]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . 

اثر الصحف الشامية على تكون النخبة المثقفة العراقية

بواسطة: الدكتور احمد شاكر العلاق  |  بتاريخ: 2012-01-01 ، الوقت: 10:50:34
  • تقييم المقالة:

اثرالصحافة والمطبوعات الشامية على تكون النحبة المثقفة العراقية

إن خضوع العراق للاحتلال العثماني سهل على أبنائه الاتصال بأشقائهم العرب المشرقيين بصورة مباشرة وغير مباشرة دونما حواجز أو حدود تعرقل صلتهم أو اتصالهم([i])، مما ساعد في احتكاك الفئة المثقفة العراقية مع أشقائهم في بلاد الشام ومصر ، فانتقلت إليهم العديد من المؤثرات والرؤى الفكرية والثقافية الحديثة([ii])، مضافاً إلى أهم التطورات والأحداث السياسية ذات الاهتمام المشترك ، فأسهم ذلك أولا في البناء المعرفي لمثقفي البلاد عموماً ومثقفي النجف الاشرف على وجه الخصوص ، وثانياً أدى إلى تفاعلهم مع مستجدات الأحداث وتطوراتها السياسية الإقليمية والعربية ، فانتقل مثقفوا العراق من الاكتساب "المعرفي" إلى "التفاعل" معها واتخاذ المواقف([iii])، فعن ذلك كتب على سبيل المثال لا الحصر رجل الدين المتنور هبة الدين الحسيني الشهرستاني ، واصفاً لنا مدى تأثير الصحافة الشامية والمصرية في نقل الأفكار  الحديثة ، فقد كتب ما نصه :

((في هذه المرحلة كنا نقف على كثير من الحقائق التي أخفيت علينا فالأفكار الحديثة تصل بواسطة صحف مصر وبلاد الشام ، وحتى من استانبول والهند))([iv]).

   وتأثرت الفئة المثقفة العراقية الناشئة بالافكار الصادرة من مصروبلاد الشام([v])، واوربا والعاملين في المجلات والصحف، واسهمت في نقل الافكار والقيم العصرية الجديدة، وكان منهم الاب انستاس ماري الكرملي (1866ـ1947) ([vi])الذي كتب مقالات عديدة في الصحف المصرية وأصدر خلال الاعوام 1911ـ1914 مجلة لغة العرب  ونشر فيها بحوث ومقالات مختلفة ، ثم اصبح محرراً فيها، وظهرت فئة من المثقفين والادباء في العراق في مجال التأليف والكتابة، وتأثر بعضهم بمنهج التدوين التاريخي العلمي في اوربا . وظهر في العراق في العهد العثماني الاخير (1869ـ1918) اكثر من مئة واثني عشر مؤرخاً . ولكل مؤرخ العديد من المؤلفات التاريخية منهم جبرائيل حنوش أصفر المتوفي عام 1923 وله مخطوط بعنوان " مختصر المستفاد في تاريخ بغداد" أو " منتجع المرتاد في تأريخ بغداد" وانستاس ماري الكرملي ، ومحمود شكري الالوسي([vii])الذي حصل على ميدالية ذهبية من ملك السويـد عن احـد مؤلفاتــه

وابراهيم بن صبغة الله الحيدري ([viii])وغيرهم ([ix]).

ومما يلفت النظر إن شغف المثقفين العراقيين لقراءة جريدة "زوراء" اخذ ينضب ، والظاهر ان الصحف والمجلات العربية بدأت تستقطب اذواقهم ، نظرا لان ظروفها الاجتماعية والسياسية سمحت لها بان يكون انتاجها في نظرهم اكثر واقعية وأشد جرأة([x]). وقد اكد فيليب ويلارد ايرلاند بان الصحف العربية في بلاد الشام والولايات المتحدة تمتعت بانتشار واسع في الولايات العثمانية ، مع انها كانت ممنوعة من الدخول من قبل المسؤولين العثمانيين فانها كانت توزع عن طريق دوائر البريد الاجنبية([xi]).

   كان يوسف غنيمة يكاتب المجلات الشهيرة في مختلف الأقطار العربية وقد شرع بالكتابة في مجلة المشرق البيروتية عام 1904 حيث نشر له فيها أول بحث بعنوان (الترّحب بالمولود عند براهمة الهنود) وهو بحث مترجم عن اللغة الأنكليزية، استطرد فيه يوسف غنيمة وصف رسوخ تلك العادات والتقاليد الهندية التي بات من الصعب إزالة تأصلها في نفوسهم ، كما استعرض بصورة تفصيلية أهم العادات والتقاليد التي كان الهنود يتمسكون بها ([xii]).

   وتميزت مطابع بيروت المتعددة على مطابع الولايات العربية ، وكانت تتوزع مطبوعاتها في دمشق وحلب وحمص وحماه وغيرها من مدن الشام ، كما وصلت المطبوعات اللبنانية الى مصر، وكان العراق يستورد كتبه من بيروت ايضاً، وتركزت مطابع بيروت على طباعة بعض الكتب الادبية والتراثية والدينية ، وقد بلغ عدد الكتب التي طبعت في مطبعة الجامعة الانجيلية في بيروت عام 1881(57500) مجلداً أدبياً وعلمياً ([xiii]) ، وكان كتاب " طوق الحمامة" في مباديء النحو للشيخ ناصيف اليازجي من ابرزها ([xiv]).

       واوجدت مطبوعات بلاد الشام طريقها الى اسواق العراق ومصر منذ اواخر القرن التاسع عشر ، واطلع المثقف العراقي لاول مرة على مؤلفات موسوعية عن طريق بلاد الشام منها على سبيل المثال " دائرة المعارف" لبطرس البستاني ، كما ان عدداً من المؤلفات العراقية طبعت في بلاد الشام ([xv]).

       لقد كان التطور الطباعي والصحفي وانتشار المطبوعات المختلفة يمثل تطوراً  ملموساً في الميدان الثقافي في المشرق العربي ([xvi])وبوساطة المطبوعات وصلت الولايات العربية آراء وافكار غربية عصرية عن التطور والنمو من أجل البقاء والبقاء للاصلح وغيرها من الافكار التي لم يألفها مجتمع المشرق العربي([xvii]).

   وهكذا وجدت مطبوعات الشام طريقها الى العراق واسواقه منذ اواخر القرن التاسع عشر,وكانت تلك المطبوعات تتضمن قراءة افكار لم يكن يعرفها العراقيون من قبل ,ففي عام 1876م وصل الجزء الاول من موسوعة بطرس البستاني الموسومة "دائرة المعارف"([xviii])                                                فقد ناشد بطرس البستاني من خلال مؤلفاته تلك والمؤلفات الاخرى مختلف ابناء الوطن من منطلق القناعة بعدم المزج بين الامور الدينية والامور السياسية والمدنية ، مميزا بين التدين الصحيح والتعصب المذهبي الذي (ينشأ عن قلة الديانة) وطالب مختلف ابناء الوطن نسيان الماضي والتوجه معا الى المستقبل (كأعضاء عائلة واحدة ابوها الوطن وامها الارض وخالقها واحد هو الله وجميع اعضائها من طين واحد وقد تساووا في المصير الى مآل واحد [xix].

كما ارسل احمد حسن طبارة نسخاً من كتابيه "تفصيل النشأتين"و"الفوز الاصغر" الى بغداد, حيث كان لتلك المطبوعات دوره في اشعال ثورة ثقافية جديدة من نوعها في البلاد وهذا مادلت عليه كتابات واستشهادات العديد من ابناء النخبة االمثقفة العراقية([xx]).

الصحافة الشامية من جهتها تؤلف واحدة من اهم قنوات التاثير الثقافي على العراق,فلقد وجدت العيد من الصحف الشامية التي صدرت اواخر القرن التاسع عشر طريقها الى العراق ابتداءاً من صحيفتي"الجنان"و"النخلة" عام 1870م وصحيفتي "الجنة"و"البشير". كان بطرس البستاني كذلك قد انشأ مجلة (الجنان) وحررها بين عام 1870 وعام 1886 مصدرا اياها بشعار (حب الوطن من الايمان) وكان غايتها نشر المعارف العمومية من علمية وادبية وتاريخية . وكان في ما كتب ودرس قد شدد على التعليم باللغة العربية كي (لا تصبح سورية بابل لغات كما هي بابل اديان) [xxi]،

فقد حملت مجلة الجنان في طيالتها العديد من القضايا والامور التي ترد لاول مرة ذهن المثقف العراقي كأحداث الثورة الفرنسية وشعاراتها وقدمت وصفا كاملاً عن حقوق الانسان في العالم المتمدن([xxii]).

كما تحولت صحيفة "المقتطف"البيروتية التي صدرت عام 1876م الى اهم رافد غذى ذهن النخبة المثقفة العراقية بشهادة العيد من ابناء تلك الفئة.لاسيما النخبة المثقفة النجفية التي وجدت صفحات المجلة ومقالاتها مكانا رحبا حيث رفوف مكتبات العديد من مثقفي المدينة([xxiii]).

وكان من نتائج انتشار هذا الوعي القومي التحديثي ان تأسست جمعيات سرية ومجلات ونشرات وطنية ، مما جعل السلطة العثمانية تنتبه للأمر فانتهجت مزيدا من القمع الذي أدى الى هجرة عدد من هؤلاء المفكرين الى مصر . وكان من بين هؤلاء يعقوب صروف وفارس نمر اللذان انتقلا بمجلتهما العلمية (المقتطف) الى مصر [xxiv]. وحتى بعد الانتقال الى مصر استمرت اعداد المجلة ترد تباعا الى الاسواق العراقية([xxv]).

مجلة المشرق البيروتية وجدت مكانها بين الصحف العربية التي كانت تصل الى العراق ابان تلك الحقبة التاريخية,فقد\ وصلت اعدادها الاولى منذ عام 1898م وكان اقبال الناس عليها متزايداً على الرغم من ارتفاع سعر النسخة الواحدة منها قياسا بالقدرة الشرائية لمثقف العراقي انذاك([xxvi]).

ومنذ مرحلة مبكرة من صدورها وصلت حتى الصحف الرسمية التي كانت تصدر في سوريا كصحيفة"سوريا" وصحيفة"فرات"الحلبية عام 1869م وكلتاهما على غرار صحيفة الزوراء العراقية التي اصدرها مدحت باشا انذاك([xxvii])

 

 

 

(2[i]) عربية توفيق لازم،حركة التطور والتجديد في الشعر العراقي الحديث منذ 1870وحتى قيام الحرب العالمية الثانية، (بغداد: مطبعة الإيمان ،1971) ، ص42. ([ii]) يوسف عز الدين ، الشعر العراقي واثر التيارات السياسية والاجتماعية فيه ، (القاهرة : الدار القومية للطباعة والنشر ، 1965) ، ص19 . ([iii])محمد عزة دروزة ، نشأة الحركة العربية الحديثة ، ط2 ، (صيدا : مطبعة العرفان ، 1971) ، ص131 ؛ رسول نصيف جاسم الشمرتي ، مجلة الاعتدال النجفية 1933 – 1948 دراسة  تاريخية ، رسالة ماجستير ، (جامعة الكوفة : كلية الآداب ، 2005) ، ص5 .

([iv]) نقلاً عن : عدي محمد كاظم السبتي,الملا كاظم الاخوند,رسالة ماجستير,(جامعة الكوفة:كلية الاداب, 2007),ص55

([v])     للتفاصيل عن  العلاقات الثقافية بين العراق ومصر وبلاد الشام يراجع: عبد الرزاق عبد الرزاق احمد النصيري,دور المجددين في الحركة الفكرية والسياسية في العراق 1908-1932,اطروحة دكتوراه,(جامعة بغداد:كلية الاداب,1990)، ص 37ـ69 ([vi])     انستاس ماري الكرملي : ولد في بغداد عام 1866، وانم دراسته الابتدائية والثانوية فيها، وفي عام 1886 غادر الى بيروت فدرس في كلية القديس يوسف ، وغادر بعدها الى بلجيكا وانتمى هناك الى الرهبانية الكرملية ، ثم سافر الى فرنسا للدراسات اللاهوتية= =والفلسفة ، وفي طريق عودته الى بغداد زار اسبانيا ، وتوفي في بغداد، من اهم آثاره مجلة لغة العرب ، ومعجمه المساعد ، وكتابه النقود العربية وعلم النميات ، فضلاً عن الكثير من المطبوعات والمخطوطات . خير الدين الزركلي ،الاعلام ، ج1، ص 366 ([vii])     محمود شكري الآلوسي (1856ـ1924) : ولد في جانب الرصافة ببغداد، واخذ العلوم عن ابيه وعمه، وتصدر التدريس في بعض الجوامع ، واصبح عضواً في مجلس المعارف في بداية تأسيس الحكومة العراقية ، توفي في بغداد، له اثنتان وخمسون مصنفاً بين كتاب ورسالة منها" بلوغ الارب في احوال العرب" ثلاثة اجزاء و" اخبار بغداد وما جاورها من البلاد" مخطوط اربع مجلدات و" مساجد بغداد" و" تاريخ نجد" وغيرها . خير الدين الزركلي ، المصدر السابق، ج8، ص 49ـ50 ([viii])     ابراهيم بن صبغة الله الحيدري (1830ـ1881) بغدادي المولد والنشأة والوفاة ، كردي الاصل، أديب، تولى نيابة القضاء في بغداد، والف كتاب " عنوان المجد في احوال بغداد والبصرة ونجد" و" اصول الخيل والابل الجيدة والردية" و" اعلى الرتبة في شرح النخبة " في الحديث و" امعان الطلاب في الاسطرلاب". باقر امين الورد، اعلام العراق الحديث 1869ـ1969 ، ج1، بغداد، 1977، ص 42. ([ix])     للتفاصيل عن المؤرخين العراقيين يراجع: عماد عبد السلام رؤوف ، التاريخ والمؤرخون العراقيون . ([x])محمد جبار ابراهيم,المصدر السابق,67 ([xi])فيليب ويلارد ايرلاند ، العراق . دراسة في تطوره السياسي ، ترجمة جعفر الخياط ، ( بيروت:دار الكشاف ، 1949) ، ص173 .

([xii]) بيداء علاوي شمخي جبر الشويلي,يوسف غنيمة حياته-نشاطه1885-1950,رسالة ماجستير,(جامعة بغداد:كلية التربية-ابن رشد,2003).

([xiii])مجلة المقتطف، مجلد7، ج8، تشرين الثاني 1881، ص 465. ([xiv]) ناصيف اليازجي (1800ـ1871) ولد في قرية كفر شيما في لبنان وتعلم القراءة ونشأ محباً للشعر، فنظمه وهو في العاشرة من عمره ، وعمل في المطبعة المخلصية في بيروت يصحح المطبوعات لغوياً، وله دور في تأسيس " الجمعية العلمية السورية" من آثاره ثلاثة دواوين للشعر، وله مقالات نشرت في الصحف، ومؤلفات عديدة ابرزها"مجمع البحرين " و" مجموع الادب في فنون العرب" وعدد من الكتب ذاع انتشارها بين المدرسين والطلبة لاسيما في اللغة والنحو والبلاغة والمنطق. خير الدين الزركلي ، المصدر السابق، ج8، ص 314 جورج انطونيوس ، يقظة العرب ، ص 109ـ111 ([xv])     عبد الرزاق احمد النصيري، المصدر السابق، ص 43ـ44. ([xvi])     جمال الدين الشيال، التاريخ والمؤرخون في مصر في القرن التاسع عشر ، القاهرة، 1958، ص 204. ([xvii])     محمد عصفور سلمان الاموي،المصدر السابق, ص 308

([xviii]) المصدر نفسه,ص43

[xix]ناصيف نصار, نحو مجتمع جديد- مقدمات اساسية في نقد المجتمع الطائفي,(بيروت :دار النهار,1970),ط3,ص24.

([xx]) للتفاصيل ينظر: عبد الرزاق احمد النصيري,المصدر السابق,ص 43

[xxi]ناصيف نصار,المصدر السابق,ص28.

([xxii]) للمزيد ينظر:عبد الرزاق احمد النصيري,المصدر السابق,ص 47-48.

([xxiii]) المصدر نفسه,ص50

[xxiv]وليد خالد احمد حسن,المصدر السابق,ص33

([xxv]) عبد الرزاق احمد النصيري,المصدر السابق,ص51.

([xxvi]) المصدر نفسه,ص53.

([xxvii]) المصدر نفسه,ص55

 

 

  الدكتور احمد شاكر العلاق - جامعة الكوفة - كلية الاداب - قسم التاريخ

 

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق