]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

"رشيد فارس": العبدُ المحترف

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2016-09-15 ، الوقت: 15:14:34
  • تقييم المقالة:

 

 

كنتُ واقفاً حين مرَّتْ أمامي سيَّارةٌ فارهةٌ، يقودُها شابٌّ مستهترٌ، وبجانبه شابٌ آخر، قد وضع رجْلَهُ بوقاحةٍ فوق مقدمة السيارة، وبيده "نارجيلة" يمتصُّ منها رحيقاً مُحْترقاً، يُخدِّرُهُ ولا يُطهِّرُهُ...

امتعضْتُ من المشهدِ، واحتقرْتُ الشابيْنِ...

ثم تراءى لي وجْهُكَ، يا صديقي، واستحضرتُ صُورَكَ المختلفة، في مِهَنِكَ المختلفةِ، فانشرح صدري، وذهب عني الانقباضُ والسخْطُ.

ورُحْتُ أفكِّرُ فيكَ تفكيراً عميقاً، وقلتُ:

ـ ما أهْنأَ صديقي في عيْشِهِ!

وما أجملَهُ بين أقرانه من الشباب!!

بل هو خيرٌ من ذانك الشابين المُتْرفيْنِ الفارغيْنِ!!!

هو فرْدٌ في المجتمع يعيشُ حياتَهُ بشرفٍ، ويقضي حياةً غنيَّةً، وليس غنيّاً يقضي حياةً فقيرةً!

يُجرِّبُ حظَّهُ في الحِرَفِ المختلفةِ، ويمْتَهِنُ أعمالاً متنوِّعَةً، ويمُرُّ بجميع الفئات والطبقات في المجتمع، ويُخالِطُ أنواعَ الناسِ، ويُضيفُ إلى حياته الواحدةٍ حيواتٍ متعدِّدَةً؛ إذْ يكتسِبُ من الخبرات والتجارب والمهارات ما لا يكتسبُهُ غيرُهُ من الخاملين والمتبطِّلين، ويملأُ فؤادَهُ بالشعورِ القوي، والتحليل الذكي، والمسؤولية التي تنْصعُ فوق جبينِهِ، كلؤلؤةٍ داخل محارٍ في جوفِ البحْرِ.

فأنتَ يا صديقي في بحْرِ الحياةِ كمثْلِ ذلك الفرد الذي وصفَهُ "المنفلوطي" في إحدى نظراتِهِ«يُصارعُ العيشَ ويُغالبُهُ، ويُزاحمُ العاملين بمنْكِبيْهِ، ويفكِّرُ، ويتروَّى، ويُجرِّبُ، ويختبرُ، ويُقارنُ الأمورَ بأشباهِها ونظائرِها، ويستنتِجُ نتائجَ الأشياءِ من مقدِّماتِها، ويعْثُرُ مرَّةً، وينهضُ أخرى، ويُخطئ حيناً، ويُصيبُ أحياناً. فمنْ لا يُخطئُ لا يُصيبُ. ومنْ لا يعْثُرُ لا ينهضُ حتى تستقيمَ له شؤونُ حياتِه».

وأكيد، أن شؤونَ حياتِكَ ستستقيمُ، والاستقامةُ لا تكونُ بالضرورة عن طريق المال والثروةِ؛ فكمْ من أصحاب مالٍ وثروةٍ يعيشون حياةً فارغةً مُملَّةً مُعْوجَّةً، ويحيدون عن الصراط المستقيم، ويسيرون مُخدَّرين فارغين جاهلين، وما ذانك الشابان اللذان بدأتُ بهما هذا الحديث إلا مثالٌ على ذلك.

إنَّ حياتَكَ ستستقيمُ؛ لأنكَ تعملُ؛ والعملُ هو عنوانُ الرجولة، وهو سبيلُ النجاح الشريف.. ولأنك تتألمُ؛ والألمُ هو «معنى الإنسانية، وروحُها، وجوْهرُها»، كما قال "المنفلوطي".

وعن طريق العمل والألم تستطيعُ أن تعرفَ ما لن يعرفه القاعدون والمتبطِّرون، وتكسب أفكاراً ومشاعر وخبراتٍ.. وبعقلك تقيسُ الأشياء بمقاييسها الصحيحة، وتحكم على الظواهر والخلْقِ أحكاماً مناسبةً، وتُدْركُ الفروقَ والأضداد والأسرار والصواب والخطأ، وتكون صلتُك بالناس قريبةً، وعاطفتك نحوهم قويَّةً، تشعر بآلامهم ومصائبهم، وتحْنو عليهم في نكباتهم ومِحَنِهم، وقد رأيتُك أكثر من مرة تقف إلى جانبهم في بأسائهم ومضرَّاتهم، وتدافع عنهم كما تدافع عن نفسكَ.

وأزيدُكَ، فربما تصبحُ من نوابغ زمنك، ومعلَّمي جيلك، وأدباء عصرك، وأنتَ تعالجُ الشعر بخاصَّةٍ، فـ «ما انفجرت ينابيعُ الخيالات الشعرية، والتصورات الفنية، إلاَّ من صُدوع القلوب الكسيرة، والأفئدة الحزينة...».

ولا ينتبْكَ أيُّ حزن قاتلٍ يا صديقي، ولا تشعر بأي هوانٍ أو صغارٍ، بل ارفعْ رأسك عالياً، واشمخْ بأنفك وذراعك، وامشِ بين أقرانك بفخْرٍ واعتدادٍ؛ فخطواتك في الحياة خطوات الرجال الشجعان، وعملُكَ عمل الأبطال المجاهدين، وكل حِرفة تحترفُها، أو مهنةٍ تمتهِنُها، هي لَبِنَةٌ في بنيان حياتك المجيدة، وهي أساسٌ من أسس تكوين شخصيتك الناجحة والغنية، بإذن الله.

وكيف لا، ونبيُّنا الكريم قال عن مثْلِ يدك: «هذه يدٌ يُحبُّها اللهُ ورسولُهُ»؟!

وقال أيضاً: «إنَّ اللهَ يحبُّ العبدَ المحترف»..

أرأيت يا صديقي ما تنعم به من حبٍّ لا يعدله أيُّ حبٍّ يطمح إليه عبدٌ؟!

فاهدأْ يا "رشيد"، واهنأْ يا "فارس" بمعيشتك المحترفة.

صديقك الذي يغبطك: الخضر الورياشي.


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق