]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

حوارات العرين

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2016-08-19 ، الوقت: 11:04:35
  • تقييم المقالة:

إنْ يختلفْ ماءُ الحياةِ فماؤُنا

عذْبٌ تحدَّرَ من غمامٍ واحد

أو يختلفْ نسبٌ يؤلِّفُ بيننا

أدبٌ أقمناهُ مقام الوالدِ

هذان البيتان الشعريَّانِ يعودان للشاعر العربي القديم "أبي تمام" (788م/845م)، رأيتُ أنهما يُناسبان أنْ أقدمَ بهما هذه النخبة المنتقاة من الحوارات، التي أعدَّها الكاتبُ الصديقُ "ميمون حرش".

فهذا الكاتب، وهذا الصديق، استطاعَ أن يؤلف بين كُتَّاب مُتعدِّدين، وأصدقاء مختلفين، وأنْ يجمعَهم في عرينِهِ، ويُلقي عليهم أسئلةً نابضةً بالثقافة والأدب، ويُجيبونه بأجوبةٍ خافقةٍ بالمعرفة والإبداع.

هم مختلفون في أنْسابِهم، وأوطانهم، وأعْمارهم، ووظائفهم في الحياة؛ فإنك ـ أيها القارئ ـ ستجد منهم العربي والأمازيغي، والمغربي والمشرقي، والشاب والكهل، والأستاذ والطالب، والرجل والمرأة... وكلهم يجمعهم تعريفٌ واحدٌ ـ على الأقل بالنسبة إلى مُحاوِرهم ـ هو أنهم أدباء، منهم قصاصون، ومنهم شعراء، ومنهم نقاد، ومنهم دارسون للأدب وفنونه، ومنهم باحثون...

لذا، لم يكن الأمرُ سهْلاً كي يضمَّهم "ميمون حرش" في هذا الكتاب، بل تطلَّب منه كثيراً من الجُهْدِ والعناء، ووقتاً طويلاً في القراءة والتفكير، واهتماماً بطبيعةِ المُحاوَرِ كشخصٍ يعرفه من قريب أو بعيدٍ، وكمنتجٍ لجنسٍ أدبيٍّ اطلع على ما أنتجه.

فلم يوجِّهْ لأيِّ واحدٍ من مُحاوَريه أسئلته إلا بعدَما انكبَّ على قراءة أعماله المنشورة، وقراءة ما كتب عنه الآخرون، أو قالوا في شأنه، وقد تَطلَّبَ منه ذلك سهراً، وأحياناً سفراً، كيْ يقتنيَ الكتبَ، أو يُقابلَ الكاتبَ مباشرةً.

وأكثر ما تطلَّبَ منه الانتظارُ؛ فقد كان أحياناً يرسلُ أسئلته لواحدٍ أو واحدةٍ، ويظلُّ ينتظرُ الإجابات لأسابيعَ طويلةٍ، وكان هذا الانتظارُ يقلقه أحياناً، ويثيرُ في داخلهِ مزيداً من الأسئلة. لكن، لأنَّه يتَحلَّى بفضيلة الصَّبْرِ، وبميزةِ التماسِ الأعْذارِ لإخْوتِه، فإنه يَسْتسلمُ للانتظار، ويَرْبِضُ في عرينِهِ هادئاً، واثقاً من استلام الأجوبة.

وإني أستطيعُ أن أقولَ مطمئنّاً إنَّ أخصَّ ما يتميَّزُ به الصديقُ "ميمون حرش" هو الرِّفْقُ بالناس عموماً، وبأصدقائه المبدعين خُصوصاً، وبهذا الرِّفْقِ يدُلُّ على تعقُّلِهِ وإنصافِهِ، وستشعرُ ـ أيها القارئُ ـ بهذا الرفقِ في الأسئلة التي طرحها على جميع ضيوفِهِ.

ولعلَّهُ يعملُ بنصيحةِ ذلك الشاعر الذي أنشدَ في قصيدةٍ له:

رفْقاً بالناس فأعْقلُنا هو أعذرُنا للإنسان

إنْ نُنْصفْ نلْقَ خيوطَ الشمس أضاءت كل الأركان

أو نعْدلْ يورقُ في القلبِ الحُبُّ وتشتبكُ الأغصانُ!

وفي هذا العرينِ اشتبكت أغصانُ المُحاوَرين، وأضاءت كلماتُهم نفوسَهم ونفوسَنا معاً.

من يستطيعُ صبْراً على أخلاقِ المبدعين إلا مبدعٌ مثلهم، بل لعلَّه يكونُ أكثرَهم صبْراً، وأقواهم احتمالاً لبعضِ الهِنات والهَفوات، التي تَصْدُرُ من هذا أو ذاك. و"ميمون حرش" هو ذلك المُبْدعُ الصَّبور، الذي احتملَ كثيراً من الجُهْدِ والوقت والقراءة والتفكير، كيْ يُخرجَ إلينا هذه النخبة المنتقاة من الحوارات، وهي حواراتٌ مختلفةُ المقاماتِ والأذواقِ والأفكارِ والقناعاتِ، اقْتنَصَها "حرش" من غابة الأدب والإبداع، لثلَّةٍ من القصاصين والشعراء والفنانين، وحَملَها إلى عَرينِهِ، كي يقدِّمَها إلينا في هذه المجموعة، التي قد تعقُبُها مجموعاتٌ أخرى، فالأسدُ لا يكُفُّ عن الصَّيْدِ في أنحاءِ الغابة، وإن استسلمَ للدَّعَةِ والراحةِ في بعض الأوقات.

وإني لأرجو أنْ يجدَ القارئُ متعةً وفائدةً في قراءة هذه الحوارات.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق