رغبته. بما أن مهارتهم عظيمة بما فيه الكفاية, فعليهم أن يعيدوا صياغة ناوغلامير, وأن يضعوا فيه السيلماريل. نظر الأقزام إلى عمل آبائهم. واندهشوا من جوهرة فيانور المشرقة, وكانت لديهم رغبة عارمة بأن يمتلكوها ويحملوها معهم إلى بيوتهم البعيدة. لكنهم أخفوا نيتهم ووافقوا على المهمة.

عملوا لمدة طويلة, وكان ثينغول ينزل لوحده إلى ورش الحدادة العميقة, ويجلس دائماً بينهم عندما كانوا يعملون, وبمرور الوقت أنجزت رغبته, والعمل الأعظم لاجتماع الجان والأقزام قد أنجز كعمل واحد. كان جماله عظيم جداً. فقد عكست جواهر ناوغلامير التي لا تعد ولا تحصى, أشعة ضوء السيلماريل الموضوعة في منتصفها, إلى الخارج بأشكال رائعة. وبينما كان ثينغول يتواجد بينهم لوحده, أراد أخذ الطوق ووضعه حول عنقه, لكن الأقزام حجبوه عنه في تلك اللحظة, وطلبوا منه بأن يتنازل عنه قائلين: بأي حق يدعي ملك الجان حقه في امتلاك ناوغلامير, الذي صنعه آبائنا لفينرود فيلاغوند المتوفي؟ صحيح أنه جاء إليك بيد هورين الرجل الذي من دور لومين. لكنه قد أخذه كلص في الظلام وأخرجه من نارغوثروند. أدرك ثينغول نواياهم وما في قلوبهم, ورأى جيداً بأن رغبتهم إلى السيلماريل, لكنهم أرادوا ذريعة وتغطية عادلة لنيتهم الحقيقية. وفي غضبه وفخره لم يعطي أي انتباه إلى الخطر المحدق به, لكنه تكلم معهم باحتقار قائلاَ: كيف تجرؤون أنتم أيها النسل الجلف على المطالبة به مني, أنا إيللو ثينغول. سيد بيليرياند, والذي ابتدأت حياته بمياه كويڤيينين, منذ سنوات كثيرة لا تعد ولا تحصى من قبل أن يستيقظ آباء الشعب القزم؟ كان يقف طويلاً متفاخراً بينهم وتَعرَّضَ لهم بالكلمات المخزية التي لا مقابل لها خارج دورياث.

توقدت رغبة الأقزام وغضبوا من كلام الملك فوثبوا عليه ووضعوا أيديهم عليه. ذبحوه وهو لايزال واقفاً. هكذا مات في الأماكن العميقة من مينيغروث إيلوي سينغولو. ملك دورياث. والوحيد من بين أبناء إلوڤاتار الذي كان مرتبطاً بواحد من آينور. وهو الوحيد من الجان المنبوذين الذي رأى ضوء أشجار ڤالينور. وبنظرته الأخيرة قبل أن يموت حدّقَ على السيلماريل.

أخذ الأقزام ناوغلامير وغادروا مينيغروث هاربين إلى المناطق الشرقية. انتشر الخبر بسرعة عبر الغابة, وطاردهم الجان حتى الموت, فبعض تلك الفرق مرت من آروس, ووجدوهم أثناء بحثهم عن الطريق الشرقي. واسترجع الجان ناوغلامير. فقد عاد بالحزن إلى الملكة ميليان, رغم ذلك فقد هرب اثنان من قتلة ثينغول, هربا من الملاحقة على الحدود الشرقية, وعادا أخيراً إلى مدينتهم البعيدة في الجبال الزرقاء. هناك في نوغرود أخبروا ببعض ما حصل وقالوا: بأن الأقزام قُتلوا في دورياث بأوامر من ملك الجان الذي خدعهم ولم يعطيهم مكافأتهم.

كان هناك حزن ورثاء عظيمين في نوغرود لدى الأقزام بسبب موت أقربائهم أولئك الحرفيون العظماء, فنتفوا لحاهم وناحوا, وجلسوا يفكرون لمدة طويلة بكيفية الثأر. يقال بأنهم طلبوا مساعدة أقزام بيليغوست لكن لم يجبهم أحد, بل أراد أقزام بيليغوست ثنيهم عن مسعاهم. لكن نصيحتهم كانت غير مجدية, وقبل مدة طويلة زحف جيش عظيم من نوغرود, وعبر جيليون غرباً إلى بيليرياند.

وقع على دورياث تغيير ثقيل, فقد جلست الملكة ميليان بصمت ولمدة طويلة بجانب الملك ثينغول. ورجعت بالفكر إلى السنوات المضاءة بالنجوم وإلى لقائهما الأول بين عنادل نان إيلموث في العصور الماضية. فعرفت بأن فراقها عن ثينغول كان أعظم فراق وإن نهاية دورياث اقتربت كثيراً, لأن ميليان تعتبر من الجزء المقدس من الڤالار, وهي من المايا عظماء القوة والحكمة. لكنها عندما أحبت إيلوي سينغولو اتخذت لنفسها شكل أبناء إلوڤاتار الأقدم. وبهذا الاتحاد أصبحت ملزمة بسلسلة قيود من لحم أردا. وفي ذلك الشكل والهيئة حملت وولدت لوثايين تينوفيل, وفي تلك الهيئة والشكل اكتسبت قوة على جوهر أردا, فكانت دورياث محمية ولعصور طويلة من الشرور المحيطة بها بواسطة زنار ميليان. لكن الآن, مات ثينغول وعبرت روحه إلى قاعات ماندوز. وبموته رجع التغيير إلى ميليان أيضاً. ففي ذلك الوقت سحبت قوتها من غابات نيلدوريث والإقليم. وتكلم نهر إيسغالدوين المسحور بصوت مختلف. وأصبحت دورياث مفتوحةً أمام أعدائها.

فيما بعد لم تتكلم ميليان مع أحد إلا مع مابلونغ فقط, فقالت له بأن ينتبه إلى السيلماريل, وأن يرسل بسرعة إلى بيرين ولوثايين في أوسيرياند, أما هي فقد اختفت من الأرض الوسطى وعبرت إلى أرض الڤالار خلف البحر الغربي, جلست من حيث جاءت, في حدائق لورين مستغرقةً في حزنها. ولم تعرف عنها فيما بعد حكاية غير هذه الحكاية.

عبر جيش ناوغريم فوق آروس ومرَّ بدون مقاومة إلى غابة دورياث, فلم يصمد أحد أمامهم لأنهم كانوا كثيرين وشرسين. اعترى الشك واليأس قادة الجان الرماديين, فكانوا يذهبون هنا وهناك بلا هدف محدد. أما الأقزام فقد حملوا على طريقهم ومروا فوق الجسر العظيم ودخلوا إلى مينيغروث. فحدث هناك شيءٌ من أكثر وأشد الأعمال حُزناً في الأيام القديمة, حيث ذُبح الكثير من الجان والأقزام في معركة الكهوف الألف, ولم يكن ذلك من الأيام المنسية, كان النصر حليف الأقزام. وسُلبت قاعات ثينغول واستبيحت. هناك سقط مابلونغ اليد الثقيلة أمام أبواب الخزنة حيث يوضع ناوغلامير, فأخذوه وأخذوا السيلماريل.

في ذلك الوقت سكن بيرين ولوثايين في تول غالين, الجزيرة الخضراء في نهر أدورانت في الجهة الجنوبية من المنطقة, التي تتدفق إليها معظم الجدول النازلة من إيريد ليندون لتنضم إلى نهر جيليون. وكان ابنهما ديور إيللوخيل, وزوجته نيملوث قريبة كيليبورن أمير دورياث الذي تزوج من السيدة غالادريل, وأبناء ديور ونيملوث كانا إيللوريد وايللورين, وولدت لهم أخت, اسمها إيلوينغ ومعناه النجوم المنثورة, لأنها ولدت بليلة مليئة بالنجوم, تتألق أضواؤهم كشلال من رذاذ لانثير لاماث بجانب بيت أبيها.

انتشرت الأخبار بسرعة شديدة بين جان أوسيرياند, بأن جيشٌ عظيمٌ من الأقزام يحملون أعتدة الحرب قد نزل من الجبال ومرَّ فوق جيليون من معبر الحجارة, وصلت هذه الأخبار حالاً إلى بيرين ولوثايين, وفي ذلك الوقت جاءهم رسولٌ يخبرهم عما حدث في دورياث. عندها خرج بيرين من تول غالين واستدعى ابنه ورحلوا إلى الشمال إلى نهر آسكار. ورحل معهم الكثير من الجان الخضر من أوسيرياند.

هكذا حدث عندما عبر أقزام نوغرود عائدين من مينيغروث, وقد تناقصت حشودهم, فمرّوا ثانيةً بطريق عودتهم على ساران أثراد. هناك هوجموا من قبل أعداء غير مرئيين, لأنهم عندما تسلقوا ضفاف جيليون كانوا مرهقين بغنائمهم التي نهبوها من دورياث, وفجأة امتلأت الغابة بأصوات أبواق الجان. فأعملوا فيهم الرماح والسهام السريعة, التي كانت تأتيهم من كل جانب. فذُبح الكثير من الأقزام في بداية الهجوم, لكن هرب بعضهم من الكمين واتجهوا شرقاً نحو الجبال, وبينما هم يتسلقون المنحدرات الطويلة تحت جبل دولميد, هناك ظهر عليهم رعاة الأشجار وطردوا الأقزام إلى حدود الغابات الغامضة من إيريد ليندون. ولهذا السبب يقال بأنه لم يتسلق أحد فيما بعد الممرات العالية المؤدية إلى بيوتهم.

في تلك المعركة في ساران أثراد, قاتل بيرين بمعركته الأخيرة, وهو نفسه من ذَبح سيد نوغرود وأخذ منه عقد الأقزام, لكن وهو يموت لعنه ولعن الكنز الذي معه. حدّق بيرين بتعجبٍ على جوهرة فيانور نفسها التي قطعها من تاج مورغوث. والآن هي مشرقةً ضمن مجموعة من الأحجار الكريمة والمجوهرات المصاغة بحرفية ومكر الأقزام. فقام بغسله وتنظيفه من الدم في مياه النهر, وعندما أنتهى من كل ذلك كان كنز دورياث قد غرق في نهر آسكار. ومنذ ذلك الوقت فقد أصبح اسم النهر راثلوريل, أي السرير الذهبي. أخذ بيرين ناوغلامير وعاد إلى تول غالين, فقد خفف قليلاً من حزن لوثايين عندما علمت بأنه ذبح سيد نوغرود, وذبح الكثير من الأقزام إلى جانبه. لكنه قال وغنى بأن لوثايين معدةٌ لارتداء هذا العقد وتلك الجوهرة الخالدة, فقد كان منظرها أعظم مجد وأجمل ما خرج من مملكة ڤالينور. ولفترة قصيرة أصبح منظر أرض الموت حيث كانوا يعيشون أشبه بمنظر أرض الڤالار. وفي وقتها لم يكن أي مكان على الأرض أكثر جمالاً وصفاءً أو أكثر امتلاء بالضوء من هذه الأرض.

قام ديور ولي عهد ثينغول بوداع بيرين ولوثايين, وغادر لانثير لاماث مع زوجته نيملوث فوصل إلى مينيغروث وسكن هناك. رحل معهم أبناءهم الشباب إيللوريد وإيللورين وابنتهم إيلوينغ. فاستقبلتهم عشائر سيندار بالبهجة والفرح. لأنهم أخرجوهم من ظلام حزنهم بسبب سقوط أقاربهم وملكهم ومغادرة ميليان. اتخذ ديور إيللوخيل على نفسه عهداً بأن يرفع ويعيد مجد مملكة دورياث.

في وقت متأخرٍ من إحدى ليالي الخريف, جاء شخص ودقَّ على أبواب مينيغروث وطلب المثول أمام الملك, كان هذا الشخص هو سيّد الجان الخضر, وقد أتى مسرعاً من أوسيرياند. جلبه حراس الباب إلى حيث يجلس الملك ديور لوحده في غرفته. وهناك لم يتكلم أي شيء إنما أعطى الملك صندوق واستأذن بالعودة. وفي ذلك الصندوق كان يوجد عقد الأقزام حيث وضعت السيلماريل. نظر ديور إليه وعرف الإشارة, بأن بيرين إيرخاميون ولوثايين تينوفيل قد ماتا فعلاً, وذهبا إلى المكان الذي يذهب إليه مصير نسل البشر خلف العالم.

بقي ديور يحدق مطولاً في السيلماريل, الذي جلبه أباه وأمه وأخرجاه بالأمل من إرهاب مورغوث. فقد كان حزنه عظيم لأن ذلك الموت جاءهم بسرعة. لكن الحكماء قالوا بأن السيلماريل قد عجل بنهايتهم, لأنه ألهب جمال لوثايين عندما لبسته, فقد كان مشرقاً للغاية في تلك الأراضي الميته.

قام ديور بارتداء ناوغلامير حول عنقه, وظهر بأنه هو الابن الأجمل في العالم من بين كل الأجناس الثلاثة, إيداين وإيلدار وميَّار في كل العالم المبارك.

مشت الاشاعة بين الجان المتفرقين في بيليرياند بأن ديور وريث ثينغول قد ارتدى ناوغلامير, فقالوا: بأن سيلماريل فيانور سيحرق غابة دورياث ثانيةً, وقد أيقظ قسم أبناء فيانور من النوم ثانيةً. لأنه عندما ارتدت لوثايين عقد الأقزام لم يتجاسر الجان على مهاجمتها, لكن سمع الآن عن استعادة النشاط في دورياث وكبرياء ديور. لذلك تجمع شتات أبناء فيانور السبعة ثانيةً, وأرسلوا إليه مطالبين بملكهم.

لم يرد ديور أيَّ جواب على أبناء فيانور, فأثار كيليغورم أخوته ليستعدوا لهجوم مباغت على دورياث, وجاؤوا على غير توقع في منتصف الشتاء وقاتلوا ديور في الكهوف الألف. وحدثت القتل الثاني للجان بيد الجان. هناك قُتل كيليغورم بيد ديور, وقُتل هناك أيضاً كوروفين وكارانثير المظلم. وقُتل أيضاً ديور وزوجته نيملوث. واستولى خدم كيليغورم القساة على أبناءه الشباب. وتركوهم للموت جوعاً في الغابات. وبالفعل فقد ندم مايذروس عن ذلك الفعل, وبحث عنهم لفترة طويلة في الغابة, لكن بحثه كان بلا جدوى. ولم تعرف أيّةَ أخبار فيما بعد عن مصير إيللوريد وإيللورين. هكذا دمرت دورياث ولم تقُم لها قائمةٌ ثانيةً.

لم يحصل أبناء فيانور على مبتغاهم, فلم يكونوا رابحين كما تصوروا لأن بقية الشعب هربوا, وأخذوا معهم إيلوينغ بنت ديور, فكانوا يحملون معهم السيلماريل. وقد ذهبوا إلى مصبات نهر سيريون بجانب البحر.

      WQqw

 

الفصل الثالث والعشرون تور وسقوط غوندولين  

          قيل بأن هوور أخو هورين والذي كان قد قُتل في معركة الدموع غير المعدودة. وكانت زوجته ريان قد ولدت في شتاء تلك السنة طفلاً في برية ميثريم, وسمّتهُ تور. وتبناه أننايل من الجان الرماديين الذين مازالوا يسكنون لحد الآن في تلالهم. قرر الجان الرماديون مغادرة كهوف أندروث حيث يسكنون عندما كان تور بعمر ستة عشر عاماً. شقوا طريقهم سرّاً إلى مرافئ سيريون في الجنوب البعيد. لكنهم هوجموا على الطريق من قبل الأوركس والإيستيرلينغز قبل أن يهربوا. فاقتيد تور أسيراً, وأصبح عبداً عند لورغان, زعيم إيستيرلينغز من هيثلوم. تحمل تور العبودية لثلاث سنوات, لكنه في النهاية هرب, وعاد إلى كهوف أندروث, هناك سكن لوحده في ذلك الوقت. وبهذا الهروب فقد شعر لورغان بأن تور أهان إيستيرلينغز, لذلك وضع مكافأةً عظيمةً لمن يأتيه برأس تور.

عاش تور في هذه الخلوة كهارب من العدالة لأربع سنوات, عندها وضعه أولمو في قلبه لكي يخرجه من أرض آبائه, لأن أولمو اختار تور كأداة لتنفيذ مخططاته. ترك تور كهوف أندروث مرة أخرى وذهب غرباً باتجاه دور لومين. عثر على أنون إين غيلايذ, وهي بوابة نولدور التي بناها شعب تورغون عندما سكنوا في نيڤراست منذ مدة طويلة. وهناك عثر على نفق معتم يمر تحت الجبال ويخرج من كيريث نينياخ, شق قوس قزح. التي من خلاله يمر الماء الهادر نحو البحر الغربي. هكذا كانت رحلة تور في ذلك الزمان, حيث غادر هيثلوم مسرعاً ولم يعلم به أو يراه أو يسمع عنه بشر أو أوركس, ولم تأتِ أية معلومات عنه إلى مسامع مورغوث.

وصل تور إلى نيڤراست ونظر إلى بيليغار ذلك البحر العظيم الذي يحبه, ودائماً ما يكون في قلبه شوق إليه ولسماع صوته بأذنيه, كان بادياً عليه الاضطراب الذي أخذه في نهاية المطاف إلى مملكة أولمو. سكن تور في نيڤراست لوحده. مرَّ صيف تلك السنة, واقترب قدر نارغوثروند, لكن عندما أتى الخريف, شاهد سبع بجعات عظيمات يَطرنَ نحو الجنوب. عرف تلك الإشارة التي تأخرت كثيراً. فتبع طيرانهم على طول شواطئ البحر. وهكذا حتى وصل بعد طول مسيرٍ إلى قاعات ڤينيامار المهجورة الواقعة تحت جبل تاراس. دخل إلى تلك القاعات ووجد هناك الترس والدرع والسيف والخوذة. الذين تركهم تورغون طبقاً لأوامر أولمو منذ مدة طويلة. فحمل هذه الأسلحة ولبس الدرع والخوذة ونزل إلى الشاطئ. في تلك الأثناء جاءت إلى هناك عاصفة عظيمة خارجة من الغرب, خرج من هذه العاصفة أولمو سيد المياه, فظهر في الفخامة وتكلم مع تور الواقف بجانب البحر, وعرض عليه أن يغادر من ذلك المكان من أجل البحث عن غوندولين, المملكة المخفية. وأعطاه عباءة كبيرة لتغطيه بالظل عن عيون أعداءه.

بعدما عبرت العاصفة في الصباح. وجد تور بجانب أسوار ڤينيامار شخص من الجان يقف هناك. كان ذلك الشخص هو ڤورونوي بن أرانوي من غوندولين, وهو الذي أبحر بآخر سفينة أرسلها تورغون إلى الغرب, لكن عندما عادت تلك السفينة في آخر الأمر من أعماق المحيط منهكة ولم تنجو من العاصفة الكبيرة التي وقعت على مرمى البصر من سواحل الأرض الوسطى. فقد أخذه أولمو لوحده من بين كل البحارة, وألقى به في الأرض القريبة من ڤينيامار. وعلمه بأن يتلقى أوامره من تور, الذي يتبع لأوامر سيد المياه. اندهش ڤورونوي عندما رأى تور. وقبل أن يكون هو دليله ومرشده إلى الأبواب المخفية لغوندولين, لذلك فقد خرجا سوية من ذلك المكان. وعندما حل شتاء تلك السنة قادماً من الشمال, سارا متيقظين باتجاه الشرق تحت افريز جبال الظل.

بعد سفر طويل وصلا إلى بحيرات إيڤرين. نظرا بحزن للدنس المعمول من جراء مرور التنين غلاورونغ من هناك, وبينما هما يحدقان على الخراب وإذ بشخصٍ يمرُّ من أمامهما مسرعاً باتجاه الشمال, كان رجلاً طويلاً يلتف برداء أسود. ويحمل سيفاً أسوداً, لكنهما لم يعرفا من هو, ولم يعرفا ما حدث في الجنوب. تجاوزهما ومرَّ بجوارهما ولم يقولا أية كلمة.

أخيراً وبالقوة التي وضعها عليهما أولمو فقد وصلا إلى الباب المخفي لغوندولين. ثم نزلا إلى النفق الذي أوصلهما إلى البوابة الداخلية. هناك أخذهما الحراس كسجناء, واقتادوهما من فوق وادي أورفالخ إيخور الجبار, المحمي بسبعة أبواب, وجلبوهما أمام النافورة إلى إكثيليون. مراقب البوابة الكبيرة في نهاية الطريق الصاعدة. هناك أزاح تور عباءته عن جانبية لتظهر الأسلحة التي حملها من ڤينيامار, فعرفوا بأنه مرسل من قبل أولمو. نظر تور إلى الأسفل إلى وادي توملادين الجميل, فبدا وكأنه جوهرة خضراء وسط التلال المحيطة به, ونظر إلى البعيد فرأى على مرتفع آمون غواريث الصخري, مدينة غوندولين العظيمة, مدينة بسبعة أسماء, المدينة الأشهر وصاحبة المجد الأعظم الممجد بالأغنية من بين كل مساكن الجان في هيثير لاندس. أصدر إكثيليون الأوامر لينفخ في الأبواق على الأبراج العظيمة, فتردد الصوت في التلال البعيدة لكنه جاء واضحاً صوت الإجابة من الأبواق على الأسوار البيضاء للمدينة, فتوهجت وأشرقت كالفجر على السهول.

هكذا كان ابن هوور الذي عبر توملادين وجاء إلى أبواب غوندولين, وصعد إلى السلالم العريضة للمدينة, أخيراً وصل إلى برج الملك, وشاهد صور أشجار ڤالينور. ثم وقف تور أمام الملك تورغون بن فينغولفين, الملك الأعلى لنولدور. وعن يمين الملك كان يجلس مايغلين ابن اخته, وعن يساره جلست ابنته إيدريل كيليبريندال. استغرب كل من سمع صوت تور. وارتابوا فيه, فهل هو فعلاً من جنس البشر الفانيين. لأن كلماته هي كلمات أولمو سيد المياه التي جاءته في تلك الساعة. فقدم تحذيراً إلى تورغون بأن لعنة ماندوز أصبحت قريبة الإنجاز. والتي تقول بأن كل أعمال نولدور يجب أن تفنى, وعليه أن يغادر, ويترك المدينة الجميلة الهائلة التي بناها وأن يهبط إلى سيريون ومن ثم إلى البحر.

تأمل تورغون في نصيحة أولمو مطولاً, وجاء إلى فكره الكلمات التي تحدث معه  فيها في ڤينيامار. من غير الجيد أن يكون حبك لما هو ناتج عن عمل يديك وتصاميم قلبك, تذكر بأن الأمل الحقيقي لنولدور يضطجع في الغرب, آتياً من البحر, لكن تورغون أصبح الآن متكبراً وغوندولين جميلة مثل ذاكرة من جان تيريون. فمازال يثق بسريتها وقوة حصونها, حتى لو أنها عارضت أحداً من الڤالار. وبعد نيرنايث أرنوي دياد كانت رغبة شعب هذه المدينة بعدم التدخل بمشاكل الجان أو البشر مرة أخرى, ولا للعودة من خلال الخطر والفزع إلى الغرب. فأغلقوا خلفهم ولم يبقوا هناك على أية ممرات, فالتلال المسحورة واجهت كل من كان يريد الدخول. مع ذلك فقد هربوا من ملاحقة حقد مورغوث, وكانت أخبار بقية الأراضي تصلهم ضعيفة ومتأخرة. ونادراً ما اهتموا بأخبار غيرهم. بحث عنهم جواسيس أنغباند دون جدوى, ومسكنهم كان كالإشاعة والسرِّ الذي لا يمكن لأحد أن يجده. تكلم مايغلين في مجلس الملك بعكس نصيحة تور وبدت كلماته ذات وزنٍ لأنها ذهبت بعيداً في قلب تورغون, وبالنهاية رفض تورغون عرض أولمو ورفض نصيحته. لكن في تحذير الڤالار سمع ثانية الكلمات التي قيلت أمام شعب نولدور, أثناء مغادرتهم وهم على ساحل أرامان منذ عهد بعيد. فاستيقظ الخوف في قلب تورغون من الخيانة والغدر. لذلك أغلقوا في ذلك الوقت كل المداخل المؤدية إلى الأبواب المخفية في الجبال المحيطة. وبعد ذلك لم يذهب أحدٌ من غوندولين لا في الحرب ولا في السلم, بينما ماتزال تلك المدينة واقفة. جاءت الأخبار من قبل ثوروندور سيد النسور تفيد بسقوط نارغوثروند. وبعد اغتيال ثينغول ووريثه ديور وخراب دورياث. لكن تورغون أغلق أذنيه عن الكلام بدون مشاكل, وأقسم بأن لا يقف بصف أحدٍ من أبناء فيانور. ومنع شعبه مرور أحلافهم من التلال.

بقي تور في غوندولين بسبب جمالها ونعمتها وحكمة شعبها التي منعتها من الاستعباد. وأصبح تور هائلاً في القوام والعقل, وغاص بأعماق علوم الجان المنفيين. مال قلب إيدريل نحوه, وانجذب هو إليها, أما كراهية مايغلين لتور فقد ازدادت, لأنه رغب بامتلاك إيدريل قبل كل الأشياء لأنها الوريث الوحيد لملك غوندولين. لكنها الآن بعيدةً جداً, لأن تور لقي حظوة عند الملك, والذي منذ أن سكن هنا ومنذ سبع سنوات لم يرفض له تورغون طلب, حتى يد ابنة الملك. على الرغم من أنه لم يستمع إلى تحذيرات أولمو. فقد أدرك بأن مصير نولدور ارتبط بمصير شخص واحد, وهو من أرسله أولمو. ولم ينس كلام هوور له أمام جمهور غوندولين المغادر من معركة الدموع غير المرقمة.

كان هناك بهجةٌ وعرسٌ عظيم. لأن تور ربح قلوب كل الشعب. إلا مايغلين وأتباعه السريين. وهكذا حدث الاتحاد الثاني بين الجان والبشر.

وفي ربيع  السنة التالية كان قد ولد في غوندولين إيارينديل, الجان النصف ابن تور وإيدريل كيليبريندال. وكان ذلك في السنة الخمسمائة وثلاثة منذ مجيء نولدور إلى الأرض الوسطى. فقد كان إيارينديل فائق الجمال, ففي وجهه كان ضوءٌ كأضواء السماء, وعنده حكمة وجمال إيلدار, وقوة وصلابة قدماء البشر. وتكلم البحر دائماً في قلبه وأذنه, كما كان الحال مع أبيه تور.

كانت أيام غوندولين لحد الآن مليئة بالبهجة والسلام, فلا أحد يعرف المنطقة التي تقع فيها المملكة المخفية. التي كُشفت أخيراً لمورغوث بسبب نداءات هورين عندما وقف في البرية خلف جبال التطويق ولم يجد المدخل فنادى بيأسٍ إلى تورغون. بعدها تركز تفكير مورغوث وبشكل مستمر على الأراضي الجبلية بين أناخ ومياه سيريون العليا. حيث لم يصل إليها خَدمهُ من قبل, رغم ذلك فلم يستطع أي جاسوس أو أي أحد من مخلوقات أنغباند من الوصول إلى هناك بسبب يقظة النسور. وبالتالي فقد أحبطت كل مخططات مورغوث. كانت إيدريل كيليبريندال حكيمة وبعيدة النظر. لكن قلبها كان متوجساً وزحف نذير الشؤم كغيمةٍ على روحها, لذلك في ذلك الوقت دبرت خطةً لكي تنجز طريقاً سرياً يجب أن يقود من تحت المدينة ويعبر إلى الخارج, فيمر من تحت الأرض ويظهر بعيداً خلف الأسوار, من الجهة الشمالية لآمون غواريث. ودبرت ذلك بحيث لا يعرف بهذا العمل إلا بضعةٌ, ولم تصل أي همسة بخصوص هذا العمل إلى آذان مايغلين.

وفي الوقت الذي كبر فيه إيارينديل, كانوا قد فقدوا مايغلين, لأنه كما قيل بأنه أحب الحفر والتنقيب عن المعادن وفضّلها على أي حرفة أخرى. كان مايغلين سيداً وزعيماً للجان الذين عملوا في الجبال بعيداً عن المدينة, يذهبون لطلب المعادن من أجل حرفهم لصناعة أشياء تصلح للحرب والسلام, لكن في أغلب الأحيان ذهب مايغلين مع بضعة من قومه إلى أبعد من مخافر التلال, ولم يعرف الملك بأن ذلك كان تحدياً له ومخالفة لأوامره. شاءت الأقدار بأن يقع مايغلين أسيراً لدى الأوركس, فأخذوه إلى أنغباند. ولم يكن مايغلين جباناً ولا ضعيفاً, لكن العذاب الذي لقيه أجبر روحه على الإذعان, فاشترى حياته وحريته بكشفه لمورغوث عن مكان غوندولين والطرق المؤدية إلى مهاجمتها. لقد كانت فرحة مورغوث عظيمة فعلاً, لذلك وعد مايغلين بأن ينصبه سيداً على غوندولين التابعة لمورغوث. ووعده بالزواج من إيدريل كيليبريندال عندما يحتلوا المدينة, في الحقيقة فإن رغبته بايدريل وكراهيته لتور سهلا على مايغلين الخيانة. كان مايغلين صاحب أسوأ سمعة في كل تاريخ العصور القديمة كلها, لأن مورغوث أعاده إلى غوندولين, خشية أن يفتقدوه فيعلموا أنه أسير عند مورغوث فيتوقعون خيانته, ولكي يستطيع مايغلين مساعدتهم بالهجوم من الداخل عندما تحين الساعة. بعدها بقي مايغلين في قاعات الملك مبتسماً بوجهه وقلبه مليء بالشر, بينما تجمع الظلام في قلبه أكثر مايكون على إيدريل.

أخيراً كان مورغوث مستعد للهجوم على غوندولين, وذلك عندما كان إيارينديل بعمر سبع سنوات. أرسل مورغوث البالروغز والأوركس على غوندولين وأرسل معهم ذئابه وأتت معهم تنانين من ذرية غلاورونغ الذين أصبحوا الآن كُثر ومرعبين. وصل جيش مورغوث إلى التلال الشمالية العظيمة الارتفاع وكانت قليلة المراقبة بسبب ارتفاعها, فقد وصلوا إليها ليلاً  في وقت الإحتفال. في الوقت الذي كان فيه كل شعب غوندولين على الأسوار ينتظرون شروق الشمس, وينشدون من أجل ارتقائها الأغاني, لأنه كان عندهم في الغد عيد عظيم اسمه بوابات الصيف. لكن صعد ضوء أحمر أضاء تلال الشمال وليس الشرق, ولم يكن هناك مجال لإيقاف تقدم الخصم حتى وصل الأعداء أخيراً تحت أسوار غوندولين. وحوصرت المدينة بدون أملٍ في النجاة. ومن أعمال الشجاعة اليائسة التي عُملت هناك كانت من قبل زعماء البيوت النبيلة وهم المحاربون. ناهيك عن الأعمال البطولية من قبل تور, فقد أُخبر الكثير عما حصل في سقوط غوندولين, في معركة إكثيليون عند النافورة مع غوثموغ سيد البالروغز, في نفس ساحة الملك, حيث ذبح كل منهما الآخر. وفي الدفاع عن برج تورغون من قبل أهل بيته, حتى أخيراً سقط البرج, وكان سقوطه هائلاً وسقط تورغون ميتاً في دمار البرج.

سعى تور لإنقاذ إيدريل من سبي المدينة, لكن مايغلين كان عندها ووضع يده عليها وعلى إيارينديل. فتقاتل تور مع مايغلين على الأسوار, وقام تور برمي مايغلين بعيداً فسقط جسمه على المنحدرات الصخرية لآمون غواريث فارتطم بالصخور ثلاث مرات قبل أن يقع في النيران المشتعلة بالأسفل. قاد تور وإيدريل بقية الناس الناجين من غوندولين والمتجمعين من الحرائق إلى الأسفل, إلى الطريق السري الذي أعدته إيدريل. وعن هذا المعبر لم يعرف قادة أنغباند أي شيء. لكنهم فكروا بأن أي هاربين لن يذهبوا نحو الطريق الشمالي, أو أجزاء الجبال العالية القريبة من أنغباند. دُمرت غوندولين من لهيب تنانين الشمال, وكان دخان الحرائق وبخار نافورات غوندولين يسقط على وادي توملادين بسحب الكآبة. هكذا كان هروب تور بمساعدة مجموعته. لكن ما تزال الطريق طويلةً ومفتوحة للمرور من مدخل النفق حتى سفوح الجبال. مع كل هذا فقد وصلوا إلى هناك, وبعد الأمل تسلقوا الأماكن العالية في المصيبة والبؤس. فقد كانت باردة وفظيعة. وكان بينهم الكثير من الذين جرحوا والكثير من النساء والأطفال.

كان هناك ممر مخيف اسمه كيريث ثوروناث, أي شق النسور, وهو يمر تحت ظل القمم العالية ويضيق كالجرح على طول الطريق, وعن اليمين كان محاطاً بمنحدرات نحو الهاوية, وإلى اليسار ينحدر بشكل مخيف نحو الفراغ, على طول هذا الطريق الضيق اصطف موكبهم. وكانوا قد تعرضوا لكمين من قبل الأوركس لأن مورغوث وضع مراقبين على كل شيء في التلال المحيطة, وما زاد من محنتهم المخيفة هو تواجد البالروغ مع الأورك. وبالكاد تم انقاذهم بفضل شجاعة أصفر الشعر غلورفينديل, رئيس بيت الزهرة الذهبية لغوندولين, فلم تكن النسور موجودة هناك لمساعدتهم.

خلدَّت الكثير من الأناشيد مبارزة غلورفينديل مع البالروغ على قمة صخرة ذلك المكان العالي, وسقط كلاهما في حطام الهاوية. عندها جاءت النسور وهاجمت الأوركس. فأرجعوهم على أعقابهم يصرخون, وغالبيتهم قتلوا أو سقطوا إلى الأعماق. كل ذلك ولم تصل بعد إشاعة الهروب من غوندولين إلى آذان مورغوث. بعدها قام ثوروندور بحمل جسم غلورفينديل وأخرجه من الهاوية. ودفنوه هناك إذ بنو تل من الحجارة فوق قبره بالقرب من الممر, ونبت العشب الأخضر على القبر هناك, ونبتت هناك زهور صفراء فوق الحجارة الجرداء, وبقيت هكذا حتى تغيير العالم.

هكذا عبرت البقية الباقية من غوندولين فوق الجبال تحت قيادة تور بن هوور, ونزلوا إلى وادي سيريون. ثم هربوا إلى الجنوب مرهقين يسيرون بالقرب من المعسكرات الخطرة, حتى وصلوا بعد طول مسير إلى نان تاثرين, أرض الصفصاف. لأن قوة أولمو مازالت تمشي في مياه النهر العظيم, وكان أولمو دائماً حولهم. هناك استراحوا لفترة, وقد شفيت جراحهم وتعبهم وآلامهم, لكن حزنهم لم يشفى. فجعلوا هناك عيد لتذكار غوندولين والجان الذين ماتوا للدفاع عنها. وللعذارى والزوجات ومحاربو الملك, لأنه يوجد لغوندولين الكثير من العشاق والمحبين الذين كانوا قد أنشدوا لها الأناشيد تحت صفصاف نان تاثرين. وكان وقت ذلك العيد عند نهاية السنة. هناك عمل تور أغنية لابنه إيارينديل, تحكي عن مجيء أولمو سيد المياه إلى شواطئ نيڤراست في الوقت السابق. فاستيقظ الشوق في قلبه وقلب ابنه إلى البحر. غادر تور وإيدريل نان تاثرين ونزلا جنوباً إلى النهر ومنه إلى البحر. وسكنا هناك عند مصبات نهر سيريون, ثم جمعا شعبهم إلى جماعة إيلوينغ بنت ديور التي كانت قد هربت إلى هناك منذ مدة قليلة. وصلت إلى بالار الأخبار التي تفيد بسقوط غوندولين وموت تورغون. عندها نُودي على إيرينيون غيل غالاد بن فينغون, ليكون هو الملك الأعلى لنولدور في الأرض الوسطى.

اعتقد مورغوث بأن نصره كان تاماً, لذلك فلم يهتم كثيراً بأمر أبناء فيانور وبقسمهم الذي لم يؤذيه أبداً, إنما كان منقلباً لمساعدة الأقدار له, فضحك في قلبه لطغيان فكره الأسود, وأسف لأنه فقد أحد السيلماريل, فهو يعتقد بأنه وبالسيلماريل سيتم القضاء على آخر ذرة من شعب إيلدار الذي يجب أن يختفي من الأرض الوسطى, ويرتاح هو مما قد يسببوه له من الإزعاج. علم مورغوث بأنهم يسكنون الآن عند مياه سيريون, لكنه لم يعطي أية إشارة, بل تحيَّن وقته, وانتظر عمل القسم والكذب. رغم ذلك فقد ازداد شعب الجان عند نهر سيريون والبحر. إذ كانت غالبية الشعب ممَن نجوا من دورياث وغوندولين, وانضم إليهم بحارة كيردان من بالار. المأخوذين دائماً إلى الموج وبناء السفن, وسكنوا دائماً بالقرب من سواحل آرڤيرنين تحت ظلال يد أولمو.

يقال أنه في ذلك الوقت خرج أولمو من المياه العميقة وذهب إلى ڤالينور, هناك تحدث مع الڤالار عن حاجة الجان لهم, فطلب منهم أن يغفروا لهم, وينقذوهم من جبروت تفرد مورغوث بحكم الأرض الوسطى, واستعادة السيلماريل. لأنها هي الشيء الوحيد الذي أزهر وأخذ نوره من الشجرتين اللتين أزهرتا في أيام البركة, عندما كانتا تشرقان في ڤالينور. لكن مانوي لم يتحرك. ولم تُعرف بعد ما هي نصيحة قلبه وعنْ أيةِ حكاية ستُخبرْ.

قالت الحكماء: بأن الساعة لم تحن بعد, لأن هناك متحدث واحد فقط وهو متجسد في شخص, سوف يأتي من أجل قضية الجان والبشر. لكي يتوسل طالباً العفو عنهم وعن جرائمهم وآثامهم, والشفقة على معاناتهم. عندها ربما سوف يتغير رأي القوى, حتى مانوي, ربما لا يستطيع أن يحرر قسم فيانور حتى يصل إلى نهايته, ليتخلى أبناء فيانور عن السيلماريلس, وعن ادعائهم المجحف بحقهم في امتلاك نوره. لأن النور الذي أضاء السيلماريلس هو بالأساس من صنع الڤالار أنفسهم. ولا يحق لأبناء فيانور ادعاء ملكيته.

أحسَّ تور في تلك الأيام بالشيخوخة تزحف إليه, وازداد شوقة إلى أعماق البحر, لذلك بنى سفينة سماها إياررامي, ومعناها جناح البحر. وأبحر مع غروب الشمس برفقة زوجته إيدريل كيليبريندال نحو الغرب. لم تأتي عنهم أية أغنية أو حكاية. لكن في الأيام اللاحقة أُنشدت أغنية عن تور بأنه هو الوحيد من بين جنس البشر الفانيين, الذي اعتبر على أنه من الجنس الأول(الجان), وارتبط بنولدور التي أحب, وانفصل مصيره عن مصير البشر الفانيين.

 

JFjfJ   الفصل الرابع والعشرون رحلة إيارينديل البحرية وحرب الغضب

 

          إيارينديل المُشْرقْ الذي أصبح سيد الشعب الذي سكن بالقرب من مصبات نهر سيريون. فقد اتخذ إيلوينغ الجميلة زوجةً له. وهي ولدت له إيلروند وإيلروس اللذين يدعيان بالجان النصف, رغم ذلك فلم تدخل الراحة إلى قلب إيارينديل. وقصة رحلته البحرية حول الشواطئ لم تكن هي ما يقلقه, فقد نما في قلبه هدفان, مُزجا كهدف واحد وهو شوقه الدائم إلى البحر الواسع. فأراد الإبحار للبحث عن تور وإيدريل الذين لم يعودا. فهو يعتقد بأنهما ربما وجدا الشاطئ الأخير. وربما يستطيع قبل موته أن يوصل رسالة الإنس والجان إلى الڤالار في الغرب. الذين يجب أن يحركوا قلوبهم من أجل رحمة أحزان الأرض الوسطى.

أصبح إيارينديل صديقاً لكيردان بناء السفن, الذي يسكن في جزيرة بالار مع شعبة الذي نجا, مقتربين من مرافئ بريثومبار وإيغلاريست. بنى إيارينديل بمساعدة كيردان سفينة فينغيلوت, أي زهرة الزبد. والتي كانت أجمل من سفن الأغنيات, فقد كانت مجاذيفها ذهبية, وأخشابها بيضاء مقطوعة من غابات فايمبريثيل العذراء, وأشرعتها كانت كالقمر الفضي. وفي مخطوط ’’لاي أوف إيارينديل’’ يوجد الكثير من الأناشيد عن مغامراته في أعماق الأراضي غير المداسة التي زارها, وكذلك عن الكثير من البحار والجزر, وفي كل ذلك لم تكن إيلوينغ معه, لكنها جلست حزينة في مصبات نهر سيريون.

لم يجد إيارينديل لا تور ولا إيدريل, ولم يستطع الذهاب برحلة إلى شواطئ ڤالينور المغيبة بالسحر والظلال. فلقد سار كثيراً بعكس الريح, حتى أعاده الشوق إلى إيلوينغ والعودة مجدداً باتجاه شواطئ بيليرياند. لكن قلبه كان يدعوه دائماً إلى الإسراع, بسبب خوف مفاجئ وقع عليه كطيف الأحلام, والريح المعاندة له بالمسير قد لا توصله بسرعة كما يرغب.

الآن, عندما وصلت الأخبار إلى مايذروس بأن إيلوينغ مازالت على قيد الحياة وهي تعيش في مصبات نهر سيريون ومازال السيلماريل بحوزتها. ندم على الأعمال الشنيعة التي قاموا بها في دورياث. لكن مع مرور الوقت وإدراكه بعدم تحقيق القسم تعود إليه ولأخوته عذاباتهم ومعاناتهم. لذلك جمعهم من طرق التيه والتشرد, وأرسلوا الرسائل شديدة اللهجة إلى مرافئ أصدقائهم وأكدوا على مطلبهم بحقهم الأبدي في امتلاك السيلماريل. لكن إيلوينغ وشعب سيريون لن يسلموا الجوهرة التي فاز بها بيرين ولبستها لوثايين وكانت السبب في ذبح ديور الجميل. على الأقل لن يفعلوا ذلك مادام سيدهم إيارينديل لم يعد من البحر بعد, لأنه يبدو إليهم بأن السيلماريل تضع الشفاء والبركة عليهم وعلى بيوتهم وسفنهم. لذلك حدثت هناك المذبحة الأخيرة والأشد قسوة لقتل الجان لبعضهم. وكانت تلك ثالث الأخطاء العظيمة التي ارتكبت بسبب ذلك القسم الملعون.

حدث ذلك بأن نزل, المتبقين من أبناء فيانور على قيد الحياة, فجأة على المنفيين من غوندولين والبقية من دورياث وحطموهم, وفي تلك المعركة بعض الناس تنحوا جانباً, والبعض تمرد وعصى فَذُبحَ لأنه قام بمساعدة إيلوينغ ضد أسياده ( ولهذا كان الحزن والاضطراب في قلوب إيلدار في تلك الأيام ), لكن مايذروس وماغلور ربحا في ذلك اليوم. مع أنه لم يبقى من أبناء فيانور سواهما, لأن أمرود وأمراس كانا قد قتلا. تأخرت كثيراً نجدة سفن كيردان وغيل غالاد الملك الأعلى لنولدور لمساعدة جان سيريون, وذهبت إيلوينغ وأبنائها. انضم قلةٌ من الناس التي لم تمت بالهجوم إلى غيل غالاد وذهبوا معه إلى بالار, وأخبروا بأن إيلروس وإيلروند كانا قد أُسرا. لكن إيلوينغ رمتْ نفسها في البحر وكانت لاتزال تلبس السيلماريل على صدرها.

وهكذا فلم يستطع مايذروس وماغلور أن يحصلا على الجوهرة. لكنها بالمقابل لم تضع إلى الأبد, لأن أولمو أنقذ إيلوينغ, وأخرجها من الموج وسلمها إلى ما يشبه الطير الأبيض الكبير. ولاتزال السيلماريل مشرقةً على صدرها مثل النجم. راحت تحلق فوق الماء باحثةً عن محبوبها إيارينديل. وعندما حل الليل كان إيارينديل يوجه دفة القيادة في سفينته ويغني, رآها تتجه نحوه كغيمة بيضاء مسرعة تمر من تحت القمر, كنجم فوق البحر يتحرك في طريق غريب, كأنها لهبٌ شاحب على أجنحة العاصفة. وبينما هو كذلك سقطت من الهواء على أخشاب فينغيلوت مغشياً عليها بسبب ارتطامها بسطح السفينة, اقترب إيارينديل منها وضمها إلى صدره, وعندما طلع الصباح نظر إلى وجه زوجته, والدهشة باديةً عليه, إنها زوجته نفسها بجانبه وشعرها يغطي وجهها لكنها ماتزال نائمة.

حزن إيارينديل وإيلوينغ كثيراً من أجل الخراب الذي حلَّ في مرافئ سيريون, وأسر ابنيهما, وكل الخوف من أن يكونا قد قُتلا. لكن ماغلور أشفق على إيلروس وإيلروند ولم يقتلهما, بل بالعكس فقد عززهما, وأحبهما كثيراً وقلة كان يعتقدون أنه فعل ذلك. لكن بالمقابل فإن قلب ماغلور كان مريضاً ومرهقاً من عبء القسم المخيف.

رغم كل ذلك رأى إيارينديل بأنه لم يبقى له أي أمل في الأرض الوسطى, فأدار مركبه بيأس ولم يرجع إلى بيته, لكنه عاد مرة أخرى إلى ڤالينور وإيلوينغ بجانبه. بقي في أغلب الأحيان يقف على جؤجؤ سفينته فينغيلوت والسيلماريل معلقٌ بين حاجبيه, كان ضوء السيلماريل العظيم يشّع باتجاه الغرب. وقد قالت الحكماء أنه بسبب قوة تلك الجوهرة المقدسة فقد استطاع الوصول في الوقت المحدد إلى المياه التي لم تنقذ أية سفينة من قبل كما هو معروف في تيليري. ثم وصلا إلى الجزر المسحورة التي ذهب سحرها عنهما, ثم إلى البحار الغامضة وعبرا ظلالها, ونظرا إلى تول إيريسيا الجزيرة الوحيدة, ولم يتمهلا أبداً, وفي نهاية المطاف ألقى مرساة سفينته في خليج إيلدامار. رأى تيليري السفينة القادمة من الشرق فاندهشوا كثيراً, إذ كانوا يحدقوا من بعيد على السيلماريل, فقد كانت عظيمةً جداً. يعتبر إيارينديل بأنه أول شخص من البشر الفانيين يهبط على الشواطئ الخالدة. ثم تكلم مع إيلوينغ ومع الذين كانوا معهما. فقد رافقه ثلاثة بحارة ملاحين, أبحروا معه عبر كل البحار, وهم فالاثار, إيريللونت وآيراندير. فقال لهم إيارينديل: هنا يجب أن لا يضع أحدٌ قدمه إلا أنا خشيةَ أن يقع تحت غضب الڤالار. وهذا الخطر الذي ستواجهه نفسي لوحدها من أجل مصلحة الإنس والجان.

أجابته إيلوينغ: هل ستكون طرقنا منفصلةً إلى الأبد, فلن أقبل إلا أن أكون معك في كل المخاطر. وقفزت إلى الرغوة البيضاء وركضت نحوه, لكن إيارينديل كان حزيناً, لأنه كان يخشى غضب أسياد الغرب على أي شخص من الأرض الوسطى قد يتجرأ على عبور حدود أمان. ثم ودع إيارينديل وإيلوينغ رفاق رحلتهما البحرية وافترقا عنهم للأبد.

طلب إيارينديل من إيلوينغ أن تنتظره في مكانها, وقال لها: إن مهمة إيصال الرسالة هي قدري الذي سأتحمله لوحدي. ثم صعد لوحده إلى الأرض, ووصل إلى كالاكيريا, فبدت له فارغةً وصامتهْ, كما كانت عندما جاء إليها مورغوث وأونغوليانت في العصور الماضية. والآن أيضاً وصل إيارينديل في وقت المهرجان, وتقريباً غالبية شعوب الجان كانت ذاهبة إلى ڤاليمار, أو تجمعوا في قاعات مانوي على تَني كويتيل, ولم يتركوا إلا القليل منهم على أسوار تيريون من أجل الحراسة.

رآه بعض الناس من بعيد يحمل ضوءاً عظيماً, فذهبوا مسرعين إلى ڤاليمار. تسلق إيارينديل تل تونا الأخضر فوجده خالياً, ثم دخل إلى شوارع تيريون وكانت فارغةً أيضاً. فأصبح قلبه ثقيل, لأنه خاف أن يكون قد أتى بعض الشر إلى العالم المبارك. مشى في شوارع تيرون المهجورة, فعلق على رداءه وحذاءه غُبار الألماس والمجوهرات. فأصبح يلمع ويومض من غبار الألماس عندما كان يصعد السلالم البيضاء الطويلة. نادى بصوتٍ عالٍ وبكل لغات الإنس والجان, لكن لم يجبه أحد, لذلك قفل عائداً إلى البحر. وبينما هو يمشي على الطريق الشاطئية, وإذا بشخصٍ يقف على التل, راح ينادي له بصوتٍ عظيم.

أهلاً بك يا إيارينديل أشهر الملاحين, القادم على غير توقع, ويحدوه الأمل. أهلاً بك يا إيارينديل, يا حامل ضوء ما قبل الشمس والقمر, فخامة أبناء الأرض, نجمٌ في الظلام. جوهرةٌ في الغروب. إشعاع في الصباح.

كان ذلك الصوت صوت إيونوي رسول مانوي, وقد جاء من ڤاليمار لاستدعاء إيارينديل للمثول أمام سلطات أردا. دخل إيارينديل إلى ڤالينور, إلى قاعات ڤاليمار, وبعدها لم يضع قدميه على أراضي البشر. عقد الڤالار مجلسهم واستدعوا أولمو من أعماق البحار, وقف إيارينديل أمامهم وألقى على مسامعهم رسالة الشعبين (الإنس والجان). طالباً العفو عن نولدور والرحمة لهم لأن حزنهم عظيم. أيضاً طلب الرحمة للإنس والجان وتقديم الدعم والمعونة لهم في حوائجهم. فقبل الڤالار توسلاته.

قيل بين الجان, بأنه بعد خروج إيارينديل من مجلس الڤالار قاصداً زوجته إيلوينغ. تكلم ماندوز بشأن مصير إيارينديل قائلاً: هل ستتم ترقية حياة هذا الرجل الفاني لتستمر على الأراضي الأبدية, ليبقى حيّاً إلى الأبد؟ لكن أولمو قال: هل لأنه ولد في العالم, وسواء قيل لي بأنه إيارينديل بن تور من سلالة هادور, أو ابن إيدريل بنت تورغون من نسل الجان, من بيت فينوي؟ فأجاب ماندوز: أنه متساوٍ مع نولدور, الذين ذهبوا عمداً إلى المنفى, فقد لا يعودون إلى هنا.

لكن بعدما أنهى الجميع كلامهم, أصدر مانوي حُكمه وقال: في هذه المسألة فقد أُعطيت قوة الموت لي, والمغامر الذي خاطر من أجل محبته لكلا الشعبين يجب أن لا يقع عليه الموت, لا عليه هو ولا على زوجته إيلوينغ, التي دخلت الخطر من أجل محبتها له. لكنهما لن يمشيا ثانيةً أبداً بين الجان أو بين البشر في الأراضي الخارجية. هذا هو المرسوم المتعلق بإيارينديل وإيلوينغ, أما بخصوص ابنيهما فسوف يمنحون حق الاختيار بحرية, وبأي مصير من مصائر أقربائهم سيرتبطون, وتحت حكم مَنْ سيخضعون.

انقضى وقتٌ طويلٌ على غياب إيارينديل, وكانت إيلوينغ وحيدةً وخائفةْ, لذلك مشت تائهةً على ضفاف البحر, واقتربت من ألكوالوندي حيث تتوضع أساطيل تيليري, هناك تصادقت مع شعب تيليري, واستمعوا لحكاياتها عن دورياث وغوندولين وأحزان بيليرياند. فامتلأ شعب تيليري بالشفقة والدهشة لما حدث في الأرض الوسطى. وإلى هناك عاد إيارينديل فوجدها في مرفأ البجعات. وقبل مدة طويلة تم استدعاؤهما إلى ڤاليمار, هناك أُعلن لهما مرسوم الملك القديم.

ثم قال إيارينديل لايلوينغ اختاري أنتِ لأنني مللت من العالم, فاختارت إيلوينغ أن تكون محكومة بمصير الأبناء الأقدم من أبناء إلوڤاتار, بسبب لوثايين, ولأجلها هي اختار إيارينديل نفس المصير. مع أن قلبه كان أقرب إلى مصير البشر, فهم شعبه وشعب أبيه. ولتتمة عرض الڤالار ذهب إيونوي إلى شاطئ أمان, حيث مازال رفاق إيارينديل ينتظرون الأخبار هناك, فأخذ المركب والملاحون الثلاثة الذين كانوا هناك. وقادهم الڤالار إلى الشرق عبر ريح عظيمة. لكنه أخذ منهم فينغيلوت, وقدسها الڤالار, فحملتهم خارج ڤالينور إلى الحافة القصوى للعالم. ومرروها من خلال باب الليل, وهناك ارتفعت حتى وصلت إلى السماء الواسعة.

لقد كانت جميلة ورائعة تلك السفينة المصنوعة. فلقد كانت مملوءةً باللهب المتراقص الصافي اللامع. جلس إيارينديل الملاح في دفة القيادة يبرق ويومض من غبار مجوهرات الجان, وكان السيلماريل معلقٌ بين حاجبيه. سافر بعيداً في تلك السفينة حتى وصل إلى فضاءاتٍ بدون نجوم, لكنه في أغلب الأحيان كان يُرى في الصباح أو في المساء يلمع عند شروق الشمس أو عند غروبها. كلما عاد من رحلاته, من خلف حدود العالم إلى ڤالينور.

لم تذهب إيلوينغ في تلك الرحلات لأنها لا تستطيع تحمل برودة الفراغ بلا دروب, أو بالأحرى لأنها أحبت الأرض والنسائم العليلة التي تهب على التل والبحر, لذلك بنوا لها برجاً أبيض هناك في الشمال على حدود بحار الفصل, وفي أغلب الأوقات كانت تأتي طيور البحر إلى تلك الأرض للتزاوج, ويقال بأن إيلوينغ تعلمت لغة الطيور, التي لبست شكلهم عندما أنقذها أولمو من البحر, وهم من علمها حرفة الطيران, وكانت أجنحتها باللون الأبيض والفضة الرمادية. وأحياناً عندما كان إيارينديل يقترب من أردا كانت تطير لتلاقيه. كما طارت منذ عهد بعيد عندما أُنقذتْ من البحر. حتى أن بعيدو النظر من بين الجان الذين يسكنون الجزيرة المنعزلة كانوا يشاهدوها من بعدي كطائرٍ أبيض, مشرقه كوردة مصبوغة في الغروب. كلما ارتفعت بالبهجة لتحيي مجيء فينغيلوت إلى المرفأ.

وعندما قرر إيارينديل الإبحار لأول مرة بفينغيلوت في رحاب السماء. فقد ارتفع منطلقاً بتألق لامع, وقد شاهدته شعوب الأرض الوسطى من بعيد فتعجبوا, واتخذوه كإشارة وعلامة, وسموه غيل ايستيل نجمة الأمل العاليه. وعندما رأى مايذروس هذا النجم الجديد في المساء قال لأخيه ماغلور: بالتأكيد ذلك هو السيلماريل الذي يشرق الآن في الغرب.

فأجابه ماغلور: إذا كان حقاً هو السيلماريل الذي رأيناه يُلقى في البحر, فإنه يرتفع ثانية بقوة الڤالار, لذلك دعنا نكون مسرورين لمجده الذي يُرى من قبل كثيرين. فهو في مأمنٍ الآن من كل الشرور. نظر الجان إلى الأعلى ولم يعودوا يائسين, أمّا مورغوث فقد امتلأ بالشك.

فيما بعد قيل بأن مورغوث لم يشاهد الهجوم الذي أتاه من الغرب. لأن فخره كان عظيماً فهو يعتبر بأن لا أحد قادرٌ على أن يشنَّ حرباً مفتوحة عليه, وكان عنده اعتقاد بأن الفجوة أصبحت كبيرة في الجفاء بين نولدور وأسياد الغرب, وهم قانعون بعالمهم السعيد, عالم الڤالار الذي لن يحترم أي مملكة أخرى في هذا العالم سواهم. وإليه تنسب عدم الرحمة, أما الشفقة, فهي خارجة من حساباته. لكن جيش الڤالار استعد للمعركة, وزحف إليه شعب إينغوي تحت رايات ڤانيار البيضاء, ونولدور الذين لم يغادروا ڤالينور تحت زعامة فينارفين بن فينوي, وبعض تيليري الذين كانوا متحمسين للحرب, بسبب ذكرياتهم عن مجزرة القتل في مرفأ البجعة واغتصاب سفنهم. لكنهم أصغوا إلى إيلوينغ بنت ديور إيللوخيل وعادوا إلى أهلهم وأقاربهم, وأرسلوا ملاحين بما فيه الكفاية لعمليات إبحار السفن التي حملت جيش ڤالينور شرقاً عبر البحر. إلا أنهم بقوا في السفن ولم تطأ أقدام أحدٍ منهم هيثير لاندس.

ذُكر القليل من الحكايات والأخبار عن زحف جيش الڤالار إلى شمال الأرض الوسطى, لأنه لم يكن من بين الجيش أحدٌ من أولئك الذين سكنوا وعانوا في هيثير لاندس. أمّا الذي جعل أعمال تلك الأيام تبقى مخلدةً ومعروفةً بالتاريخ, فهو ما علموه فقط بعد مدة طويلة من أهلهم في أمان, لكن في النهاية خرج جبروت ڤالينور من الغرب, وتحديات أبواق إيونوي ملأت السماء, فكانت بيليرياند مشتعلةً بمجد أسلحتهم, لأن جيش الڤالار مصطفٌ بأشكالٍ شبابيةٍ جميلةٍ ورهيبة. وكانت الجبال تهتز تحت أقدامهم.

سمي اللقاء بين جيش الغرب وجيش الشمال بالمعركة العظيمة, أو حرب الغضب. فقد انظم إلى هناك كل قوى عرش مورغوث, والذي كان عظيماً وفوق الحصر في عدده, حتى أن سهل إنفاوغليث لم يستطيع استيعابه, وكل الشمال كان ملتهباً بالحرب.

لكن كل تلك الحشود لم تنفعه, فقد قُضيَ على غالبية البالروغز, إلا القلة منهم الذين نجوا وانسحبوا إلى كهوفٍ عميقةٍ لا يمكن الوصول إليها في جذور الأرض. أما الجحافل العديدة للأوركس فقد هلكت مثل القش في النار العظيمة, أو جُرفوا مثل أوراقٍ ذابلة أمام ريحٍ حارقة. وبقي منهم البعض الذي أزعج العالم لسنوات طويلة فيما بعد. كذلك بقي بعضٌ من بيوت آباء البشر الثلاثة من أصدقاء الجان, الذين حاربوا مع جيش الڤالار, وانتقموا لباراغوند وباراهير, غالدور وغوندور, هور وهورين والعديد من السادات الآخرين. لكن جزءً كبيراً من أبناء البشر, سواء كانوا شعب أولدور, أو القادمون الجدد من الشرق, فقد حاربوا مع العدو, ولن ينسى لهم الجان هذا الفعل القبيح أبداً.

رأى مورغوث كيف تم القضاء على جيشه وكيف تبعثرت وتشتت قواه, فجبن ولم يجرؤ على إظهار نفسه, لكنه أطلق على خصومه هجومه اليائس الأخير الذي كان على أُهبة الاستعداد, هناك خرجت من حفر أنغباند التنانين المجنحة التي لم تُرى من قبل وكانت مفاجِئَةً ومُدَمِرةً جداً في بداية هجومها المروع, فقد شتت جيش الڤالار الذي تراجع, وقد كان مجيء التنانين مع رعدٍ عظيمٍ وبرقٍ وعاصفةٍ من نارْ.

أتى إيارينديل يشرق باللهب الأبيض, وقد تجمعت حول فينغيلوت كل طيور السماء العظيمة, وكان قائدهم ثوروندور. دارت معركةٌ في الهواء طوال اليوم وخلال الليل المظلم المريب. وقبل شروق الشمس تمكن إيارينديل من قتل أنكالاغون الأسود. وهو الأعظم بين جيش التنانين, فرماه من السماء إلى الأرض. سقط أنكالاغون على أبراج ثانغورودريم فدمرها. ثم ارتفعت الشمس وانتصر جيش الڤالار, تقريباً تم قتل أغلب التنانين, وأصبحت كل حفر مورغوث محطمة ومن دون غطاء. طاردته قوات الڤالار إلى أعماق الأرض, هناك أخيراً توقف مورغوث وهو يعوي. وعلى الرغم من جبنه, فقد هرب إلى أعمق حفرة له, وطلب العفو والسلام, لكنهم قطعوا أقدامه من تحته وأُلقي على وجهه, ثم كان لابد من السلسلة أنغاينور التي رُبط فيها من قبل, وضربوه على تاجه الحديدي حتى غاص ووصل إلى عنقه وكاد يخنقه, فركع على ركبتيه, وأُخذت منه جوهرتا السيلماريلس المتبقيتان في تاجه, فأشرقت أنوارهما لا تشوبهما شائبة حتى وصل نورهما إلى السماء, أخذهما إيونوي وحرسهما.

هكذا تم وضع حد لقوة وسطوة أنغباند في الشمال, فأصبح عالم الشر ضئيلاً, وخرج أكثر العبيد من خلف السجون العميقة إلى أمل ضوء النهار, وشاهدوا العالم الذي تغيّر. لقد كان غضب أعداء الشمال عظيماً جداً, فقد تمزقت المناطق الشمالية من العالم الغربي, وهدر البحر من خلال الكثير من الفتحات العميقة, وكان هناك اضطراب وضوضاء عظيمين. فقد غارت أنهارٌ كثيرةٌ, أو وَجدت طُرقاً جديدةْ, وانتفخت الوديان وانسحقت التلال, وأصبح سيريون لا شيء.

استدعى إيونوي وبصفته رسول, الملك الأكبر مانوي, كل جان بيليرياند وطلب منهم مغادرة الأرض الوسطى لكن مايذروس وماغلور لم يصغيا إليه, لكنهما كانا مستعدين للبغضة والمتاعب, وللمحاولات اليائسة في سبيل الوفاء بقسمهم, فهما على استعدادٍ لخوض حربٍ من أجل السيلماريلس التي كانت محجوبة حتى عن جيش ڤالينور المنتصر. رغم كل ذلك فقد وقفا وحيدين ضد كل العالم, وأرسلا رسالة إلى إيونوي يطالبانه فيها بالتنازل لهما عن السيلماريلس التي كان قد صنعها أبوهما فيانور منذ القديم, وسرقها منه مورغوث.

أجابهما إيونوي: صحيح أنها من صنع أبيكماوقد امتلكها أبناء فيانور في الماضي, لكن الآن مات كثيرون منهم بسبب الأعمال القاسية التي قاموا بها فقد أعماهم ذلك القسم, والأهم من ذلك فقد كان السبب في قتل ديور والهجوم على المرافئ, لذلك يجب أن يعود ضوء السيلماريلس إلى الغرب, من حيث كانت بدايته, ويجب أن يعود مايذروس وماغلور إلى ڤالينور, والالتزام بقرارات الڤالار. وقد أمر إيونوي بأن تكون السيلماريلس في عهدته هو شخصياً. في الحقيقة كان ماغلور راغباً في الاستسلام, لأن قلبه كان حزين وقال: لقد اجاز لنا القسم بانتظار وقتنا. وقد يكون ذلك الوقت في ڤالينور, والجميع سيغفر لنا وينسى, وسنكون نحن في بلدنا بسلام.

لكن مايذروس أجابه بأننا إذا عدنا إلى أمان, فلن نحظى بدعم الڤالار, وبالتالي فإن القسم سيبقى, ولن يكون هناك أمل في الوفاء به, ومن يعلم إلى أي قدرٍ مخيف سنذهب إذا عصينا السلطة في أرضها. أو سيكون هدفنا هو حمل الحرب إلى عالمهم المقدس.

مع كل ذلك فمازال ماغلور يتراجع وقال: إذا أنكر مانوي وڤاردا تحقيق القسم, وهما من الشهود على القسم, أفلا يجعله ذلك مقضياً.

أجابه مايذروس: لكن كيف ستصل أصواتنا إلى إلوڤاتار خلف دوائر العالم؟ ولقد أقسمنا بألوفاتار في هذا القسم المجنون. واستدعينا الظلام الأبدي ليكون فوقنا إذا لم نحفظْ كلمتنا. فمن القادر على تحريرنا.

فقال له ماغلور: لا يمكن لأحد أن يحررنا, بل بالحقيقة فإن الظلام الأبدي سيكون نصيبنا, سواءٌ بقي القسمُ أو انكسر, لكن أقل الشرين هو في كسر القسم.

رغم كل ذلك, خضع ماغلور لرغبة أخيه مايذروس, وقد اتفقا على أن  يضعا أيديهما سويةً على السيلماريلس. لذلك تنكرا وجاءا في الليل إلى معسكر إيونوي, زحفا إلى المكان المحروس الذي فيه السيلماريلس, فقتلا الحراس وأخذا الجواهر. عندها انتفض كل المعسكر ضدهما, كانا مستعدين للدفاع عن حقهم حتى آخر نفس. لكن إيونوي لم يسمح بقتل أبناء فيانور, فهربا بعيداً من دون قتال, وأخذ كل واحد منهما سيلماريل واحد وقالا لقد ضاعت منها واحدة وبقيت اثنتان, ولم يبقى سوانا نحن الاثنين من إخوتنا, وهذا سَهّل علينا مصير المشاركة في ميراث أبينا.

أحرقت الجوهرة يد مايذروس بألم لا يطاق, فأدرك في حينها مقولة إيونوي بأن حقه بها قد يصبح باطلاً, وسيكون القسم باطلاً. وبياس وألم رمى نفسه في هوةٍ مفتوحة من النار, هكذا انتهى هو والسيلماريل التي كانت في يده حُملا معاً إلى حضن الأرض.

وقيل بأن ماغلور لم يستطع تحمل عذاب السيلماريل, فرماها في البحر. وبعد ذلك بقي يتجول على الشواطئ ويغني آسفاً متألماً بجانب الأمواج, فقد كان ماغلور مقتدراً بين المغنين منذ قديم الزمان, ولم يسبقه إلا دايرون من دورياث. لكنه لم يعد ليقيم بين شعب الجان أبداً. وهذا ما حصل للسيلماريلس, فقد وجدوا بيوتهم الدائمة, واحدةً في هواء السماء, والثانية في نيران قلب العالم, والثالثة في المياه العميقة.

وفي تلك الأيام بُنيت الكثير من السفن على شواطئ البحر الغربي. ومن هناك أبحرت أساطيل إيلدار الكثيرة إلى الغرب. ولم يرجعوا أبداً إلى أرض الحروب والأحزان. وعاد الڤانيار إلى ڤالينور تحت راياتهم البيضاء متوجين بالنصر, لكن بهجتهم بالنصر كانت منقوصة بسبب فقدان السيلماريلس التي أخذوها من تاج مورغوث. وكانوا يعرفون بأن هذه الجواهر لا يمكن أن توجد أو تجتمع مرةً أخرى, مالم يتم تدمير العالم وتعاد صياغته من جديد.

وفي طريق عودتهم إلى الغرب, أقام جان بيليرياند على تول إيريسيا, الجزيرة المنعزلة, التي تبدو على حدٍ سواء للشرق والغرب, حيث أنهم قد يأتوا إلى ڤالينور, وكانوا مشمولين بعطف مانوي وعفو الڤالار. فغفرت لهم تيليري الألم القديم. ودُفنت اللعنة للأبد.

لكن هذا لا يعني بأن كل إيلدالي كانت مستعدةً للتخلي عن هيثير لاندس, حيث سكنوا وعانوا لمدة طويلة, لذلك تخلف البعض لعصرٍ من الزمان في الأرض الوسطى, ومن بين أولئك كان كيردان بنَّاء السفن, وكيليبورن من دورياث مع زوجته غالادريل, فهي الوحيدة المتبقية من الذين قادوا نولدور للنفي في بيليرياند. وبقي أيضاً في الأرض الوسطى غيل غالاد, الملك الأعلى. ومعه كان إيلروند, جان النصف, الذي اختار أن يُعد من بين إيلدار, عندما مُنح حق الاختيار. لكن أخوه إيلروس اختار البقاء بين بالبشر. ومن هذه الأُخوة وحدها جاء إلى ما بين البشر دم البكر. وهي سلالة من الأرواح السماوية التي كانت قبل ولادة أردا. لأنهما أبناء إيلوينغ بنت ديور بن لوثايين بنت ثينغول وميليان. وأبوهما إيارينديل وهو ابن إيدريل كيليبريندال بنت تورغون من غوندولين.

أما بالنسبة لمورغوث فقد دفعة الڤالار بنفسهم من خلال باب الليل إلى ما وراء أسوار العالم. إلى الفراغ الأبدي. ووضعوا حراسةً دائمة على تلك الأسوار. واستمر إيارينديل بمراقبة متاريس أسوار السماء, رغم ذلك فأكاذيب ميلكور الجبار الملعون, مورغوث باوغلير. وقوة الحقد والإرهاب. كانت قد بَذرت في قلوب الجان والبشر بذرةً لا يمكن أن تموت أو تُدَمَّرْ. ودائماً تتبرعم هذه الأكاذيب بشكلٍ مفاجئ ثانيةً, ووسوف تؤتي ثمارها المظلمة حتى آخر الأيام.

* * *

هكذا تنتهي السيلماريليُن, إذ كانت قد مرّت من الأعلى إلى الجميل إلى الظلام والخراب, فقد كانت منذ القديم مصير أردا المشوه. وإذا كان أي تغيير سيأتي ليصلح الفساد, فالوحيدان اللذان قد يعرفا ذلك لكنهما لن يكشفاه لأحد هما مانوي وڤاردا, حتى لم يُصرح عن ذلك في أقدار ماندوز.

   

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

zfVm أكالابيث غرق نومينور  

          يُقال في إيلدار بأنَّ قدوم البشر إلى العالم كانَ بفترة انتشار ظل مورغوث, وقد سقطوا بسرعة تحت سلطته, لأنه كان قد أرسل مبعوثيه بينهم لتضليلهم, وقد أصغى البشر إلى كلامه المخادع والشرير, فعبدوا الظلام ومازالوا لحد الآن يخافون منه. لكن كان هناك البعض ممن أداروا ظهرهم للشر وتركوا أراضي أقربائهم وذهبوا للتجول في الغرب البعيد. لأنهم سمعوا إشاعة تقول. (ضوءٌ يأتي من الغرب, يمنع الظل من تغطية العالم). فطاردهم خدام مورغوث بالحقد, فأصبحت طرقهم طويلة وصعبة, وبعد طول مسير وصلوا إلى الأراضي المطلة على البحر, ودخلوا إلى بيليرياند في أيام حرب الجواهر. وفي لغة سيندارين كان اسمهم إيداين, الذين أصبحوا فيما بعد أصدقاء وحلفاء إيلدار. وقاموا بأعمال الشجاعة العظيمة في الحرب ضد مورغوث.

ومنهم ظهر, من سار على طريق آبائه. وهو إيارينديل اللامع. وفي مخطوط ’’لاي أوف إيارينديل’’, يروى كيف في الماضي, عندما كان نصر مورغوث شبه كامل, فقد بنى سفينته فينغيلوت, والتي يدعوها البشر روثينزيل, وسافر بها عبر البحار التي لم يبحر بها أحد من قبل قاصداً ڤالينور, فقد كانت لديه رغبة في التحدث إلى السلطات نيابة عن كلا الشعبين, لعله يجد رحمة عند الڤالار ويرسلوا له المساعدة في حاجتهم القصوى. لذلك فإن كلاً من الجان والبشر يدعونه إيارينديل المبارك, لأنه نفذ مهمته بعد أن تجاوز الكثير من الأخطار الطويلة. ومن ڤالينور جاء جيش أسياد الغرب إلى هناك, لكن إيارينديل لم يرجع أبداً إلى الأراضي التي أحبها.

في المعركة العظيمة التي سقط فيها مورغوث نهائياً ودُمرت أبراج ثانغورودريم. كان إيداين لوحده من بين قبائل البشر, هم الذين قاتلوا مع الڤالار. بينما البشر الآخرين قاتلوا مع مورغوث. وبعد انتصار سادات الغرب, فإن أولئك البشر الأشرار الذين لم يقتلوا, هربوا عائدين إلى الشرق, حيث الكثير من جنسهم مازال يتخبط في الأراضي البور, متوحشين فوضويين, رافضين على حد سواء استدعاء الڤالار ومورغوث. وعندما سار بينهم البشر الأشرار, ألقوا فوقهم ظلال الخوف واتخذوهم ملوكاً عليهم. كان الڤالار قد ترك لفترة من الوقت بشر الأرض الوسطى, فهم الذين رفضوا مذكرة الاستدعاء واتخذوا أعوان مورغوث ساداتٍ لهم. فقد سكن البشر في الظلام وضُربوا بأكثر الشرور المبتكرة من قبل مورغوث في أيام حكمه وسلطانه. كالشياطين والتنانين والوحوش الممسوخة والأوركس القذرين. تلك كانت سخرية قدر أبناء إلوڤاتار. وكان غالبية البشر تعساء.

لكن مانوي طرد مورغوث, وأغلق عليه خلف أسوار العالم في الفراغ الأبدي, فلن يستطيع إعادة نفسه إلى العالم مرةً أخرى حاضراً ومرئي. بينما سادات الغرب مازالوا على عروشهم. وبالرغم من كل ذلك فإن البذور التي زرعها مورغوث مازالت تورق وتؤتي ثمارها الشريرة, فمن كان يخدمه فإنه سيبقى وجهه نحو خدمته ومتحرك نحو إحباط إدارة الڤالار وتحطيم كل من يطيعهم. هذا ما يعرفه سادة الغرب جيداً, لذلك فعندما أُبعد مورغوث إلى الفراغ, عقدوا مجلساً يتعلق بالعصور والأزمنة اللاحقة, فاستدعوا إيلدار للعودة إلى الغرب. وأولئك الذي أصغوا للاستدعاء من إيلدار سكنوا في جزيرة إيريسيا. هناك في تلك الأرض مرفأ يدعى أڤالوني, وهو من أقرب المدن إلى ڤالينور. وبرج أڤالوني هو أول شيء يراه الملاحون على بعد فراسخ كثيرة من البحر عندما يقتربون من الأراضي الأبدية. أعطيت مكافأة عظيمة لآباء البشر الثلاثة المخلصين, فقد سار إيونوي بينهم وعلمهم الحكمة وأعطاهم قوةً وحياةً أكثر تحملاً من الآخرين, أكثر من تلك التي يمتلكها الآخرين من الجنس الفاني. وجُهز لإيداين أرضاً لتكون مسكناً لهم. هذه الأرض ليست جزءاً من ڤالينور ولا من الأرض الوسطى, فقد فصل بين هذه الأرض وبينهما البحر الواسع, على الرغم من أنها كانت أقرب إلى ڤالينور. رُفعت هذه الأرض من أعماق المياه الكبرى بواسطة أوسي, وقام أوليي بتثبيت أساساتها, ثم قامت ياڤانَا بإخصابها. وجلب إيلدار إليها الأزهار والنافورات من تول إيريسيا. سمى الڤالار تلك الأرض أندور, أي أرض الهدية. وأشرق نجم إيارينديل يلمع في الغرب كدليل على أن تلك الأرض أصبحت جاهزة, ومرشداً إليها عبر البحر. تعجب البشر كثيراً لرؤية ذلك اللهب الفضي على دروب الشمس.

أبحر إيداين على المياه العميقة يتبعون ذلك النجم. وجعل الڤالار البحر مسالماً لهم, فبعثوا لهم نور الشمس وأرسلوا الريح لعدة أيام. لذلك فقد تألقت المياه بعيون إيداين مثل الزجاج المتموج, وتتطاير الزبد أمام سفنهم كالثلج. وكان روثينزيل لامعاً جداً, حتى في الصباح كان البشر يستطيعون رؤيته في الغرب كالومضات, وفي الليالي المعتمة كان روثينزيل يشرق لوحده, لأنه لم يكن هناك أي نجمٍ آخر بجانبه, لذلك وجهوا طريقهم نحوه مباشرةً. وأخيراً وصل إيداين بعد أن قطع فراسخ طويلةً عبر البحر, فشاهدوا الأرض التي وعدوا بها, أندور أرض الهدية, تلمع في السديم الذهبي. ثم نزلوا من البحر إلى الأرض, ووجدوا بلاداً جميلةً ومثمرة فكانوا مسرورين. سموا تلك الأرض إيلينا ومعناه أجنحة النجوم. وتدعى أيضاً, أنادوني, أي الغربية. وهي التي تدعى نومينور في لغة إيلدارين العاليه.

هذه كانت بداية أولئك الناس, وفي لغة الجان الرماديين كانوا يسمونهم دوناداين, النومينوريون, ملوكٌ بين البشر. لكنهم بالتالي لم يفلتوا من قدر الموت الذي وضعه إلوڤاتار على البشرية جمعاء. فمازالوا يعتبرون من الفانيين. مرت سنين طوال قبل سقوط الظل فوقهم ولم يعرفوا المرض. لذلك نموا بالحكمة والمجد فكانوا في كل شيء أشبه بالأبناء الأوائل(الجان). منهم إلى أقربائهم الآخرين من البشر. فقد كانوا طوال القامة, أطول من أطول أبناء الأرض الوسطى. وكان الضوء في عيونهم مثل النجوم الساطعة. لكن أعدادهم ازدادت ببطء في هذه الأرض, مع أنهم أنجبوا أبناء وبنات أجمل من آبائهم لكن أعدادهم كانت قليلة.

منذ القدم كانت المدينة الرئيسية ومرفأ نومينور في وسط السواحل الغربية وكان يطلق عليه اسم أندونيه لأنه يواجه غروب الشمس. وفي وسط الأرض كان هناك جبلٌ عالي وشديد الانحدار اسمه مينيلتارما, أي عمود السماء. وعلى القمة في أعلى نقطة منه, كرّس معبدٌ لإيرو إلوڤاتار, كان هذا المعبد مفتوحاً بدون سقف. ولم يكن عند النومينوريين معبداً أو مكاناً مقدساً سواه. وعند سفح الجبل بنيت قبور الملوك بشكلٍ باهضٍ على تل أرمينيلوس. فقد كان أجمل من المدن. وهناك بنوا برجاً وحصناً في عهد إيلروس بن إيارينديل, الذي عينه الڤالار ليكون الملك الأول لدوناداين.

ينحدر إيلروس وأخوه إيلروند من نسل البيوت الثلاثة لإيداين, لكن فيهما أيضاً جزء من إيلدار ومن الميّار. لأن إيدريل من غوندولين ولوثايين ابنة ميليان التي كانت مقدمة على كل الامهات. بالحقيقة فإن الڤالار غير قادرين على سحب هدية الموت التي فرضها إلوڤاتار على البشر. لكن في مسألة نصف الجان فقد منحهم إلوڤاتار القرار, ليحكموا بذلك على أبناء إيارينديل بأن يختاروا قدرهم بنفسهم. وقد اختار إيلروند البقاء مع البكر (الجان) وقد منحت له حياة الجان, لكن إيلروس الذي اختار أن يكون ملك البشر, فقد بقي عظيماً, وعلى مدى سنوات خصص الكثير منها لبشر الأرض الوسطى. وكل نسله كانوا ملوكاً وأسياداً للبيت الملكي. كانت حياته طويلةً بالنسبة لمقياس النومينوريين. وقد عاش إيلروس خمسمائة سنة, وحكم نومينور أربعمائة وعشر سنين.

هكذا مرت السنوات وتراجعت الأرض الوسطى وبهت ضوؤها وحكمتها, فقد سكن دوناداين تحت حماية الڤالار وفي صداقة إيلدار, فكانوا متزايدين في العقل والجسم والقوام, ومع ذلك فإن هؤلاء الناس استخدموا لغتهم الخاصة, وملوكهم وساداتهم تعلموا وتكلموا أيضاً بلغة الجان, التي تعلموها في أيام تحالفهم. وهكذا أبقوا على التحدث مع إيلدار سواء في إيريسيا أو في الأراضي الغربية للأرض الوسطى. وتعلم سادة العلم بينهم أيضاً لغة العالم المبارك وهي لغة إيلدارين العليا. وهي التي حفظت بها أكثر القصص والأناشيد القديمة التي كانت منذ بدء العالم. وكان لهم الفضل في صناعة المخطوطات والرسائل والكتب, وكتبوا فيها العديد من أشياء الحكمة والعجائب, وكل ذلك بفضل المد العالي من عالمهم الذي نسي كله الآن. لذلك فكل السادة النومينوريون كان عندهم بجانب أسمائهم الخاصة أسماء بلغة إيلدارين, وكذلك كان الأمر بالنسبة لأسماء المدن والأماكن الجميلة التي أسسوها في نومينور وعلى شواطئ هيثير لاندس.

أصبح دوناداين هائلاً في الحرف والصناعة, وبما أنهم يمتلكون القدرات العقلية الهائلة, فإنهم سيتفوقون بسهولة على ملوك الشر في الأرض الوسطى في الصناعات الحربية وصياغة الأسلحة. لكنهم كانوا رجال سلام, وأكثر شيء دعموه وساعدوه بفكرهم هو بناء السفن والصناعات البحرية, فكانوا البحارة الذين لم يكن مثلهم أحد منذ أن تناقص العالم. والسفر عبر البحار الفسيحة كانت المفخرة الرئيسية لهم. بالإضافة إلى المغامرة برجال شجعان في أيام شبابهم.

لكن سادات ڤالينور منعوهم من الإبحار بعيداً نحو الغرب, فلم تعد ترى شواطئ نومينور الغربية من بعيد, بقي دوناداين راضياً لمدة طويلةٍ, مع أنهم لم يفهموا المغزى الحقيقي لمنعهم من الإبحار غرباً. فقد كان مقصد مانوي من ذلك, هو كبح مسعى النومينوريين في الاقتراب من العالم المبارك. لكي لا يتجاوزوا الحدود المقررة لنعمتهم. فيصبحوا عاشقين للخلود مثل الڤالار وإيلدار وبذلك فإن الأراضي عندها ستعاني من كل شيء.

في تلك الأيام كان لا يزال ڤالينور مرئياً في العالم, وهناك في ڤالينور سمح إلوڤاتار للڤالار بأن يبقوا على الأرض ويقيموا بأماكن دائمه. كتذكار تحذيري لمورغوث في محاولة إلقاء ضلة على العالم. هذه الحقيقة كان يعرفها النومينوريون جيداً. وأحياناً في الأوقات التي يكون فيها الهواء نقياً والشمس في الشرق, كانوا يلمحون في البعيد المدينة الغربية مشرقةً بالبياض على الشاطئ البعيد, والميناء والبرج العظيم. فقد كانت أعين النومينوريين ترى للبعيد. حتى هذا المشهد لم يكن يراه من بينهم إلا أصحاب العيون الثاقبة النظر, وربما يجب أن ينظروا من مينيلتارما أو من بعض السفن العالية التي قد تقترب من شواطئهم الغربية, بقدر ما كان يسمح لهم القانون بالذهاب إلى الغرب. لأنهم لم يتجرأوا على كسر الحظر المفروض من قبل أسياد الغرب. لكن الحكماء من بينهم عرفوا بأن تلك الأرض البعيدة لم تكن في الحقيقة هي ڤالينور أرض العالم المبارك, بل كانت أڤالوني. وهو مرفأٌ لإيلدار على أرض إيريسيا وهي تقع في أقصى شرق الأراضي الأبدية. ومن هناك لا يزال البكر (الجان) في بعض الأحيان, يبحر إلى نومينور في مراكب بدون مجاذيف, وهذه المراكب كانت مثل الطيور البيضاء التي تطير من مغرب الشمس. فقد جلبوا معهم إلى نومينور الكثير من الهدايا. كالطيور المغردة, والزهور العطرة, والأعشاب العظيمة المزايا, وجلبوا أيضاً شتلة كيليبورن, وهي الشجرة البيضاء التي نمت وسط إيريسيا. وذلك كان تحولاً في حياة شتلة غالاثيليون, شجرة تونا, وهي نسخة عن تيلبيريون التي أعطتها ياڤانَا إلى إيلدار في العالم المبارك, وهذه الشجرة كانت قد نمت وأزهرت في ساحات الملك في أرمينيلوس, وسميت نيملوث. فقد كانت تزهر في المساء وتملأ ضلال الليل بعطرها.

وبسبب حظر الڤالار المفروض على إبحار دوناداين باتجاه الغرب. فقد ذهب دوناداين برحلات بحرية كثيرة. فمن أقاصي الشرق, إلى ظلام الشمال وحرارة الجنوب وما بعد الجنوب إلى الظلام الأسفل. ووصلوا إلى البحار الداخلية, وأبحروا حول الأرض الوسطى, فلمحوا من خلال مقدمات سفنهم العالية أبواب الصباح في الشرق, وأحياناً وصل دوناداين إلى شواطئ الأرض الرائعة. وتأسفوا لحال العالم المنبوذ في الأرض الوسطى, ووضع سادات نومينور أقدامهم ثانيةً على الشواطئ الغربية للأرض الوسطى في السنوات المظلمة من تاريخ البشر. لكن لم يتجاسر أحد على مقاومتهم. لأن غالبية البشر في ذلك العصر كانوا واقعين تحت الظل وكانوا خائفين وضعفاء. وكان مجيء النومينوريين بينهم قد علمهم الكثير من الأشياء. لأنهم كانوا قد أحضروا معهم الحنطة والنبيذ. وعلموا البشر على طحن الحبوب وقطع الخشب وتشكيل الحجارة, وتنظيم الحياة في أراضي الموت السريع والنعمة القليلة.

من بعدها ارتاح أهل الأرض الوسطى, ومن هنا وهناك وعلى الشواطئ الغربية عاد المشردون من الغابات, ونفض البشر عنهم نير ذرية مورغوث وتناسوا رهبة الظلام. وبجلوا ذكرى ملوك البحر طوال القامه. وعندما غادروهم سموهم آلهة وتمنوا عودتهم. لم يدم سكن النومينوريين طويلاً في الأرض الوسطى, ولم يجعلوا لهم هناك مستعمرةً فهم يجب أن يبحروا نحو الشرق. لكن قلوبهم ترنو دائماً إلى الغرب.

مع مرور السنوات نما لدى النومينوريون شوقٌ كبير إلى المدينة الأبدية التي رأوها من بعيد. وازدادت لديهم الرغبة بالخلود والبقاء والهروب من الموت. أيضاً ازدادت قوتهم ومجدهم بشكل كبير فازداد معه القلق والاضطراب. مع أن الڤالار كان قد كافأ دوناداين بحياةٍ طويلة, لكن هذه الحياة الطويلة لم تستطع أن تأخذ معها المعاناة والتعب, فلا مفر في نهاية المطاف من قدر الموت. حتى ملوكهم الذين هم ذرية إيارينديل واجهوا قدر الموت. مع أن حياتهم الطويلة كان مداها قصير بالنسبة لإيلدار. وهكذا سقط الظل فوقهم, وسبب ذلك ربما لأن إرادة مورغوث مازالت قادرة على الحركة ضمن العالم. تذمر النومينوريون من هذا القدر في بادئ الأمر بقلوبهم, وبعد ذلك صرحوا فيها بالكلام المباشر, ضد قدر البشر, والأهم من ذلك ضد الحظر الذي نهاهم عن الإبحار نحو الغرب.

وقالوا فيما بينهم: لماذا يجلس سادة الغرب هناك بسلام دائم, بينما نحن هنا يجب أن نموت ولا نعرف إلى أين سنذهب. مغادرين أوطاننا وكل ما عملناه؟ حتى إيلدار الذي تمرد وثار ضد سلطتهم أيضاً لا يموت. فلقد قهرنا كل البحار, ولا يوجد ماء متوحش أو واسع إلا وتستطيع سفننا أن تتغلب عليه, فلماذا لا يجب علينا الذهاب إلى أڤالوني ونحيي أصدقاءنا هناك؟.

قال بعض من كان هناك بينهم: لماذا يجب علينا أن لا نذهب إلى أمان ونتذوق هناك حتى لمدة يوم واحد نعمة وبركة سلطات أردا ؟ هل لم نصبح هائلين بعد بين شعوب أردا ؟

نقل إيلدار فحوى هذا الكلام  إلى الڤالار, وكان مانوي مكتئباً لرؤية الغيوم تتلبد فوق قمة مجد نومينور. فأرسل الرسل إلى دوناداين, ليتكلموا بجدية مع الملك ومع كل من يستمع إليهم, بخصوص المصير وصياغة العالم.

فقالت الرسل: قدر العالم بيد واحد أحد هو وضعه وهو يغيره. أما بالنسبة إلى العالم المبارك فكان لهم ذلك. ففي تلك الرحلة البحرية حيث نجوتم من الخداع والفخاخ ووصلتم فعلاً إلى أرض أمان العالم المبارك. فالقليل ينفعكم. لأنها ليست أرض مانوي هي التي تجعل شعبها من الخالدين. لكن الخالدون هم الذين يقدسون الأرض والمكان حيث يسكنون. وإذا أصبحتم هناك فإنكم ستذبلون وتتعبون قريباً, كالعث في الضوء القوي الصامد.

سألهم الملك: حتى جدي إيارينديل الحي, أم هو لا يعيش في أرض أمان أيضاً.

فأجابوه: أنت تعرف بأن إيارينديل لديه مصير مستقل, وهو محكوم بمصير البكر (الجان) الذين لا يموتوا. وأيضاً فإن قدره يحكم عليه بعدم العودة أبداً إلى الأراضي الفانية. بينما أنت وشعبك لستم من البكر (الجان) فأنتم بشر هالكون, كما خلقكم إلوڤاتار. رغم ذلك يبدو بأنك ترغب بأن يكون عندك الصفات الجيدة لكلا الشعبين (الإنس والجان).لكي تبحر إلى ڤالينور متى تريد, وتعود إلى بيتك كما يحلو لك. لكن ذلك لا يمكن أن يكون. ولا يمكن للڤالار أن يأخذ منكم هدية إلوڤاتار. وأيضاً أنت تقول بأن إيلدار بدون عقاب وحتى أولئك الذين تمردوا على السلطات لم يموتوا. رغم ذلك فهذه ليست مكافأة ولا عقاب, لكن استكمالاً لوجودهم, فلا يستطيعون الهرب, بل سيبقون مرتبطين بهذا العالم. فلا يغادرونه طالما بقوا على قيد الحياة, فإن حياتهم هي مسؤوليتهم. وقلت بأن البشر يعاقبون على التمرد. ونقول لك بأنه لديك حصة صغيرة وهي الموت, لكن الموت في البداية لم يكن محدداً على أنه عقوبة بل هدية. وهكذا فأنت يمكن أن تهرب وتترك العالم, فأنت غير ملتزم به منتظراً بالأمل والضجر. لذلك فلا يجب علينا أن نحسد الآخرين.

فأجابهم النومينوريون: لماذا لا يجب أن نحسد الڤالار, أو حتى أن نحسد الخالدين؟ لأنه مطلوبٌ منا فقط الثقة العمياء, والأمل غير المضمون. مع العلم أننا لا نعرف ما ينتظرنا بعد فترة قصيرة. وبالرغم من كل ذلك فأننا نحب الأرض أيضاً ولن نفرط بها.

ثم قالت الرسل: في الواقع فإن توجهات عقل إلوڤاتار المتعلقة بكم, غير مكشوفة للڤالار. فهو لم يكشف عن كل الأشياء التي ستأتي. لكننا نتمسك بها عندما تصبح حقيقة, فإن بيتكم ليس هنا ولا في أرض أمان ولا في أي مكان ضمن دوائر العالم. وقدر البشر أن يموتوا ويغادروا. وفي البدء كانت تلك هدية لكم من إلوڤاتار, ثم أصبحت تجلب لكم الحزن وذلك فقط بسبب مجيئكم تحت ظل مورغوث, فبدا لكم بأن الموت محاط بظلمة عظيمة وأصبحتم منه خائفين. فنما لدى البعض منكم عناد وفخر وعدم تقبل لهذه الهدية, وبقوا هكذا حتى سُلبت منهم حياتهم وماتوا. نحن الذين نتحمل أثقال السنين المتزايدة ولا نفهم ذلك بشكل واضح. لكن إذا عاد ذلك الحزن لإزعاجكم كما تقولون, عندها ستخافون من ظهور الظل ثانيةً ويعود للنمو في قلوبكم. على الرغم من أن دوناداين هو الأنقى بين كل أولئك البشر الذين هربوا قديماً من الظل وقاتلوا ببسالة ضده. ونقول لكم: كونوا على حذر! وإياكم أن تخالفوا إرادة إيرو. ويطلب منكم الڤالار بشكل جدي أن لا تخسروا الثقة التي استعدتموها, خشية أن تُكرهوا على ذلك الرباط. وفي النهاية نأمل بأن تكون حتى أقل رغباتكم محققه. لقد وضع إلوڤاتار محبة أردا في قلوبكم. وهو لا يزرع إلا لهدف, ومع هذا فقد تمضي عصورٌ كثيرة من حياة البشر قبل أن يكون ذلك الهدف معروفاً. وإليكم سيكون الكشف والتوضيح وليس للڤالار.

حدثت تلك الأشياء في أيام تار كيرياتان بناء السفن وأيام ابنه تار أتانامير. فقد كانوا رجالاً متكبرين, متلهفين للثروة, قاموا بفرض الجزية على أهل الأرض الوسطى. فكانوا يأخذون منهم بدل أن يعطوهم. وإلى تار أتانامير جاء أولئك الرسل, وكان هو الملك الثالث عشر. ففي أيامه بلغ عمر مملكة نومينور أكثر من ألفي سنة, ووصلت إلى قمة النعمة, لكنها لم تصل بعد إلى قمة القوة. لكن أتانامير كان شقياً ولم يعطِ الكثير من الاهتمام لنصائح الرسل. وتبعته الغالبية العظمى من شعبة في ذلك, لأنهم مازالوا يتمنون الفرار من قدر الموت في أيامهم, ولا يريدون انتظار الأمل. عاش أتانامير عمراً مديداً, وقد تشبث بالحياة وانغمس بملذتها, وهو الأول من بين النومينوريين الذي سار على هذا المنوال, ورفض المغادرة حتى بعد أن أصبح خرفاً ومهجوراً, فأنكر تسليم منصب الملك إلى ابنه في آخر أيامه. لأن عادة سادات نومينور كانت هي الزواج المتأخر من حياتهم الطويلة, ومغادرة العرش وترك السلطة إلى أبنائهم عندما يصبح الأبناء كاملي الجسم والقوام والعقل.

بعد أتانامير أصبح تار أنكاليمون بن أتانامير ملكاً, وكان يشبه أباه بالعقل, وفي أيامه انقسم شعب نومينور إلى حزبين. كان الحزب الأكبر بينهم هو حزب رجال الملك, وكانوا متكبرين وابتعدوا كثيراً عن إيلدار وعن الڤالار. أما الحزب الثاني فهو الأقل عدداً وكان اسمه ايلينديلي, أصدقاء الجان. وعلى الرغم من كل شيء فقد بقوا موالين للملك وبيت إيلروس, وكانوا يرغبون بالمحافظة على الصداقة مع إيلدار. وأصغوا إلى نصائح سادات الغرب, لذلك سموا أنفسهم المخلصون. مع أنهم لم يتهربوا من مأساة شعبهم بشكل كامل وبقوا قلقين من التفكير بالموت.

هكذا تناقصت البركة الغربية. لكن القوة والعظمة ازدادتا لكلٍ من الملوك والشعب, ولم يتركوا الحكمة بعد. وإذا كانوا يحبون الڤالار قليلاً فمازالوا يهابونهم, ولم يتجرأوا وبشكل مفضوح على كسر الحظر أو الإبحار خلف الحدود المعينة. فمازالوا  يبحرون بسفنهم الطويلة إلى الشرق. لكن خوفهم من الموت زاد من الظلام فوقهم. فحاولوا تأخير القدر بكل الوسائل التي يملكونها, لذلك بدأوا بتشييد أبنيةٍ عظيمةٍ لموتاهم, بينما عمل حكماؤهم بشكل مستمر على محاولة اكتشاف سر استعادة الحياة. أو على الأقل إطالة أيام حياة البشر. رغم ذلك فلم ينجزوا فقط إلا فن تحنيط أجساد الموتى, وملأوا الأرض بالقبور الصامته, التي كان فكر الموت فيها محفوظاً في الظلام. لكن أولئك عاشوا بشكل مغاير وبلهفة أكثر للسرور والمرح راغبين دائماً بالمزيد من السلع والغنى. وبعد أيام حكم تار أنكاليمون, أُهملت أول وصايا إيرو. ونادراً ما كان يذهب البشر للقداديس على مرتفعات مينيلتارما في وسط الأرض.

منذ أن كان الغرب محرماً عليهم. فقد اعتاد النومينوريون على بناء الأبراج القوية والموانئ الكبيرة, وفي ذلك الوقت أيضاً, أنشأوا مستوطنات كبيرة خارج أرضهم, وأول ما ابتدأوا به كان على الشواطئ الغربية للأراضي القديمة. لأن أرضهم ضاقت بهم, ولم يقنعوا أو يشعروا بالراحة في ذلك المكان, ولرغبتهم في السيطرة والتملك وسيادة الأرض الوسطى. وافق كثيرون منهم على السكن في تلك المستوطنات, لكنهم ظهروا كسادة مسيطرين يسعون لكسب المديح والتبجيل, بدل من أن يظهروا كمساعدين ومعلمين. وكانت سفن النومينوريين العظيمة تبحراً شرقاً مع الرياح وتعود بالكثير من الحمولات والثروة. فازداد ملوكهم قوةً وفخامةً. فشربوا وتمتعوا وكسوا أنفسهم بالفضة والذهب.

في كل هذه الأعمال كان نصيب حزب أصدقاء الجان صغيراً جداً, فقد ذهبوا لوحدهم إلى الشمال, وبالتحديد إلى أرض غيل غالاد, حافظين عهد صداقتهم مع الجان ومساعدتهم لهم في القتال ضد ساورون. وكان مرفأهم بيلارغير فوق منابع أندوين العظيم. لكن حزب رجال الملك أبحروا بعيداً نحو الجنوب, وتركت القلاع والسلطة التي صنعوها هناك الكثير من الإشاعات في أساطير البشر.

ظهر ساورون ثانيةً في هذا العصر في الأرض الوسطى. فكبر وعاد إلى الشر الذي رباه عليه مورغوث, وأصبح من أقوى خدمه. وفي زمان الملك الحادي عشر لنومينور تار ميناستير. حصَّنَ ساورون أرض موردور وبنى هناك برج باراد دور, وفيما بعد جاهد دائماً لسيادة الأرض الوسطى, لكي يصبح ملكاً على كل الملوك وإلهاً للبشر. كره ساورون النومينوريين بسبب أفعال آبائهم وتحالفهم القديم مع الجان وولاءهم المطلق للڤالار, ولم ينسَ المساعدة التي قدمها في القديم تار ميناستير إلى غيل غالاد. وفي ذلك الوقت كان قد صاغ الخاتم الأوحد, وكانت هناك حرب بين ساورون والجان في إيريادور. أما الآن وقد عَلم بأن ملوك نومينور ازدادوا قوةً وعظمةْ. فازداد كرههُ لهمْ وخاف أن يغيروا على أراضيه, ويسحبوا منه سيادة الشرق. ولوقت طويل لم يتجاسر على تحدي سادات البحار, فانسحب من السواحل.

رغم ذلك فقد كان ساورون ماكراً جداً, ويقال بأن من بين أولئك التسعة الذين تورطوا بالخواتم, كان منهم ثلاثة من عظماء سادات عرق النومينوريين. وعندما ظهر عبيده أولايري, أي أشباح الخاتم, فقد ازدادت بشكل كبير قوة إرهابه وسيطرته على البشر. وبدأ بمهاجمة الأماكن القوية للنومينوريين على شواطئ البحر.

وفي تلك الأيام ازداد الظل عميقاً على نومينور, وحياة ملوك بيت إيلروس تلاشت بسبب تمردهم, لكن  قلوبهم كانت قاسية على الڤالار. أخذ الملك التاسع عشر صولجان آبائه واعتلى العرش وتسمى باسم أدون أكور, سيد الغرب, وأمر بترك لغة الجان ومنع استعمالها في جلساته. على الرغم من أن مخطوطة الملوك والمسماة هيرونومين, مدرجةً بلغة الجان العلويين. وذلك بسبب العادة القديمة والتي تخشى الملوك كسرها نهائياً. خوفاً من وقوع الشر الآن, فقد اعتبر حزب المخلصين بأن هذا اللقب يبدو فخوراً أكثر من اللازم, لكونه لقب الڤالار. أما قلوبهم فقد اجتازت اختباراً صعباً بين ولائهم لبيت إيلروس وبين تبجيلهم للسلطات المحددة. لكن الاسوأ لم يأتِ بعد. لأن آرغيميلزور الملك الثاني والعشرين كان هو العدو الأكبر للمخلصين. وفي أيامه لم يخدم الشجرة البيضاء وبدأت بالذبول, ومنع تماماً استعمال لغة الجان, وعاقب كل من رحب بسفن إيريسيا التي مازالت تجيء سراً إلى الشواطئ الغربية للأرض.

في الأغلب سكن أعضاء حزب ايلينديلي في المناطق الغربية لنومينور, لكن آرغيميلزور أمر بأن كل من يُكتَشفْ بأنه من هذا الحزب, يرحّل من مكان إقامته في الغرب ويسكن في شرق الأرض. وهناك كانوا مراقبين, وكان المسكن الرئيسي للمخلصين في الأيام اللاحقة قريباً من ميناء روميننا, فأبحر كثيرون من هذا الميناء إلى الأرض الوسطى, قاصدين السواحل الشمالية, حيث أنهم مازالوا يتكلمون مع إيلدار الذين في مملكة غيل غالاد. هذا الأمر عرفه الملوك لكنهم لم يمانعوه طالما أن ايلينديلي غادر أرضهم ولن يرجع إليها أبداً. لأنهم رغبوا في إنهاء كل الروابط التي تربط بين الناس وإيلدار من إيريسيا. والذين كانوا يسموهم جواسيس الڤالار. على أمل أن تبقى أعمالهم ومجالسهم مخفيةً عن سادات الغرب. لكن كل ما فعلوه كان معلوماً لمانوي, وكان الڤالار غاضبين على ملوك نومينور. ولم يقدموا لهم النصح والحماية فيما بعد. ولم تأتي فيما بعد سفن إيريسيا من مغرب الشمس وأصبحت مرافئ أندونيه مهجورة.

الأعلى شرفاً بعد بيت الملوك كانوا سادات أندونيه. فهم من نسل إيلروس. وبدايتهم تنحدر من سيلماريان بنت تار إيلينديل الملك الرابع لنومينور. كان هؤلاء السادة موالين للملوك, وكانوا يبجلونهم كثيراً. وكان سيد أندونيه دائماً من بين المستشارين الرئيسيين لمجلس الصولجان. رغم أنهم منذ البداية حملوا حباً خاصاً لإلدار وتقديس الڤالار. وعندما نما الظل قاموا بمساعدة المخلصين بقدر ما استطاعوا. لكنهم ولمدة طويلة لم يعلنوا عن أنفسهم صراحةً, فكان سعيهم مع المستشارين الأكثر حكمةً بدلاً من أن يعدلوا نفوس أقطاب الصولجان.

كانت هناك سيدة تدعى إنزيلبيث مشهورةً بجمالها, وأمها كانت ليندوريه أخت إيريندور سيد أندونيه في أيام آرساكالثور أبو آرغيميلزور. وقد اتخذها آرغيميلزور زوجةً له, رغم كل هذا فقليلاً ما كان يروق لها, لأنها في قلبها كانت من حزب المخلصين, لكونها متعلمةً من والدتها. لكن الملوك وأبنائهم ينمون بالفخر وعلى إنكار الرغبات. فلم يكن الحب موجوداً بين آرغيميلزور وزوجته الملكة, أو بين أبنائها. فالكبير إنزيلادون كان مثل أمه في العقل وفي الجسم, لكن غيميلخاد الأصغر فقد ذهب مع أبيه, إلا أنه كان أكثر غطرسةً وعناداً من أبيه. وإليه أراد آرغيميلزور أن يهب الصولجان بدلاً من الابن الأكبر لو سمحت له القوانين بذلك.

لكن عندما تسلم إنزيلادون الصولجان. اتخذ لنفسه لقباً بلغة الجان, كما في التقاليد السابقة. وسمى نفسه تاربالانتير. لأنه كان بعيد النظر في العين والقلب. حتى الذين كرهوه خافوا من كلماته لأنها تنبؤات صحيحه. وأيضاً كان قد منح السلام لحزب المخلصين. وأعاد مواسم تقديس إيرو على مينيلتارما. الذي كان قد هُجر في عهد آرغيميلزور. وخدم الشجرة البيضاء ثانية بالشرف, وتنبأ قائلاً: عندما تموت الشجرة ينتهي نسل الملوك. لكن توبته كانت متأخرة جداً لتهدئة غضب الڤالار بسبب وقاحة آبائه, وعدم توبة الجزء الأكبر من الشعب. وكان غيميلخاد فضاً وقوياً. فتسلم قيادة حزب رجال الملك وعارض إرادة أخيه بشكل سافر وتجرأ عليه. وكانت أكثر الأمور لحد الآن بشكلٍ سري. وهكذا أصبحت أيام تاربالانتير مظلمة من الحزن, فكان يصرف معظم وقته في الغرب, يصعد في أغلب الأحيان إلى البرج القديم للملك ميناستير على تلة أوروميت القريبة من أندونيه. وهناك كان يحدق إلى الغرب متأملاً رؤية بعض الأشرعة القادمة من الغرب عبر البحر, لكنها لم تأتِ أي سفينة ثانية من الغرب إلى نومينور. وحجب أڤالوني بالغيوم.

مات غيميلخاد بعمر سنتان قبل المئة ( وهو أكثر موت مبكر في سلالة إيلروس منذ نشأتها وحتى تلاشيها), لكن هذا لم يجلب أي سلام للملك. لأن فارازون بن غيميلخاد كان رجلاً عصبياً جداً وتواقاً للثروة والسلطة أكثر من أبيه. وفي أغلب الأحيان كان يرتحل لخارج الديار, كزعيم للحروب التي خاضها النومينوريون في سواحل الأرض الوسطى, ساعياً لتمدد سلطانهم على البشر. وبهذا كسب صيتاً عظيماً كقائداً في البر والبحر, لذلك عندما عاد إلى نومينور, وسمع بموت أبيه, استدارت قلوب الشعب نحوه لأنه كان قد جلب معه ثروة عظيمةً, وكانت عطاءاته للشعب كثيرة.

في ذلك الوقت مات تاربالانتير بعد أن أرهقه الحزن. ولم يكن لديه ابن ذكر بل كانت لدية بنت فقط واسمها ميريل بلغة الجان. وحسب قوانين النومينوريين, يحق لها اعتلاء الصولجان. لكن فارازون تزوجها رغماً عنها. وهذا فعلٌ شرير, أيضاً شرير في قوانين نومينور التي لا تسمح  بهكذا زواج بالإكراه, حتى ولو كان في البيت الملكي, للذين أكثر قرباً من قرابة أبناء العمومة والتي تأتي بالدرجة الثانية. وعندما تزوجها استولى على الصولجان إلى نفسه واتخذ لقب آرفارازون ( تاركاليون في لغة الجان), وتغير اسم زوجته الملكة إلى آرزيمرافيل.

كان آرفارازون الذهبي فخوراً وأكثر جبروتاً من كل الذين امتلكوا صولجان ملوك البحر منذ تأسيس نومينور. وقد حكم نومينور قبله ثلاثة وعشرين ملكاً وملكة. وهم الآن نائمين في قبورهم العميقة بظلال جبل مينيلتارما, متمددين على أسرتهم الذهبية.

جلس آرفارازون على عرشه المرصع, في مدينة أرمينيلوس بمجد قوته, يطيل التفكير المظلم بالحرب, لأنه كان قد تعلم في الأرض الوسطى من قوة مملكة ساورون, وكراهيته للغربيين. والآن كان قد رجع إليه ربابنة السفن والقادة القادمين من الشرق, فأخبروه بأن ساورون قد فرض سيطرته هناك, منذ عودة آرفارازون من الأرض الوسطى. وراح الآن يضغط باستمرار على المدن الساحلية. وقد اتخذ لنفسه لقب ملك البشر. معلناً عن أهدافه بطرد النومينوريين إلى البحر, وحتى تدمير نومينور. إذا لزم الأمر.

غضب آرفارازون كثيراً من هذه الأخبار وفكر كثيراً في سره, فقلبه مملوء برغبة السلطة غير المحدودة, والسيطرة المطلقة لإرادته, فقرر بدون استشارة الڤالار, وحتى لم يطلب مساعدة الحكماء بل استبد برأيه. إذ إن لقب ملك البشر هو من يدعيه لنفسه ويريد إرغام ساورون على أن يكون خادماً له وتابع. فبسبب كبريائه يعتبر أنه لا يجب أن يظهر ملك ينافس وريث إيارينديل. لذلك بدأ في ذلك الوقت بصناعة وتخزين الأسلحة في مخزن كبير, وبنى الكثير من السفن الحربية وخزنهم مع الأسلحة. وعندما أصبح كل شيءٍ جاهز. أبحر مع جيشه نحو الشرق.

رأى البشر أشرعة قادمة من مغرب الشمس, مصبوغةً بلون قرمزي يلمع بالأحمر والذهب. فوقع الخوف على ساكني السواحل وهربوا بعيداً, لكن الأسطول وصل إلى المكان الذي يدعى أومبار. وهو المرفأ الطبيعي الهائل للنومينوريين, وهو مرفا طبيعي لم تصنعه الأيدي. كانت الأراضي فارغة وصامته حول موكب ملك البحر عندما سار في الأرض الوسطى. لسبعة أيام سافر بالراية والبوق حتى وصل إلى تل. فاعتلاه ووضع سرادقه وعرشه هناك, وجلس في وسط الأرض, وخيام جماهيره مصطفةً حوله. زرقاء وذهبية وبيضاء. فكانوا كزهور الحقل الطويلة. ثم بعث الرسل إلى ساورون وأمره بالمجيء وتقديم الولاء.

جاء ساورون. حتى من وراء تحصينات برجه العظيم باراد دور. ولم يقدم أي اتفاق بخصوص المعركة, لأنه لاحظ قوة وفخامة ملوك البحر, والتي فاقت كل الإشاعات التي وصلته عنهم. فلم تكن لدية الثقة حتى بأقوى خدمه, من القدرة على مقاومتهم أو الصمود بوجههم. ورأى بأن وقته لم يحن بعد لتصفية حساباته مع دوناداين. فقد كان ماكراً, وماهراً جداً لكسب ما يريد بالرِّقة واللين عندما لا تنفع القوة. لذلك فقد تواضع أمام آرفارازون, وصقل كلامه. فتعجب البشر منه لأن كل كلامه كان يبدو عادلاً وحكيماً.

لكن آرفارازون لم ينخدع به بعد, وجاء إلى باله, بأن يأخذه إلى نومينور, ويسكنه هناك كرهينة هو وكل خدمه الذين كانوا معه في الأرض الوسطى. فيبقى ساورون هناك محافظاً على قسمه وولائه. وافق ساورون مكرهاً في ظاهر الأمر, لكنه وفي سره كان مسروراً. لأن ذلك ينسجم بالحقيقة مع رغباته. عبر ساورون البحر وشاهد أرض نومينور ومدينة أرمينيلوس في أيام مجدها. فاندهش لكن قلبه كان مملوءً بالحسد والكراهية.

رغم ذلك مثلما كان الخداع في عقله كذلك كان بفمه, فقد كانت قوة إرادته الخفية. وقبل مضي ثلاث سنوات, أصبح من أقرب المستشارين السريين للملك, لحلاوة التملق التي كانت في لسانه كالعسل, ولمعرفته الكبيرة التي لم تكن مكشوفة بعد للبشر. وبسبب ما ناله من حظوةٍ وإحسانٍ عند الملك فقد تودد له غالبية أعضاء المجلس, إلا واحداً وهو أمانديل سيد أندونيه. ثم جاء التغيير ببطء إلى الأرض, فاضطربت نفوس أصدقاء الجان بشده, وانقطع الكثيرين عنهم مبتعدين بدافع الخوف. بالرغم من أن الذين بقوا منهم مازالوا يطلقون على أنفسهم اسم المخلصين. لكن أعدائهم نعتوهم بالمتمردين. أما الآن وقد استحوذ ساورون على إصغاء البشر له, فقد خالف وبالكثير من الحجج, كل العلوم التي علمهم إياها الڤالار. وأضاف بأن البشر يعتقدون بأن العالم يتمدد فقط إلى الشرق, وحتى في الغرب تتمدد الكثير من البحار والأراضي لنفوز بها, ففيها ثروات لا تحصى. ومازالت تنتظرنا, وإذا كان ينبغي أن نصل أخيراً إلى نهاية تلك الأراضي والبحار. خلف امتداد كل الظلمات القديمة. فخارجها صُنع العالم. لأن الظلام وحده هو المقدس, وقد يجعل الرب منه عوالم أخرى لتكون هدايا لأولئك الذين يخدموه. بحيث أن زيادة قوتهم لن تجد نهاية.

وسأله آرفارازون, من هو سيد الظلام ؟

تكلم ساورون مع الملك خلف الأبواب المغلقة, وراح يكذب ويقول: أنه هو الذي اسمه لن يكون منطوقاً الآن. لأن الڤالار خدعوك فيما يخصهم. فقد فرضوا تقديم اسم إيرو الذي ابتكره خيالهم من حماقة قلوبهم. فهم يريدون تقيد البشر بالعبودية لأنفسهم. لأنهم هم الوحي لهذا الإيرو, الذي يتكلم فقط وفق إرادتهم. لكن هو سيدهم وسيسود في النهاية. وهو سينقذكم من هذا الوهم, واسمه ميلكور سيد الجميع, مانح الحرية, وهو الذي سيجعلك أقوى منهم.

عاد الملك آرفارازون إلى عبادة الظلام وميلكور سيد ذلك الظلام. وكان في بادئ الأمر سرياً, لكن بعد مدة أصبح بشكل مفضوح وأمام الشعب. فتبعه بذلك الجزء الأكبر من الشعب. رغم ذلك فمازالت تسكن بقية من المخلصين, كما قيل, في روميننا وفي البلاد القريبة منها, والبعض الآخر منتشرين في الأرض هنا وهناك. وزعيمهم هو أمانديل الذي بحثوا عن قيادته الشجاعة في هذه الأيام الشريرة. كان أمانديل, عضو مجلس الملك, وابنه إيلينديل. وإيلينديل هذا له ولدان هما إيسيلدور وأناريون. كان أمانديل وابنه إيلينديل ربانين عظيمين. وهما من سلالة إيلروس تارمينياتور, رغم ذلك فهما ليسا من البيت الحاكم الذي يعود إليه التاج والعرش في مدينة أرمينيلوس. وفي أيام شبابهما معاً كان أمانديل عزيزاً على فارازون مع أنه كان صديقاً للجان, وبقي في مجلسه حتى مجيء ساورون. أما الآن فقد أقالوه من منصبه, لأن ساورون يكرههُ أكثر من الآخرين في نومينور. لكنه كان نبيلاً جداً, وقائداً بحرياً جبار, وذلك ما جعلة محمولاً بالشرف من قبل الكثيرين من الشعب. فلم يتجاسر لا الملك ولا ساورون على وضع أيديهم عليه لحد الآن.

لذلك انسحب أمانديل إلى رومينا, واستدعى في الخفاء إلى هناك كل من كان يثق به, بأنه من المخلصين. لأنه خشي اشتداد الشر, وكل أصدقاء الجان كانوا في خطر. وسرعان ما حدث ذلك. لأن مينيلتارما هُجر نهائياً في تلك الأيام. ومع ذلك حتى ساورون لم يتجرأ على تدنيس المكان العالي. والملك سوف لن يسمح لأي رجل ولو بالموت والألم, من الصعود إليه, حتى أولئك المخلصين الذين أبقوا على إلوڤاتار في قلوبهم. راح ساورون يحث الملك على قطع الشجرة البيضاء, نيملوث الجميلة, والتي تنمو في قصوره, لأنها نصب تذكاري من إيلدار لضوء ڤالينور.

في البداية لم يوافق الملك على هذا, لأن المعتقدات الأولية تقول بأن مصير بيته مربوط بالشجرة كما تنبأ بذلك تاربالانتير. وهكذا في حماقته وهو الذي يكره إيلدار والڤالار. لكنه الآن يتعلق عبثاً بالظلال القديمة لولاء نومينور. وعندما سمع أمانديل إشاعة الهدف الشرير لساورون, كان الحزن في القلب لمعرفته بالنهاية بأن تلك كانت إرادة ساورون. تكلم مع ابنه إيلينديل وولديه وذكرهم بحكاية أشجار ڤالينور. فلم يقل إيسيلدور أيَّ كلمة, لكنه خرج في الليل وعمل عملاً, فيما بعد أصبح ذلك العمل مشهور. فلقد ذهب متنكراً لوحده إلى أرمينيلوس حيث قصور الملك التي حرمت على المخلصين, وجاء إلى مكان الشجرة التي منع عنها الجميع بطلب من ساورون. كانت الشجرة محروسةً ليلاً نهاراً بحرس من خدم ساورون. وفي ذلك الوقت كانت نيملوث معتمة ولم تزهر بعد, لأن الوقت كان في أواخر الخريف وقد اقترب الشتاء كثيراً. مرَّ إيسيلدور من خلال الحراس وأخذ من ثمار الشجرة المعلقة عليها واستدار للذهاب, لكن الحارس انتبه له وهاجمه فتقاتلا, ثم تمكن إيسيلدور من الهرب وشق طريقة للخارج مع بعض الجروح. ولأنه أخفى الثمرة فلم يعرف أحد بأنه وضع يده على الشجرة. لكن إيسيلدور بالكاد وصل أخيراً إلى روميننا وسلم الثمرة ليد أمانديل قبل أن تخور قواه, بعد ذلك زُرعت تلك الثمرة بالسر, وكانت مباركة من قبل أمانديل. وفي الربيع نشأت منها نبتة ثم أورقت, لكن عندما تفتحت أول ورقة منها نام إيسيلدور لمدة طويلة مقترباً من الموت. ثم استيقظ ولم تكن هنالك أية آثار لجراحه فقد شفيت تماماً.

لم يحدث ذلك بعد الهجوم مباشرةً. فقد استسلم الملك لإرادة ساورون وقطع الشجرة البيضاء. وانقلب مبتعداً تماماً عن ولاء آبائه. لكن ساورون كان المسبب في بناء الذهبي, وهو معبد هائل على تل في وسط أرمينيلوس مدينة النومينوريين. كانت قاعدته بشكلٍ دائري, وسماكة جدرانه خمسون قدماً, وعرض القاعدة عبر مركز الدائرة خمسمائة قدم. أمّا جدرانه فقد ارتفعت خمسمائة قدم عن مستوى الأرض. وتوجوه بقبة هائلة مغطاة كلها بالفضة, ارتفعت متلألئة بالشمس, وكان بريق ضوئها يرى من بعيد جداً. لكن بعد حين أظلم ضوؤها, واسودت فضتها, بسبب وجود مذبح للنار في وسط المعبد وفي أعلى القبة كانت الفتحة التي يخرج منها الدخان الكثيف. وأول شخص أوقد على ذلك المذبح كان ساورون ومن خشب نيملوث المقطوع. فطقطق خشبها في النار وكان مستهلكاً. استغرب البشر من الأبخرة التي صعدت منها, فقد بقيت الأرض تحت الغيم لمدة سبعة أيام, حتى سارت الغيمة ببطء نحو الغرب.

فيما بعد وفي ذلك المعبد ارتفعت النار والدخان باستمرار لأن قوة ساورون تزداد يومياً, وفي ذلك المعبد, مع إراقة الدم والعذاب والفجور العظيم. فقد جعل من البشر قرابين تقدم لميلكور, لأنه سيحررهم من الموت. وفي أغلب الأحيان اختاروا ضحاياهم من أعضاء حزب المخلصين. ولم يتهمهم بشكل سافر بأنهم لا يعبدون ميلكور, مانح الحرية. بالأحرى كان يريد سبباً ضدهم, بأنهم يكرهون الملك وكانوا من المتمردين, أو بأنهم خططوا ضد أقربائهم. كلها أكاذيب مختلقة وسموم, وهذه التهم كانت بغالبيتها باطلة. بعد ذلك أصبحت الأيام مريرة. والحقد يولد حقداً.

لكن رغم كل هذا. فلم يرحل الموت عن الأرض. بل بالأحرى كان الموت يأتي مباشرةً وفي أغلب الأحيان سريعاً, وبالكثير من المظاهر المخيفة. فبينما كان البشر الأوائل يكبرون ببطء, ثم يضعوهم أخيراً بعد أن يكونوا قد تعبوا من العالم في نومٍ أبدي. أما الآن فقد هاجمهم الجنون والمرض على الرغم من أنهم مازالوا يخافون من الموت, ومن الخروج إلى الظلام, إلى عالم السيد الذي اتخذوه عليهم. فلعنوا أنفسهم من ألمهم ومعاناتهم. وأصبح البشر يحملون السلاح دوماً في تلك الأيام, فكان أحدهم يذبح الآخر لأتفه الأسباب, لأنهم أصبحوا سريعي الغضب. أما ساورون, أو أولئك الذين كانوا مرتبطين به. فقد استمروا في إعداد الأرض لتكون رجلاً ضد رجل, لكي يتذمر الناس ضد الملك والسادة. أو ضد أي شخص لم يكن معهم. وتحمل رجال السلطة انتقاماً قاسياً.

مع ذلك فقد بدا للنومينوريين وبطول المدة بأنهم نجحوا, مع أن سعادتهم لم تكن زائدة, رغم ذلك فقد ازدادت قوتهم وأصبح رجالهم من أغنى الأغنياء, فبفضل مساعدة واستشارة ساورون, تضاعفت أملاكهم وصمموا الآلات الميكانيكية. وبنوا السفن الضخمة, وأبحروا بالقوة المدججة بالسلاح إلى الأرض الوسطى. فلم يأتوا إليها كمقدمي هدايا ولا حتى كحكام بل كغزاة وكرجال شرسين تواقين للحرب. فطاردوا بشر الأرض الوسطى وأخذوا متاعهم وبضائعهم واستعبدوهم, وذبحوا كثيرين منهم بقسوة على مذابحهم. بالمقابل فقد شيدوا في الأرض الوسطى في تلك الأيام, القلاع والمعابد والقبور الضخمة. وخاف منهم كل البشر, وحكايات الملوك العطوفين التي كانت تعج فيها في الأزمنة الماضية, تلاشت من العالم الآن, وأظلمت الدنيا بعيون الكثيرين بسبب أخبار الفزع والخوف.

هكذا تحول آرفارازون من ملك من أرض النجم, إلى أعتى طاغية مستبد على مر العصور منذ عهد مورغوث. وبالحقيقة فإن ساورون هو الذي كان يحكم من وراء العرش. ومع مرور السنين أحس الملك باقتراب ظل الموت, ومع ازدياد أيام حياته كان يزداد خوفه وغضبه. وجاءت الآن الساعة التي انتظرها ساورون لمدة طويلة. فتحدث ساورون إلى الملك قائلاَ: بأن قوته أصبحت عظيمةً الآن, ويجب أن يخضع كل شيء لإرادته وقيادته. ومن لا يخضع يكون مُداناً ومُحَرَّماً.

وقال أيضاً: بأن الڤالار يحتكرون لأنفسهم أرضاً خاليةً من الموت, وقد كذبوا بخصوص ذلك وأخفوه عنكم بأفضل ما يمكن. بسبب جشعهم وخوفهم من أن يستعيد ملوك البشر مملكة الخلود منهم ويحكمون العالم بدلاً عنهم. مع ذلك وبلا شك, فإن جدارة الحياة لا توهب للجميع بل لمستحقيها. كأن يكون رجلاً شريفاً وعزيزاً ومن سلالة ونسب عريقين, فإنه من غير العدل أن يكون محروماً من هذه الهدية الواجبة. فلا يجب أن يحجب الخلود عن آرفارازون ملك الضربات وأعتى أهل الأرض. والذي لا يمكن أن يقارن به أحد إلا مانوي وحده. حتى ولو كان, فإن الملوك العظام لا يتحملون الرفض والإنكار ويأخذون ما هو مستحقٌ لهم بالقوة.

جن جنون آرفارازون بإصغائه لهذا الكلام من ساورون. فمشى تحت ظل الموت لأن مداه كان ينسحب نحو نهايته, وبدأ بالتأمل في قلبه بأنه يجب أن يشن حرباً على الڤالار, فقد كان يهيئ لذلك منذ مدة طويلة. ولو لم يتحدث عن ذلك صراحةً إلا أنه لم يكن قادراً على إخفاءه عن الجميع. علم أمانديل بأهداف الملك فأصبح مرعوباً وملئ بفزع عظيم. لأنه يعلم جيداً بعدم إمكانية قهر الڤالار في الحرب من قبل البشر. وذلك سيجر الخراب على العالم إذا لم تتوقف هذه الحرب المجنونة. لذلك دعا ابنه إيلينديل وقال له:

الأيام مظلمة وليس هناك أمل للبشر, لأن المؤمنين قلة. لذلك سأتدبر محاولة استشارة كالتي فعلها بالماضي جدنا إيارينديل. وسأبحر للغرب فلا يهم إن كان هناك منع أو لا, وسأتحدث مع الڤالار, وحتى مع مانوي نفسه إذا لزم الأمر وأتوسل مساعدته قبل أن يضيع كل شيء.

فقال له إيلينديل: هل ستخون الملك؟ فأنت تعلم ماهي التهمة التي يسوقونها ضدنا, بأننا خونة وجواسيس. وحتى هذا اليوم كانت غير صحيحه.

فقال له أمانديل: سأخون الملك, إذا اعتقدت بأن مانوي بحاجة لهكذا رسول. لأنه يوجد ولاء واحدٌ للبشر ولا يمكن لأحدٍ أن يكون بريء القلب منه لأي سبب كان. وهذه ليست خيانة بل طلب لرحمة البشر ونجاتهم من ساورون المحتال. تلك هي ذريعتي, مع أن المؤمنين قلة. أما بالنسبة إلى المنع فأنا نفسي سأعاني من العقوبة, خشية أن يصبح كل شعبي مذنباً.

لكن يا أبي, هل فكرت بما سيحل بأهل بيتك الذين تتركهم خلفك عندما يعرفون ما قمت به؟

فقال له أمانديل: يجب أن لا يكون هذا الأمر معروفاً, فأنا سأهيئ للدخول إلى هناك سراً, سأبحر للشرق إلى المرافئ التي كانت تبحر إليها سفننا يومياً. وبعدها كما تأتي الريح سأذهب إلى الجنوب أو الشمال, ومن هناك أعود للغرب قاصداً ما قد أجده. أما بالنسبة لك ولبقية الشعب فالرأي عندي, بأن تهيئوا لأنفسكم سفناً أخرى وتضعوا على متنها من كل الأشياء التي لا يمكن الاستغناء عنها, وعندما تكون السفن جاهزة يجب أن تكمنوا في مرفأ روميننا. أخبر الناس عن أهدافك, وعندما ترى بأن الوقت قد حان اتبعني إلى الشرق. فلم يعد أمانديل عزيزاً على قريبنا, الذي على العرش فلن يحزن كثيراً لمغادرتنا لمدة أو لفائدة, لكن لا تدعه يعلم بأنك تريد أخذ الكثير من البشر. فقد يضطرب لأنه يخطط للحرب الآن. وهو بحاجة إلى تجميع كل قوة ممكنه. ابحث عن المؤمنين الذين مازالوا متمسكين بالحقيقة, ودعهم يرتبطون بك سرّاً, إن كانوا راغبين بالذهاب معك, واشركهم في أهدافك.

فقال إيلينديل: وما هي تلك الأهداف؟

أجابه أمانديل: لا تتدخلوا في الحرب بل ابقوا منتظرين فقط. وإلى أن أعود لن أقول أكثر من ذلك. لكن هذا يشبه كثيراً, أن تسافر من أرض النجم بدون نجم يرشدك, لأن تلك الأرض مدنسة, وأنك ستفقد كل من أحببت. فالأوائل الذين سبقونا إلى الموت في الحياة, يسعون للحصول على أرض المنفى في مكان آخر. لكن هل في الشرق أو الغرب وحدهم الڤالار يمكن أن يقولوا.

ودع أمانديل كل عائلته, كشخص موشك على الموت, لأنه قال: لربما يثبت بأنك قد لا تراني مرة أخرى, وعندها لن تكون قد ظهرت لي علامة كالتي ظهرت لجدنا إيارينديل منذ زمنٍ بعيد. لكن ابقوا على استعداد دائم. لأن نهاية العالم الذي نعرفه باتت بمتناول اليد.

يشار هنا بأن أمانديل أبحر ليلاً في سفينة صغيرة, متجهاً إلى الشرق ثم استدار واتجه إلى الغرب. وكان قد أخذ معه ثلاثة خدم أعزاء على قلبه, ولم تُسمع أي كلمة أو إشارة عنهم فيما بعد في هذا العالم. ولا توجد أي حكاية أو تخمين عن مصيرهم. فلا يستطيع البشر أن يكونوا آمنين مرة ثانية في مثل هكذا سفارة. لأن خيانة نومينور من الصعب أن تغتفر.

عمل إيلينديل بكل ما أوصاه به أباه. فكانت سفنه راسية قبالة السواحل الشرقية للبلاد. ووضع المخلصون على متنها زوجاتهم وأولادهم وميراثهم. كان فيها مخزن عظيم للسلع, والكثير من الأشياء الجميلة والقوية, كتلك التي أبدعها النومينوريون أيام حكمتهم. من أواني ومجوهرات. ومخطوطات العلوم المكتوبة بالقرمزي والأسود. وسبعة أحجار[78] كان قد أهداهم إياها إيلدار. قاموا أيضاً بنقل الشجرة الصغيرة, التي هي من سلالة نيملوث الجميلة, إلى السفينة, وكان يحرسها إيسيلدور. هكذا تجهز إيلينديل وكان متأهباً. ولم يتدخل في الأعمال الشريرة لتلك الأيام. وبدأ بالبحث عن الإشارة التي لم تأتِ بعد. لذلك سافر سرّاً إلى الشواطئ الغربية محدقاً من فوق مياه البحر. فقد كان الحزن والحنين فوقه لأنه يحب أباه كثيراً. لكنه لم يلمح شيئاً إلا تجمع أساطيل آرفارازون في المرافئ غربي البلاد.

في البداية كان الطقس في جزيرة نومينور ملائماً جداً لحاجات وميول البشر. فالمطر في موسمه وبمقياس محدد, وأشعة الشمس تارة دافئة وتارة باردة, والرياح تأتي من البحر, وعندما كانت تهب الريح من الغرب, كان يبدو إلى الكثيرين بأنها مملوءةً بعطرٍ يعبرهم بسرعة لكنه حلو ويثير القلب. كما كانت تعبر النسائم المحملة بأريج الزهور المتفتحة دائماً في شراب العسل الخالد وغير الموجودة على الشواطئ الفانية. لكن كل هذا تبدل الآن فالسماء نفسها أظلمت وكانت هناك عواصف المطر والبرد في تلك الأيام وأصبحت الرياح عنيفة. ومن الآن وإلى الأبد ستتعثر سفن النومينوريين وتخفق في العودة إلى المرفأ. ومثل هذا الحزن لم يحدث منذ طلوع النجم. فكانت تخرج من الغرب أحياناً غيمةً عظيمةً في المساء. وتكون على شكل نسر ينشر أجنحته إلى الشمال والجنوب. فتلوح في الأفق ببطء كستار يخرج من مغرب الشمس. وبعد ذلك يحل ليل معتم على نومينور. بعض هذه الغيوم التي على شكل نسور, كانت تحمل برقاً ورعداً تحت جناحيها, راح يتردد صوته بين البحر والغيمة.

ازداد خوف البشر من رؤيتهم لنسور سادات الغرب, فصرخوا قائلين إنها نسور مانوي وهي آتية لتقع على نومينور. فَخَرّوا على وجوههم ساجدين.

ندم القلة منهم وقرروا التوبة. لكن الآخرين صلَّبوا قلوبهم ووجهوا قبضاتهم نحو السماء قائلين لقد خطط سادات الغرب ضدنا, وإن كانت ضربتهم هي الأولى, فالضربة القادمة ستكون لنا. هذه كانت كلمات الملك نفسه, لكن المدبر لذلك كان ساورون.

ازدادت شدة البرق فقُتل عدد كبير من البشر على التلال والحقول وفي شوارع المدينة. وضربت صاعقة نارية قبة المعبد فقطعت دعائمها إرباً, وأصبح مكللاً باللهب. لكن المعبد نفسه بقي راسخاً. وعلى الذروة وقف ساورن يتحدى البرق ولم يصب بأذى. وفي تلك الساعة دعاه البشر إلهً وفعل كل ذلك كما أراد. لذلك عندما جاء النذير الأخير كان المنتبهون له قلةً. لأن الأرض اهتزت من تحتهم. فكانت تئن لكأنه رعدٌ أتٍ من تحت الأرض مختلط مع هدير البحر. وانبعث الدخان من قمة مينيلتارما. وكل هذه الأفعال جعلت آرفارازون يضغط باتجاه التسليح.

في ذلك الوقت غطت أساطيل النومينوريين البحر غربي البلاد وكانوا مثل أرخبيل من ألف جزيرة, فكانت صواري سفنهم مثل غابة على الجبال, وأشرعتها تحضن الغيم. وكانت راياتهم ذهبية وسوداء. وكانوا كلهم بانتظار إشارة آرفارازون. أما ساورون فقد انسحب إلى أعمق دائرة للمعبد. وجلب رجالاً لكي يقدمهم كقرابين على المحرقة.

خرجت نسور سادات الغرب يوم السقوط. وحشدت قواها للمعركة تتقدم في خط إلى النهاية التي تقلصت في الأفق. ونشروا أجنحتهم التي غطت السماء, وكان الغرب من خلفهم يشع متوهجاً باللون الأحمر من تحتهم. كما لو أضيئ بلهب الغضب العظيم. فأُنيرت كل نومينور بالأحمر. كان الرجل منهم ينظر إلى زميله فيرى وجهه أحمر ويظنه محمراً من الغضب.

قَوى آرفارازون قلبه وخرج بسفينته القوية ألكارونداس, قلعة البحر. والتي تحتوي على الكثير من المجذفين والكثير من الصواري الذهبية الغامقة. موضوع فوقها عرش آرفارازون. الذي كان يلبس درعه وتاجه مما سمح له بأن يرتفع أعلى من مستوى كل من كان حوله, ثم أعطى الإشارة لرفع المراسي, ودوَّت أصوات أبواق نومينور خارجةً كالرعد.

هكذا تحركت أساطيل النومينوريين تهدد الغرب. مع أن الريح كانت خفيفة, لكن بوجود الكثير من المجذفون والكثير من العبيد الأقوياء الذين كانوا يعملون تحت السوط, لم تكن هناك مشكلة في التحرك. غابت الشمس وكان الصمت رهيباً, حلَّ الظلام على الأرض والبحر كان هادئاً, بينما العالم ينتظر ماذا سيحدث. مرت الأساطيل ببطء من أمام نظر المراقبين في المرافئ. حتى بهتت أضواؤها وراحوا مع الليل. وفي الصباح كانوا قد اختفوا. ثم هبت ريحٌ شرقيةٌ نشطة أخذتهم بعيداً, وبذلك يكونوا قد كسروا حظر الڤالار المفروض على الإبحار للغرب. وسافروا بالبحار الممنوعة, صاعدين للحرب ضد الخالدين, لكي يسحبوا منهم الحياة الأبدية بالقوة, ضمن دوائر هذا العالم.

خرجت أساطيل آرفارازون من عمق البحر وطوقت أڤالوني وكل جزيرة إيريسيا. فراح إيلدار يندب لأن غيمة النومينوريين حجبت عنهم ضوء الشمس. أخيراً وصل آرفارازون حتى أرض أمان, العالم المبارك, وإلى سواحل ڤالينور. وكان الصمت مطبقاً على كل شيء, فالقدر معلقٌ بخيط رفيع, لأن آرفارازون تردد عند النهاية أو تقريباً تراجع. لأن قلبه توجس عندما نظر إلى الشواطئ العديمة الصوت. ورأى تَني كويتيل مشرقاً. أشد بياضاً من الثلج, أبرد من الموت والصمت, راسخٌ فظيعٌ كظل ضوء إلوڤاتار. لكن الآن كان الكبرياء سيده, وأخيراً ترك سفينته وسار على الشاطئ, مطالباً بملكية هذه الأرض, فلم يكن هناك أحد ليدافع عنها. نزل جيش النومينوريين بالقوة الظاهرة حول تلة تونا, حيث كان كل إيلدار قد لاذوا بالفرار.

في ذلك الوقت استدعى مانوي من على الجبل قوة إلوڤاتار. وأنزل الڤالار حكمهم عن أردا. فأظهر إلوڤاتار سلطته عليها. وقام بتغيير مظهر العالم. فُتحتْ هوة كبيرة في البحر بين نومينور والأراضي الخالدة. وتدفقت المياه نازلةً إليها, فارتفعت الضوضاء والدخان إلى السماء, واهتز العالم. وسُحبت كل أساطيل النومينوريين إلى أسفل الهاوية. فغرقوا وابتلعهم البحر إلى الأبد. لكن الملك آرفارازون والمحاربون الفانون الذين وضعوا أقدامهم على أرض أمان, فقد دُفنوا تحت انهيارات التلال. وهناك من يقول بأنهم مازالوا يقبعون هناك, مسجونون في الكهوف المنسية حتى يحين وقت المعركة الأخيرة ويوم الحساب.

ثم أُخذت أرض أمان وأرض إيريسيا من إيلدار, وسحبتا بعيداً وأبعدتا عن إمكانية وصول البشر إليهما مطلقاً. أما أندور أرض الهدية, نومينور أرض الملوك, إيلينا أرض نجم إيلينديل. فقد دُمرت عن آخرها. لأنها كانت قريبة جداً من الجهة الشرقية للانشقاق العظيم, فانقلبت أساساتها, وانهارت وذهبت إلى الظلام, كأن لم تكن أبداً. ولم يبق للآن مكان مسكون على الأرض يحتفظ بذاكرة خالية من الشر. لأن إلوڤاتار رمى بالبحار الكبيرة إلى غربي الأرض الوسطى, وأفرغ الأراضي إلى الشرق منها. وخلق أراضٍ وبحار جديدة. ونقص العالم لأن ڤالينور وإيريسيا قد سحبتا منه إلى عوالم الأشياء المخفية.

في ساعة واحدة مفتوحه حل هذا العذاب للبشر. فمنذ اليوم التاسع والثلاثين لمرور الأساطيل. انفجرت النار فجأة من مينيلتارما. وأتت ريح هائلة فتزلزلت الأرض واضطربت السماء وانزلقت التلال وغرقت نومينور في البحر. بكل أبنائها وزوجاتهم والعذارى وسيداتها الفخورات, وكل حدائقها وقصورها وقبورها وثروتها وجواهرها, وأقمشتها المصبوغة وعلومها, فاختفت نومينور من الوجود إلى الأبد. وفي النهاية غابت كلها في موجة خضراء باردة وأصبح كل مجدها زبداً ورغوة. والملكة تار ميريل, الأجمل من الفضة أو العاج واللآلئ, تسلقت متمددةً على الأرض, لكن بعد فوات الأوان فقد كافحت لصعود المنحدرات وطرق مينيلتارما الحادة للوصول إلى المكان المقدس, لكن المياه تفوقت عليها وضاع صراخها في هدير الريح.

لكن سواءٌ وصل أمانديل إلى ڤالينور واستمع مانوي إلى دعاءه أم لم يصل, فإن إيلينديل وأبناءه أُنقذوا من خراب ذلك اليوم ببركة الڤالار. لأن إيلينديل بقي في روميننا رافضاً أمر الملك له بالخروج إلى الحرب. ولكي يتحاشى جنود ساورون من أن يقبضوا عليه ويسحبوه إلى نيران المعبد. قام بإبعاد سفينته عن الشاطئ ووقف في البحر ينتظر الوقت. هناك كان محمياً بالأرض من تيار البحر العظيم الذي سحب كل شيء إلى الهاوية. وبعد أن احتمى من الغضب الأول للعاصفة. لكن الموجة الثانية المفترسة التي طوت الأرض وأبادت نومينور. كانت قد أغرقته, وأصبح يعتبر أن الموت هو أقل الحزن. لأن ألم الموت لن يكون أكبر من الخسارة والعذاب الذي حدث في ذلك اليوم. لكن أنقذته من الغرق في ذلك اليوم ريح عظيمة, كانت وحشية أكثر من أية ريح عرفها البشر. هدرت من الغرب, فكنست سفنه إلى البعيد ومزقت أشرعتها وكسرت صواريها. شتت الناس التعساء كالقش على الماء.

كانوا تسعة سفن, أربعة لإيلينديل وثلاثة لإيسيلدور واثنتان لأناريون. كلهم هربوا قبل العاصفة السوداء. خرجوا من ظلام القدر إلى ظلام العالم. فكانت الأعماق ترتفع من تحتهم بارتفاع الغضب, وموجاتٍ بحجم الجبال تتحرك بقممها العالية المكللة بالثلوج, فترفعهم حتى أواسط حطام الغيم. وبعد عدة أيام رمتهم على شواطئ الأرض الوسطى. كل السواحل والمناطق البحرية في العالم الغربي قد تغيرت وعانت من الخراب العظيم. لأن البحار اجتاحت الأراضي وتبددت الشواطئ والجزر القديمة, وظهرت جزر جديدة, وانهارت التلال وتحولت مجاري الأنهار إلى مسارات أخرى جديدة.

بعدها أسس إيلينديل وأبناءه ممالك الأرض الوسطى. فبعلمهم وحرفيتهم كانت هذه الممالك تحاكي على نحو كبير تلك المنشأة في نومينور قبل مجيء ساورون إليها. ومع ذلك فقد بدت عظيمةً جداً للبشر البدائيين في العالم. وقيل الكثير عن العلوم الأخرى التي فعلها ورثة إيلينديل في العصر التالي. ونزاعهم مع ساورون الذي لم ينتهي بعد.

خاف ساورن كثيراً من غضب الڤالار, ومن العذاب الذي ألقاه إيرو على البر والبحر. فقد كان أكبر بكثير من الهدف التافه الذي كان يتطلع إليه. لأن أقصى أمنياته كانت هي موت النومينوريين وهزيمة ملكهم المتكبر. كان ساورون جالساً في مقعده الأسود وسط المعبد يضحك عندما سمع صوت أبواق آرفارازون تعلن بدء المعركة. وضحك ثانيةً عندما سمع دوي العاصفة. وفي المرة الثالثة ضحك عندما فكر بداخله معتقداً أن ما يحدث الآن في العالم هو بدايةً للتخلص من إيداين إلى الأبد. فأُخذ من وسط فرحه وبهجته وسقط هو ومعبده ومقعده إلى الهاوية. لكن لم يكن لساورون جسد بشري حتى يفنى بل هيئة على شكل البشر, مع أنها سلبت منه الآن تلك الهيئة وذلك الشكل المعمول بالشر العظيم. لذلك فلم يعد قادراً أبداً على أن يظهر جميلاً لأعين البشر. رغم ذلك فقد ظهرت روحه من الأعماق وعبرت كظل ريح سوداء على البحر, عائدةً إلى الأرض الوسطى, إلى موردور, التي كانت هي بيته, وهناك أخذ ثانيةً خاتمه العظيم وسكن في برج باراد دور, مظلمٌ وصامت, حتى أنه أنزل نفسه بمظهر جديد, فقد جعل صورة الحقد والكراهية مرئية, وعين ساورون, قلةٌ من يستطيعون تحمل فظاعتها.

لكن هذه الأمور لم تأتي ضمن قصة غرق نومينور, والتي قيل عنها الآن كل شيء. حتى أن اسم تلك الأرض هلك, ولم يتكلم البشر فيما بعد لا عن إيلينا ولا عن أندور الهدية التي ضاعت, ولا عن نومينور التي لم تعد موجودة ضمن حدود العالم. لكن المنفيين على شواطئ البحر, إذا كانوا قد استداروا نحو الغرب تلبية لرغبة قلوبهم. تحدثوا عن حكاية مار نو فالمار. الذي تغلب على هيجان الموج. أكالابيث الطوفان. أتالانتي في لغة إيلدارين.

يعتقد الكثيرون من بين المنفيين بأن قمة مينيلتارما, عمود السماء لم تغرق إلى الأبد, لكنها ظهرت ثانيةً فوق الموج, وضاعت كجزيرة منعزلة في المياه الكبيرة. لأنها كانت مكاناً مقدساً. وحتى في أيام ساورون لم يدنسها أحد, والبعض يقول بأن بعض سلالة إيارينديل بحثوا عنها هناك. لأنه قيل بين سادة العلم في الزمن القديم, بأن بعيدي النظر من البشر كان يمكنهم من قمة مينيلتارما رؤية وميض الأرض الخالدة. لأنه حتى وبعد الخراب فإن قلوب دوناداين مازالت ترنوا إلى الغرب, مع أنهم علموا بحقيقة تغيير العالم. وقالوا بأن أڤالوني زالت نهائياً من الأرض. وأرض أمان أُخذت إلى البعيد. ولا يمكن العثور عليها في هذا العالم حيث الظلام الحالي. مع ذلك لقد كانتا موجودتين, ولذا فهما باقيتان. بوجود حقيقي وبالشكل الكامل كما خلقتا منذ البداية.

لأن دوناداين اعتقد بأن, حتى البشر إذا كانوا مباركين. قد تبدو لهم من تلك القمة مرة أخرى حياة أجساد الڤالار, وكانوا تواقين أكثر للهروب من ظلال منفاهم إلى رؤية شيء من ضوء رسم الأشكال التي لا تموت. وبسبب كآبة فكرة الموت فقد سعوا لطردها حتى إلى أعماق البحار. وهكذا فقد كان من بينهم ملاحون عظماء مازالوا يبحثون في البحار الفارغة متمنين الوصول إلى جزيرة مينيلتارما, ورؤية المخلوقات التي كانت هناك. لكنهم لم يجدوا شيء, وأولئك الذين أبحروا بعيداً وصلوا فقط إلى الأراضي الجديدة. فوجدوها تشبه الأراضي القديمة. وتخضع للموت. وأولئك الذين أبحروا إلى المناطق الأبعد, لم يضبطوا سوى الحزام المحيط بالأرض وعادوا أخيراً مرهقين إلى المكان الذي انطلقوا منه, وهم الذين قالوا:

كل الطرق منحنية ومقوسة.

وهكذا مع مرور الأيام. تعلم ملوك البشر, من رحلات السفن, ومن العلوم ومن حرفة التنجيم. بأن العالم في الحقيقة خلق على شكلٍ كروي. وحتى الآن لايزال مسموحاً لإيلدار بالمغادرة والعودة إلى الغرب القديم وإلى أڤالوني إذا رغبوا بذلك. لذلك فإن سادة العلم من البشر قالوا بأن الطريق المستقيم يجب أن يبقى موجوداً. من أجل أولئك الذين سمح لهم أن يجدوه. وفسروا ذلك بأنه عندما غرق العالم الجديد(نومينور), فإن الطريق القديم ومسار ذاكرة الغرب مازالا سالكين. وهو موجود كجسر ضخم غير مرئي يمر من خلال هواء التنفس وهواء التحليق (وهو الآن منحني كما أن العالم منحني). واجتياز طبقة إيلمين(طبقة الهواء فوق أردا) لا يمكن أن تتحمله الأجسام البشرية دون مساعدة. حتى يصل إلى تول إيريسيا الجزيرة المنعزلة. وربما حتى إلى أبعد. إلى ڤالينور, حيث مايزال الڤالار يسكنون هناك, ويراقبون كشف تاريخ العالم. نشأت حكايات وإشاعات على شواطئ البحر بخصوص البحارة والرجال البائسين الذين كانوا على الماء. ومن قبل بعض المصير أو النعمة أو المحاباة من قبل الڤالار. قد دخلوا في هذا الطريق المستقيم ورأوا وجه العالم منخَفِضٌ تحتهم. وبالتالي فقد وصلوا إلى منارة الميناء في أڤالوني, أو من دون شك وصلوا إلى الشواطئ الأخيرة على حافة أمان. ورأوا هناك الجبل الأبيض, رهيب وجميل. قبل أن يموتوا.

          ImImI   خواتم القوة والعصر الثالث (هنا تصل الحكايات إلى نهاياتها)  

          في القديم كان ساورون وهو من المايا, وقد سمته قبائل سيندار الذين في بيليرياند, غورثور. في البدء في أردا, أغواه ميلكور لكي يكون موالياً له, فأصبح الأعظم والمؤتمن الأكبر من بين جميع خدم العدو. وكان الأكثر شدة. لأنه يستطيع أخذ أشكال عدة, ولمدة طويلة سيبقى وما يزال يستطيع أن يبدو نبيلاً وجميلاً لكي يكون قادراً تقريباً على خداع الأكثر حذراً.

عند انهيار ثانغورودريم وإلحاق الهزيمة الساحقة بمورغوث, عاد ساورون إلى شكله الصافي وسجد أمام إيونوي رسول مانوي, مستنكراً ومتبرأً من كل الأعمال الشريرة التي قام بها. ويفترض البعض بأن ذلك الأمر في بدايته لم يكن كذباً. بل بالحقيقة إن ساورون كان قد ندم وتاب ولو بدافع الخوف والفزع بعد هزيمة مورغوث والغضب العظيم لسادات الغرب. لكن لم يكن من ضمن صلاحيات إيونوي العفو عن المذنبين. لذلك أمر ساورون بالعودة إلى أمان وهناك سيستلم حكم مانوي. لكن ساورون كان خجلاً وغير راغب بالعودة صاغراً لتنفيذ العقوبة التي سيفرضها عليه الڤالار, وقد تكون العبودية لمدة طويلة ليثبت أن توبته حقيقية. لكن ولأنه كان يمتلك قوة عظيمة تحت سلطة مورغوث. لذلك عندما غادر إيونوي, قام ساورون بإخفاء نفسه في الأرض الوسطى. وعاد إلى الشر لأن الروابط  الشريرة التي وضعها عليه مورغوث كانت قوية جداً.

* * *

أثناء المعركة العظيمة وصخب سقوط ثانغورودريم, فقد كانت هناك تشنجات هائلة في الأرض أدت إلى تكسّر بيليرياند فصار أغلبها قفراً. وغرقت مساحات شاسعة من الأراضي الشمالية والغربية تحت مياه البحر الكبير. وفي الشرق في أوسيرياند تكسّرت أسوار إيريد لوين, وفُتحت فيهم فجوة عظيمة باتجاه الجنوب, فتدفقت إليها مياه البحر صانعةً خليجاً هناك, وإلى هذا الخليج تدفقت مياه نهر لهون[79] نازلةً عبر مسار جديد, لذلك دعي هذا الخليج بخليج لهون. وفي القديم كان نولدور يسمي تلك البلاد ليندون, وحملت هذا الاسم فيما بعد. مازال العديد من إيلدار يسكنون هناك. وهم باقون هناك غير راغبين بترك بيليرياند, تلك الأرض التي قاتلوا وكدحوا فيها لفترة طويلة. وكان ملكهم هو غيل غالاد بن فينغون, كان يقيم معه هناك في ليندون إيلروند الجان النصف, ابن إيارينديل الملاح, أخو إيلروس أول ملوك نومينور.

بنى الجان على شواطئ خليج لهون مرفأً لهم, وسموه ميثلوند, وإلى هذا المرفأ جلبوا الكثير من السفن لأنه كان ميناءً جيداً. ومن بين كل مرافئ الجان الرماديين سيبحر إيلدار من الآن وحتى نهاية الزمان عبر هذا المرفأ, هارباً من ظلمة أيام الأرض. فبرحمة الڤالار مازال البكر(الجان) قادراً على إيجاد واتباع الطريق المستقيم والرجوع إن أرادوا للالتحاق بعشائرهم في إيريسيا وڤالينور خلف البحار المحيطة.

أما الآخرين من إيلدار والذين كانوا هناك, فقد عبروا جبال إيريد لوين في ذلك العصر ومنها عبروا إلى الأراضي الداخلية, حيث كانت غالبيتهم من تيليري والناجين من دورياث وأوسيرياند, فأسسوا ممالكهم هناك, بين الجان الفضيين في الغابات وبين الجبال البعيدة عن البحر التي لم يشتاقوا إليها في قلوبهم أبداً. فقط في إيريجين والتي يسميها البشر هولين, عمل الجان الذين هم من جنس النولدوريين على تأسيس مملكة دائمة على الجانب الآخر من إيريد لوين. كانت إيريجين قريبة من القصور الكبيرة للأقزام والمسماة خازاد دوم, أما الجان فكانوا يسمونها هاذودروند. وهي التي فيما بعد أصبح اسمها موريا. يسير الطريق الرئيسي من أوست آين إيذيل, مدينة الجان, إلى البوابة الغربية لخازاد دوم. بسبب الصداقة التي كانت تجمع بين الجان والأقزام في تلك الأيام, كما لم يحصل من قبل في أي مكانٍ آخر, وهذه الصداقة أدت إلى إغناء تلك الشعوب. وحرفيو إيريجين من غوايث آي ميرداين, الذين كانت حرفتهم صناعة الجواهر. فقد فاقوا في براعتهم كل من عمل في هذه الحرفة. فلم يسبقهم إلا فيانور نفسه, وفي الحقيقة أكثرهم مهارةً كان كيليبريمبور بن كوروفين الذي انفصل عن أبيه وبقي في نارغوثروند عندما طردوا كيليغورم وكوروفين, كما قيل في كوينتا سيلماريليان.

في أماكن أخرى من الأرض الوسطى كانت تعيش بسلام لعدة سنوات. رغم ذلك فقد كان القسم الأكبر من الأراضي براري وحشية ومقفرة, إلا المناطق التي جاء إليها أهالي بيليرياند, وفي الحقيقة فقد سكن الكثير من الجان هناك في الماضي لسنين لا تعد ولا تحصى, يتجولون بحرية في الأراضي الواسعة البعيدة عن البحر. لكنهم كانوا أڤاري والتي تنسب إليهم أعمال بيليرياند, لكن الإشاعات وڤالينور لم تكن سوى اسم بعيد فقط. وفي الجنوب وفي الشرق الأقصى كان يتواجد بشر ضخام ومعظمهم اتجه إلى الشر. لأن ساورون كان يعمل هناك.

يرى خراب العالم ويقول في قلبه لقد نسي الڤالار الأرض الوسطى بعد هزيمة مورغوث. فازداد غروره بسرعة ونظر بالكراهية إلى إيلدار. لكنه كان خائفاً من رجال نومينور الذين عادوا منذ مدة قصيرة في سفنهم إلى شواطئ الأرض الوسطى. ولمدة طويلة كان منافقاً فأخفى أهدافه وتصاميمه الشريرة المظلمة التي كان قد صاغها في قلبه.

وجد ساورون بأن إقناع البشر كان أسهل من بقية الأعراق. لكنه حاول ولمدة طويلة إقناع الجان بالانضمام إلى خدمته, لمعرفته بأن البكر(الجان) كانت لديهم القوة الأعظم, لذلك مشى بينهم بالطول وبالعرض ومازال يسير بينهم بذلك الشكل الجميل الحكيم. فذهب إلى كل مساكن الجان إلا إلى ليندون لم يذهب, لأن غيل غالاد وإيلروند شكّا فيه وبمظهره الجميل. مع ذلك فلم يعرفوا حقيقة ذلك الشخص الذي لم يدخلوه إلى أرضهم. لكن في مكان آخر فقد استقبله الجان بالترحاب والسرور. وأصغى بعضهم فقط إلى الرسل التي أتت من ليندون تحذر منه. لأن ساورون كان قد اتخذ لنفسه اسم أنناتار, سيد الهدايا. وكسب الجان في البداية الكثير من صداقته. وقال لهم مرةً, ياللأسف على حالة العجز التي وصل إليها العظماء, الملك الهائل غيل غالاد والحكيم البارع في كل العلوم إيلروند, لحد الآن لم يساعدوني في أعمالي. أيكون ذلك لأنهم لا يرغبون برؤية السعادة في الأراضي الأخرى مثل التي في أرضهم؟ لكن لماذا ينبغي أن تبقى الأرض الوسطى مقفرة ومظلمة أبدً. في حين أنه باستطاعة الجان أن يجعلوها جميلة مثل إيريسيا, بل مثل ڤالينور؟. وبما أنكم لن تعودوا إلى هناك, ربما. وألاحظ بأنكم تحبون هذه الأرض الوسطى, كما أحبها أنا. أوليس من واجبنا العمل معاً لإغنائها ورفع سوية كل قبائل الجان التي تتجول هنا غير مدركةٍ لقيمة القوة والمعرفة التي يمتلكها أولئك الذين خلف البحر؟

كانت آراء ساورون مقبولة أكثر في إيريجين فقد استضافوه بكل سرور, لأن رغبة نولدور في تلك الأرض كانت دائماً هي زيادة المهارة والدقة في أعمالهم. علاوة على أنه لم يكن السلام في قلوبهم. منذ أن رفضوا العودة إلى الغرب وهم راغبون بالبقاء في الأرض الوسطى التي أحبوها فعلاً. للتمتع بعد بالهناء الذي غادرهم, لذلك أصغوا لساورون وتعلموا منه الكثير من الأشياء, فقد كانت معارفه عظيمة. لذلك تجاوز إبداع حرفيو أوست آين إيذيل في تلك الأيام كل من سبقهم, ونهلوا من الفكر وهم من صنع خواتم السلطة. لكن ساورون كان يوجه أعمالهم, وكان على بينة بكل ما فعلوه. لأن رغبته تكمن بوضع روابط على الجان وإبقائهم تحت مراقبته.

صنع الجان الكثير من الخواتم. لكن بالمقابل صنع ساورون بالسر خاتماً واحداً للسيطرة على بقية الخواتم, وقَيَّد قوة خواتمهم بقوة خاتمه, لتكون خاضعة كلياً له ومستمرة باستمراريته. وضع ساورون في هذا الخاتم الأوحد الجزء الأكبر من قوته وخبثه. وبما أن قوة خواتم الجان كانت كبيرةً جداً, فيجب على الخاتم الذي يحكمهم أن يكون فائق الفعالية. صاغ ساورون هذا الخاتم في جبل النار في أرض الظل. وعندما كان يلبس الخاتم الأوحد كان بإمكانه إدراك كل الأشياء التي تُعمل بواسطة الخواتم الأدنى, وكان يمكنه أن يرى ويتحكم بأفكار أولئك الذين يلبسون الخواتم الأخرى.

لكن لم يكن الجان بهذه البساطة ليتم القبض عليهم, فحالما يضع ساورون الخاتم الأوحد في إصبعه كانوا يدركون, ويعرفون من هو, ويعلمون بأنه أبرع منهم وبالتالي سيكون سيداً عليهم وعلى خواتمهم التي صنعوها. لذلك بسبب الغضب والخوف كانوا ينزعوا خواتمهم. أحس ساورون بأنه قد تعرض للخيانة لأن الجان لم ينخدعوا, فامتلأ بالغضب وجاء ضدهم بالحرب المفتوحة طالباً منهم أن يسلموه كل الخواتم. لأن حرفيو الجان ما كان لهم أن يبلغوا تلك المهارة لولا علومه واستشارته التي منحهم إياها. لكن الجان فرّوا منه, وأنقذوا ثلاثةً من خواتمهم, حملوها بعيداً وخبأوها.

 آخر الخواتم التي صُنعت كانت خواتم الجان الثلاثة, وامتلكت أعظم القوى, النار والماء والهواء, كانت أسماؤها, ناريا (النار), نينيا (الماء), فايليا(الهواء). خاتم من النار, وخاتم من الماء, وخاتم من الهواء. مرصعة بالياقوت الأحمر والماس والياقوت الأزرق. ومن بين كل خواتم الجان فقد رغب ساورون بامتلاك هذه الخواتم الثلاثة. لأنها تحتوي على الاستمرارية والبقاء وعدم الفساد بمرور الزمن, بالإضافة إلى أنهم يؤجلون ملل وإرهاق العالم. لم يستطع ساورون اكتشافهم, لأنهم سُلموا إلى أيدي الحكيم الذي أخفاهم. ولم يحدث أن استعملوهم مرةً بشكل سافر, طالما بقي ساورون محافظاً على الخاتم الحاكم. لذلك بقيت الثلاثة صافية لا تشوبها شائبة, لأنهم صيغوا من قبل كيليبريمبور لوحده, ولم تمسهم يد ساورون أبداً, رغم أنهم كانوا خاضعين للخاتم الأوحد.

ومنذ ذلك الوقت لم تتوقف الحرب بين ساورون والجان. دُفنت إيريجين وتبددت, وذُبح كيليبريمبور, وأغلقت أبواب موريا. ولم يبقى في ذلك الوقت للجان إلا معقل ومأوى إيملادريس. وهي التي يسميها البشر ريڤينديل. حيث كان قد أسسها وأنشأها إيلروند نصف الجان, وصمدت لمدة طويلة. بالمقابل اجتمعت في يدي ساورون كل خواتم السلطة الباقية. فوزعهم على بقية شعوب الأرض الوسطى. كان يأمل بالتالي أن يجمع تحت هيمنته كل أولئك الذين يرغبون بالقوة السرية للسيطرة. وبعد حساب حجم كل نوع فقد أعطى للأقزام سبع خواتم. وأعطى للبشر تسعة خواتم. لأن البشر أثبتوا في هذه المسألة كما في غيرها بأنهم أكثر قابلية للمثول تحت إرادته. ولأنه كان خبيثاً فقد كان يسيطر على كل هذه الخواتم بسهولة أكثر لأنه شارك في صياغتها, وكلهم كانوا ملعونين. بالنهاية خدعت هذه الخواتم كل من استعملها. أثبت الأقزام صعوبة شديدة للترويض, لأنهم كانوا يستاؤون من تحمل هيمنة الآخرين. ومن الصعب فهم أفكارهم, ولا يمكن أن يكونوا منقلبين إلى الظلال. لذلك فقد استخدموا خواتمهم من أجل الثروة فقط. لكن الغضب والجشع إلى الذهب أوقد في قلوبهم شراً بما فيه الكفاية لكي يكونوا هم مكاسب لساورون, ويقال بأن أساس الكنوز السبعة لملوك الأقزام في القديم كان خاتم ذهبي. لكن كل تلك الكنوز نُهبت منذ زمن طويل والتهمتا التنانين, وبعض الخواتم السبعة التهمتهم النيران والبعض استرجعها ساورون.

أثبت البشر بأنهم أسهل للتوريط من غيرهم, فأولئك الذي استعملوا الخواتم, فقد أصبح التسعة جبارين بين الناس في أيامهم, وهُمْ الملوك, والسحرة, والمحاربين القدماء. فقد حصلوا على المجد والثروة العظيمة. ثم أدى بهم ذلك إلى خرابهم, فقد كان عندهم على ما يبدو حياة لا تنتهي. رغم ذلك فقد كانت حياة لا تطاق. كان بإمكانهم السير بين الناس غير مرئيين بكل العيون في هذا العالم تحت الشمس. بينما هم يستطيعون رؤية كل الأشياء, حتى تلك التي في العوالم المخفية بالنسبة للبشر الفانيين. لكنهم على الأغلب لم يروا إلا خيالات وأوهام ساورون. واحداً تلو الآخر, عاجلاً أم آجلاً, وطبقاً لقوتهم الشخصية للخير أو للشر. وطبقاً لميول بداياتهم فقد سقطوا تحت عبودية الخاتم الذي حملوه وتحت سيطرة الخاتم الأوحد الذي كان بيد ساورون, فأصبحوا مخفيين عن أعين الجميع للأبد, إلا عن عيون من لبس خاتم السيطرة. ثم دخلوا عالم الظل, وأصبحوا نازغول, أشباح الخاتم, وهُمْ أفظع خدم العدو. فأينما حلّوا يحلَّ الظلام, وصرخاتهم تأتي مع أصوات الموت.

ازدادت شهوة ساورون وغطرسته حتى أنه لم يعد يعرف أية حدود, فعزم على جعل نفسه سيّد كل شيء في الأرض الوسطى, وعلى تحطيم الجان واستيعاب سقوط نومينور إنْ حدث. فهو لا يطيق حريةً ولا منافسة, وسمى نفسه سيد الأرض. مع أنه كان لا يزال باستطاعته ارتداء قناع الحكمة والجمال الذي خدع فيه عيون البشر, إلا أنه أراد أن يحكم بالخوف والقوة. إذا كانا ذا فائدة. وبالنسبة لأولئك الذين أدركوا انتشار ظله على العالم, فقد دعوه السيد المظلم, وسموه العدو. جمع تحت حكومته ثانية كل الأشياء الشريرة الباقية على الأرض أو تحتها من أيام مورغوث. تكاثر الأوركس تحت قيادته مثل الذباب, هكذا بدأت السنين السوداء, والتي سماها الجان بأيام الهروب. ففي تلك الأيام هرب الكثير من جان الأرض الوسطى إلى ليندون, ومن هناك ذهبوا إلى البحار ولن يعودوا إلى الأرض الوسطى ثانيةً, حيث قضى ساورون وعبيده على الكثيرين منهم. لكن في ليندون مازال غيل غالاد محافظاً على قوته, ولم يتجاسر ساورون لحد الآن على عبور جبال إيريد لوين ولا مهاجمة المرافئ والملاجئ, بفضل المساعدات التي قدمها النومينوريون إلى غيل غالاد. لكن في الأماكن الأخرى فقد ساد ساورون. ومن أراد الحرية فقد لجأ إلى أماكن محصنة في الغابة والجبل. وكانوا دائماً مطاردين بالخوف. أما في الشرق والجنوب فقد اقترب كثيراً من السيطرة على كل البشر. وأصبحوا أقوياء في تلك الأيام وبنوا الكثير من البلدان والأسوار الحجرية. فكانت أعدادهم ضخمة وعنيفة في الحرب حيث تسلحوا بالحديد. وعند هؤلاء كان ساورون السيد والإله. وكانوا يخافونه كثيراً, لأنه يحيط منزله بالنار.

وبالتفصيل فقد توقف هجوم ساورون على الأراضي الغربية. كما أخبرنا في حاشية أكالابيث, بسبب تحدي جبروت نومينور له. كانت قوة النومينوريين عظيمة جداً فظهروا أمام عبيد ساورون بأنهم القوة التي لا تقهر. لذلك عزم على إنجاز أهدافه بالحيلة حين لا تسعفه القوة. لذلك ترك الأرض الوسطى لفترة وذهب إلى نومينور كرهينة مع الملك تار كاليون, وسكن هناك, حتى استطاع أخيراً وفي حرفيته من إفساد قلوب غالبية الشعب. ووضعهم بحالة حرب مع الڤالار. حتى أنجز ذلك الخراب كما رغب بذلك منذ مدة طويلة. لكن ذلك الخراب كان أكثر فظاعة مما تخيله ساورون. لأنه كان قد نسي جبروت سادة الغرب في غضبهم. فتحطم العالم وابتلعت الأرض من كان فوقها وغمرتها البحار. أما ساورون نفسه فقد سقط إلى أسفل الهاوية, لكن روحه خرجت وعادت على ريح مظلمة إلى الأرض الوسطى تبحث عن بيتها. هناك في سنين غيابه نمت وازدادت سلطة غيل غالاد, وأصبحت عظيمة جداً, وانتشرت على مناطق شاسعة من الشمال والغرب متجاوزةً جبال الضباب والنهر العظيم حتى وصلت لحدود الغابة الخضراء العظيمة. وكانت تقترب من أن تكون من أكثر الأماكن القوية والآمنة للسكن. بعدها انسحب ساورون إلى قلعته في الأرض السوداء يفكر ملياً في الحرب.

في ذلك الوقت فإن النومينوريين الذين نجوا من الدمار, هربوا إلى الشرق كما أخبرنا عنهم في أكالابيث. وكان زعيم أولئك إيلينديل الطويل وأبناءه إيسيلدور وأناريون, وكانوا من أقرباء الملك ومن أحفاد إيلروس, لكنهم مقاومين لآراء ساورون. وهم الذين رفضوا شنَّ الحرب على سادة الغرب. فقد عززوا سفنهم بكل من بقي من المخلصين وغادروا أرض نومينور, قبل وقوع الخراب. كان هؤلاء النومينوريين رجالاً جبابرة ولهم سفن قوية وطويلة, لكن ضربتهم العواصف, وكانت تحملهم عالياً على تلال من الماء حتى أوصلتهم لحدود الغيم. ثم نزلوا على الأرض الوسطى مثل نزول الطيور من العاصفة.

رمى الموج إيلينديل على أرض ليندون, فتصادق مع غيل غالاد ومن هناك عبر نهر لهون وأسس مملكته خلف إيريد لوين, وسكن شعبه في العديد من الأماكن في إيريادور حول مجاري لهون وباراندوين. لكن مدينته الرئيسية كانت أنوميناس بجانب مياه بحيرة نينويال. سكن النومينوريون أيضاً في فورنوست على السفوح الشمالية. وفي كاردولان. وفي تلال رهوداوور, فنصبوا الأبراج على إميان بيرايد. وعلى آمون سول. بقي هناك الكثير من التلال الترابية والأعمال المهدمة في تلك الأماكن, لكن أبراج إميان بيرايد مازالت واقفةً إلى الآن قبالة البحر.

انتقل إيسيلدور وأناريون للسكن بعيداً باتجاه الجنوب وفي النهاية وصلت سفنهم إلى نهر أندوين العظيم, الذي يتدفق من رهوڤانيون إلى البحر الغربي في خليج بيلفالاس. وأسسا في تلك الأرض مملكة وهي التي سميت فيما بعد غوندور, وسميت المملكة الشمالية آرنور. فقبل فترة طويلة وفي أيام قوتهم كان قد أسس ملاحو نومينور المرافئ والأماكن القوية حول مصبات نهر أندوين. رغماً عن أنف ساورون والتي تقع أرضه السوداء على مقربةٍ من جهتها الشرقية. وفي الأيام التالية لجأ فقط المخلصين من نومينور إلى هذا المرفأ الآمن. ولأن غالبية شعوب سواحل البحر في تلك المنطقة كانوا من أصدقاء الجان وشعب إيلينديل, فقد رحبوا بأبنائه. كانت أوسغيلياث هي المدينة الرئيسية في المملكة الجنوبية, يخترقها من الوسط النهر العظيم, بنى بها النومينوريون جسراً عظيماً يرتفع على أبراج وبيوت حجرية رائعة المنظر, دخلت السفن الطويلة قادمة من البحر إلى أرصفة المدينة. وبنوا أيضاً أماكن قوية أخرى على الجهة الثانية. وبنوا على كتف جبال الظل من الجهة الشرقية ميناس إيثيل برج شروق القمر, باعتباره كتهديد لموردور. وعند سفح جبل ميندولوين من الجهة الغربية بنوا ميناس أننور, برج غروب الشمس. والذي يعتبر كدرع ضد البشر المتوحشين الذين يجوبون الأودية. كان بيت إيسيلدور في ميناس إيثيل, وبيت أناريون في ميناس أننور. لكنهما تشاركا في المملكة فيما بينهما, حيث كانت العروش موضوعةً جنباً إلى جنب في القاعة العظيمة في أوسغيلياث. تلك كانت مساكن النومينوريين الرئيسية في غوندور. لكنهم بنوا في الأرض أيضاً الكثير من الأعمال الرائعة والقوية في أيام قوتهم. في أرغوناث. وفي أغلاروند. وفي إيريخ. وفي دائرة أنغرينوست وهي التي يدعوها البشر أيسنغارد, فقد عملوا القمم من حجر أورثانك, وهي الأحجار غير القابلة للكسر.

جلب المنفيون معهم من نومينور الكثير من الكنوز والإرث العظيم والمزايا الحسنة والأعاجيب. ومن بين تلك الأشياء الثمينة والأكثر شهرة كانت الأحجار السبعة والشجرة البيضاء. أما الشجرة البيضاء فهي التي نمت من فاكهة نيملوث الجميلة التي كانت تقف منتصبة في باحات قصور أرمينيلوس في نومينور قبل أن يحرقها ساورون. ونيملوث بدورها منحدرة من شجرة تيريون الذي كان على صورة الأشجار القديمة في ڤالينور, صورة تيلبيريون الأبيض الذي أوجدته ياڤانَا لينمو في أرض الڤالار, والشجرة هي نَصبٌ تذكاري يرمز إلى إيلدار وضوء ڤالينور. كانت مزروعة في ميناس إيثيل أمام بيت إيسيلدور. بما أنه هو الذي ذهب وحمى هذه الثمرة من الزوال. لكنهم تقاسموا الأحجار السبعة بينهم.

أخذ إيلينديل ثلاثة, وكل واحد من أبناءه أخذ حجرين. وضع إيلينديل الأحجار الثلاثة التي كانت من نصيبه على أبراج إميان بيرايد وعلى آمون سول وفي مدينة أنوميناس. ولكن أولئك الأحجار التي كانت لأبنائه فكانوا في ميناس إيثيل وميناس أننور وفي أوسغيلياث وعلى قمم أورثانك. كانت ميزة هذه الأحجار, أنها تمكن الناظر فيها من رؤية الأشياء البعيدة سواء كانت بعيدة في المكان. أو بعيدة في الزمان. وبالنسبة للجزء الأكبر من الناس فقد كانت تكشف فقط أشياء قريبة من حجر القبيلة الأخرى, لأن هذه الحجارة كانت متصلةً ببعضها. لكن أولئك الذين يمتلكون قوة عظيمة من الإرادة والعقل قد يعلمون كيف يوجهون نظرهم إلى أي مكان يرغبون. فقد أدرك النومينوريون بواسطتها الكثير من الأمور التي كان يخفيها أعداؤهم. ولم يفلت من مراقبتهم في أيام قوتهم إلا القليل جداً.

يقال بأن أبراج إميان بيرايد لم تبنى في الحقيقة من قبل منفيي نومينور, بل بناها غيل غالاد من أجل صديقة إيلينديل. وحجر رؤية إميان بيرايد كانت موضوعاً في إيلوستيريون البرج الأطول. الذي أصلحه إيلينديل ومن هناك كان ينظر إلى بحار الفصل, عندما كان حنين المنفى يجتاح قلبه, وكان يعتقد لبرهة بأنه ينظر بعيداً حتى برج أڤالوني على إيريسيا, حيث هناك موطن الحجارة الأصلي. فهذه الحجارة كانت هدايا إيلدار إلى أمانديل والد إيلينديل لراحة المخلصين في نومينور بأيامهم المظلمة. في تلك الفترة التي لم يعد الجان يأتون إلى تلك الأرض عندما كانت تحت ظلال ساورون. فأطلقوا عليها اسم بالانتيري, أي المراقبة عن بعد. لكن كل تلك الأحجار التي جلبت إلى الأرض الوسطى ضاعت فيما بعد.

هكذا أسس منفيو نومينور ممالكهم في آرنور وغوندور. ثم مرت عليهم سنين كثيرة قبل أن يعرفوا أن عدوهم ساورون عاد أيضاً. فقد عاد سراً, كما قيل, إلى مملكته القديمة في موردور خلف إيفيل دواث, جبال الظل. وتلك البلاد تتاخم غوندور من الشرق. هناك فوق وادي غورغورث بنى قلعته الواسعة القوية باراد دور, البرج المظلم. يقع في وسط تلك الأرض جبل ناري, يسميه الجان أورودروين. وهو السبب الحقيقي من وراء وضع ساورون لمسكنه في هذه الأرض, لأنه استعمل النار المتدفقة من قلب الأرض في سحره وصياغته. وفي وسط أرض موردور صمم ساورون الخاتم المسيطر. وبقي ساورون محضونٌ في الظلام حتى يصنع لنفسه شكلاً جديداً. فقد أصبح مرعباً لأن جمال مظهره غادره إلى الأبد عندما سقط في الهاوية أثناء غرق نومينور. وقد أخذ خاتمه العظيم ثانيةً. وكسا نفسه بالقوة والسلطة والحكم, والقلة من بين عظماء الإنس والجان يستطيعون تحمل النظر إلى عين ساورون المملوءة بالخبث.

استعد ساورون لشن حربٍ ضد إيلدار والبشر الغربيين, فأيقظ نيران الجبل ولهذا السبب أصبح دخان أورودروين يرى من بعيد. فيدرك من يراه بأن ساورون قد عاد. أطلق النومينوريون على ذلك الجبل اسما جديداً وهو آمون أمارث والتي تعني جبل الهلاك. تجمع لدى ساورون قوة عظيمة من عبيده القادمين من الجنوب والشرق. ومن بينهم كان بعضٌ من الجنس العالي من نومينور. لأنه في أيام زيارة ساورون لهم, كان قد أغوى الكثيرين منهم فاستداروا نحو الظلام. لذلك فغالبية النومينوريين الذين أبحروا شرقاً في ذلك الوقت وبنوا المساكن والقلاع على السواحل كانوا ميالين لإرادة ساورون. فقد خدموه سابقاً بكل سرور ومازالوا يخدموه للآن في الأرض الوسطى. وبفضل قوة غيل غالاد. فإن هؤلاء الخونة جبابرة القوة والشر. لم يبقوا في هذه الأرض لأن الجزء الأكبر منهم توافق مسكنه في الأراضي الجنوبية البعيدة. وبقي منهم هناك اثنان وهما هيرومور وفوينور اللذان استلما السلطة في هارادريم, الشعب الكثير والصلب الذي يسكن في الأراضي الواقعة جنوبي موردور خلف مصبات نهر أندوين.

عندما رأى ساورن بأن وقته قد حان, جاء بالقوة العظيمة ضد العالم الجديد في غوندور فاستولى على ميناس إيثيل وحطم الشجرة البيضاء التي زرعها إيسيلدور هناك, لكن إيسيلدور هرب بالسفينة عبر النهر وأخذ معه شتلات من الشجرة وزوجته وأولاده. وأبحروا من مصبات أندوين يبتغون إيلينديل. في هذه الأثناء شنَّ أناريون هجوم من أوسغيلياث ضد العدو, فطردهم باتجاه الجبال. استجمع ساورون قواته ثانيةً. وعرف أناريون بأن مملكته لن تصمد طويلاً إن لم تأته المساعدة.

في وقتها عقد كل من غيل غالاد وإيلينديل مجلساً تشاورياً, لأنهما أدركا بأن ساورون ينمو بسرعة وقوته تزداد وهو سيتغلب على خصومه الواحد تلو الآخر. فإذا لم يوحدوا الصفوف فسيكون مصيرهم كمصير غيرهم. لذلك سموا ذلك الاتحاد الذي كان بينهم بالتحالف الأخير. زحفوا شرقاً فاجتمع في الأرض الوسطى جيش عظيم من الإنس والجان. عرَّجوا لفترة على إيملادريس (ريڤينديل). ويقال بأن ذلك الجيش الذي تجمع هناك, كان الأكثر جمالاً والأروع سلاحاً, ولم تشهد الأرض الوسطى مثله من قبل. فلا يوازيه إلا عظمة جيش الڤالار الذي حشدوه أثناء ذهابهم ضد ثانغورودريم.

خرجوا من إيملادريس (ريڤينديل) وعبروا جبال الضباب عبر عدة ممرات, زحفوا نازلين إلى نهر أندوين. حتى وصلوا أخيرا إلى حيث تتجمع حشود ساورون في داغورلاد, معركة السهل. الذي يقع أمام بوابة الأرض السوداء. في ذلك اليوم تم تقسيم كل الكائنات الحية, من كل نوع, حتى البهائم والطيور. كانت موجودة في واحدٍ من الجانبين. إلا الجان فهم الوحيدين الذين كانوا غير منقسمين, فكلهم تبعوا غيل غالاد, قاتل بعض الأقزام في ذلك اليوم في هذا الجانب والبعض في الجانب الآخر. لكن قبيلة دورين من موريا قاتلت ضد ساورون.

كان النصر حليف غيل غالاد وإيلينديل, لأن جبروت الجان كان لا يزال عظيماً في تلك الأيام. أما النومينوريين فكانوا أقوياء وطوال القامه, وكان غضبهم مروعاً. فلم يقف أي شيء ضد آيغلوس[80]رمح غيل غالاد. وكان سيف إيلينديل يُشغل الأوركس والبشر بالخوف والرهبة. لأنه يشرق بضوء الشمس والقمر, وكان اسم ذلك السيف نارسيل[81].

بعد ذلك زحف تحالف غيل غالاد وإيلينديل إلى موردور فأحاطوا بمعقل ساورون وحاصروه لسبع سنين. عانى التحالف في وقتها من الخسائر الشديدة بالنار والنبال والسهام. كان ساورون يرسل ضدهم الكثير من الغارات. وهناك في وادي غورغورث قُتل أناريون بن إيلينديل وكثرٌ غيرهُ. لكن أخيراً أطبقوا الحصار على ساورون, فخرج بنفسه للقتال. فتقاتل مع غيل غالاد وإيلينديل وذبحهما كليهما, انكسر سيف إيلينديل (نارسيل) تحته عندما سقط علية. حتى ساورون نفسه سقط أرضاً. عندها أمسك إيسيلدور بالقطعة المتبقية من السيف نارسيل من جهة المقبض وقطع إصبع ساورون الذي يلبس فيه خاتم السلطة. ثم استولى إيسيلدور على الخاتم لنفسه. في ذلك الوقت هُزم ساورون وغادرت روحه جسمه هاربةً إلى البعيد واختفت في أراضي القفر. ولم يتخذ أي شكل مرئي لسنوات طويلة.

هكذا بدأ العصر الثالث من عصور العالم بعد الأيام القديمة والسنين السوداء. وفي ذلك الوقت بقي الأمل وذاكرة من المرح. فأزهرت شجرة إيلدار البيضاء في قصور ملوك البشر. لأن الشتلة التي حفضها وصانها إيسيلدور. زرعها في حصن أننور كذكرى لأخيه أناريون. قبل أن يغادر من غوندور. وكان خدم ساورون قد دُحروا وتبعثروا رغم أنهم لم يتحطموا تماماً. مع ذلك فقد عاد الكثير من البشر وتركوا خدمة ساورون وأصبحوا خاضعين لسلطة ورثة إيلينديل. رغم ذلك مازال الكثيرون يتذكرون ساورون في قلوبهم ويكرهون ممالك الغرب. سوي البرج المظلم بالأرض لكن أساساته بقيت على حالها ولم ينساه النومينوريون. فقد وضعوا بالفعل حراسةً على أرض موردور, لكن لم يجرؤ أحد على السكن هناك بسبب ذاكرة الرهبة والخوف اللتين خلفهما ساورون في ذلك المكان. وأيضاً بسبب جبل النار الذي يقف بالقرب من باراد دور. هناك في وادي غورغوث المملوء بالرماد. مات الكثير من النومينوريين وحلفائهم من الجان في تلك الأيام. إمّا أيام الحصار أو أثناء المعارك, هناك قتل غيل غالاد الملك الأعلى وإيلينديل الطويل. ولن يحدث مطلقاً مرة ثانية اجتماع مثل هذا الحشد العظيم, بعدها لم يكن أي حلف أو اتحاد بين البشر والجان, فبعد أيام الصداقة والود في أيام إيلينديل وغيل غالاد أصبحوا الآن شعبين متباعدين.

غاب خاتم السلطة عن المعرفة حتى عن حكماء ذلك العصر. على الرغم من أنه لم يُدَمَرْ. لأن إيسيلدور رفض أن يسلمه إلى إيلروند وكيردان الذين كان واقفين بجانبه. ونصحاه بأن يذهب ويرميه في أورودروين حيث تمت صياغته والذي كان قريباً منهم وبالمتناول في ذلك الوقت. لأن هذا الخاتم يجب أن يفنى وبذلك تضعف قوة ساورون إلى الأبد. لكي يبقى ساورون وحيداً في البرية كظل الحقد. لكن إيسيلدور رفض هذا الرأي قائلاً: هذا سيكون لي كما أخذ أبي وأخي إلى الموت. أوليس أنا من ضرب العدو ضربته المميتة. ونظر إلى الخاتم فبدا إليه جميلاً للغاية. فقرر أن لا يؤذيه أو يسمح لأحد بتحطيمه. لذلك أخذه في بادئ الأمر وعاد إلى ميناس أننور وزرع الشجرة البيضاء هناك كذكرى لأخية أناريون. لكنه سرعان ما غادرها وكان قد سَلَمَ أمور الإدارة هناك إلى مينيلديل ابن أخيه. وتعهد إليه بكل مملكة الجنوب. أما هو فقد حمل الخاتم الذي سيكون إرث بيته وزحف من غوندور إلى الشمال على الطريق الذي جاء منه إيلينديل, وترك المملكة الجنوبية. لأنه كان مصمماً على استعادة مملكة أبيه في إيريادور, بعيداً عن ظلال الأرض السوداء.

لكن وفي الطريق انهالت عليه مجموعات كثيرة من الأوركس التي كانت تكمن في جبال الضباب, نزلوا فجأةً على معسكر إيسيلدور بين الغابة الخضراء والنهر العظيم, بالقرب من لويغ نينغلورون الحقول البهيجة. فقد كان متهوراً ولم يضع حراسةً على المعسكر. لأنه اعتبر بأن كل خصومه قد سقطوا. ذُبح هناك تقريباً غالبية الشعب الذين كانوا برفقته. ومن بينهم كان ثلاثةً من أبناءه الكبار, إيليندور, آراتان, وكيريون. لكنه كان قد ترك زوجته وابنه الأصغر ڤالانديل في إيملادريس (ريڤينديل) عندما ذهب إلى الحرب. أما إيسيلدور نفسه فقد هرب بواسطة الخاتم. لأنه عندما لبسه أصبح مختفياً عن العيون, لكن الأوركس تعقبوه بواسطة الشم والرائحة, ولم يتركوا له إلا منفذاً إجبارياً. وتابعوه حتى وصل أخيراً إلى النهر وهبط فيه, هناك خانه الخاتم وانتقم لصاحبه فانزلق من اصبعه عندما كان يسبح, ضاع الخاتم في الماء, فظهر إيسيلدور للاعين ثانيةً وهو يكافح في السيل, فضربوه بسهامٍ كثيرةٍ وكانت نهايته. واصل فقط ثلاثة من شعبه مسيرهم عبر الجبال بعد تيهٍ طويل إلى إيملادريس. وواحداً من بين هؤلاء الثلاثة كان أوهتار المبجل الذي كان يعهد إليه إيسيلدور بحفظ شظايا سيف إيلينديل.

وصل نارسيل في الوقت المناسب إلى يد ڤالانديل  وريث إيسيلدور في إيملادريس, لكن نصله كان مكسوراً وضوءه مطفأً. ولم تُعد صياغته من جديد, فقد تنبأ السيد إيلروند بأن النصل لن تعاد صياغته حتى يظهر خاتم السلطة من جديد ويعود ساورون, لكن تأمل الإنس والجان بأن لا تحدث هذه الأشياء, فلا يظهر الخاتم ثانيةً ولا يعود ساورون.

اتخذ ڤالانديل  له مسكناً في أنوميناس, لكن قومه كانوا يتناقصون. ولم يبقَ من النومينوريين ورجال إيريادور هناك إلا القليل من الناس الذين لم يكونوا كافيين لحماية الأراضي والأماكن التي بناها إيلينديل. ففي داغورلاد وفي موردور وعلى الحقول البهيجة مات كثيرون منهم. وحدث بعد أيام إياريندور الملك السابع الذي جاء بعد ڤالانديل . بأن انقسم البشر الغربيين ودونيداين من الشمال, إلى ممالك وسلطات تافهة وصغيرة. فقضى عليهم خصومهم الواحد تلو الآخر, وتضاءلوا مع مرور السنين حتى ذهب مجدهم. فتركوا التلال المخضرة بالأعشاب وحيدةً. وبطول المدة فلم يبق منهم إلا شعباً غريباً يتجول خفيةً في البراري. ولم يعرف بقية الناس لا بيوتهم ولا أهداف رحلاتهم, ونُسي أسلافهم إلا في إيملادريس في بيت إيلروند. رغم ذلك فقد كانت قطع السيف معززة ومصانةً لأجيال كثيرة من حياة البشر. من قبل ورثة بيت إيسيلدور, وبقيت سلالتهم من الأب إلى الابن دون انقطاع.

أمّا في الجنوب فقد صمدت مملكة غوندور, ولفترة من الوقت نمت عظمتها حتى أعادت إلى الأذهان ثروة وفخامة نومينور قبل السقوط. بنى شعب غوندور الأبراج العالية والأماكن القوية والكثير من مرافئ السفن. وبقي التاج المجنح تاج ملوك البشر معظماً بالرهبة, وتخضع لسلطانه الكثير من الشعوب, متعددة الأراضي واللغات, ولعدة سنوات نمت الشجرة البيضاء أمام بيت الملك في ميناس أننور. فقد جلب بذرة تلك الشجرة إيسيلدور الذي أخرجها من أعماق البحر, من نومينور. حيث كانت بذرتها قد أتت من قبل من أڤالوني. وقبل ذلك جاءت من ڤالينور في يوم من الأيام عندما كان العالم لايزال فتياً.

لكن أخيراً, وفي تعب السنوات السريعة من حياة الأرض الوسطى تضاءلت غوندور, وانتهت سلالة مينيلديل بن أناريون بسبب اختلاط دم النومينوريين مع الكثير من دماء البشر الآخرين, وتناقصت قوتهم وحكمتهم, وأصبحت فترة حياتهم قصيرة. وضعفت مراقبتهم على موردور. وفي أيام تيليمنار وهو الملك الثالث والعشرين من سلالة مينيلديل, جاء الطاعون على ريح سوداء مظلمة قادمة من الشرق. فضرب الملك وأبناءه ومات الكثيرين من شعب غوندور. فهُجرت الحصون التي على حدود موردور وميناس إيثيل كانت مفرغةً من سكانها. ودخل الشر ثانيةً بالسر إلى الأرض السوداء وأثير رماد غورغوروث كما لو أن ريحاً باردةً هبت عليه. لأن أشكالاً مظلمةً قد تجمعت هناك. ويقال في الواقع بأن هؤلاء كانوا أولايري. وهم الذين يدعوهم ساورون نازغول. أشباح الخاتم التسعة الذين بقوا مخفيين لمدة طويلة. لكنهم عادوا الأن لتهيئة طريق سيدهم. لأنه بدأ بالنمو مجدداً.

وفي أيام إيارنيل كانت ضربتهم الأولى. فقد خرجوا بليلٍ من موردور وأتوا عبر ممرات جبال الظل, فأخذوا ميناس إيثيل وسكنوها, وجعلوها مكاناً رهيباً لا يجرؤ أحد إلى النظر إليها. وفيما بعد دعيت ميناس مورغول, برج السحر. كانت ميناس مورغول بحالة حرب دائمة مع ميناس أننور في الغرب. أمّا أوسغيلياث فمع تناقص عدد سكانها أصبحت مدينة مهجورة, وخراباً فتحولت لمدينة أشباح. لكن ميناس أننور بقيت وصمدت واتخذت اسماً جديداً هو ميناس تيريث, أي برج الحراسة. فقد بنى فيها الملوك حصن ا