]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

براكينُ الثأر

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2016-08-16 ، الوقت: 21:32:32
  • تقييم المقالة:

براكينُ الثأر

 

محمد الحداد / العراق

لا أدري لماذا أشعرُ وكأن حفنة كبيرة من شظايا الانقلاب التركي الفاشل كانت موجهة لنا نحن العرب..كأن تلك الشظايا الطائشة عرفتْ طريقها إلينا جيداً فعبرتْ الحدودَ وأصابت الكثيرين منا..لم يكن الانقلاب يعنينا بشكل مباشر..أعرفُ هذا بالتأكيد لكن بواكيرَ الحدث أظهرَ لي بوضوح بأننا شعوبٌتغرقُ حتى أنوفها في كراهيةِ الآخروتستبطنُ الكثيرَ من الفراغ وتمتلئُ عقداً وتناقضاتٍ لا حصرَ لها..

كانت شظايا اللعنة التركية العابرة إلينا ساخنة جداً عشية الانقلاب والأخبار الطازجة ظلت تصلنا تترى وبتّ ليلتي وأنا أتتبعُ الكثير من ردود الأفعال المتسرعة التي فضحتْ عطشاً غريباً للشماتة والثأر.

لن يتورطَ هذا المقال بالتوغل كثيراً في السياسة لكنهُ سيحاولُ أن يقتربَ بدل ذلك من علم النفس المجتمعي..لذا سأدعُ الحدثَ التركي الأكبر جانباً مكتفياً بالتعاطي مع الثأر كثيمة أخلاقية كنتُ أظن أنها دخيلة على مجتمعنا العربي لكن يبدو أنها تمكنت من التوغل في أنواتنا حتى أصبحت جزءً لا يتجزأ من تركيبتنا النفسية السائدة..ولا أخفيكم أنني بتُّ أشعرُ بخجلٍ شديد كلما سألتُ نفسي هذا السؤال: لماذا علينا أن نخسرَ دائماً في امتحاناتٍ إنسانية مصيرية كهذهِ؟

في تلك الليلة الطويلة تعاطى كثيرون مع الحدث بوصفهِ سهرة درامية دسمة وليس زلزالاً مدمراً ضربَ أرض الحقيقة بمقتل ليسجلَ أعلى درجات الخطر حسب مقياس التغيير للزلازل السياسية..

ثمة شامتون صَرَعتهم سِهامُ الغيرة لأنهم وجدوا أنفسهم تلك الليلة وجهاً لوجهٍ مع الأتراك دون موعدٍ مسبق في حلقةٍ ساخنة من مسلسل "العشق الممنوع" بين أردوغان وشعبه..كأن هذا العشق الكبير غرسَ طعناتهُ النجلاء في قلوبهم فقضوا ليلتهم هذهِ يقضمون أظافرهم ويعدون الحسرات.

تسرعَ هؤلاء كثيراً بإعلان فرحتهم الفورية بالانقلاب واحتفلوا سلفاً بإسقاط الحكومة التركية ولم يعبئوا كثيراً بأية تفاصيل أخرى ظنوا أنهم غير معنيين بها وتفرّغوا بدلَ ذلك لعملية تسقيط جاهز بدافع الثأر والانتقام متكئين على مواقف متراكمة مسبقاًوظلوا يرقصون ويدورون طويلاً حول جثة أردوغان حتى طلعَ عليهم الصباح..الغريب أن جميع متابعي مسلسل الانقلاب الذين اختلفت مواقفهم إزاءهُ بين مؤيدٍ أو معارض لم يختلفوا من قبل حول إعجابهم بالنموذج التركي المعاصر "اقتصادياً على الأقل" وإن لم يُصرّحوا بذلك علناً لأنهم يدركون جميعاً ما تعنيه عبارة "الاقتصاد التركي" طوال العقد المنصرم.

لستُ معنيياً هنا بالدفاع عن أردوغان في محكمةٍ صاخبة لا يزالُ يسودها الكثير من الضباب والفوضى فتهور الرجل وتخبطه في مغامراتهِ السياسية الخارجية على وجهِ الخصوص أوضح من أن نبسطَ لها المقام هنا لكني كنتُ أتمنى فقط على هؤلاء الشامتين أن يتريثوا قليلا ويتلفتوا حولهم كي لا ينسوا في أي جحيمٍ هم يعيشون قبل أن يرموا غيرهم بأحجارٍ كان يجدرُ بهم أن يرموا بها زعمائهم وسياسييهم منذ أمدٍ طويل..كم تمنيتُ لو كان بوسعي أن أوقظهم من منامهم وأفتحَ أعينهم على وسعها ليروا الصورة جيداً وأقول لهم: يبدو أن سكرة الفرح أنستكم أن الشعب الغاضب الذي ملأ الشوارع والساحات لم يخرج حانقاً على حكومتهِ مطالباً بإسقاطها بثورة عارمة..وأن هذا الجيش الذي قطعَ الشوارع والجسور لم يخرج ليقفَ مع هذا الشعب في ثورتهِ ضد حكومته بل العكس هو الذي حصل..فهل رأيتم يوماً في بلدانكم مثل هذهِ الدراما الفنطازية؟

في صباح اليوم التالي اختلف الأمرُ تماماً..قطارُ الليلِ الذي مرَّ من أمامِ هؤلاء الشامتين محملاً بالأخبار العاجلة السعيدة لم يكن نفسهُ قطار الصباح بعد التحول الدراماتيكي الذي طرأ على المعادلة كلها وأفضى أخيراً إلى فشل الانقلاب..لا أخفيكم أن شيئاً من تبادل الأدوار حدثَ معي بشكلٍ عفوي..وجدتُ نفسي أتتبعُ هؤلاء الشامتين لأقرأ ردود أفعالهم الجديدة.. أتراني تحولتُ أنا نفسي إلى شامتٍ بالشامتين؟ قطعاً لم يكن بقاء أردوغان أو رحيله يعنيني في شيء ولم تكن شماتتي منهم تنطلق من اختلافي معهم في وجهاتِ نظرٍ تمليها عادةً تمترسات مسبقة سياسية كانت أو قومية أو حتى دينية تناقضُ ما كانوا يعتقدونهُ لكنني كنتُ أدركُ مسبقاً أن الثأرَالمستبطن في النفوس تحركهُ دائماً مرجعياتُ تغايرٍ عنيفة تحرّضُ على الكراهيةِ ونسفِ الآخر وحينما يتراكم فوق بعضهِ يستحيلُ مع الوقت إلى بركانٍ كامن ينتظرُ نصفَ فرصةٍ فقط كي ينفجر فلا يُبقي شيئاً بعد ذلك ولا يَذر وفي بلادنا العربية تحديداً تتخذ هذهِ الأمور دائماً حساسية أكبر بكثير مما تستحقلذا وجدتُ نفسي معنياً بتتبعِ منابع تلك البراكين المحمّلة بحممِ ثأرها المستبطن في أعماق هؤلاء من أجل محاصرتها ودراستها وتفكيك معانيها..ولو فتشنا ذاكرتنا الجمعية فسنجدُ أن شعوبنا أدمنت مشاهدَ القتل والتنكيل حتى أصبحت جزءً أصيلاً من إرثنا السياسي العام الذي لا نزالُ نحرصُ على كنزهِ في خزائننا العتيدة وتعودنا أن نتعايشَ معهُ بخدرٍ غريب..وليس من قبيل الصدفة أبداً أن أغلب زعماءنا قضوا إما رمياً بالرصاصِ أو معلقين في المشانق قبل أن تستكملَ فيهم حفلات التمزيق والسحل والحرق والسلخ.

لم تتعود شعوبنا بعد على مبادئ السِلم الأهلي وقيم التداول السلمي للسلطة لأنها ورثت أن السلطة هذهِ سباقُ خيلٍ دامٍ في مضمارٍ ضيق لا يتسعُ إلا لحصانٍ واحد..ألفنا من قبل أن ترجلَ زعمائنا من كراسيهم لا يمكن لهُ أن يتم من دون دماء..لذا كان هؤلاء الشامتون ينتظرون أن تأتيهم الأخبار من هناك بمزيدٍ من الدماء لتروي عطشهم الشديد..

من المؤسفأننا أصبحنا نبدو عراة تماماً أمام تناقضاتنا الكبرىهذهِ ونكادُ نبصرُ أنفسنا ونحن على هذا الحال من دون أن نجدَ غرابة في ذلك..كأننا أدمنا التنفس قربَ ضفافِ بُركنا الآسنة هذهِ من دون أن يجرأ أحدٌ منا أن يلقيَ فيها حجراً يحركُ قليلا من سكونها الرتيب..


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق