]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ليل وسفر

بواسطة: سعيد عبد طاهر الجميلي  |  بتاريخ: 2016-08-26 ، الوقت: 13:06:51
  • تقييم المقالة:
ليل وسفر

الليل, هذا البهيم .. حلمُ العاشقين وعذاب المُعذًبين, أحبهُ وأشكو إليه غربتي وتشردي, ولوعة الذكرى في عالمٍ لا يرحم الضعيف ولا يخاف الا من القوي العزيز.

نامت الاعين, وهدأت الاصوات, وذهبت الطيور الى اعشاشها, وبقيت عينيّ مفتوحتان, لأنني عازمٌ على السفر هذه الليلة ..

خرجتُ من بيتي دون ضجةٍ ودون وداع, بعد ان جمعت اشيائي في حقيبتي الكبيرة, وأخذت ما احتاج إليه وقصدتُ المطار ..

وبعد أن اكملتُ الاجراءات, جلستُ في قاعة الانتظار, وفي هدوء الليل, وصراخ الصبية الصغار وضحكهم وصخبهم, سمعتُ صوت الموظفة وهي تدعونا الى التوجه الى البوابة رقم 7, وهكذا انتظرنا في طابور طويل وبدأنا ندخل الواحد تلو الآخر, امسكتني المضيفة من يدي قائلةٌ سيّدي مكانك في الدرجة الاولى, وفوجئت بأن الكرسي الذي اجلس عليه قرب النافذة فسرّني ذلك, رغم اني كنتُ في وادٍ عميق, لم التفت الى من يشاركني الرحلة, لأنني كنت في قلقٍ ظاهر, تراودني احلامٌ وافكارٌ ما لها من سلطان.

أين أنا؟ وأين اريد ؟ وممن أهرب ؟ ولماذا هذا القلق والفكر الاسود ؟

هل هذه هي نهاية الرحلة ؟ وهل سيكون سفري هذا هو الاخير ؟ .. رجلٌ قد تخطى عمره السبعين, مصفر الوجه, مكسّر الأسنان, تحيطُ به الأمراض من كل جانب, وقد رأى من الدنيا ما رأى .. الكثير الكثير, مرت به كالحلم في ليلة صيف, حياةٌ ليس لها طعمٌ ولا لون, قضيتها في تشرّد وضياع, وفقرٌ تبعني الى آخر العمر ..

لم احسُ باهتزاز الطائرة وانطلاقها, رغم اني قد وضعت الحزام, ورحت استعيد بذاكرتي كل الايام والسنين التي مرت في حياتي, ولا زلتُ احلم بأني طفلٌ صغير, احنُ إلى صدر أمّي وحنانها, رغم انها قد فارقتني وذهبت الى عالمها ..

وبعد أن هدأتُ من خوفي ومن قلقي, نظرتُ حولي ..

فأصبتُ بالذهول, وبقيت واجماً, فالذي يشاركني الرحلة امرأة غاية في الجمال والروعة .. فرحتُ اقيس بين الربيع والشتاء, بين الظلمة والنور, بين رجلٌ قد تعدى السبعين وامرأة لا زالت في أول العمر, شقراء ذات شعر كالذهب, وعينان كالسماء الصافية, وفمٌ كأنهُ حبّات كرزٍ ناضجة, ابتسمت لي بغنجٍ ودلال قائلة ..

-        هل أنت مقيمٌ في نابولي ؟ ..

لم اجبها, لأنني كنتُ منبهراً بجمالها الأخّاذ ..

اعتقدت بأنّي أصم, فرفعت صوتها قليلاً, مما نبهني من غفلتي, قلتُ إنّي اسمعك .. ولكن جمالك الأخّاذ ابهرني واخرس لساني ..

رأيتُ النهار قرب الليل, فافتر ثغرها عن اسنان لؤلؤية وهي تقول :

-        شكراً

ونسيت نفسي .. ورحت اناغيها كما يفعل الاطفال, وهي تستجيب لي بشكلٍ عجيب ..

الليل يتغزل بالنهار, والظلمة تتغزل بالنور, والشتاء يتغزل بالربيع, يا لعجائب الامور !

اهتزت الطائرة هزّات قوية, شعرتُ بالدوار ثم ران بيننا صمتُ طويل ...

 

#سعيد_عبد_طاهر

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق