]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

البقرة

بواسطة: Faraj Bouzaienne  |  بتاريخ: 2016-10-05 ، الوقت: 16:36:37
  • تقييم المقالة:

  البقرة

 

 دخل سعيد على جده فوجده يقرأ في المصحف، انتظر سعيد جده حتى أتم قراءته فسلم عليه، فرد جده عليه السلام ورحب به وأجلسه الى جانبه.

سأل سعيد جده: ماذا كنت تقرأ يا جدي ؟

الجد: كنت أقرأ سورة البقرة.

سعيد متسائلا: سورة البقرة ؟!

الجد: نعم يا سعيد سورة البقرة... هكذا اسمها.

سعيد: حدثني يا جدي لماذا سميت سورة البقرة... 

الجد: هل أنت مستعد لسماع الحكاية من البداية الى النهاية؟

سعيد: نعم يا جدي ... تفضل ... أنا مستمع اليك.

   فقال الجد بعدما اعتدل في جلسته : سميت سورة البقرة لأن الله سبحانه وتعالى أورد فيها قصة عجيبة وغريبة حدثت في عهد سيدنا موسى عليه السلام، حيث كان لهذه البقرة التي كان يملكها طفل يتيم من بني اسرائيل دور ومنزلة هامة في أحداث هذه القصة...  

    يروى أن رجلا من بني اسرائيل كان فقيرا ولكنه كان شديد الورع وتقيا صالحا، اشترى في يوم من الأيام بقرة بكرا ولكنها كانت هزيلة وشديدة الضعف وطلب من زوجته أن تعتني بها وتحسن رعايتها وألا تضربها وألا تعرضها الى عمل مهما كان هينا ودعا الله أن يجعلها مباركة لتكون عونا لابنه الوحيد عند الشدائد.

   فاعتنت المرأة بالبقرة وأحاطتها بكل رعايتها ودللتها حتى نما لحمها وكثر شحمها وزاد وزنها، فأخذها صاحبها الى غيضة وهي الأرض الكثيرة العشب ثم تركها فيها بعد أن رفع يديه الى السماء داعيا ومناجيا ربه: يارب اني استودعك هذه البقرة فاحفظها واجعلها في حماك ... ثم عاد الرجل الى بيته وأخبر زوجته بما فعل وطلب من زوجته أن تخفي الأمر عن ابنهما ولا تخبره عن البقرة الا عند الحاجة.

     ولم تمض أيام حتى توفي الرجل وترك ابنه لم يبلغ بعد سن الحلم، ولكن هذا الفتى ورث عن والده التقوى والصلاح  فكان رحيما بوالدته بارا بها لا يرفض لها طلبا ولا يعصي لها أمرا ولا يصنع صنيعا حتى يأخذ مشورتها فيه، وكانت أمه تحبه حبا شديدا وتدعو له دائما بالسداد والرشاد وتسأل الله أن يجعله من عباده الصالحين، وهي تراقبه  يعمل بجد ونشاط لا يكل ولا يمل ليعولها ويعول نفسه ...

  وهنا  توقف الجد والتفت الى سعيد الذي كان يتابع كلام جده بانصات واهتمام : يقال يا سعيد أن هذا الفتى كان يقسم ما يكسبه من مال الى ثلاثة أقسام، قسم ينفقه على أمه وقسم ينفقه على نفسه وقسم يتصدق به... وكان كذلك يقسم ليله الى ثلاثة أجزاء أيضا، جزء يخدم فيه أمه وجزء ينام فيه وجزء يقوم فيه عابدا ساجدا لله، فأحبه الناس واصبح محل احترامهم وتقديرهم.

     ومرت الأيام والأعوام وكبر الفتى واشتد عوده ولم تتغير معاملته مع أمه بل ازداد برا ورحمة بها، ولاحظت أمه أن التعب أصبح باديا على وجهه من كثرة العمل وقسوة الحياة فرق قلبها لحاله وفي يوم من الأيام قربته منها وأخبرته بأن والده قد ترك له بقرة لتكون له عونا وسندا يبيعها عند الشدة.  وقالت له : ياولدي أرى أن الوقت قد حان لتبيع هذه البقرة، فاذهب اليها فستجدها عند الغيضة وأت بها.

    وذهب الفتى الى الغيضة فوجد فيها بقرة  جميلة تسحر الأنظار وتأخذ بالقلوب فساقها الى البيت فاعترضته أمه وهي تقول : ما شاء الله ... ما شاء الله ... الله أكبر الله أكبر... انها بقرة تسر الناظرين، خذها يا بني غدا الى السوق وبعها بستة دنانيرولا تبعها حتى تراجعني.

وفي الغد أخذ الفتى البقرة الى السوق فعرض عليه رجل ستة دنانير، فقال له الفتى أبيعك اياها ولكن بعدما أراجع أمي، فقال له الرجل أعطيك عشرة دنانير، فقال له الفتى لن أبيعها لك حتى أراجع أمي، ورجع الفتى الى أمه فقالت له بعها بخمسة عشرة دينارا، فعاد بها الفتى الى السوق فاعترضه نفس الرجل وعرض عليه خمسة عشرة دينارا فقال له الفتى أبيعها لك ولكن بعدما أراجع أمي فقال له الرجل أعطيك عشرون دينارا وبعني اياها فقال له الفتى لن أبيعها لك حتى أراجع أمي. فقال له الرجل: احتفظ  بهذه البقرة يا فتى فسيشتريها منك نبي الله موسى بملء جلدها ذهبا. وعاد الفتى الى أمه غير مصدق ما سمع، فقالت له أمه: أتدري من الرجل ؟ فقال الفتى: لا يا أماه ؟! فقالت : انه ملك من الملائكة أرسله الله اليك ليختبر برك بوالدتك... فابشر يا بني بالخير الكثير.

وهنا توقف الجد مرة أخرى ونظر الى سعيد وسأله : ها... هل نواصل القصة ؟

فقال سعيد: نعم يا جدي انها قصة مثيرة. فواصل الجده كلامه: ويروى أن رجلا غنيا من بني اسرائيل كان من أهل الورع والتقوى والاحسان، وكان جواد كريما يكرم الضيف ويطعم المسكين ويغيث الملهوف فأحبه الناس وأنزلوه من نفوسهم منزلة رفيعة، وكانت له ابنة فاتنة الجمال ورثت عن والدها التقوى وحسن الخلق، فتقدم ابن عمها لخطبتها وكان فقيرا، فرفض العم طلب ابن أخيه ليس لأنه كان فقيرا وانما رفضه لأته كان فتى فاسدا مستهترا وسيء الخلق، فولد هذا الرفض في نفس الفتى الغضب والحقد على عمه فأقسم أن يقتله ويستحوذ على ماله ويأكل ديته ويتزوج ابنته.

    وفي ليلة من الليالي ذهب الفتى الى عمه وطلب منه أن يرافقه ليتوسط له عند بعض التجار الذين قدموا الى  سبط من أسباط بني اسرائيل، ليعطوه بضاعة يتاجر بها ثم يسدد ثمنها فيما بعد، وأمام الحاح ابن أخيه خرج العم معه وعندما وصلا الى السبط  المزعوم انقض الفتى على عمه فقتله، ثم حمل جثته ووضعها على باب أحدهم.

   وفي الصباح عندما خرج الناس قاصدين اعمالهم فوجئوا بجثة القتيل وتدافعوا وكثر الهرج والمرج لما عرفوا أن القتيل هو ذلك الرجل الصالح الذي أحبه كل الناس، وثارت ثائرة الجميع وهددوا وتوعدوا بقتل القاتل وبينما هم كذلك أقبل ابن أخ القتيل وشق الصفوف ولما وصل الى الجثة تظاهر بالصدمة، ثم صاح باكيا مولولا، ثم التفت الى القوم مهددا متوعدا، متهما اياهم بقتل عمه، وأخذ يستنفر أهله وقومه للأخذ بثأر عمه وكاد يدور قتال عنيف بين الفريقين، لولا أن تقدم بعض حكماء الفريقين وقالوا : لماذا نتقاتل وهذا  نبي الله موسى بيننا ؟ ...  هيا نذهب اليه ونطلب منه أن يسأل ربه ليخبره من القاتل؟

     وذهب الجمعان الى موسى عليه السلام وقصوا عليه القصة، وطلبوا منه أن يدعو ربه ليخبره من القاتل، فطلب منهم موسى التريث ثم قال لهم : ان الله يأمركم أن تذبحوا بقرة، فعجبوا من قوله ونظر بعضهم الى بعض في دهشة واستغراب ثم قالوا: نطلب منك أن تدعو ربك لبين لنا القاتل وأنت تقول لنا اذبحوا بقرة ؟! ... أتتخدنا هزوا؟! ... ما عهدنا منك هذا يا نبي الله؟! فقال لهم موسى : أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ... بل هي الحقيقة، ان الله يأمركم أن تذبحوا بقرة  فافعلوا ما تؤمرون ... يقول تعالى : ( واذ قال موسى لقومه ان الله يامركم ان تذبحوا بقرة قالوا اتتخذنا هزوا قال اعوذ بالله ان اكون من الجاهلين (67)

    ولكن القوم لم ينصاعوا الى الأمر، وقالوا : يا موسى ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ؟ قال : انه يقول انها بقرة لا فارض( ليست هرمة ) ولا بكر( وليست بالصغيرة) عوان بين ذلك (اي بين بين لاهرمة ولا صغيرة)، فتمادوا في غيهم وقالوا: ياموسى ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها ؟ قال لهم موسى : انه يقول انها بقرة صفراء فاقع لونها( شديد الصفاء والنقاء الى حد الاشعاع) تسر الناظرين. فقالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ان البقر تشابه علينا وانا ان شاء الله لمهتدون. فقال لهم موسى : انه يقول انها بقرة لا ذلول  تثير الارض ولا تسقي الحرث ( أي لم يذللها العمل في حرث أو سقاية زرع  أو غير ذلك من الأعمال ) مسلمة لا شية فيها ( سالمة من كل العيوب ). فقالوا عندئذ: الآن جئت بالحق... واقتنعوا أخيرا ولكن بعد تعنت وجدال  شددوا فيه على انفسهم فشدد الله عليهم لأنهم لو ذبحوا أي بقرة لأجزأت عنهم، ولكن طبيعتهم المتحجرة واعتيادهم على التعنت والجدال وكثرة السؤال في الأمور كلها جعلتهم لا ينفذون أمر الله.

     وانطلق القوم يبحثون عن البقرة في كل مكان حتى وصلوا الى بقرة اليتيم ووجدوا فيها كل الصفات المطلوبة، فعرضوا عليه الأموال الطائلة ليبيعها اليهم ولكنه رفض وأقسم ألا يبيعها اليهم الا بملء جلدها ذهبا، وجادل القوم صاحب البقرة حتى أعياهم الجدل، فأذعنوا لرغبته، وعادوا بالبقرة الى نبي الله موسى فأمرهم بذبحها، فذبحوها، ثم طلب منهم موسى أن يضربوا القتيل بعضو منها، ففعلوا، واذا بالقتيل يستوي واقفا، فسألوه من قتلك ؟ فقال لهم قتلني ابن أخي هذا وأشار الى ابن أخيه ثم سقط ميتا، يقول تعالى : ( واذ قتلتم نفسا فاداراتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون(72) فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون(73)). فالتف القوم حول القاتل  وأرادوا أن يقتلوه، ولكن نبي الله موسى منعهم وقال انما جزاؤه أن يقام عليه حد القصاص.

  واختتم الجد كلامه :  وهكذا يا سعيد... فقد هذا الفتى كل شيء، فقد عمه وفقد الثروة التي من أجلها قتله وفقد ابنة عمه وفقد حياته بسبب طمعه وجشعه، وتزوج صاحب البقرة بنت القتيل وعاشا حياتا هانئة ملؤها السعادة والاستقرار شاكرين حامدين لأنعم الله. 

 

 

الدروس المستفادة من القصة

 

 

 

 

  • يجب عدم التعنت والتعصب والتشدد في الدين. 
  •  

     

     

     

     

     

    • الاستجابة لحكم الله ورسوله من غير جدال ولا تردد.
    • صلاح الأباء يجلب الخير للأبناء:
    • برالوالدين وشكر النعم يزيدان في الرزق
    • الله يبارك في المال الحلال.
    • ان الله قادرعلى إحياء الموتى بأي شكل من الأشكال.
    • من كان مع الله في الرخاء كان الله معه في الشدة
    •  

    « المقالة السابقة ... المقالة التالية »

    » إضافة تعليق :

    لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
    البريد الالكتروني
    كلمة السر  
    او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
     انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
    علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
    او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
    اسمك المستعار:
    آضف تعليق