]]>
خواطر :
الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

سلسلة أبو سليم:2 الباطن و الظاهر

بواسطة: محمد سالم شاقان  |  بتاريخ: 2011-12-30 ، الوقت: 16:38:05
  • تقييم المقالة:

 

 

ملاحظة: كُتِبت هذه وما بتبعها  في سجن ابو سليم- في ليبيا  سنة2003 وكان أغلب من فيه من الإسلاميين...ذكر ذلك يوضح أشياء في هذه المقالة.

 الباطن و الظاهر

 

تجليات أسماء الله و صفاته

في هذا الوجود تتجلى صفات الله و أسمائه و بالتأمل في الاثنين نجد ما يؤيد هذا القول .

فالله واحد و الوحدة في المخلوقات رغم تنوعها صفة ملازمة لها . فالشعور بوحدة الخلق أمر لا يمكن أن ينكر كما قال تعالى "ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت " و الوحدة كما هي صفة ملازمة لهذا الكون فكذلك في التكوين الفني هي شرط لجماله .

و الله هو العزيز و تجد دليلها في عزة الحق و أهله في الأرض حتى و إن كانوا قلة . فما سبب شعورهم بالعزة؟ لأنهم على حق و الحق متلبس بالخلق . و الوهم لا يمكنه خلق شئ و إنما هو فقط يؤدي إلى الشر .

"و هو الذي خلق السموات و الأرض بالحق "

فهم على حق و الخلق بالحق . هذا مصدر شعورهم بالعزة،والحق لا يغلب "فبهت الذي كفر و الله لا يهدي القوم الظالمين "

و الباطل لا يسود و ينتشر إلا إذا استند على حق . فالشيوعية مثلا قامت باسم تحقيق العدل و المساواة بين البشر و عندما أثبت الواقع أن زعمها كان حقا استغله باطل، سقطت .

و النجاح – نجاح أي مسعى لا يتحقق إلا باستناده على الحقائق لأن شرط الوجود هو الحق . و عندما يموت آخر مسلم على وجه الأرض تقوم الساعة لأن الكون يحفظ و جوده وجود الإسلام .

و تجليات أسماء الله و صفاته في هذا الكون ليست موضوعنا و إنما أردنا أن نشير إلى أن لكل مخلوق ظاهر و باطن . لأن الله هو الظاهر و هو الباطن لذلك كان لكل شئ ظاهر و باطن .

فلا يحكم على كتاب من لون غلافه .

الهوس بالمظاهر

"و من الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ، و يُشهد الله على ما في قلبه ، و هو ألدُ الخصام"

و الهوس بالمظاهر أمر يعاني منه الكثيرون - إلا من رحم ربي – ذلك لأن الغالب على الناس هو الكسل الفكري و الناس عموماً يميلون إلى المتعة أكثر من ميلهم إلى الفائدة ، ونحن نقضي معظم أعمارنا جرياً وراء المتعة و لذلك كان أهل الدنيا كُثر و أهل الآخرة قلة "إنما الحياة الدنيا لهو و لعب "

و جمال الظاهر كان يفترض أن يكون حافزاً لحسن العمل "إنا جعلنا ما على  الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا ".

استغرق الناس الظاهر إلا قليلا منهم .

إن إعجاب المرء بنفسه مرده إلى أنه غافل عن باطنها معجب بظاهرها ، و إن افتتان الإنسان بالدنيا مرده إلى أنه غافل عن حقيقتها .

"يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون "

إنها الآفة التي نعاني منها ، جعلت بيننا و بين الحكمة أمداً بعيداً . فقد ظننا أننا بحيازة منتجات الحضارة نصنع حضارة مع أن البديهة تقول أن الحضارة يصنعها متحضرون.

و ظننا أننا بالمجالس النيابية والانتخابات نصنع ديمقراطية و نسينا أن ذلك هو مظهر فقط للديمقراطية أما باطنها فاحترام الآخر و القضاء على الإرهاب الفكري و الجمود الفكري واحترام قيمة الإنسان كما بينها القرآن.

هذه آفة في التفكير امتدت لتشمل كل أحكامنا و تفسر كل الفشل والخيبة التي نعاني منها .

الأشياء ليست كما تبدو . "رُبأشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره"

يجب علىنا أن نعيد النظر في أحكامنا على أنفسنا و أعمالنا و إلا فإنها النهاية و لن تنجينا أوهامنا المقدسة منها .

إن المُغرم بالمظاهر يسهل خداعه ووقوعه في الحيرة . يسوقه الوهم و تنتظره الخيبة و يصفق له شيطان رجيم .

"قد أفلح المؤمنون، الذين هم في صلاتهم خاشعون " فالفلاح مرتبط بصلاح الباطن أولاً ، الخشوع . و العقلية الجاهلية هي التي تبالغ في اهتمامها بالظاهر مبالغه عجيبة حتى أنه يكون لديها أساساً لحكمها على ما حولها و على نفسها .

"و قالوا لولا نزل هذا القرآن على رجلين من القريتين عظيم "

 فحكموا على عظَم الرجل بعظَم المكانة الاجتماعية فلم يصدقوه و هو الذي لا ينطق عن الهوى لأنه لم يكن عظيماً حسب وجهة نظرهم للعظمة .

"و قالوا لن نؤمن لك حتي تفجر لنا من الأرض ينبوعاً أو يكون لك بيت من زخرف ..."

و لتفهم ما حولك و تحسن الحكم علىه يجب أن تنظر إلى الباطن أولاً و لا تنظر إلى الظاهر إلا بعد وعيك للباطن فإن لم تستطع فلا تحكم .

الخطاب الديني والحكم بالظاهر

إن الخطاب الديني السائد الآن هو أيضاً يعاني من هذه الآفة و لن تكون له الفاعلىة المطلوبة حتى يعيد النظر في مواقفه و أحكامه .

و يؤسسها على مدى وعيه ببواطن الأمور و ليس بظواهرها .

و إن البيئة التي تعاني من هذه الآفة تجد النفاق فيها منتشرا لأنها تخاف ولا تستحي و تطمع فلا تقنع و تستمر في غيها حتى تقع .

فيجب علىنا إن أردنا تحسنا في حياتنا أن نلتفت إلى ذلك .

"إن الله لا ينظر إلى صوركم و أجسامكم و لكن ينظر إلى قلوبكم و أعمالكم "

و بهذا تكون لدينا القدرة على النقد البناء لأنفسنا و لما حولنا

و نتيجة للحكم بالظاهر نشأت ظاهره التكفير وعندما ينعدم الفهم ينشأ العنف كحل و يأخذ فساد العلاقة مع الآخرأخطر صوره وأعنفها ويدور القتال حتى بين الإخوة وكل ذلك كان سببه تقييمٌ أساسه غلو في تقدير أهمية الظاهروغفلة عن أهمية الباطن الجوهرية

 لنبنِ الباطن أولاً وعندما نفعل نجد أن الظاهر ، الذي كنا نقاتل لأجله قد تكون من تلقاء نفسه و إن لم يكن فبمجهود بسيط نستطيع بناءه أما البدء بالعكس أي ببناء الظاهر ابتغاء الحصول على الباطن فذلك هو المخالفة لسنة الله في التغيير حتى لو كانت تضحياتنا في سبيل ذلك خرافية فلن ننجح .

"و لن تجد لسنة الله تبديلاً و لن تجد لسنة الله تحويلاً "

إن الحكم بما أنزل الله ينبغي أن يفهم على هذا الأساس. فالحكم بما أنزل الله ينبغي أن يبدأ في داخلنا كيف نحكم بما أنزل الله في داخلنا ؟ بإتباع منهج التفكير العلمي في القرآن . إن بناء العقلية العلمية و هي التي ورد تفصيل صفاتها و تصرفاتها في القرآن هي التي تحكم بما أنزل الله .

و إن العقلية الجاهلية و التي تنتج الشرك و الكفر و النفاق بشقيه الأكبر و الأصغر هي التي لا يمكنها أن تحكم بما أنزل الله .

فعلى من يدعو إلى الحكم بما أنزل الله أن يسأل نفسه هل يفكر عقله كما أنزل الله بمعنى هل أسلم عقله .

"لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به"

ليس الإسلام قائمة من الأوامر و النواهي و إنما الإسلام إسلام الوجه لله .

أي إسلام الذات لله ، إسلام العقل قبل أن يكون إسلام الجوارح .

"بلى من اسلم وجهه لله ، و هو محسن فله أجره عند ربه و لا خوف علىهم و لا هم يحزنون " إن إقامة دولة القرآن في الأرض أمر يجب أن يكون تبعا لسنة الله في التغيير . وبدون تحرير عقول المسلمين من الأوهام لن تقوم دولة القرآن .

البدء بالعقل أولاً لأنه مناط التكليف و إذا كان العقل فاسداً لا يفكر بطريقة سليمة مكَبلاً بالإرهاب الفكري و الجمود الفكر و بالهوس بالأشخاص و بمظاهر الأمور فإن كل نشاط نقوم به فمصيره إلى الفشل .

إن تفكير المسلم اليوم تفكير بدائي متخلف لا يدرك معنىً لسنة الله في التغيير و ما دمنا كذلك فلن تقوم لنا قائمة .

 حب الحقيقة و حب المظهر

و لكي تؤتي الدعوة إلى العقلانية العلمية ثمارها لا بد أن نربي أنفسنا و أجيالنا على حب الحقيقة وليس على حب المظهر . إن الزهد في طلب الحقيقة داء عضال يحول دون الإيمان و الحضارة في نفس الوقتْ .

فالزاهدون في طلب الحقيقة قطيع تسهل قيادته و لا يحتاج الأمر إلى مقابر جماعية .

و الزاهد في طلب الحقيقة لن يعرف الله يوماً لأن الله لا يعرف بالأوهام و اتخاذها سبيلاً .

إن الحقيقة هي الأساس الذي بني عليه الوجود ، إن الحقيقة هي ناتج جمع الحق و الخير و الجمال ، إن الجاهل و المعرض عن الحقيقة لا يرتقي سلم الخلود ، ولكن سلم الصعود إلى الهاوية و بئس المصير

إن الإعراض عن الحقيقة هو الذي يخلق عبد الذات و عبد الناس و عبد الديناروعبد السلطان .

"إن الصدق يهدي إلى البر و إن البر يهدي إلى الجنة"

إن الصدق مع الله و الصدق مع الناس و الصدق مع النفس لا يستطيع أن يقوم به من أعرض عن الحقيقة

"يوم يُسأل الصادقين عن صدقهم "

و الصادق لا يمكن أن يغتر بظاهر الأمور لأنه يعلم أن الأمور ليست كما تبدو فلا يغتر بالدنيا لأنه يعلم أنها "كسراب يحسبه الظمآن ماءً" و الدعوة إلى الإسلام لا تنجح مادامت لا تدعو – على الأقل بنفس القوة – إلى إسلام الباطن .

إننا تخدعنا الألفاظ و نغفل عن الحقائق إن الدعوة إلى الإسلام ينبغي أن تكون هي الدعوة إلى الإيمان بالله و بإلىوم  الآخر فلسنا نريد من الناس أن يسلموا بالظاهر فيصلون ويزكون و يقيمون الحدود نحن نريد و نسعى إلى أن يسلموا في باطنهم إلى الله رب العالمين و ذلك يعني أن تسلم عقولهم و قلوبهم إلى رب العالمين . إننا نسعى إلى الحقيقة . و ثلاثة عشر عاماً كان الرسول صلي الله علىة وسلم في مكة يدعو إلى إسلام الباطن أي إلى الإيمان بالله و باليوم الآخر و هذا ما لم نفعله مع أننا ندعي أننا نقتفي أثره . و إنما نحن يقودنا عقل كبلته مظاهر الأشياء و تحكمت فيه السطحية و هجرته الرغبة في تقصي الحقيقة و تحكمت فيه عبادة الأشخاص – جرثومة الشرك – و كان ذلك نتيجة للكسل المزمن الذي تعانيه عقولنا . و بدل أن نتواصى بالعقل الذي تقوده إرادة الحق أصبحنا نهتم بالعقلانية كل من يخاطبنا بالعقل و كأن بين العقل و الدين قطيعة و هذاهو  الإرهاب الفكري الذي نسعى لحربه هو وقرينه الجمود الفكري  .

فنحن نعلم أن الإرهاب الفكري ليس من شيم المسلمين فقد علمنا القرآن أن الجاهلية هي التي ابتدعت هذا الأسلوب دفاعاً عن الخرافة و قد نهانا الله عن الجمود الفكري والذي كان هو السبب في الإرهاب الفكري الذي استخدمته الجاهلية ، فعن الجمود الفكري الذي كان السبب وعن الإرهاب الفكري الذي كان الوسيلة تتحدث الآيات القرآنية الكثيرة .

إن الهوس بالظاهر وبالأشخاص هو الذي قيد عقولنا فلم نستطع أن ندرك أننا نعاني من هذه الكبائر العقلية الإرهاب الفكري و الجمود الفكري وغيرها .

و الدعوة إلى الإيمان بالله و بإليوم الآخر ستُواجه بهذين العدوين و لكن من هو القادر على أن يدعي أنه يستطيع هزيمة الحق . هيهات هيهات فما دام الله متكفلاً بحفظ القرآن فلن يستطيع أحد إيقاف هذه الدعوة .

لأنها تستند إلى آياته و إلى حديث رسول الله صلي الله علىه و سلم لأنها ستبدأ بما بدأ به رسول الله – صلي الله علىه و آله و سلم – و باقي رسل الله .

سنسعى إلى بناء الداخل . و تطهير الباطن و لا يهمنا أن يسخط علينا من يسخط .

إن الكفر و الشرك و النفاق لا ينشأ من فراغ و إنما هناك بذور له إن وجدت مكاناً مناسباً و ظروفاً مناسبة نبتت و أثمرت و ليست الدعوة أن ننبِّه إلى الثمارونحذر منها منها و نقاتل في سبيل القضاء عليها و لكن الدعوة هي في الإشارة إلي هذه البذور و ذلك المكان المناسب و الظروف المناسبة لإنباتها .

 

لماذا لم ندرك قيمة العقل؟

 إن من الأسباب التي جعلتنا لا ندرك قيمة العقل أننا فهمنا كلمة القلب في القرآن فهماً خاطئاً . فهي لا تعني في القرآن أنه موطن المشاعر . و لكن تعني أنه موطن الفكر و الشعور . و أغلب الآيات عنت فيها كلمة القلب معنى الفكر إي العقل و ليس الشعور . و قد كان استعمال العرب لكلمة قلب بهذا المعني الذي ورد في القرآن . ثم مع تلاشي دور العقل في الحياة الإسلامية أصبحت الكلمة تعني الشعور لا الفكر .

و إذا أصابت العقل آفة ما انعكست على القلب (بالمعني السائد) فالآفة العقلية سينتج عنها أوهام تنشئ بدورها مشاعر في القلب أساسها الوهم و عندما يتصرف الإنسان على أساس هذه المشاعر فإنه يكون قد تصرف نتيجة إرادة صنعها الوهم و هذا التصرف سيخلق شراً ولن يؤدي إلى خير لأن الخير لا يصنعه إلا الحق .

"و ما يبدئ الباطل و ما يعيد "

فالفكرة الخبيثة تنتج عملا خبيثاً حتى وإن كان ظاهره طيباً .

و الفكرة الخبيثة – هي التي أساسها باطل .

و حتى إن كان الفاعل ذو نوايا حسنة فذلك ينفعه مع الله و لكننا نقصد تأثير عمله في أرض الواقع . إن الحق و الحق فقط هو الذي يفيد و يثمر. و الباطل كان زهوقا أي مضمحلاً زائلاً  

وبالتإلى فإن الداعي إلى أمر ما إذا كانت دعوته مبنية على غلو في تقييم الظاهر و غفلة عن الباطن فإنه يكون قد استند على باطل في تفكيره فإن استجاب مدعو لفكرته فإنه يكون قد استجاب أيضاً للباطل الذي فيها .

يجب علينا أن نعي أنه لا يوجد و لا يمكن أن يوجد شئ ظاهر بدون باطن أو باطن بدون ظاهر . إن ذلك لا يمكن أبداً ، لأن الأشياء هي تجليات لأسماء الله و صفاته و الله هو الظاهر و الباطن فلا بد من ظاهر و باطن معاً فحين تدعو إلى التوحيد يجب أن تبدأ بالدعوة إلى التوحيد الباطني قبل الظاهري لأن الباطني إن وجد أوجد الظاهري و ليس العكس .

و حين تدعو الناس إلى التوحيد الظاهري فقط فأنت ترسخ فينا بذور الشرك التي منها ينشأ لأنه يبدو أنه لا علم لك بها أو لأنك على أحسن تقدير – ترى أنها ليست ذات أهمية كالتوحيد الذي تفهمه .

ألم تقرأ أن أحد بذور الشرك هو الجمود  الفكري . فهل دعوت إلى حرب على الجمود الفكري أو ساهمت فيها

مفهوم العلم

إن المنهج العلمي يتطلب ربط النتائج بالأسباب و طالما كان الداعي خال من المنهجية العلمية في دعوته فإن ضروره أكثر من نفعه لأنه لا يستطيع أن يعلم أن مظاهر الشرك التي يدعو إلى القضاء عليها لها أسباب داخل عقل كل إنسان .

إننا أشبه بمن يحاول قيادة سيارة بدون محرك مادمنا نتصور الأمور بهذه السطحية و الظاهرية المقيتة . إن هوسنا بالظاهر هو الذي جعلنا عاجزين عن ربط الأسباب بالنتائج و أصبحنا في متاهة يرى البعض منا أنها هي الصراط المستقيم يكفينا ما عانينا من هذه العقلية  . يكفينا عبادة للظاهر و للأشخاص و الخضوع لعقلية ساكنة جامدة يتحرك العالم من حولها و هي لا تعي شيئا . تجهل – و تزعم إنها تعلم – سنة الله في التغير. عزفت عن البحث العلمي و جعلت منه علماً غير شرعي و فضلت الأول على الآخر نفس النظرة الظاهرية للأمور لم تدرك أن العلم في القرآن هو معرفة بنيت على أساس البرهان و الدليل العقلي و الآيات التي تنص على ذلك كثيرة و العالم في القرآن هو الذي يبني أحكامه على البرهان و الدليل و لم يقسم القرآن العلم إلى شرعي و غير شرعي و لم يذكر عن رسول الله – صلي الله علىه و آله و سلم – هذا التقسيم .

يقول الله – عز وجل -: "إنما يخشي الله من عباده العلماء " و نري كثيرا ممن يسمون علماء لا يخشون الله بل هم ملاحدة و نرى من علماء الدين من يخدم الباطل و أعوانه . لماذا نستعمل الكلمة خلاف ما استعملها القرآن ؟! إلىس ذلك تسمية للأشياء بغير أسمائها ؟! ما نصيب الظلم في ذلك ؟ و الظلم و ضع الشئ في غير موضعه كما هو معلوم .

لو أن مفهوم العلم فهم على أساس القرآن لما كان هناك فجوة بين العلم و الدين و لما كان هناك علماء دين و علماء دنيا و لكان هناك إما علماء و إما جهلاء و لما كان هناك تيار إسلامي و تيار علماني لو كان كلامنا مؤسساً على البرهان و الدليل لكان علماً و لما قسمنا العلم إلى علم شرعي و علم غير شرعي يجب أن يكون القرآن بداية لانقلاب فكري علمي (بمفهوم القرآن ) و سنري أن هذا الأمر هو الذي سيعيد للإسلام وجهة الناصع الذي يسحر الألباب و يقود الجموع التائهة إلى بر الأمان و ينتزع قيادة البشرية من هذه الحضارة المادية الجاهلية التي تنكرت لله وللإنسان و ادعت  أن لله ابناً و أن عيسي – عليه السلام – إنسان و إله في نفس الوقت هؤلاء فصلوا الدين عن العقل فقالوا بالتناقض وأسسوا عليه دينهم .

لقد فعلنا أسوأ منهم ففصلنا العقل عن الدين و لم نعترف بالعقل إلا عبداً لنا مقيداً بقيود ما أنزل الله بها من سلطان . عندما قيدنا العقل حكمنا على أنفسنا بالتخلف و على ديننا بفقدان الفاعلية . إن الإسلام مكبل بالقيود نفسها التي و ضنعاها على عقولنا. و كيف نهرب من التفكير و الله يأمرنا به . كيف نخشى العقل و عندنا كتاب الله بين لنا كيف نفكر , ألسنا نقول أن القرآن منهج حياة فلماذا لم بينوا لنا منهج التفكير في الحياة و بدون التفكير ليس هناك منهج . أما كان المسلمون أجدر أن يكونوا أئمة في علوم الطبيعة لإن كتابهم دعاهم إلى التفكر فيها و الاستجابة للآيات التي فيها .

لقد هجرنا القرآن و دعونا إلى إقامة الحدود و جعلناها حرباً على قومنا و كان الأولي بنا أن نأخذ بأيديهم إلى كتاب الله بعد أن نتسلح بالعقلية العلمية التي بينها القرآن و أن ندعوهم إلى إعلان الحرب على تلك الكبائر العقلية التي تقود إلى الكفر و الشرك و النفاق و التخلف في نفس الوقت إن العقلية العلمية هي التي مصدر أحكامها البرهان العقلي و هي التي يستحيل أن تكفر أو أن تتخلف فهي تعبد الحق – عز وجل – و تتحرى الحق . إن التوافق و الاتساق مع الحق هو الذي يؤدي إلى التوافق مع النفس و يؤدي إلى التوافق مع المحيط و التوافق مع الكون و هذه هي السعادة .

إن الجمود الفكري و الإرهاب الفكري و عبادة الأشخاص و الهوس بالظاهر و تجزئة الحقيقة هي كبائر عقلية يجب أن نقضي عليها لأنها هي التي تنبت الكفر و الشرك و النفاق و التخلف و هكذا ينبغي أن يؤسس الخطاب الديني و بذلك سيعجز الساخطون و يحتار السفهاء و نشق طريقنا بكل ثقة و هدوء .

إن الخطاب الديني زاد من اقتناع الناس بصعوبة تطبيقه بل تأكدوا من خطورة تطبيقه فلا يتخيل أحد الالتزام إلا و يتخيل قضبان زنزانة و اقتنع بعضهم أنه ليس هناك أكثر مجافاة للعصر و رجعية من المتدينين و كان لهم ما يبرر رأيهم هذا .إن الواهم المتدين أشد خطرا من الواهم غير المتدين لأن الوهم المتدين يعتبر و همه مقدسا لأنه يجد ما يبرره من القرآن و السنة. لذلك كان لزاماً علينا أن ننبه إخواننا أنهم هم أمل الأمة و حملة لواء الحضارة الإسلامية يجب أن تكون عقولهم تبعاً لما جاء به كتاب الله و سنة رسوله فيجب عليهم أن يراجعوا أنفسهم . هل تفكيرهم موافق لمنهج التفكير في القرآن ؟ هل لا زالوا يصدرون أحكامهم على نفس الأساس الذي تفكر به العقلية الجاهلية أي منهج التفكير الجاهلي الذي وصفه القرآن في كثير من آياته . إنهم إن فعلوا ذلك أحبهم الناس واحتار فيهم خصومهم و قادوا الأمة إلى ربها و إلى حضارة تنتظرها الإنسانية بفارغ الصبر .

و إن الواهم المتدين قد يجعل من نفسه رجل دين بدل أن يكون عالم دين . و يقول أنه ليس هناك رجال دين في الإسلام . نعم ليس هناك رجال دين في الإسلام و لكن عالم الدين الذي يحتكر فهم الحقيقة لنفسه أو لغيره هو رجل دين و ليس عالم دين فالعالم يؤسس معرفته على البرهان و الدليل لا على الأشخاص أياً كانوا "فكٌل يؤخذ من كلامه و يترك إلا صاحب هذا القبر " و الأخذ والترك تبعاً لتوفر البرهان . أما احتكار الحقيقة فذلك هو ادعاء العصمة ، و احتكار فهم نصوص القرآن لأشخاص أياً كانوا هو بمثابة إضفاء العصمة علىهم . الشرط الوحيد للفهم هو أن يؤسَس على البرهان أي على العلم .

"و العلم قول عن معصوم أو استدلال معلوم"  و الحديث يقول : "استفت قلبك و إن أفتاك الناس و أفتوك " و القلب في هذا الحديث كما في القرآن هو موطن الفكر و الشعور و هكذا نأمر بما أمر به القرآن التفكير و لكن بمنهج علمي أي بالبرهان و الدليل و ليس بالظن و الأماني و الأفكار المستبقة و غيرها من آفات التفكير الجاهلي .

فلنقرأ القرآن و لنتدبر آياته و نتجنب أن نفكر بنفس الطريقة التي يفكر بها، الكافر و المشرك و المنافق مما ورد تفصيله في كتاب الله عز وجل.لقد اهتم القرآن بالتفكير اهتماماً كبيراً و لكننا لا نفكر لذلك لم ننتبه إلى أن أكثر من ربع القرآن يتكلم عن التفكير. و مع ذلك فلا مكان للتفكير في الخطاب الديني السائد.

 

 

 

 

 

 

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق