]]>
خواطر :
شُوهدت البهائم على أبواب مملكة الذئابُ وهي تتنصتُ ... البهائم للذئابُ وهي تتساءل...أهو يوم دفع الحساب أم صراع غنائمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الرمزية في القرآن الكريم

بواسطة: إيمان مكاوي  |  بتاريخ: 2016-10-21 ، الوقت: 01:25:28
  • تقييم المقالة:

إستكمالا للطرح الذي طرحناه من قبل عن أشكال الأدب في القرآن الكريم نواصل هنا الحديث عن مذهب الرمزية في الأدب العربي والغربي .

بداية ما المقصود بالرمزية ؟ ومتى بدأ استخدامها في الأدب ؟

الرمزية مذهب أدبي فلسفي، يعبر عن التجارب الأدبية والفلسفية المختلفة بوساطة الرمز أو الإشارة أو التلميح. والرمز معناه الإيحاء، أي التعبير غير المباشر عن الأحوال النفسية المستترة التي لا تقوى اللغة على أدائها، أو لا يُرادُ التعبير عنها مباشرة.

نشأت الرمزية في أواخر القرن التاسع عشر كردّ فعل على الرومانسية والبرناسيّة، واستمرت حتى أوائل القرن العشرين ، ثم امتدت حتى شملت أمريكا وأوربا.

وقد ورد أولَ مرة في مقالة كتبها الشاعر الفرنسي (جان موريس) رداً على الذين اتهمُوهُ وأمثاله بأنهم شعراء الانحلال أو الانحدار، فقال: (إن الشعراء الذين يُسمّون بالمنحلين إنما يسعَون للمفهوم الصافي والرمز الأبدي في فنهم قبل أي شيء آخر).

 وفي عام 1886م، أنشأ (موريس) جريدةً سمَّاها (الرمزي)، ونشر في العام نفسه في جريدة (الفيغارو) بيانَ الرمزية، وفي عام 1891م أعلن أن الرمزية قد ماتت، ولكنها استمرت وقويت وانتشرت وأصبحت ذات مكانة كبيرة في الأدب والفن، بقيت آثارها خلال القرن العشرين رغمَ تعرُّضها لهجمات كثيرة، وبقيت معايشةً للمدارس الجديدة كالسرياليّة والمستقبلية والوجوديّة وغيرها.

لجأ الرمزيون إلى الرمز للتعبير عن الأفكار والعواطف والرؤى، لأنه أقدر على الكشف عن الانطباعات المرهفة والعالم الكامن خلف الواقع والحقيقة.

وظيفة الرمز الإيحاءُ بالحالة لا التصريح بها، والكشف التدريجي عن الحالة المزاجيّة لا الإفضاء بها جملة واحدة.

وفي الرواية فقد انصرف بعض الكتاب الدراميين عن الواقعية لإيجاد نوع من اللغة الرمزية غير الواقعية، ومنهم: (فيلارز دي ليزيل)، و(بول كلوديل)، و(مارسيل بروست) في روايته (البحث عن الزمن المفقود) رغم أنه كان ينكر وجود جمالية رمزيّة، وقد اتضحت آثارها لديه في روايته (الزمن المستعاد).

أما في الأدب العربي فقد ظهرتِ الرمزيةُ في أعقابِ الحربِ العالمية الثانية في شعر بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وعبد الوهاب البياتي، وأدونيس، وخليل حاوي، وغيرهم، ولا تزال أصداء الرمزيّة تتردّد في أزمنة متعاقبة وبلدانٍ كثيرة وفي أشكالٍ مختلفة، وكل هذه الأصداء إنما تعود مباشرة أو بشكل غير مباشر إلى الرمزية الفرنسيّة في القرن التاسع عشر.

وبالنسبة لفن الرواية فعادة ما يطلق مصطلح رواية رمزية، على تلك الروايات التي تتناول قضايا كبرى بشكل مبسّط أو ملتوي دون ذكر أسماء صريحة أو أمكنة، كرواية "خريف البطريق" للكولمبي غابريل غارسيا ماركيز، أو كتابات نجيب محفوظ , وصنع الله إبراهيم.

الرواية الرمزية أخذت تطغى على غيرها من الرويات، لا سيما في بلدان القمع السياسي كالشرق الأوسط و أمريكا اللاتينية و دول شيوعية و إشتراكيّة سابقة، و هذا أمر مفهوم فيما يخص البيئة الروائية المخنوقة، التي تدفع بالرواية للبحث عن الرمزية بغية إيجاد متنفس لها.

ولعل أديبنا نجيب محفوظ بتأليف ميرامار يسجل موقفا على مسيرة المجتمع المصري الموشكة على الدخول في بوابة السقوط و الهزيمة فهو كثير الاهتمام بتفاصيل الأمكنة و هيئة الأشخاص, ودوافعهم النفسية و حياتهم الاجتماعية و السياسية و الفنية و هذا هو سبيل المدرسة الواقعية التيترمى إلى الانغماس في التجارب الاجتماعية و دراستها عن قرب ثم صياغتها بعد ذلك .

إن ميرامار لا تسجل الواقع كما هو و لا تصور الشخصية تصويرا فوتوغرافيا، و إنما تصورها كنمط و دلالة رامزة حيث يلعب الرمز دوره البارز في كل جزء من أجزاء الرواية.

 و إذا كانالمكان و الخلفية الزمانية يمثلان الواقع تمثيلا صادقا و يجسمان الظروف التي مر بها المجتمعالمصري تجسيما حيا ,فإن الرمز قد يلف في إطار كل شخصية من شخصيات الرواية .

 فعامر وجدي الصحفي العجوز المتقاعد فيه من الشعبالمصري إصراره على التمسك بالدين و تدعيم هذا الجانب الروحاني بالعلم.

إن ذكرياته في الكفاح الوطني مجيدة، سواء من خلال مشاركته في الأحزاب الوطنية كالحزبالوطني و حزب الأمة و حزب الوفد، أو في اتخاذه للقرار الثوري بالعزوف عن الأحزاب بعدتراكم خلافاتها، و لعل حرصه علىقراءة القرآن الكريم يحمل دلالة واضحة تتمثل في انكبابه على القيم الروحية و المبادئ الإسلامية،

و هذا بالإضافة إلى أن اختياره لسورتي القصص و الرحمن، يحمل فيضانا هائجا من حنين متدفقنحو الذكريات و القصص القديمة، و رضاء صادقا بالواقع الذي يعيش فيه و محاولة تلمس ما فيهمن جمال طبيعي.

أما حسنى علام فيمثل دلالة لقطاع بعينه فهو نمط الأرستقراطيين الذين حددت الثورة ملكيتهم و أخضعتهم لقوانين خاصة تحد من زيادتها،

ولذلك فهو عدوها اللدود الذي يتنكر لها و لأبناءها المكافحين الذين ضاقوا ذرعا بالاحتلال ومؤيديه.

وكذلك سرحان البحيري يمثل نمط المؤمنين بالثورة من أرباب الكادحين، و الذين استغلواإيمانهم بالثورة في تشويه معالمها عن طريق النهب الابتزار.

وثمة شخصية رامزة أخرى وهي شخصية منصور باهي التي تمثل دلالة لنمط "طبقة المرشدين"أو العملاء ممن سولت لهم أنفسهم تحت ضغط التعذيب والسجن إلى العمل مع مخابرات الثورة.

لعل نظرة منصور باهي اتجاه زهرة" مصر" قد تكثفت بوضوح حين حددت مسارها بقولها: لا

 من هنا ارتسمت في ذهنه كصورة متعالية معتدة بنفسها، وهذا ما دفعه إلى تشجيعها نحو التعليم بقوله : رائع...رائع... رائع يا زهرة, ولم يقف عند هذا الحد بل أراد أن يتزوجها  

ولكنها رفضته لأنها رأت فيه وجها آخر من وجوه الخيانة ولعلمها بعلاقته مع درية" و عندئذتظهر الدلالة الرامزة، فمصر لا تقبل الخيانة من أبناءها وإذا علمت بخيانتهم لفظتهم وأبعدتهم عندائرة حبها.

وأودت بهم إلى الموت إما بالانتحار وإما بعذاب الضمير.

إذن زهرة هي رمز بمصر التي تركت ماضيها ولاذت بالفرار آخذة معها قيمتها، وتقاليدها القرويةوإيمانها الراسخ باالله وقاصدة الحاضر، والمستقبل المتمثلين في التقدم الحضاري والعلمي ،وناشرة الحب على الجميع فهي تمد يدها, وتفتح صدرها لكل الطبقات وتحاول أن تحقق الأمنوالسعادة لكل أبناءها فلم تضن على أحد منهم ولم تتكاسل في خدمتهم ومع ذلك وقف أبناءها منهامواقف شتى، فعامر وجدي يحبها ويؤمن بها وطلبة مرزوق يناوئها ويظهر لها حبا شكليا زائفا،

وحسني علام يمقتها من أعماق قلبه، ويتربص لها وسرحان البحيري يغتصبها, ومنصور باهييحبها ولكن لا يعرف الطريق إليها ،ومع ذلك فلم تفكر في طردهم بل مدت إليهم يد المساعدةوالعون.

ومن قبل الأدب الغربي والأدب العربي جاء القرآن الكريم بالرمز لقيم مختلفة وعبر وعظات من خلال القصص .

ويتجلى ذلك في سورة ( الكهف ) حيث تجد معاني الإعجاز الإلهي الفائق مشرقة متألقة .

وبداية من اسم السورة ( الكهف )

الكهف : عنوان لاشك أنه مثير لكل قارئ للسورة التي تحمل هذا العنوان .

إذا قمنا بتحليل رمزية هذا العنوان سنجد أن الكهف يرمز إلى :

* العزلة .

* الوحدة .

* الهدوء .

هذه المعطيات الثلاثة تساهم بشكل فعال في عمليّة التأمل و التفكر .

هذه واحدة .

أما الثانية فإن مضمون السورة كاملة هي الدعوة إلى إعادة النظر في كل شيء و تجديد الفهم حول قيم الحياة و الكون و التاريخ و المصير وتقديم أنواع الفتن والحماية منها  .

فقصة الفتية هي تجديد لمفهوم الألوهية ورمز لأحد أنواع الفتنة عند ظهور المسيخ الدجال ,وهي فتنة الدين  .

و قصة المؤمن و الكافر هي تجديد لمعنى الحياة و سرّ الدنيا ورمز لفتنة المال .

و قصة سيدنا موسى و الخضر عليهما السلام , دعوة لتجديد الفهم حول قوانين الوجودورمز لفتنة العلم ودعوة للتواضع .

و قصة ذي القرنين دعوة لتجديد الفهم حول سنن الله في الحياة و التاريخ و علاقتها بالانسان , ورمز لفتنة السلطة ودعوة لتذكر الآخرة والإخلاص في العمل كشرط لتقبله .

إذا تذكرنا هذه الحقائق و تذكرنا رمزية " الكهف " سندرك اربع حقائق :

1- سر ذكر هذه القصص الاربع في سياق واحد , لان دلالات معانيها تؤسس لتصور جديد حول مهمة الانسان في الحياة والتنبيه لسبل إتقاء فتن الدنيا .

2- سر الندب الى قراءتها يوم الجمعة باعتبار انه يوم عظيم حدثت فيه احداث جسام [ خلق الله لادم , فيه تقوم الساعة .. إلخ ] وكذلك هو يوم السكون فتأتي السوره فتدعوك للحركة والعمل والدعوة إلى الله  .

3- سر معنى ان من قرأها يضاء له نور الى الجمعة التالية . لانها تنفخ روحا جديد في عقل و روح المؤمن فيتحرك في واقع الحياة اليومية و هو مشحون بافكار جديدة.

4- سر مناسبتها للعنوان , باعتبار ان السورة دعوة لعمل مراجعات كل مرة في الاسبوع للافكار و التصورات , و باعتبار ان رمزية الكهف توحي بضرورة ان ينفصل المؤمن احيانا عن ضجيج الواقع و صخب الافكار الشائعة لكي يستطيع ان يستعيد توازنه العقلي و الروحي فيدرك من حقائق المعاني ما يعجز عن عشر معشاره في لجّة الضجيج و الإعلام و التقاليد .

وهنا وجب التنويه أن اعتماد مبدأ الرمزية في التعامل مع النصوص الإسلامية لا يخلو من ملاحظات، أهمها أن اعتماد الرمزية دون ضوابط يختزن دعوة ضمنية للتعامل مع القرآن على أنه كتاب ألغاز وأسرار، وهذا الأمر إما أن يؤسس لنشوء طبقة كهنوتية خاصة تحتكر تفسير النصوص وشرحها، وإما أن يفتح باب التأويل على مصراعيه لعامة الناس دون قيود ما يفضي إلى التلاعب بالنصوص وتفسيرها بنحو مزاجي، وبما يؤدي إلى ضياع الحقيقة ومسخ صورة الإسلام.

 ومن جهة أخرى، فإن مبدأ الترميز مناف لصريح القرآن وتأكيده المستمر الذي لا يقبل التأويل أو الجدل في أنه "بيان" أو "تبيان" و"نور" و"هدى" و"لا ريب فيه" و"لا اختلاف"... قال سبحانه:{... قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين* يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه...}(المائدة:15-16)

على أن أكثر من آية قرآنية نددت باليهود، لأنهم حرفوا كلام الله عن مواضعه {من الذين هادوا يحرّفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليّا بألسنتهم وطعناً في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيراً لهّم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً}(النساء:46)،

 وفي نفس السياق تأتي الآيات التي تنهى عن إتباع المتشابه من الآيات ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وحرفه عن معانيه، وهل لذلك من معنى سوى رفض محاولات التأويل، وأن الله سبحانه لم يعتمد لغة الألغاز في مخاطبة خلقه، وإنما خاطبهم بنفس الأسلوب البياني الذي يتخاطبون به؟ قال تعالى:{ وما أرسلنا من رسول إلاّ بلسان قومه}(إبراهيم:4).

 إننا إذ نسجل هذه الملاحظات فلا نريد إعطاء أحد حقاً حصرياً في تفسير القرآن، أو اعتبار القراءة السائدة لكلام الله هي القراءة النهائية، ويمكننا الجزم انه لا يوجد قراءة ناجزة ونهائية للقرآن.

وما قدمناه إجتهاد لسبر جماليات وفنون الأدب في القرآن الكريم وماله من سبق في البيان والإعجاز البلاغي .

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق