]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مأساة شيخ مبدع

بواسطة: حفيظ بوبا  |  بتاريخ: 2016-09-17 ، الوقت: 13:23:46
  • تقييم المقالة:
في اﻷيام اﻷولى من أيام نقاهتي كنت أتردد مساء كل يوم على حديقة طلبا للراحة والهدوء تحت ظلال اﻷشجار . وبينما أنا جالس ذات يوم فوق مقعد رأيت شيخا مسنا يمر من أمامي وهو يعرج، ثم سقط سقطة مروعة صدمتني وصدمت كل الزوار، فسارعت إليه وحملته إلي الكرسي وطلبت من امرأة قنينة ماء وضعت القليل منه في يدي لأمسح وجهه المفعم بخطوط التجاعيد التي خلفها الزمن . وعد هنيهة أفاق قليلا وسألني من أكون، فأجبت على سؤاله وقلت بدوري متسائلا : - لقد مررت من هنا وسقطت على اﻷرض . فهل تعاني من شيء ؟ وهل ترغب في أن أستدعي سيارة إسعاف تقلك إلى المستشفى ؟ قال لي بامتنان : - إنني بألف خير يا بني ولا أشكو من شيء . فلا تقلق علي . أرغب فقط في أن تذهب بي إلى بيتي إن استطعت وسأكون لك من الشاكرين . قلت: - لك ما تريد يا سيدي ! فهذا أقل ما يمكنني فعله . فهل بيتك بعيد عن هذا المكان ؟ قال : - كلا إنه قريب . وحينئذ أمسكت بيده وسرنا قرابة نصف ساعة دخلنا أثناءها في أزقة ضيقة أفضت بنا إلى بيت بائس كان بيت الشيخ . فسألته : - هل لك أولاد ؟ أجابني باقتضاب : - نعم  - من المؤكد أنهم سيعتنون بك ويسهرون على راحتك . لم يجب واكتفى بأن أخرج مفتاحا على حوافه صدأ . ثم قال بلطف : - افتح يا بني ! ولما فتحته سرت به إلى الداخل وأجلسته على حصير بغرفته وتبين لي أن لا أحد في الدار ، فاضطررت لطرح أسئلة أخرى عليه : - هل خرجوا لقضاء أغراض ما يا ترى ؟ - لا يا بني . ثم سكت طويلا واستأنف : - في الواقع إنني لم أرهم منذ سنوات خلت . - لماذا ؟ - سافروا إلى بلاد اﻹفرنج منذ زمن وتفرقوا فيها . نظرت إلى وجهه وهو يتحدث، فتملكني حزن حياله . وسألته إن كان قد عاملهم بمكروه أو ضرهم بخذلان حتى أقدموا على فعلهم هذا فقال بصوت كئيب : - سوف أحكي لك قصتي يا أيها الفتى وآمل أن تجد فيها حكمة تفيدك في حياتك . لقد ولدت في البادية ونشأت يتيما محروما فتكفل بتربيتي عم جزاه الله عني كل خير وإحسان . فعملت في أرضه في البداية حتى شاء الله لي أن أدرس فدرست وارتقيت في مراتب العلم وحصلت على اﻹجازة من الجامعة، ومع ذلك لم أجن إلا الهباء فتحولت إلى التجارة وبها يسر الله لي كسب قوت وبناء أسرة وسداد واجبات . وبعدما أوصلت أبنائي إلى مراتب عليا هاجروا وتركوني هنا متشردا ليس لي غير الذكرى والأمل . سوف أصرخ حتى يسمعني الله ويرحم ضعفي . لأن كل شيء وضع من أجلي .. المأوى من أجلي . القوت من أجلي . اﻻعتراف من أجلي . الإحسان والقوانين والحقوق كلها من أجلي .. لماذا لا يحضرون ؟ أين هم ؟ آه أبنائي أينكم؟ ماذا فعلت لكم حتى أنال هذا الجزاء ؟  نظرت إلى عينيه المخضلتين بالدموع فرثيت له ومسحتهما ، ولما مضى وقت طويل حملقت في أنحاء غرفته فرأيت رفوفا وضعت فيها كتب ومخطوطات ، فلما لاحظني أنظر إليها قال لي : - إنها كنزي المتبقي . قلت : - وما أعظمه من كنز يا سيدي ! ثم وقفت واقتربت منها متعقبا العناوين ، فادهشتني رؤية بعض اﻷوراق القديمة التي تفحصتها فلاحظت أنها تتضمن نفسا سرديا يشي بالإمتاع ، وطلبت منه أن يعيرني إياها . فقال : - خذها ! إنها محض محاولة قديمة في كتابة رواية فاشلة . بعد مرور أسبوع تقريبا كنت قد أتممتها فحرصت على إعادتها .. فسرت إليه وفي نفسي عتاب عليه لأنه لم يحاول نشرها لنشهد بزوغه ككاتب مغربي يستحق التقدير . ولما طرقت الباب لم يجبني أحد حتى فاجأني جار له قال لي بصوت أجش بأن الشيخ قد مات .
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق