]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

معاملة الأعداء في الإسلام والمسيحية واليهودية – الهدف المشترك إلى القضاء على العداوة والقساوة

بواسطة: غلام غوث  |  بتاريخ: 2016-10-08 ، الوقت: 12:07:25
  • تقييم المقالة:

معاملة الأعداء في الإسلام والمسيحية واليهودية – الهدف المشترك إلى القضاء على العداوة والقساوة

 

بقلم غلام غوث الصديقي 

 

إن الإنسان الصالح يتعاطف حتى مع الأعداء ولا يحرمهم من الحقوق التي يستحقونها. ولا يعذب أعدائه بشكل يتعدى حدود العدل، بل إذا كان من الممكن فإنما يعفو عنهم ويدفع السيئات بالحسنات. هذه هي السمة المباركة التي جاء بها أنبياء الله سبحانه وتعالى بمن فيهم شيث ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام وخاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم ليعززوا التعاطف والتراحم وحسن المعاملة والعدالة تجاه الإنسانية كلها.

 

 

 

العدالة والشفقة مع الأصدقاء والأعداء في الإسلام

 

في ظل ظروف عادية يمكن أن يكون الناس مقسطين مع أصدقائهم وأهلهم وبلادهم. ولكن المعايير الإسلامية من العدال والقسط خالية من اعتبارات العرق أو اللون أو الوطن أو الدين أو العقيدة والفرق بين الأقارب وغير الأقارب، وذالك عند إقامة العدل. وقد أمر الإسلام المسلمين بإقامة العدل مع أصدقائهم وأعدائهم على حد سواء.

 

يعتقد أن المسلم الصالح هو الذي يعمل بالتعاليم الإسلامية المذكورة في القرآن الكريم وسنة النبي عليه السلام المتطهرة في جميع مجالات الحياة. هو في حاجة إلى أن يكون على علم بأن اتخاذ سمة الصفح والعفو والعدالة حتى مع الأعداء لا يقل عن أهمية التعاليم الإسلامية الأخرى.

 

وقال الله تعالى:  "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّـهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚإِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّـهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖفَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚوَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّـهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا" (4:135)

 

هذه الآية من القرآن الكريم تجعل قرارا حازما للمسلمين الذين يواجهون صراعا دائما بين المصلحة الذاتية والعدال. إنها تأمرهم بإقامة العدل حتى لو كان ضد مصلحتهم الذاتية أو ضد أقاربهم. هناك بعض الناس الذين يحمون مصالحهم الذاتية يظلمون على الآخرين. ولكن الإسلام يحرم هذا النوع مما يسمى المصلحة الذاتية، كما أن هذه الآيات تزيل ضيق الأفق وتذكرنا بأن الحامي الحقيقي للمصالح البشرية هو الله سبحانه وتعالى، وهو يحمي مصالحنا عندما نتبع أمره تعالى بالعدل.

 

من الواضح مما سبق أن الإسلام لا يسمح أي تحيز عند إقامة العدال بين الأقارب وغير الأقارب. وفقا لآية أخرى من القرآن، لا يتم السماح للمسلمين بإقامة الظلم حتى على عدوهم. الميل المشترك عند غير المثقفين وغير الحضاريين هوالظلم تجاه العدو. وكان هذا الاتجاه حقيقيا في فترة ما قبل الإسلام (الجاهلية) بقدر ما هو اليوم. ولكن الإسلام قد حرم بشكل قاطع هذا الاتجاه وقدم مثالا لم يسبق له مثيل للبشرية جمعاء من حيث تحقيق العدالة.

 

وقال الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّـهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖوَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚاعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖوَاتَّقُوا اللَّـهَ ۚإِنَّ اللَّـهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿٨﴾ وَعَدَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ۙلَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴿٩﴾ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ " (5: 8-10)

 

وقال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: "ودلت الآية أيضا على أن كفر الكافر لا يمنع من العدل عليه" (تفسير القرطبي 5:8)

 

كل من أنكر آية من القرآن الكريم بعد علمه بثبوتها في المصحف أو إخبار الثقات له بكونها من القرآن الكريم فإنه يعتبر كافرا ، وذالك لأن الله تعالى أمرنا بالإيمان بالكتاب كله ، فمن أنكر شيئا منه فهو غير مؤمن به. والكفر يؤدي الكافر إلى عذاب النار. وأقول إن إقامة العدل حتى مع الأعداء أمر الله تعالى، ولوكان العدو غير مسلم. وبالتالي فإن من أنكر هذه الآية المتعلقة بإقامة العدل فهو يذوق عذاب النار. إن أمر العدل المذكور في القرآن الكريم قطعي لجميع الحالات فلا يمكن تغييره وتأويله تحت ظروف غير شرعية.

 

ويتجلى السلوك المثالي للعدالة والتسامح في حقيقة أن النبي محمد عليه الصلاة والسلام لم ينتقم من أي شخص بالأصالة عن نفسه بل عفا حتى عن أشد الأعداء. ونتيجة لذلك فإن هذه السمة المثالية للنبي عليه الصلوة والتسليم خففت قساوة قلوب متعددة ولعبت دورا محوريا في نشر الإسلام بين الوثنيين.

 

تعليم العدل والقسط  في الأحاديث

 

قد أمر النبي عليه الصلوة والتسليم بالعدل والرحمة والعفو حتى في حالة العداوة، وهذا ذكر في عدة الأحاديث. أنا أقدم بعضها فيما يلي أملا أنها ستؤثر على القراء.

 

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا" (صحيح مسلم)

 

عن جابر بن عبد الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاتَّقُوا الشُّحَّ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ"(صحيح مسلم)

 

عن أنس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اتَّقُوا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَإِنَّهُ لَيْسَ دُونَهَا حِجَابٌ" (مسند أحمد)

 

وعن واثلة بن الأسقع - رضي الله عنه - قال : قلت : يا رسول الله ما العصبية ؟ ) أي : الجاهلية (قال : أن تعين قومك على الظلم ) ، يعني : أن الواجب عليك متابعة الحق من غير نظر إلى ملاحظة الخلق ، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم - على ما رواه الدارمي وابن عساكر عن جابر مرفوعا " انصر أخاك ظالما أو مظلوما إن يك ظالما فاردده عن ظلمه ، وإن يك مظلوما ، فانصره " . ( رواه أبو داود وكذا ابن ماجه)

 

قد منع الإسلام جميع أنواع العصبية كما جاء في حديث:

 

وعَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَدْعُو عَصَبِيَّةً أَوْ يَنْصُرُ عَصَبِيَّةً فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ"(صحيح مسلم)

 

عن حذيفة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا" (سنن الترمذي)

 

فقد جعل الإسلام اهتماما كبيرا على العدل، وعلى الرغم من ذلك، ينصح المسلمين ليكون ذي الرحم والعطف والتسامح والعفو يتم ارتكاب الظلم والاضطهاد ضدهم. على سبيل المثال، يعطي الإسلام عائلة القتيل الحق في طلب الرد القانوني. ومع ذلك، يقترح الإسلام أنه من الأفضل أن يحل محل هذا الحق عن طريق الرحمة والإحسان.

 

وقوله تعالى: "وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ" (5:45)

 

حسبما جاء في الحديث، فإن النبي عليه الصلوة والتسليم كان يوصي أمته على التحلي بالصبر والعفو عن المجرم.

 

أنس بن مالك رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُفِعَ إِلَيْهِ شَيْءٌ فِيهِ قِصَاصٌ إِلَّا أَمَرَ فِيهِ بِالْعَفْوِ"(سنن أبي داود)

 

والسبب أن الإنسان يتعود على الخطأ فهو في حاجة إلى رحمة الله تعالى. ومن المعروف أن رحمة الله تعالى تغلب غضبه ، كما جاء في الحديث:

 

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي"(صحيح البخاري)

 

سيدنا وإمام الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم هو رحمة للعالمين

 

وقال الله تعالى "إنا أرسلناك إلا رحمة للعالمين" (21:107)

 

وهذا يعني أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان رحمة ليس فقط للمسلمين بل أيضا للعالم كله.  وكان يتعامل مع الناس بأفضل نوع من الحب والسلام والكرم.

 

إن الكفار والمشركين آذوا النبي عليه السلام واتهموه بالسحر والجنون والضلالة وإتيان بالأساطير، وقاموا بالسخرية والاستهزاء والضحك والغمز واللمز والتعالي على المؤمنين. رغم ذالك كله كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم غاية في الرحمة والعفو.

 

وعندما اضطهد المعارضون النبي عليه السلام بقسوة، طلب أصحابه  منه أن يلعنهم. في ذالك الوقت جاء هذا الحديث : أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ. قَالَ: «إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً» (رواه مسلم). واستمر أعداء النبي عليه السلام وأصحابه معاملتهم بظلم وقسوة، ولكنه كان يدعوا دائما لهم. وقضى حياته بطريقة أنه لم يسبب أية مشكلة أو إزعاج لأي شخص.

 

عندما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل الطائف ليدعوهم إلى الإسلام ، استقبلوه -صلى الله عليه وسلم – بدرجة من السخرية والاستهزاء، وتحدثوا معه بالسفاهة والحماقة.  قال له أحدهم: إنه سيمرط (أي: سيمزق) ثياب الكعبة إن كان الله أرسله!  وقال مسعود: أمَا وجَدَ الله أحدًا يرسله غيرك؟ وقال حبيب: والله لا أكلِّمك أبدًا، لئن كنتَ رسولاً من الله كما تقول لأنتَ أعظمُ خطرًا من أن أردَّ عليك الكلام، ولئن كنتَ تكذب على الله (وحاشا رسول الله من الكذب وهو الصادق الأمين) ما ينبغي لي أن أكلِّمك! (ابن هشام: السيرة النبوية 2/267).

 

 والسفهاء والغلمان من صفوا أنفسهم صفين خارج الطائف، وأرغموه  وصاحبه زيدًا على المرور بين الصفين، وجعلوا يقذفونهما بالحجارة، حتى سالت الدماء من قدميه الشريفتين، وشُجَّتْ رأسُ زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه. علينا التأمل في هذه الأحداث والحصول على العبرة منها أن النبي عليه السلام ، بالرغم من أنه واجهوا الصعوبات، ولم يترك دعوته بل مكث عشرة أيام في الطائف يتردد على منازلهم ويدعوهم إلى دين التوحيد وعبادة الله الواحد، وذالك بطريقة لينة سلمية.

 

 و‏لقد لاقی حبیبنا المصطفی صلی اللہعلیھوسلم أنواع الأذی، وتحمَّل البلاء الشديد في سبيل دينه ودعوته، ودُبِّر له الكثير من المكائد، وفُعِل به وبأصحابه ما لا یتصور من الإيذاء والاضطهاد، إلى أنْ أذن الله له وللمسلمين بالهجرة، وإقامة الدولة الإسلامیة، و بالفتح العظیم، فتح مکة۔فلمّا دخل الرسول صلی اللہعلیھوسلم وأصحابھمكّة كانت إحدى الرايات في يد سعد بن عبادة وهو ينادي برفيع صوته:

 

‘‘اليوم يوم الملحمة.. اليوم تستحلّ الحرمة. يا معشر الأوس والخزرج، ثأركم يوم الجبل’’.

 

فقال (صلى الله عليه وآله): ليس بما قال سعد شيء، ثم قال للإمام علي (عليه السلام): أدرك سعدا فخذ الراية منه وأدخلها إدخالا رفيقا. فأخذ أمير المؤمنين (عليه السلام) الراية منه وأخذ ينادي برفيع صوته: اليوم يوم المرحمة.. اليوم تصان الحرمة۔( مناقب آل أبي طالب: ج1 ص208 فصل في غزواته)۔

 

فھذا من البراھین الواضحة الدالة على أن النبي عليه السلام دعا إلى المرحمة، والتسامح، والعفو، والتواضع، و اللاّعنف۔

 

وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحُدٍ؟ قال: لقد لقيتُ من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلالٍ ، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقتُ وأنا مهمومٌ على وجهي، فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب ، فرفعت رأسي ، فإذا أنا بسحابةٍ قد أظلتني، فنظرتُ فإذا فيها جبريل عليه السلام، فناداني فقال: إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمُرهُ بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال، فسلم على ثم قال: يا محمدُ إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربي إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت: إن شئت اطبقتُ عليهم الأخشبين" فقال النبي صلى الله عليه وسلم بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً (متفق عليه).

 

وعن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: ( كأني أني أنظر إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحكي نبيا من الأنبياء، ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون (رواه البخاري).

 

قال القاضي عياض : " قال القاضي أبو الفضل : انظر ما في هذا القول من جماع الفضل ودرجات الإحسان، وحسن الخلق وكرم النفس، وغاية الصبر والحلم، إذ لم يقتصر ـ صلى الله عليه وسلم ـ على السكوت عنهم حتى عفا عنهم، ثم أشفق عليهم ورحمهم، ودعا وشفع لهم، فقال: اغفر أو اهد، ثم أظهر سبب الشفقة والرحمة بقوله: لقومي، ثم اعتذر عنهم بجهلهم فقال: ‘‘فإنهم لا يعلمون’’۔

 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل يا رسول الله، ادع على المشركين. قال: "إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة". (مسلم)

 

وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله بعثني رحمة للعالمين وهدى للمتقين". (أخرجھأبو نعيم في الدلائل)

 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما أنا رحمة مهداة". (أخرجھالبيهقي في الدلائل)

 

وعن عكرمة رضي الله عنه قال: قيل يا رسول الله، ألا تلعن قريشا بما أتوا إليك؟ فقال: "لم أبعث لعانا إنما بعثت رحمة" يقول الله: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}.‏ (أخرجھعبد بن حميد)

 

وكان الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام سخيا للغاية وكريما و مؤنسا. كما أنه بذل كل الجهود الممكنة لغرس السمات النبيلة جدا في أتباعه. "عن عبد الله بن عمرو أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم أي الإسلام خير قال تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف" (صحيح البخاري). وكذالك نهى النبي صلى الله عليه وسلم  عن الأعمال السيئات و سوء الأدب مثل الغيرة والجفاء المتبادل. و"عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقاطعوا ولاتدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث" (صحيح البخاري)

 

و"عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبيع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يكذبه، ولا يحقره، التقوى ههنا -ويشير إلى صدره ثلاث مرات- بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه) (رواه مسلم)

 

وبالإضافة إلى ذالك  " عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلي عليه وسلم قال :( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هاجر ما نهى الله عنه ) (رواه البخاري). قد أوضح النبي عليه السلام أنه من يعيد الحب للحب هو على المستوى الأسفل للأخلاق. 

 

وإضافة إلى كل ما ذكر أعلاه، هناك العديد من الأحاديث دليلا على أن نبينا الكريم الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم شجع ونشر العفو والسلام بغض النظر عن الدين والطائفة واللون والعرق والقوم وما إلى ذلك. هناك رسالة أنه إذا كنا نرغب في السلام، فإنه يتوجب علينا أن نتسامح مع الآخرين بالكثير من الأمور غير السارة. أما العكس من ذلك، فلا توجد وسيلة أخرى لإقامة السلام في المجتمع.

 

الحب وحسن معاملة الأعداء في الكتاب المقدس

 

قد تم دعم وتصديق الرسالة الإسلامية من القيام بالعدل والإحسان مع الأعداء أيضا من قبل التعاليم التالية من الكتاب المقدس المتكون من العهدين القديم و الجديد كليهما.

 

"إِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فَأَطْعِمْهُ خُبْزًا، وَإِنْ عَطِشَ فَاسْقِهِ مَاءً" (سفر الأمثال 25: 21):

 

"سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ" (إنجيل متى 5 : 43-44)

 

 (إنجيل لوقا 6: 27) "لكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ أَيُّهَا السَّامِعُونَ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، (إنجيل لوقا 6: 28) بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ. (إنجيل لوقا 6: 29) مَنْ ضَرَبَكَ عَلَى خَدِّكَ فَاعْرِضْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا، وَمَنْ أَخَذَ رِدَاءَكَ فَلاَ تَمْنَعْهُ ثَوْبَكَ أَيْضًا. (إنجيل لوقا 6: 30) وَكُلُّ مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَخَذَ الَّذِي لَكَ فَلاَ تُطَالِبْهُ. (إنجيل لوقا 6: 31) وَكَمَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهِمْ هكَذَا. (إنجيل لوقا 6: 32) وَإِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ فَضْل لَكُمْ؟ فَإِنَّ الْخُطَاةَ أَيْضًا يُحِبُّونَ الَّذِينَ يُحِبُّونَهُمْ. (إنجيل لوقا 6: 33) وَإِذَا أَحْسَنْتُمْ إِلَى الَّذِينَ يُحْسِنُونَ إِلَيْكُمْ، فَأَيُّ فَضْل لَكُمْ؟ فَإِنَّ الْخُطَاةَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ هكَذَا. (إنجيل لوقا 6: 34) وَإِنْ أَقْرَضْتُمُ الَّذِينَ تَرْجُونَ أَنْ تَسْتَرِدُّوا مِنْهُمْ، فَأَيُّ فَضْل لَكُمْ؟ فَإِنَّ الْخُطَاةَ أَيْضًا يُقْرِضُونَ الْخُطَاةَ لِكَيْ يَسْتَرِدُّوا مِنْهُمُ الْمِثْلَ. (إنجيل لوقا 6: 35) بَلْ أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، وَأَحْسِنُوا وَأَقْرِضُوا وَأَنْتُمْ لاَ تَرْجُونَ شَيْئًا، فَيَكُونَ أَجْرُكُمْ عَظِيمًا وَتَكُونُوا بَنِي الْعَلِيِّ، فَإِنَّهُ مُنْعِمٌ عَلَى غَيْرِ الشَّاكِرِينَ وَالأَشْرَارِ. (إنجيل لوقا 6: 36) فَكُونُوا رُحَمَاءَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمْ أَيْضًا رَحِيمٌ." (الكتاب الثالث من العهد الجديد: إنجيل لوقا 6 : 27 – 35)

 

إن النصوص المذكورة أعلاه من الكتاب المقدس –إلا استخدام كلمة "أب" لله رب العالمين (وذالك لأن الله أحد ولم يلد ولم يولد)— صحيحة وتتفق مع رسالة الإسلام. يا ليت المسيحيين واليهود المتشددين والمتطرفين يفهمون هذه الرسالة الحقيقية من الكتاب المقدس ويمارسونها في حياتهم!!!

 

بعد قراءة موقف الإسلام والمسيحية واليهودية من العفو والتسامح وحسن المعاملة والعدالة حتى مع الأعداء فإنني أشعر بالصعوبة في التعبير عن ذروة قلقي عن الحالة الراهنة لأتباع جميع هذه الديانات الثلاثة. من ناحية يتم تدمير المستشفيات والمدارس والمباني العامة وقتل المدنيين الأبرياء في فلسطين وغيرها من بلاد المسلمين على نحو متقطع، ولكن ينظر إلى بعض القادة الأوروبيين يتكررون نطق جملة واحدة "إسرائيل لديها الحق في الدفاع عنها". ربما بعض المثقفين من أوروبا ومثل هؤلاء المؤيدين لإسرائيل لا يعرفون أنه لا حق لأي إنسان أن يشن الاعتداءات على المستشفيات والمنازل والمدارس والمدنيين الأبرياء في فلسطين وغيرها من البلدان.  ومن ناحية أخرى فإن المنظمات الإرهابية المتكونة من داعش وحركة طالبان وبوكوحرام والقاعدة قد أدت إلى أكبر الدمار والقتل الوحشي للمدنيين المسلمين.

 

وقد اعترفنا مما سبق أن الديانات الثلاثة –الإسلام والمسيحية واليهودية—تدعو أتباعها لحسن معاملة الناس والتعاطف والعدالة حتى مع أعدائهم. وبالتالي، ما يمنعنا من رفع أصواتنا عاليا أن كل هذه الأديان ليست مسؤولة عن أي فعل من هذه الأفعال التي لا ترحم. ومن هنا فإن إلقاء اللوم على أي دين ليس سوى أمر الغباء. قد حان الوقت أن يمارس المسلمون والمسيحيون واليهود تعليمات العدل والإحسان المنصوص عليها في دياناتهم ، وذالك على كل حال سواء كانوا يعتبرون بعضهم البعض كأصدقاء أو الأعداء.

 


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق