]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الدعاية البريطانية ضد الدولة العثمانية 1917-1918 - الدكتور محمد رفعت الإمام

بواسطة: عطا درغام  |  بتاريخ: 2016-09-19 ، الوقت: 21:18:23
  • تقييم المقالة:

تَعد الدعاية عموما والدعاية السياسية خصوصا بمثابة قوة فاعلة زمن السلم وقوة مؤثرة زمن الحرب. ومنذ اختراع الطباعة وتداعياتها ، غدت الدعاية السياسية جزءاً لا يتجزأ من منظومة الحكم . وقد اتسمت دائما وأبدا بكونها ذات خاصية إنسانية واجتماعية. ولما كان جل مبتغي الدعاية توجيه المرء إلي اعتناق أيديولوجية بذاتها ، فإن الرأي العام يمثل عمودها الفقري. وفي هذا الصدد وعت الأنظمة الحاكمة المختلفة مدي القوة السحرية للرأي العام.

ومنذ أواخر القرن التاسع عشر ، تبوأت الدعاية مكانتها المحورية في الأنظمة الحاكمة  مستعين في إنجاز مهامها بمستحدثات العصر من طباعة وفوتوغرافيا ووسائل مواصلات واتصالات. بيد أنها قد ارتادت سبيل التضليل والتزوير وقلب الحقائق وتشويهها لتوجيه الرأي العام فيما تمخض عنه احتقان الأجواء الدولية واندلاع الحروب واقتراف مذابح البشر.

ورغم هذا ظلت عملية الدعاية رهينة التجريب حتي نشوب الحرب العالمية الأولي (1914-1918) التي أسهمت في إنضاج نظرية الدعاية وهياكلها التنظيمية.وإبان هذه الحرب ، أنشأت دول الوفاق ( بريطانيا وفرنسا وروسيا) وكتلة الوسط (ألمانيا والنمسا- المجر والدولة العثمانية) أجهزة للدعاية ممنهجة لتوجيه الرأي العام والتأثير عليه إيجابا وسلبا سواء داخلها أو في دول الحلفاء والمحايدة والأعداء علي السواء؛إذ أن الدعاية قد أمست جيشا معنويا فاعلا في خط متواز مع القوة العسكرية

وفي بريطانيا ، بلغ جهاز الدعاية أوجه عند منتصف الحرب العالمية الأولي ، وتفوق علي نظرائه بإجادته شن الحرب النفسية ضد الأعداء.  ومنذ بداية الحرب في أغسطس 1914 ، اعتمدت الإدارة البريطانية في دعايتها علي الأفراد والمؤسسات الخاصة والجمعيات والاتحادات. ولكن مع اتساع دوائر الدعاية وتكثيفها ، أنشأت بريطانيا "مكتب دعاية الحرب" في عام 1916 ، وصار بمثابة الإدارة الرسمية الوحيدة المنوط بها الدعاية البريطانية في الخارج ، وحلت تدريجيا محل المنظمات الخاصة والأفراد.

وقتذاك ، ركزت بريطانيا وسائل دعايتها علي طبع الكتب ومختلف المنشورات المصَورة والكاريكاتور والصور وتوزيعها علي مراكز دعايتها المنتشرة علي امتداد المعمورة. ورغم أهمية الصحافة وتأثيراتها كسلطة رابعة ، فقد تبوأ الكتاب مقعده المتقدم في وسائل الدعاية؛ إذ يبقي سجلا منشورا يستلهم منه القراء الوحي ، ويستقون العقائد والمبادئ. ولذا حرصت الإدارة البريطانية في هذه المرحلة علي أن تنتهج دروب الدعاية السياسية انطلاقا من وقائع موثقة حتي تؤتي أكلها بامتياز.وحتي نهاية عام 1916 ، كانت الدعاية البريطانية مكثفة علي ألمانيا والنسا – المجر فقط من دول كتلة الوسط. وفي مطلع عام 1917 ، صدر في القاهرة كتاب "المذابح في أرمينيا " باللغة العربية . من تأليف فايز الغصين (1883-1968) الموظف العثماني العربي السوري الهارب آنذاك إلي بومباي بالهند. ولكنه نجح في تهريب مسودة الكتاب مع تاجر هندي ونشره في طبعة محدودة بالقاهرة . عندئذ، التقطته وزارة الجرب البريطانية ، واعتبرته وثيقة مهمة ضد الدولة العثمانية.

وقد ابتغت بريطانيا من دعايتها ضد الدولة العثمانية " المسلمة" تأليب الرأي العام " المسيحي " ضدها لا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية بغية الضغط عليها لخوض غمار الحرب بجوار دول الوفاق في توقيت شهد تفوقا ألمانيا كاسحا . وفي عين اللحظة ، تهيئة الرأي العام لا سيما الإسلامي علي امتداد العالم لاستقبال وقبول فكرة إسقاط الدولة العثمانية وتفكيكها .

ولذا ، فإن الدراسة تُركز علي كيفية استثمار الإدارة البريطانية " وثيقة الغصين" في الدعاية السياسية ضد الدولة العثمانية ، والآليات التي مرت بها لتوظيفها في التأثير علي الرأي العام خارج بريطانيا.

وقد اعتمدت الدراسة بشكل أساسي علي الوثائق البريطانية غير المنشورة المتبادلة بين وزارتي الحرب والخارجية البريطانيتين وإدارة " بيت ولنجتون" المنوط به الدعاية البريطانية في الخارج.

وكذا ، ، علي النص العربي لكتاب " المذابح في أرمينيا " للغصين وترجمته الإنجليزية.كما استندت الدراسة علي طائفة من الصحف البريطانية والأمريكية والكندية التي كانت بمثابة أبواق الدعاية لصالح بريطانيا ضد أعدائها وبالذات ضد الدولة العثمانية.

بذل ثالوث  الهيئات البريطانية (  الحرب  والخارجية  وولينجتون هاوس) جهودا حثيثة لترجمة كتيب الغصين عن " المذابح في أرمينه " للإنجليزية وإعادة نشره بلغته العربية علي نطاق واسع ليكون بمثابة دعاية ضد الدولة العثمانية.

.........................

لماذا اهتمت الإدارة البريطانية بكل ثقلها وأجهزتها السيادية بكتيب صدر باللغة العربية في طبعة محدودة بالقاهرة؟

أجمعت آراء الخبراء والمسئولين البريطانيين علي أن كتيب الغصين ، ضم بين دفتيه أدلة مباشرة علي أن المذابح في أرمينيا قد أقتَرفت بناء علي أوامر من السلطات العثمانية، وهو ما يعني ببساطة أن الإدارة البريطانية ومن سار علي دربها ، لم تكن لديهم حتي صدور الطبعة الاولي في شتاء 1917 أدلة علي أن ما جري للأرمن في الفضاء العثماني كان مبنيا علي قرارات رسمية .

وتغوص الدراسة في استعراض وقائع وفظائع   وانتهاكات متنوعة ومتباينة اقترفها الأتراك والأكراد بحق الأرمن  أوردها الغصين في كتيبه

أثبتت الوثائق البريطانية المتبادلة بين ثالوث وزارتي الحرب والخارجية وإدارة ولنجتون هاوس بارتفاع درجات المصداقية في نص الغصين ؛ إ إنه احتوي علي أدلة مباشرة لوقائع شاهدها بعينيه في آحايين كثيرة . ورغم هذا ، قللت الإدارة البريطانية من مصداقية حينما نقل الروايات عن آخرين.

......................

عند هذا الحد ، ثمة سؤال جد مهم يفرض نفسه هنا  عن أية صورة أنتجتها بريطانيا وحلفاؤها  وأصدقاؤهما عما جري للأرمن وغيرهم في الفضاء العثماني بين عامي 1914-1916 ؟ وبصيغة، ماهي الصورة التي رسمتها الصحافة البريطانية والأمريكية عن المسألة الأرمنية قبل ظهور عمل الغصين عن المذابح في أرمينية

...................

افتقرت الأخبار والمقالات والتحليلات الصحفية التي تتعلق بإبادة الأرمن إلي المعل الدقيقة . ومن ثم  خرجت مبتورة ومشوهة ومقلوبة أحيانا . واعتمدت الصحافة علي تسريبات الجواسيس وشهادات المبشرين لا سيما البروتستانت ومشاهدات وانطباعات مغادري الدولة العثمانية إلي أوربا وأمريكا .

وهناك حقيقة جد مهمة وهي أن الصحافة البريطانية والأمريكية والكندية قد استندت في تكوين صورتها عما جري للأرمن وغيرهم في الدولة العثمانية إلي مصادر مجهولة أو تخمينية ، وإلي شهادات لم تذكر أسماء رواتها ، وإلي شهادات الإرسالين لا سيما البروتستانت المنتشرين في الأقاليم العثمانية.

ومع هذا ، فرغم أن بعضا من نصوص هذه الجرائد قد اتفقت مع محتويات عمل الغصين في بعض  الجزئيات والكليات ، فقد تفوق  النص الغصيني عليها جميعا في كونه امتلك شهادات مباشرة وأدلة قاطعة.

اختزلت الصحافة البريطانية والأمريكية والكندية المسألة الأرمنية للقاعدة العريضة من الجماهير المسيحية علي أنها نتاج لتعصب الإسلام ضد المسيحية .

وتطرح الدراسة تساؤلا : لماذ كتب الغصين عمله عن المذابح في أرمينيا في ذروة اندلاع الحرب العالمية الأولي؟

يتضح أن سدرة منتهي الغصين من تدوينه لما جري للأرمن وغيرهم من مسيحي الدولة العثمانية علي أيدي نظام " الاتحاد والترقي " الحاكم هو تبرئة الإسلام من دم المسيحيين . بيد أن الإدارة البريطانية لم تلتفت إطلاقا إلي هذا الهدف، وكثفت اهتمامها بالكتاب علي زاوية أحادية فقط مؤداها أن المذابح قد اقترفت بناءً علي أوامر رسمية من الحكومة العثمانية. ليس هذا فحسب ، بل إنها ركزت فقط علي الغصين بوصفه موظفا عثمانيا ، ولم تهتم بهويته العربية الإسلامية.

وكذا يُلاحظ أن الإدارة البريطانية تكاد تكون قد عتَمت في دعايتها علي مؤلف العمل، وأوصت الأجهزة المنوطة بها التجييش الدعائي عدم ذكر أية معلومات عن الغصين عدا كونه بدويا من أعيان دمشق.

ورغم مقدرة الأجهزة البريطانية علي استجماع معلومات وفيرة عن الغصين، إلا أنها آثرت تخفيت الضوء عليه جدا في دعايتها ضد الدولة العثمانية.

.....................

من منظور عشائري ، لا تبتغي الإدارة البريطانية تكثيف الأضواء عليه مما يفقدها تعاون خصوم عشيرته. ومن زاوية عربية ، خشيت الإدارة البريطانية تجريح شهادة الغصين وصبها في قالب صراع القوميتين  العربية والطورانية. وكذا ، عدم الإفراط في حيادية العرب لا سيما وان توزيع الكتاب قد امتد في أوساط يهودية في الأمريكتين وغيرها مما يصطدم مع تصريح بالفور لليهود في 2 نوفمبر 1917

ومن رؤية دينية ، حرصت الإدارة البريطانية علي استمرارية تكريس الصورة النمطية المختلفة عن صراع إسلام دموي بربري وحشي ضد مسيحية سمحة متحضرة راقية.

وبذا ، سارت بريطانيا في تعاملها مع وثيقة الغصين علي الطريق المعاكس تماما لغاية الرجل من تدوين ما ارتكبه الاتحاديون زمن الحرب العالمية الأولي ضد الأرمن والسريان والكلدان والأروام وقبلهم العرب سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين.

وبذا ، نجحت الدعاية البريطانية عبر العالم في استدراج الولايات المتحدة الأمريكية إلي الخروج من شرنقة العزلة والاشتراك في أتون الحرب بجانب دول الوفاق . وكذا ، نجحت في تخمير التربة لاستقبال وتقبل إسقاط الخلافة الإسلامية وتفكيكها.

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق