]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

حَلَبة بالإنابة

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2016-09-27 ، الوقت: 20:55:38
  • تقييم المقالة:

حَلَبة بالإنابة

 

محمد الحداد / العراق

النهمُ الوحشيُّ القديم لابتلاعِ العالم لم ولن يوقفهُ شبعٌ كما كنا نظن..لعلهُ اكتشافٌ ساذجٌ من ذلك النوع الذي نصِلُ إليهِ دائماً بعدَ فواتِ الأوان..ربما تغيرت الأسنانُ والمخالبُ والقرون..ربما تبدلت الوجوهُ والأسماء..ربما اختلفت الرُتبُ والنياشين..وربما تباينت الأماكنُ والعناوين..أشياءُ كثيرة أخرى ربما تكون قد تغيرت وتبدلت أيضاً فلا مناصَ من مواكبةِ سُنّة التطور الذي طالَ كلَّ شيءٍ وضربَ بعواصفهِ الهادرة كلَّ الجسورِ والمعابرِ والحصون.

كلُّ شيءٍ تغيرَ لكن وحدها شهوة الموتِ الحارة لم تتغير وستظلُّ تسري في الشرايين..تماماً كما ابتدأتْ أولَ مرةٍ قبلَ ملايين السنين..

قرأتُ مرةً أنهُ بحلولِ عام 2020 سيكون أكثر من نصف النفط العالمي محصوراً ما بين العراق والسعودية..أعرفُ أنها معلومة أصبحت مشاعة حدَّ الملل لكنها مع ذلك تظلُّ منقوعة بدسامتها وتستحقُ أن يسيلَ لها لعابُ أكبر دولتين في العالم..فلغة المصالحِ هي أيضاً باقية ولن تندثرَ أبداً.. والجميعُ يريدها حرباً من دونِ خسائر..

لن نبتعدَ عن لغةِ المصالح كثيراً لكننا سنحاولُ فقط أن نقتربَ أكثر من تخوم الحرب هذهِ المرة إنما من جانبها الآخر لنراها كما يراها الآخرون.. لنجربَ أن ننظرَ إليها بعيونٍ روسية مثلاً علنا نفهمُ ما يحدث بشكلٍ أوضح..

كيف يُفكرُ الروس بكسبِ حربٍ لا تبدو حربهم من قريبٍ أو بعيد فوق حلبتنا الكبرى التي يتصارعُ فوقها الجميع؟ما هي أولوياتهم للحفاظ على مصالحهم فيها؟ما هي فلسفة بوتين في ذلك؟وماذا تراهُ يخبئُ في جعبتهِ للغدِ القريب؟

ثمة بالتأكيد فوارق جوهرية للتجربةِ الروسية في منطقتنا العربية عن التجربةِ الأميركية..مع الروس تحديداً يبدو الأمرُ حتى الآن مختلفاً قليلاً عن الأميركان..فالروس ذاقوا كثيراً من حنظلِ الصبر طمعاً بحلاوةٍ قادمة قبل أن يقرروا النزولَ إلى ساحةِ الحرب..هم وصلوا إليها متأخرين..  تريثوا قليلاً وانتظروا النتائجَ ولم يحسموا أمرهم باعتلاءِ خشبة المسرح منفردين إلا بعد أن أنهكت الحربُ كلَّ الذين أوقدوا نيرانها..طالت الحربُ كثيراً ولم ينحسرْ غبارَ المعاركِ بعد وطوال كل ذلك الوقت كان الروسُ يسفحونَ أيامهم ولياليهم بالتفرج من فوقِ التلال العالية وهم يمسكونَ بزمامِ جماحِهم على مضضٍ ويُمسّدونَ بأصابعهم ندوبَ جراحٍ قديمة..حتى إذا تعالت أصواتُ طبولِ الحرب وحانَ دورهم ارتدوا كامل قيافتهم العسكرية وصعدوا المسرحَ ثم بدأوا يستعرضون قوتهم الضارية فوقهُ أمامَ العالم كلهِ ويتبخترونَ بخُيلاءٍ إمبراطوري توارثوهُ من عصورهم البائدة..

لكنَّ الأمر قطعاً ليس بتلك المجانيةِ التي قد يشي بها المشهدُ من بعيد.. ليست الحربُ نزهة هانئة في البراري والحقول..ولا حربَ من دونِ خسائر والروس ليسوا بهذهِ السذاجة أيضاً كي يغضوا الطرفَ عما لحقَ بأميركا من جراحٍ جرّاء دسّ أنوفهم في كلّ مشاكلنا وأزماتنا التي كانت في أغلبها صناعة أميركية خالصة كانت تُصدّر خصيصاً إلى أوطاننا المغلوبة على أمرها ومع ذلك كلهِ يبدو لي أنَّ الروس محظوظون حتى الآن بشكلٍ ما لأنهم يخوضون اليوم إحدى أكبر وأخطر الحروب الكونية وهم مسلحونَ بأرشيفٍ هائلٍ من العِظاتِ والعِبر النفيسة التي سجّلتها لهم أقدامٌ سابقة تركتْ فوق رمالنا الساخنة خُطى أخطائها القاتلة..فالهبات التي يمنحها الطائشون للآخرين لا تقدرُ بثمن رغم أنها قد تبدو مجانية في أغلب الأحيان ولا أظن أن ثمة مَن أجزلَ في توزيع العِبر والعِظات بسخاءٍ للآخرين جرّاء حماقاتهِ كما فعلَ الأميركان..ولا أظن كذلك أن ثمة مَن هو أسعد من روسيٍّ منحهُ الحظ فرصة أن يتأخرَ قليلاً بالوصول كي يتعظ بالمجان من تخبطٍ أميركيٍّ طائش سبقَ الجميع بوصولهِ إلى الميدان ثم تركَ آثارهُ هناكَ إلى الأبد..هي دروسٌ مجانية راكمَتها لهم السنين ومنحَتهم فرصة أن يغرفوا من كنوزها الغالية..شيءٌ أشبه بإعادةِ إنتاج فيلمٍ سينمائيٍّ فاشل من جديد لكن مع تجنبِ الوقوع بذاتِ أخطائهِ القديمة.

أما القبطان بوتين فهو يقودُ اليوم دفة باخرته الروسيةالتي تطوي أمامهُ المسافاتبيدِ بحّارٍ متمرس وبيدهِ الأخرىيضعُ منظاراً أمام عينيهِ كي يُقرّبَ لهُ البعيد..ومن تحتهِ تتلاطمُ أمواجُ أزماتنا فيما يمخرُ هو عبابها بزهوٍ إمبراطوريٍّ منتفخٍ ويحلو لهُ الصيدَ الوفير..

الرجلُ يبدوحتى الآن مأخوذٌاً جداً بإغراءِ النتائج..لكن بالعودةِ إلى لغةِ المصالح واشتراطاتها الملزمة كيف فهمَ بوتين شروط هذهِ اللعبة الشائكة؟ وما هي فلسفتهُ في إدارة أزماتها؟وكيف يحاولُ أن يستلَّ الثمارَ لوحدهِ من سِلالِ الآخرين؟

وفقاً لنظرةٍ بوتينية متفحصة باتت منطقتنا العربية تمثلُ لروسيا ساحة حربٍ متقدمة بمسافاتِ أمانٍ معقولة يُريدُ لها أن تظلَّ بعيدة جداً عن الحدود الروسية..هو لم يُسجّل كلَّ هذا الحضور الروسي البعيد في منطقتنا ويتوغلْ في وحولِ مستنقعها الآسن كلَّ هذه المسافةِ بكاملِ ثقلهِ وقوتهِ إلا ليسبقَ أعداءهُ بموعدِ الوصولِ إلى أرضِ معركةٍ يريدُ لخرائطها أن تكونَ بعيدة عن بيته..فالحربُ خارجَ الأسوار أكثر أمناً بكل تأكيد من داخلها.. وخسائرُ النزالِ في أرضِ الخصوم ووسط مدنهم وقراهم ستكون قطعاً أقلّ كلفة.

لا أحد يتمنى أن يضطرَ لقتلِ عدوهِ داخلَ بيتهِ ووسط أهله..بوتين يعي ذلك مسبقاً وهو يعي أيضاً أنَّ كلَّ صاروخٍ تطلقهُ طائرةٌ روسية على وكرٍ للإرهابيين في سوريا مثلاً هو صاروخ يؤدي واجبين مهمين في آن : هجومي ودفاعي..بمعنى أنَّ الصاروخَ الروسي الذي يقتلُ اليوم إرهابياً عربياً أو شيشانياً أو أفغانياً أو حتى أوربياً وسط أرضٍ بعيدة عن الديار سينحرُ وفقاً لتلك الحسبة البوتينية حُلمَ ذلك الإرهابي في أن يقتلَ في الغد مواطناً روسياً داخلَ روسيا..لذا فبوتين يحاولُ جاهداً أن يسبقهم لنزالٍ بعيد كي لا يسبقونهُ لنزالٍ قريب..وبذلك لن يضطرَ الروس أن يدافعوا عن أنفسهم داخل بلادهم..آخرُ شيءٍ يتمناهُ بوتين أن يكونَ مرغماً على انتظارِ أعدائهِ في بلادهِ كما أن آخرَ ما تريدُ عينا بوتين أن ترياهُ اليوم فوضى داخلية تفضي إلى أفغنةٍ روسية بأيِّ شكلٍ من الأشكال.

لعلهٌ قنصٌ مُهندمٌ بنظرةٍ فيها نحوٌ من استباقٍ عسكريٍّ ماكر يمكن فهمهُ وفقَ نظرية "الهجوم خيرُ وسيلةٍ للدفاع" وليس ثمة أوانٌ أفضل من الآن.. لكن برغم قِدم نظرية القتال هذهِ إلا أنَّ الوقائعَ أثبتت دائماً أنها لا يمكن أن تجدي نفعاً في كلِّ زمانٍ ومكان كما أنَّ نهجاً مثلَ هذا فيهِ ما فيهِ من خطورةِ إحياءِ ثأرٍ روسيّ قديم مع أعداءٍ أشداء يعرفُ الروسُ تماماً مدى قوتهم هو نهجٌ تُشمُّ منهُ رائحة المقامرة واللعب بنارِ الاحتمالات..لكن ربما بقليلٍ من الدهاءِ المُجرّب والحنكةِ السياسية التي طبختها السنين تمكنَ بوتين أن يقنعَ الروس بأن نظريتهُ هذهِ في الحربِ البعيدة وإن لم تكن ببصمةِ امتيازٍ روسيةٍ صِرف إلا أنها آمنة تماماً بما تختزنهُ من ميزةٍ استباقيةٍ مضمونة النتائج بشكلٍ لن يجدوا لها نضيراً عملياً في العالم كلهِ ومن دونِ أيةِ خسائر أيضاً..والكارثة أن الروس صدقوا كلَّ هذهِ الأوهام وصفقوا لبوتين طويلاً حتى من دونِ أن ينبسَ لهم بكلمةٍ واحدة!

ربما هذا بعضٌ مما يراهُ الروس بأعينِ أحلامهم وطموحهم من ضفتهم البعيدة أما ما تراهُ أعيننا نحن من قريب فليس ذا قيمةٍ لأحدٍ على الإطلاق ..ليس مهماً أبداً إن هدّت تلك الحربُ مُدناً بأكملها فوق رؤوسِ الأبرياء ولا ضيرَ لو شُردَ أهلها ولم يبقَ على أرضها حجرٌ فوق حجر..فلا عزاءَ أبداً للبلادِ النائمة.

هكذا أصبحت بلداننا العربية بين ليلةٍ وضحاها أفضل حلبةٍ بالإنابة يتم فوقها كلَّ يومٍ تصفية كلّ حساباتِ التاريخ والجغرافيا والأديان والإيديولوجيا..

النهمُ الوحشي لن يوقفهُ شبعٌ أبداً..هذا هو عالمُ اليوم على حقيقتهِ..تماماً كرجلِ الغابة الأول:عارٍ من كلِّ شيء لا كما نراهُ في التلفاز ببدلةٍ أنيقة وربطةِ عنقٍ فاخرة وابتسامةٍ ساحرة!


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق