]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

"ريموت" الموت !

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2016-10-19 ، الوقت: 17:47:53
  • تقييم المقالة:

"ريموت" الموت !

 

محمد الحداد / العراق

هل تصمدُ هشاشة الكلمات أمام قسوة الواقع؟ أية لغةٍ بوسعها أن تقفَ بوجهِ لغة الرصاص حينما يُصهللُ عالياً وسط ساحةِ المعركة؟ أية أبجديةٍ جريئة ستضارعُ الحقيقة وتزعمُ أن بوسعها أن تطلَّ برقبتها فتصف لنا هذا الخراب؟كلُّ مآسي الأرض بكاملِ أناقتها ستحضرُ أمامكَ فوراً بمجردِ أن تضعَ يدكَ على جُرحنا الذي لا أملَ لأن يندملَ أبداً.

هذه اللعبة الكونية الوضيعة ريموتها الوحيد بيدِ الكبار..هم أشعلوا الحرائقَ بيدٍ ويلوّحونَ لنا الآن بأغصانِ زيتونزائفة بيدٍ أخرى ويريدون منا بعد ذلك أن نُصدقَ براءتهم..ربماهي المصادفة لوحدها التي جعلتني أتأملُ طويلاً في كلمة "ريموت"..كأني اكتشفتُ فيها مزاوجة عربية انجليزية ووجدتُ نفسي أتصرفُ فيها بمقاربةٍ غريبة لمعنى مأساوي جديد هو "re death" أي إعادة تدوير الموت!

إصبعان..أحدهما أشقر في أقصى الشرق والآخر أسمر في أقصى الغرب بوسعهما حصراً أن يوقفا نزيفَ هذهِ الدماء بضغطةِ ريموت واحدة..لكن الأمرَ لا يتعلقُ هنا بالقدرات إنما بالنوايا !

ثمة مَن كان أكثر مني جرأةً ودقة أيضاً حينما راهنَ على أصبعٍ واحدٍ فقط : "هنالك رجلٌ واحدٌ فقط على هذا الكوكب يمكنهُ أن يُنهي هذهِ الحرب بمكالمةٍ هاتفية وهذا الرجل هو بوتين"..العهدة هنا على وزير الخارجية البريطاني.

أياً ما كانت هوية منقذنا المفقود لكن بعد كل تلك السنوات من الطَرقِ المباشر على الرأس أصبحت جراحنا معتقة بآلامها..تجاوزنا حدودَ تلقي الصدمات وإحصاء الضربات إلى مرحلةِ إدمانها..مللنا من وعودِ اللاعبين الكبار الذين باتوا يستعرضون أمامنا كلَّ يومٍ مهاراتِ الموت في البرِّ والبحرِ والسماء..أربكتنا ملاحقة خيوط اللعب المتشابكة بأيديهم..تعبنا من إحصاء قوافل الضحايا..أرهقنا البكاءُ طويلاً على أطلالِ الخراب..أدمنا مشاهدة مسلسلات الدم والأشلاء والنار والرماد وباتت رائحة الموتِ أكثر التصاقاً بنا من قبل..بعد كلِّ ذلك هل بقيَ ثمة مَن يخشى علينا أن يصبحَ الموتُ نفسهُ أليفاً وداجناً لنا؟

هذهِ الجراحُ تقرأ وتكتبُ بمهارة لكننا أميون أغبياء لا نجيدُ ما تجيدهُ حتى يأتي دورنا وتطال أجسادنا تلك الجراح..صاحبُ الوجع خبيرٌ بأوجاعهِ أليس كذلك؟ فالقتيلُ الأول اليوم في سوريا هو سوريا كما أن قتيلَ العراق هو العراق وقتيل اليمن هو اليمن..لكن الجميعَ حتماً سيتذوقون في الغد طعم هذهِ الجراح تباعاً..القريبون من تخومِ المحرقة والبعيدون عنها..

فشلت الهدنة الأخيرة في سوريا فورَ بدايتها..وهل كان في ذلك الفشل أدنى شك؟ هي لم تكن في حقيقتها أكثر من فاصلٍ مسرحيّ مشترك كتبَ أحداثها الدرامية قلمان أميركي وروسي..لكن تلك المسرحية الفاشلة أثبتت لنا بوضوحٍ مدى "كونية" تلك الحرب اللعينة.

الأمم المتحدة..تلك العجوز الهَرِمة التي تتقدمُ دائماً صفوفَ المتفرجين الأولى في العالم كلهِ حسمتْ جدلَ تبادلِ الاتهامات بقولها أن صورَ الأقمار الاصطناعية أثبتت أن قافلة المساعدات ضُربت من الجو..كلُّ سكان هذا الكوكب باتوا يعرفون اليوم مَن هم الذين يُحلقون في السماءِ لوحدهم عالياً ويوزعونَ الموتَ كما يشاءون..ومِن الشرفاتِ العالية يُرى العالم بشكلٍ أوضح بكلِ تأكيد..لكن نحنُ الذين على الأرضِ هل نحتاجُ فعلاً أن نرى ما رأوهُ لنفهمَ حقيقة ما حصلَ ونعرفَ سر الموت الذي اُسقِطَ علينا من السماء؟

قطعاً أنت لن تكذبَ عينيك وتصدق ثرثرتي الفارغة هذهِ وستسألني حتماً عن كل ذلكالحِراكِ الدبلوماسي الماراثوني المحموم على مستوى اللاعبين الكبار طيلة الفترة القريبة المنصرمة..لكن رويدكَ قليلاً فكل ما رأيتهُ وما ستراهُ محض بروفات روتينية لممثلين محترفين في أكبر وأعتق مسارح الدراما البشرية التي لا يُقدم فوق خشبتها إلا مسرحياتِ العدمِ والعبثِ والكوميديا السوداء..لا تخدعكَ هرولتهم المصطنعة فوق مساراتٍ شرقيةٍ مرةً وغربيةٍ مرةً أخرى معبدة بالسجادِ الأحمر الفاخر..لا تفترسكَ فخاخُ التصريحات ولا تسحركَ هيبة الكلمات ولا تأسركَ رصانة الشعارات ..تلفتْ حولكَ فحسب لتكتشفَ زيفهم وكذبهم وخداعهم..تلفتْ حولكَ لتعرف كم أصبح هذا العالم مُرعباً بهم أكثر من قبل..كأنهُ تحولَ برمتهِ إلى أكبرِ مسلخٍ بشري مُخيف لا ترى فيهِ إلامشاهد الموت والدم والأشلاء الممزقة..ووسط كل هذه الشراهة المفتوحة على الموت لم يعد ثمة مَن يمتلك القدرة على أن يحلمَ بفتح نافذةِ أملٍ يمكن أن نطلَّ منها على واقعٍ آخر.

الأملُ الكاذب الذي حملتهُ لنا دبلوماسية الدول الكبرى في حراكها المارثوني الزائف هذا يشبهُ خداعاً ماكراً ينتهجهُ دائماً تلاميذ كسالى قبل بدء امتحاناتهم النهائية الحاسمة..حراكٌ لا يهدأ يوهمون بهِ ذويهم ويعدونهم بنجاحٍ لن يأتي أبداً رغم ما يظهرونهُ من هرولات مكوكية هنا وهناك وراءَ حصصٍ دراسية مخادعة لكنها تفضي دائماً إلى فشلٍ حتمي..

أية لعبة وضيعة تلك التي يلعبها معنا الكبارُ هذهِ الأيام؟لعبة مباحٌ فيها كل شيء..لا قوانين تحكمها أبداً والضربُ مسموحٌ به فوق الحزام وتحتهُ وفي كل مكانٍ أيضاً..هذهِ هي وضاعة جميع اللاعبين ولا أظنُّ أن بوسع زمنٍ قادمٍ أن يُغيّرَ شيئاً من ثباتِ هذهِ الحقيقة أبداً..

ما رأيتموهُ حتى اليوم هو فصلٌ تمهيديّ لحربٍ كونية كبرى قادمة أشعلَ الكبارُ شرارتها الأولى بأيديهم ولن يسمحوا لها أن تنطفئَ أبداً رغم أن كثيرين لا يريدون حتى الآن أن يصدقوا ذلك ..

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق