]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

اليوم الذي حدثت فيه الهزّة الأرضية في نابلس

بواسطة: حسيب شحادة  |  بتاريخ: 2016-10-03 ، الوقت: 10:05:22
  • تقييم المقالة:

اليوم الذي حدثت فيه الهزّة الأرضية في نابلس
ترجمة حسيب شحادة
جامعة هلسنكي



في ما يلي ترجمة عربية لما كتبه مبارك (باروخ) بن سعد المفرجي (المرحيڤي) بالعبرية ونُشر في الدورية السامرية أ. ب.-أخبار السامرة، عدد ١٢٠٩-١٢١٠، ١٥ آذار ٢٠١٦، ص. ٢٣-٢٥. هذه الدورية التي تصدر مرّتين شهريًا في مدينة حولون جنوبي تل أبيب، فريدة من نوعها: إنّها تستعمل أربع لغات على الأقلّ بأربعة خطوط أو أربع أبجديات: العبرية أو الآرامية السامرية بالخطّ العبري القديم، المعروف اليوم بالحروف السامرية؛ العبرية الحديثة بالخطّ المربّع/الأشوري، أي الخطّ العبري الحالي؛ العربية بالرسم العربي؛ الإنجليزية (أحيانًا لغات أخرى مثل الفرنسية والألمانية والإسبانية) بالخطّ اللاتيني.
بدأت هذه الدورية السامرية في الصدور منذ أواخر العام ١٩٦٩، وما زالت تصدر بانتظام، توزّع مجّانًا على كلّ بيت سامري في نابلس وحولون، قرابة الثمانمائة سامري فقط، وهناك مشتركون فيها من الباحثين والمهتمّين في الدراسات السامرية، في شتّى أرجاء العالم. هذه الدورية ما زالت حيّة ترزق، لا بل وتتطوّر بفضل إخلاص ومثابرة الشقيقين بنياميم (الأمين)  ويفت (حسني)،  نجْلي المرحوم راضي (رتسون) صدقة (٢٢ شباط ١٩٢٢ــ٢٠ كانون الثاني ١٩٩٠).

في ما يلي قصّة شاهد سماع وعيان للهزّة الأرضية التي ضربت نلبلس يوم الاثنين الموافق لـ ١١ تموز عام ١٩٢٧ بُعيد الساعة الثالثة بعد الظهر، واستمرّت سبع ثوانٍ، وأسفرت عن تدمير ثلث منازل نابلس. مركز الهزّة التي أرّخ بها كبار السنّ، طالت مدنًا أخرى مثل القدس واللد والرملة ويافا وأريحا وطبريا. يذكر أن رئيس بلدية نابلس في ذلك الوقت، كان السيّد سليمان عبد الرزاق طوقان (أغتيل في بغداد عام ١٩٥٨).


”الوقت صيف عام ١٩٢٧، كنت عندها ابن ثلاثة عشر ربيعًا، ولكنّي أذكر كلّ شيء وكأنّه حدث لي اليوم. ليأتوا اليوم ليعلّموا كيفية تنظيم الأمور، كما كنّا منظّمين آنذاك، لا سيّما بخصوص تربية الأولاد والشباب. آونتها عملت وموّلت مدرسة تابعة لقسم التربية في الإدارة الصهيونية، استقبلت جميع الأولاد والشباب السامريين في نابلس. تعلّم الصبيان والبنات هناك التوراة والتقاليد السامرية، ودرسنا العربية والحساب أيضا. كانت هذه مدرسة عبرية-سامرية عامّة. مدرّسو المواضيع السامرية كانوا الكهنة، إبراهيم بن خضر (فنحاس) وأبو الحسن (آب حسده) بن يعقوب، أمّا معلّم العربية والحساب فكان الكاهن صدقة بن إسحق [في نهاية مخطوط في حوزتي، لتاريخ أبي الفتح السامري، فيه ١٦٦ صفحة، نسخها أبو الحسن ابن يعقوب الكاهن (ت. ١٩٥٩) في ١٩ جمادى  الاول سنة ١٣٥٢ عربية الموافق ليوم الثلاثاء ٢٠ أيلول ١٩٣٢، ص. ١٦٦ نجد الآتي: ”وهذه المدرسه كان فيها تعليم القرايه والكتابه وامور الصلوات والتراتيل والتفاسير والعلوم العربية الفنيه والصرف والنحو والجغرافيه والحساب ولغات الانكليزيه وكانت فيها من المعلمين العبرانيه تلاتة معلمين وهم ابراهيم ابن خضر الكاهن وابو الحسن ابن يعقوب الكاهن وعمران ابن اسحق الكاهن بمناظرة الكاهن الاعظم يعقوب المار ذكره الذى لم كان يبرح من المواظبه والتفتيش على هذه المدرسه يوميًا رحمه الله وعفا الله تعالى عن ماسسها المار ذكره وتوفى الامام المذكور في ليلة الشهر التانى من سنة ١٣٣٣ عربية رحمة الله عليه وربنا يعوض على هذه الطايفه بمن هو عوضه امين وكان قبل وفاته رحمه الله بسنتين اقام في الامامه قدام الجماعه ابن عمه الامام اسحق ابن عمران وبقي هو ريسًا لنت البركه فقط...“؛ لاحظ عدم ذكر الكاهن صدقة هنا، مناظرة بمعنى نظارة ، إدارة، ماسسها أي مؤسسها وهو وورن!!].
كنّا نخاف جدًّا من ثلاثتهم، وبنحو خاصّ من الكاهن صدقة، الذي كان شابًّا وأقوى من الكاهنين الآخرين. إن رأته مجموعة من الفتيان ماشيًا في طرف الشارع، أخذ كلّ واحد منها يبحث عن مخرج للهروب والاختفاء عن عينيه، كان قاسيًا جدّا.سكن جميع السامريين في الحيّ القديم، ياسمين، المعروف أكثر باسم ”حارة الياسمينة“، في بيوت كبيرة، ولكل عائلة غرفة ذات فِناء داخلي، كما كانت حال البناء في عهد الأتراك. كلّ حمولة كانت تسكن في منزل كبير خاصّ بها. عائلة مفرج (مرحيڤ) كانت في بيت كبير منفرد؛ وكذلك العائلات صدقة والطيف وسراوي (سودي) وشلبي ومسلم (مشلمه)، أمّا أسرة الكهنة فسكنت بجانب الكنيس القديم. في الأوقات العصيبة، كانوا يغلقون البوابة الرئيسية، وبقوا داخل الساحة الداخلية.

مدرستنا كانت في بيت عائلة عزّت (عزّي) بن إسماعيل السراوي (السودي)، كنّا نتجمّع في غرفة كبيرة من الصباح وحتّى بعد الظهر. ندرس، نكتب ونحفظ عن ظهر قلب.

حدث ذلك ذات يوم، في حصّة اللغة العربية مع الكاهن صدقة بن إسحق. في حصّته كان الهدوء مخيّمًا كليًّا على الصفّ. لم ينبس أحد ببنت شفة بدون إذن، وإلا فبئس مصيره. وعندما كان الكاهن يعاقب أحدَ التلاميذ جلدًا بالسوط على المؤخّرة، تطوّع دائمًا آخرون من الصفّ، ليمسكوا بيديه ورجليه.
تعلّمنا العربية في كتاب اسمه مدارج في مبادىء اللغة. عندها، كان الكاهن صدقة يقف أمام الصفّ، يبدأ بقراءة ما فيه من قصائدَ كثيرة مبثوثة في ثناياه. ما زلت أذكر القصيدة حتى هذا اليوم. استهلّ الكاهن منشدًا: أشرقت الشمس وقد ولّى الظلام هاربا. بالطبع، نطق الكاهن صدقة الكلماتِ بنبرة هكذا: أشرقتو الشمسِِ وكد ولله الزالامو هاريبان [في الأصل بالحروف العبرية ونقحرتها كما هي؛ هذا البيت الأوّل مأخوذ من قصيدة قصيرة بعنوان: شكرًا لله للشاعر اللبناني جرجس نجم همّام، ١٨٥٦-١٩٢١، أنظر مثلًا: http://www.almoajam.org/poet_details.php?id=1596 ]. ما أن لفظ الكلمتين الأخيرتين ”الظلام هاربًا“، أخذ الكاهن يصرخ بصوت عالٍ - يا لطيف، يا لطيف، كنية لله في العربية، تقال عند الاستغاثة. في الواقع، شعرنا فجأة أنّ الكراسي والطاولات الصغيرة تهتزّ والجدران من حولنا تتحرّك، وظهرت شقوق فيها. إنّه الزلزال! صاح الكاهن صدقة، هيّا اهربوا وانجوا بجلدكم!

كان الذعر الشديد سيّد الموقف، تدافعنا نحو المخرج، ولحسن حظّنا كنّا قلائل فتمكنّا من الخروج دون تزاحم إلى الشارع. وكان الكاهن صدقة، قبل أن فرّ هاربًا قد حذّرنا، يجب الصعود إلى الجبل، لأنّه  عرف أن الهزّة الأرضية تتكرّر موجة إثر موجة، وإن رغبنا في الحياة، فنحسن صنعًا إن فررنا بسرعة.

خرجت إلى الشارع المظلم الذي كان مليئًا بالغبار والسخام. عرفت أنّه عليّ أوّلًا قبل الاهتمام بنفسي، أن أتفقّد أحوال أقاربي. ركضت فورًا إلى بيت عائلة مفرج، ولم أجد هناك إلا الشيخ إفرايم (إفريم ) بن رزق (شت) الذي ضمّني فرحًا لأنّي ما زلت حيًّا أرزق، وأخبرني أنّ بقيّة أفراد العائلة قد هربوا إلى حيّ رأس العين. خرجت ثانية إلى الشارع، وقبل أن أتوجّه يمينًا أو شمالًا، صادفني الكاهن واصف (آشر) بن توفيق (مصليح) الذي حمّلني على ظهري فرشة، وأمرني بنقلها إلى المقبرة السامرية في رأس العين. لم أجرؤ بالطبع على عصيانه، قمت حالًا بما طلب، ركضت والفرشة على كتفيّ إلى رأس العين، وهناك وجدت أغلبية السامريين خائفين من هزّة أرضية قادمة في كلّ لحظة. أنزلت الفرشة وهممت بالرجوع لإحضار أغراض أخرى، إلا أنّ أفراد عائلتي حذّروني حتّى من التفكير بذلك، كيلا أُقتل كما قُتل السامريّ سليم (شالوم) بن عبد الله الدنفي.

بدأ بعض السامريين بنصب خيام كبيرة في القسيمة الفارغة من القبور، في المقبرة المعروفة باسم ’النمرود‘. كنّا نستعمل تلك الخيام في أيّام عيد الفسح على جبل جريزيم. كانت تلك خيام كبيرة - سيوانية - (خيمة كبيرة نصفها الأسفل مستدير ونصفها الأعلى مخروطي، ١٨ خيمة كهذه أهداها وورن للسامريين لاستعمالها في عيد الفسح؛ أشكر صديقي بنياميم راضي صدقة على هذه المعلومة، رسالة إلكترونية ١٣ تموز ٢٠١٦) تبرّع بها المحسن الأمريكي وورن للسامريين في بداية القرن العشرين. كانت هذه مناسبة أخرى لذكر اسمه بالخير [سهو من الكاتب، لم يذكر الاسم إلا هنا، إدوارد كيرك وورن, Edward Kirk Warren ١٨٤٧- ١٩١٩، تعرّف على السامريين سنة ١٩٠٣ وكان عرّابًا لهم حتى مماته؛ اقتنى بعض المخطوطات السامرية من الكاهن إسحق بن عمران الذي كان حينذئٍذ نائب الكاهن الأكبر].

كنّا نعلم أنّ الجانب الغربي من جبل جريزيم، إلى اليمين من الطريق المؤدّية إلى الجبل، أكثر أمانًا من الشارع الضيّق في الحيّ السامري القديم، هناك كان خطر انهيار البيوت على رؤوسنا قائما. هنا، ما كانت بيوت، بل قطعة أرض كبيرة فارغة، وبجانبها الجنوبي قبور آبائنا.

ما العمل؟ لا يحترس الإنسان وقت الخطر. مع هذا، كانت لهذا المكان أفضلية إضافية، في مركزه نبعَ من بطن الجبل نبْع يتدفّق بقوّة. بالماء والورع يستطيع المرء أن يتدبّر أمره/يمشّي حاله. بدأنا أوّلًا بنصب خيمتين كبيرتين، خيمة للصلاة وخيمة للكاهن الأكبر، إسحق بن عمران، الذي لم ينقطع عن تهدئتنا. بعد ذلك نُصبت على الجبل بقية الخيام، ولا أحد كان يجرؤ حتّى على التفكير، بالعودة إلى الحيّ. الكنيس تضرّر قليلًا وبقي مقفلًا، أحضروا منه فقط مدرّج التوراة ليرفع عاليًا، وبعض نسخ مجلّدة من التوراة، لقراءة النوبة/فصل السبت.

في يوم الجمعة، تذكّر الجميع أنّ الشيخ إبراهيم بن مفرج صدقة الصباحي وزوجته ليسا بيننا. سكن أولاده في يافا وهو عاد من هناك إلى نابلس، كيما يقضي آخر أيّامه في ظلّ جبل جريزيم. كان يسكن في بيت خارج الحيّ السامري.

بعث الكاهنُ الأكبر إسحق بعضَ الشبّان للبحث عنه. عادوا وقالوا إنّهم وجدوه يصلّي. انتظروا طويلًا حتّى أنهى صلاته الصباحية. تبسّم لهم مستفسرًا عن سرّ قدومهم. سألوه بقلق، فيما إذا حدث له شيء ما. استغرب من سؤالهم، وعندها أخبروه بما حدث، عن الزلزال.

إبراهيم بن مفرج لم يُخف دهشته ممّا قالوا، وقال لهم إنّه يسمع عن ذلك للمرّة الأولى، لم يعرف شيئًا قطّ عن الزلزال. جدول أعماله، لا يسمح له بالتفرّغ لشؤؤن هذه الدنيا. يقسّم يومه بين نظم الأشعار الدينية وبين الصلاة والتعبّد. عندما سمع الخبر، رفع رأسه إلى العلى وقال: سبحانك يا ربّي الّي ما أدريتني فيها [في الأصل بالحروف العبرية: فيهه]، قصد بالطبع الهزّة الأرضية. لم يسمح للشبان مغادرته إلا بعد أن احتسوا القهوة. ولكي يخفّف من وطأة مفاجأتنا وهياج فؤادنا قال لنا: هذه هي الطريق التي بها يجازي الله مؤمنيه المتمسّكين به.

بقينا في ’النمرود‘ ثلاثة شهور، حتى مساء الشهر السابع. عندها تمنطقنا بالشجاعة ونزلنا لتصليح  ما أصاب بيوتنا من شقوق وتصدّعات، بمال قَرْض ضئيل تسلّمناه من الحكومة. سكنّا في بيوت الحيّ القديم سنتين أخريين، قبل أن ننتقل إلى حيّ السامريين الجديد، الحالي.“

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق