]]>
خواطر :
(مقولة لجد والدي، رحمه الله ) : إذا كان لابد من أن تنهشني الكلاب ( أكرمكم الله)...الأجدر أن اسلم نفسي فريسة للأسود ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

بوتين وأردوغان..سلامُ الخريفِ الأصفر!

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2016-08-27 ، الوقت: 12:33:32
  • تقييم المقالة:

بوتين وأردوغان..سلامُ الخريفِ الأصفر!

 

محمد الحداد/  العراق

في السياسة يمكن ببساطةٍ أن يلتقي جبلان..أن يتخاصمَ حليفان أو يتحالفَ خصمان من دون أن يُشكلَ ذلك أية غرابة..لا غرابة أيضاً أن حروباً طاحنة لا تحتاجُ سبباً منطقياً لاشتعالها..لكنها ومن دونِ منطقٍ أيضاً يمكنُ أن تأكلَ الأخضرَ واليابسَ لسنواتٍ طوال قبل أن توقفها ضغطة زرٍ سياسيّ أحمر بلحظةٍ تاريخيةٍ فارقة ..

في السياسة أيضاً.. يتوجبُ عليكَ أحياناً أن تغمضَ عينيكَ وأنتَ تفتح صفحة جديدة..ربما خجلاً أو هرباً من ماضٍ متورمٍ بالأحداث.. من زحمةِ ذاكرتهِ العنيدة التي لا تنسى أيّ شيء.. ماضٍ يُصرُّ أن يُذكّركَ بكل هفواتكَ القديمة وهو يضحكُ مِلء شدقيه..لكن طيَّ الماضي وفتح صفحة جديدة ربما يُعدُّ في أحيانٍ أخرى بطولة نادرة..ووحدهم العقلاءُ مَن يفعلون ذلك بمهارةٍ يفتقدها كثيرٌ من المقامرين بشعوبهم.

هل التقى القيصرُ الروسي فعلاً مع السلطان التركي في غرفةٍ واحدةٍ تحت قبةِ الكرملين الروسي؟ ما سرُّ كل هذا الضباب الغامض الذي يملأ سماءَ السياسةِ هذهِ الأيام؟ لماذا باتت الأحداث عابرةً لتخومِ المنطق؟ أيريدُ التاريخُ أن يسخرَ منا من جديد؟ هذا خصامٌ لم يطل كثيراً ونحن لم نعتدْ على ذلك من قبل.. "حسناً..لننس الماضي"..تمتمَ القيصرُ بهذا مع نفسه.. وماذا يعني إسقاط طائرةٍ حربيةٍ واحدة وسطَ سعيرِ حربٍ طاحنة؟

لكن مهلاً فالأمرُ لم يكن هيّناً على الرجلين معاً وليس على بوتين لوحدهِ كما يبدو لأول وهلة..ليس هيّناً أبداً أن يُنظفَ الرجلان بسرعةٍ حقلاً من الألغام زرعاهُ على عجلٍ ويركنا كل ما حدث في خزانةِ النسيان..جُرحُ بوتين جرّاء سقوط الطائرة الروسية لم يندمل بعد ومع هذا سمحَ لأردوغان بالزيارةِ في توقيتٍ هو الأكثر توتراً لجميع المتحاربين..بهدوءٍ مسّدَ جريحُ الحرب بيدهِ فوقَ جُرحهِ وفتحَ ذراعيهِ لأردوغان..لكن هذهِ النقطة ستُحسبُ لبوتين أم عليه؟ ألم يكن بوسعهِ أن يرفضَ الزيارة من دونِ أن يلومهُ أحد؟ هل يستحقُ بذلك وسامَ بطولة؟ثمة أيضاً من عدَّ قرار سفر أردوغان إلى روسيا في هذا التوقيت بالذات بطولة أكبر من الأولى..أكادُ أتخيلُ أردوغان وهو يحزمُ حقيبة سفرهِ إلى روسيا..فتسألهُ زوجتهُ إلى أين العزم؟ فيبلعُ ريقهُ وهو يقول :روسيا! فتشهقُ المرأةُ وتضربُ خدّيها بكفيها وتولولُ بعربيةٍ مُتتركة : أمان يا ربّ أمان فيجيبها فوراً :مُكرهٌ زوجكِ لا بطل.

لكن ألا تجدونَ في رحلةِ أردوغان بطولة من نوعٍ ما؟فطلبُ الأذنِ بالزيارةِ بحدِّ ذاتهِ لا يقلُّ جرأةً عن سماحِ بوتين بها..وطالما ولجنا بلاط السياسة الناعم فلنتعلم قليلاً من مرونتها لنخرجَ بسلامٍ على الأقل من مأزق تقييم الخطوتين معاً ولانتوه كثيراً في متاهاتها..أعني لنكن منصفين بما يكفي لنمنحَ وسام البطولة للرجلين معاً..فوحدهم الفرسان من يفعلون ذلك خاصة حينما تشتدُّ الأزمات..هذهِ هي الحقيقة..من العسير فعلاً أن تجدَ من يتسامى إلى هذه الدرجة فوق ركامٍ هائلٍ من الخلافات..سياسية كانت أم شخصية من أجل مصلحةٍ عليا..بطولة كهذهِ أصبحت نادرة هذه الأياموأعتقد أن المشهدَ برمتهِ صفعَ وجوهاً كثيرة وتركَ لنا جميعاً فسحة مجانية للتأمل..مشهدٌ ليتنا فعلاًنتعلمُ منهُ الدروس لكنما أكثر دروسنا الغارقة في بحارِ النسيان المالحة.

نعرفُ أن بوتين أصبحَ يمثلُ منذ عدةِ سنوات جداراً خرسانياً عنيداً يتكئُ عليهِ نظامٌ كادت أن تقتلعهُ العواصفُ إلى الأبد ليلحقَ بمن سبقوهُ في الوقت الذي لم يكن أردوغان يدّخرُ أيَّ جهدٍ ليهشمَ كل الجدران..لكن الأمرَ لا يخلو أيضاً من رضوخٍ روسيّ اضطراري لمنطق الواقعية السياسية التي تفرضُ نفسها أحياناً بقوةٍ أكبر من قوةِ منطقِ مواصلةِ حربٍ طائشة مع حليفٍ عنيد تلبستهُ بقايا من مسٍّ سُلطاني قديم فتهورَ قليلاً وتمردَ على الكبار قبل أن يستدركَ الأمر ويشدَّ رحالهُ بسرعةٍ نادماً بين يَدي القيصر.. روسيا تدركُ أيضاً أية لعنةٍ تلك التي أملتها جغرافيا مجنونة في مرحلةٍ زمنيةٍ أشدّ جنوناً مع أطرافٍ إقليمية فرضتهم ظروفٌ طارئة..فدولة مهمة مثل تركيا مثلاً ستظلُّ "ضمن منطق الواقع الجغرافي" امتداداً طبيعياً مُلاصقاً بشكلٍ مُلزمٍ لجبهتي الحرب السورية والعراقية معاً رغماً عن الجميع لذا لا خيار أفضل من استثمارها كشريكٍ لا كعدو.

نعرفُ أن الدبَّ الروسي لا يجيدُ السباحة بعيداً عن المياهِ الباردة لكنهُ يحاولُ التكيفَ مع مياهنا الساخنة..وثمة حرصٌ روسيٌّ واضح على عدم إضافةِ صداعٍ آخر بصناعتها لعدوٍ جديد وتكرار ذات الخطأ الأميركي القاتل في تعاطيها الفاشل مع إيران..الفشل الذي أفضى إلى حضورٍ إيرانيّ واسع في العراق وسوريا واليمن حتى أصبحت اللاعب الإقليمي الأكبر في المعادلة كلها.

الحربُ بين القيصر والسلطان تأخذُ الآن وقتاً مستقطعاً إجبارياً لاستردادِ الأنفاس..ربما توقيتُ الخسائر الفادحة أرغمَ الطرفين على فتحِ صفحةٍ جديدة في هذا التوقيت العصيب بالذات..لكن طالما وطئتْ أقدامُ أردوغان ترابَ روسيا من جديد فسيسعى بوتين إلى احتواءِ جموحهِ ومحاولةِ ترويضهِ ولن يُفرّطَ أبداً بفرصةٍ كهذهِ من يدهِ..لا حل منطقياً حتى الآن غير هذا رغم أن احتواءَ الخصومِ يكون أحياناً أصعب من محاربتهم والتاريخُ كلهُ بعيدهُ وقريبهُ يشهدُ بهذا وسيكذبُ الطرفان لو قالا أنهما سيغمضان أعينهما وينعمانِ بأمانٍ حقيقي قبل الظفر بحلولٍ حاسمة.

الاحتواءُ الروسي الجديدهذا ليس أكثر من سلامٍ اضطراريّ كاذب..هو يشبهُ محاولة تكيّف فاشلة مع خريفٍ مقيت بلا هوية أو طعم..ذنبُ الخريف الأزلي هو هذا : أنهُ ينتصفُ المسافة بين صيفٍ صريح وشتاءٍ صريح.. لهذا السبب لا يكادُ يحبهُ أحد لكن ذلك لا يمنع من الاعتراف بأهميته كمحطةِ مخاضٍ انتقاليةٍ لا أكثر تمهيداً لتقبلِ منطق تغييرٍ وشيك..

سلامٌ خريفيٌّ أصفرٌ كهذا مشوبٌ بالحيطةِ والحذر والاحتمالات المفتوحة لن يكونَ بديلاً مُقنعاً لصيفٍ تركي ساخن أو شتاءٍ روسي قارس لكنهُ بالتأكيد سيظل أفضل من جحيمِ حربٍ صريحة لا صوت فيها إلا للموت.

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق