]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الراوي العليم في القرآن الكريم

بواسطة: إيمان مكاوي  |  بتاريخ: 2016-09-09 ، الوقت: 12:33:41
  • تقييم المقالة:

نستكمل هنا ما بدأناه من استكشاف لفنون الأدب في القرآن الكريم .

وسنتحدث اليوم عن نوع من الرواة في أدب الرواية هو الراوي العليم.

الراوي العليم أو المحايد كما يسميه بعض النقاد فهو الراوي الذي يروي الحدث وهو خارج نطاق القصة وأحداثها و يعرف هذا الراوي كل شيء عن الشخصيات, فيرصد لنا حركاتها و سكناتها و أفكارها و هواجسها ثم ينقلها لنا .

 و الراوي العليم محايد لا علاقة له بالأشخاص ولا بالأحداث و إنما يكتفي بالنقل و التفسير,و قد ينهي الحكاية بالوعظ و إصدار الأحكام, ويقوم بتلقين القارئ كل ما يحتاجه لإتمام عملية الفهم.

وقد جاءت أهمية الراوي من كونه الأداة الفنية التي تقدمها للمتلقي ليتلقى عملية السرد , وبقدر ما يكون الراوي خبيرا ويملك أدواته وقادرا على اجتذاب القاريء بقدر ما يستمتع القارئ أو المتلقي بالسرد وتصله الفكرة بسلاسة ويُسر.

والراوي هنا يكون أشبه بمن يقف خلف الكاميرا بزاوية معينة لينقل صورة بانورامية عن الحدث , سواء في قصة قصيرة أو رواية طويلة أو أي نوع من أنواع الأدب .

فحكاياتنا الشعبية كانت تروى قديما على لسان الراوي العليم كالسيرة الهلالية وغيرها .

وكذلك حكايات أمي وجدتي ,كان الراوي العليم يلعب فيها دورا كبيرا ,وكلها تبدأ بكلمة ( يقول الراوي ) .

كذلك روايات نجيب محفوظ :زقاق المدق (1947)، أولاد حارتنا (1959)، ميرامار (1967)، المرايا (1972).

لعب الراوي العليم فيها دور كبير في الانحياز إلى عالم الفقراء والمهمشين,الانحياز الواضح لمبدأ العدالة الإنسانية والكراهية لكل أشكال الظلم والقهر في العالم.

وإذا نظرنا للقرآن الكريم وتحديدا في قصة أصحاب الكهف .

قال الله تعالى: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا (9) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ) (10)إلى قوله تعالى : ( قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا )(26)

 نجد أن الراوي هو الله عزوجل ,وأنه راوي عليم , عليم بكل الأحداث ومجرياتها , الأحداث التي لم يعلم عنها شيء على وجه البصيرة سوى الله عز وجل.

حيث أخبرنا أنه في زمان ومكان غير معروفين لنا الآن، كانت توجد قرية مشركة. ضل ملكها وأهلها عن الطريق المستقيم، وعبدوا مع الله مالا يضرهم ولا ينفعهم.

في هذه المجتمع الفاسد، ظهرت مجموعة من الشباب العقلاء. ثلة قليلة حكّمت عقلها، ورفضت السجود لغير خالقها، فتية، آمنوا بالله، فثبتهم وزاد في هداهم , وألهمهم طريق الرشاد.

عزم الفتية على الخروج من القرية، والتوجه لكهف مهجور ليكون ملاذا لهم. خرجوا ومعهم كلبهم من المدينة الواسعة، للكهف الضيق.

إن هذا ليس بغريب على من ملأ الإيمان قلبه. فالمؤمن يرى الصحراء روضة إن أحس أن الله معه. ويرى الكهف قصرا، إن اختار الله له الكهف.

استلقى الفتية في الكهف، وجلس كلبهم على باب الكهف يحرسه. وهنا حدثت معجزة إلاهية. لقد نام الفتية ثلاثمئة وتسع سنوات.

بعد هذه المئين الثلاث،استيقضوا من سباتهم الطويل، فتساءلوا: كم لبثنا؟! فأجاب بعضهم: لبثنا يوما أو بعض يوم.

فأخرجوا النقود التي كانت معهم، ثم طلبوا من أحدهم أن يذهب خلسة للمدينة، وأن يشتري طعاما طيبا بهذه النقود، ثم يعود إليهم برفق حتى لا يشعر به أحد.

خرج الرجل المؤمن متوجها للقرية، إلا أنها لم تكن كعهده بها. لقد تغيرت الأماكن والوجوه. تغيّرت البضائع والنقود. استغرب كيف يحدث كل هذا في يوم وليلة. وبالطبع، لم يكن عسيرا على أهل القرية أن يميزوا دهشة هذا الرجل. ولم يكن صبعا عليهم معرفة أنه غريب، من ثيابه التي يلبسها ونقوده التي يحملها.

لقد آمن المدينة التي خرج منها الفتية، وهلك الملك الظالم، وجاء مكانه رجل صالح. لقد فرح الناس بهؤلاء الفتية المؤمنين.

وبعدها ثبتت المعجزة، معجزة إحياء الأموات , واستيقنت قلوب أهل القرية قدرة الله سبحانه وتعالى على بعث من يموت، برؤية مثال واقي ملموس أمامهم. ولتتناقل الأجيال خبر هذه المعجزة جيلا بعد جيل.

وقد قسم المشتغلون بالأدب الراوي العليم لأنواع ,حيث يرى ليتش وشورت أن الراوي كلما اقترب من الشخصيات ابتعد عن المؤلف، وفي الوقت نفسه تتضاءل صورته ويختفي صوته، أَمّا إذا ظهر صوته فإنه قد اقترب من المؤلف وابتعد عن الشخصيات، وتبعًا لذلك يُقسّمان الأسلوب الذي يتبعه الراوي في تقديم القصة إلى أقسام هي: أسلوب التقرير السردي للأقوال والأفكار التي يقررها الكاتب، والأسلوب الحر المباشر الذي تترك فيه الشخصيات لتقديم نفسها بنفسها.

وفي قصة أصحاب الكهف أرى أن الأسلوب تقرير سردي لما حدث , بدون تدخل لشخصيات الحدث ,و في النهاية نحن نقف أمام حكمة الراوي من روايته وهي تقديم الدليل على فكرة البعث لكل مشكك وكافر به وبطريقة عملية ملموسة ,ما أروع المثال وما أروع الأدوات التي سيقت به .

والأمثلة في القرآن الكريم كثيرة للراوي العليم حيث روى الله - عز وجل - القصص والحكايا التي ساق من خلالها الحكم والمواعظ لبني البشر على مر العصور ,مثال :

قصة بقرة بني إسرائيل ,قال الله تعالى:(( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ )).

وفي قصة بقرة بني إسرائيل ,ترك الراوي المساحة لأبطال القصة ليكون الحوار على لسانهم , ولبيان تعنتهم ونقص عقولهم ,فنصل بأنفسنا إلى عدم جدوى الجدال فيماورد فيه نص صريح من الله عز وجل .

والأمثلة ذاخرة وكثيرة أراد الله عز وجل أن يعظنا ويعلمنا بأسلوب الحكايا والقص .

وإن كانت زاوية الراوي العليم الواقف وراء كاميرا الحياة تعكس لنا زاوية معينة أو يخاطب جزء معين من الناس ,فإن زاوية القرآن أعم وأشمل ولا تحتاج لكاميرا , فالكاميرا هنا عين الله التي لا تغفل ولاتنام ,والخطاب أعم وأشمل فهو لكل البشرية باختلاف ألوانهم وأجناسهم .

فلنقرأ مزيدا من قصص القرآن الكريم ,ولنكتشف جمال الراوي العليم .

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق