]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

"عبد الوهاب بنعلي" مع ضميره الوسطي

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2016-08-07 ، الوقت: 10:54:07
  • تقييم المقالة:

أظنُّ أنَّ الأستاذَ "عبد الوهاب بنعلي"، وهو يكتب مقالات (من وحي الضمير)، تمثَّلَ في ذهنهِ أَمْرَ الله سبحانه وتعالى للنارِ أن تكون برداً وسلاماً على نبيِّه إبراهيم عليه السلام.

فقومُ إبراهيم أرادوا أن يُحرقوا إبراهيم بالنَّار، وجمعوا له حطباً كثيراً، وأوْقدوها، ورموا فيها إبراهيم، كي يتخلَّصوا منه، ومن دعوته إلى التوحيد والإسلام، وما يتبع ذلك من فضائلَ وقيمٍ ومكارمِ الأخلاقِ.

لكنَّ لُطْفَ الله بعبده المؤمن، ورعايته لرسوله الخليل، نجَّاهُ من الحريق، وجعل النار برداً وسلاماً عليه في النهاية.

كذلك الأستاذ "عبد الوهاب" جعل مقالاته برداً وسلاماً على القراء، وإن كانت كلماتها ومعانيها تضطرمُ بنيران الغضب، ووقودِ الثورة، وأغْصانِ الرفض!!

"عبد الوهاب" يبدو لي في (تأملاته في اجتماعنا الإنساني) إنساناً غاضباً، وشابّاً ثائراً، وحاملَ قلم نابضٍ بالحياة، يسجل به رفضاً لكثيرٍ من الظواهر والأحداث والممارسات والأفكار والأشخاص، ولا يخْفى على من يطلع على تأملاته أنّ صاحِبَها متابعٌ لكثير من القضايا والنوازل، ومراقبٌ لأحوال الأمة العربية المسلمة وأهوالِها، وكذلك وطنه المغربي، الذي يعبِّر في أكثر من مقالٍ عن حبِّه له، واستعداده لخدمته، والسعي إلى النهوض به في شتَّى الميادين، وأبرز ميدان يتجلَّى فيه سعيُه بقوة وغيرةٍ حقيقية هو ميدان الإعلام، وهو نفسُهُ يعترفُ في مقدمة الكتاب أنَّ ذلك راجعٌ إلى حِسِّهِ الإعلاميِّ، ولكونه اشتغل في ميدان الإعلام ـ ممارسة وبحْثاً ـ لعقدٍ من الزمن ولا يزال...

وهذا الاهتمام بأحوال الوطن والعالم نشأ عنده منذ شبابه الأول، أي حين كان تلميذاً في التعليم الثانوي، فقد كشف لنا في مقاله الذي أبَّنَ فيه المفكر المغربي الراحل "المهدي المنجرة"، أنه كان متابعاً نشيطاً لما يدور في ساحة الوطن والعالم العربي، وما يعتلج فيهما من تيارات صاخبة، وقد شارك بأسئلته في القضايا والأحداث الدولية والإقليمية، وأرسل أسئلة كثيرةً إلى الدكتور ـ رحمه الله ـ عن طريق أحد المنابر الإعلامية، فكان محظوظاً حين طرحها كلَّها مُعِدُّ الاستجواب على الدكتور، وأجاب عنها، فسعد بذلك أيَّما سعادةٍ.

قلتُ إنَّ "عبد الوهاب" يبدو لي إنساناً غاضباً، ذلك ما شعرتُ به وأنا أقرأ مقالاته كلها، لكن ليس ذلك الغضب الذي يُخْرِجُ المرءَ عن طوره، ويُفقده حِلْمَه، ويقذف به في أتون الشر والأذى، فيجعله ينفث ناراً وحقْداً، ويورِّطه في معاركَ وخُصوماتٍ، بل هو غضبٌ هادئٌ، حالمٌ، متريثٌّ، يحتكم إلى العقل، وإلى الأصول، وإلى الفقه، وإلى المقاصد، ولعلَّ تكوينه المعرفي، وقراءتَه في كتب التراث الإسلامي، التي تتعلق بـ (مقاصد الشريعة)، و(فقه الاختلاف)، و(فقه النوازل)، و(فقه الموازنة بين المصالح والمفاسد)، و(فقه الحوار)، و(آداب المناظرة والجدال)، هي التي جعلته يتحكَّم في غضبه، ويسيطر على انفعالاته، ويجادل بالتي هي أحسن، ويواجه الذين يختلف معهم، أو لا يرضى عنهم، بالحكمة والموعظة الحسنة.

في كلِّ الكتاب لن تجدوا لفظةً قاسية، أو كلمةً تخدش الحياءَ، أو معنى يندرجُ في الكلام الساخر، أو صداماً عنيفاً مع شخصٍ، أو هجوماً مباشراً على عَلمٍ من الأعلام، مهما صدر عن هؤلاء من أخطاء، أو ظلم، أو فسادٍ، هو يتقيد بآداب المسلم في كل عبارة وإشارة، ويدعو للجميع في خاتمة كل مقال بالهداية والإحسان إنْ كانوا أحياءً، وبالمغفرة والعفو إن كانوا أمواتاً.

يوَقِّرُ الكبارَ، ويُجِلُّ العلماءَ، ويتواضع للخِلاَّن والأصدقاء، ويخفضُ جناحَ الذل للقراء، ولا يصدر عنه إلا الكلم الطيبُ، حتى مع أولئك الذين يثيرون حنَقَه وحُزنَه وألمه، وخير نموذج أقدمه هو الفقيه المغربي "عبد الباري الزمزمي"، الذي لم يعجبْ لـ "عبد الوهاب" ما صدر منه في حقِّ شيخ جماعة العدل والإحسان الراحل، العالم الرباني، "عبد السلام ياسين"، تصدّى له "عبد الوهاب" بردٍّ قويٍّ ومفحم، ومع ذلك سأل الله تعالى في نهاية مقاله «أن يغفرَ لأخينا السيد عبد الباري الزمزمي ويُعيدَه إلى رُشْدِه ويرزقه حسن الخاتمة»...

وليس "عبد الباري الزمزمي" وحده من سلك معه هذا السُّلوك المُهذب، بل مع كل من اختلف معه، وسجلَ أخطاءه وانحرافَه، سواء مع الأفراد، أو الجماعات، أو الشعوب، ولا فرق عنده بين مواطن عادي، أو مسؤول بارز، أو حاكم كبير، فمثلاً ملك السعودية الراحل "عبد الله" وجَّه له "عبد الوهاب" رسالةً جريئةً وواضحةً، وسطَّرَ فيها مؤاخذاته على سياسته المتخاذلة تُجاهَ الشعوب المسلمة، في بلده أو خارج بلده، وعن مساندته ومعوناته المالية لقوى الشرِّ في العالم، ومع ذلك استغفر اللهَ له، واعتذر عن صراحته أنه يعتبرها «نصيحة على طبقٍ من المحبَّةِ عملاً بقول نبيِّنا الناصح الأمين صلى الله عليه وسلم».

والعلم الوحيدُ الذي اضْطرَّه إلى شيءٍ من الحدَّةِ، والخروج عن طبْعه المُسالم والمتسامح، هو حاكمُ سورية الحالي "بشار الأسد"، الذي تعاظمت جرائمُه الوحشية ضد شعبه المستضعف، حيث وجَّهَ إليه رصاصاً حيّاً، ومع ذلك لم يكن ذلك الرصاص إلاَّ دعاءً، إذْ ردَّدَ في ختام مقاله (صرخة من الزمن الضائع):

«اللهم منزِّلَ الكتاب مُجري السحاب هازم الأحزاب سريع الحساب اهْزِمْ بشار السفاح وشبيحته، وانْصر الشعب السوري وقضيته».

"عبد الوهاب" في كل ما كتب، من المقدمة إلى آخر الكتاب، استجاب لوحي ضميره.. وهو ضميرٌ مُسلمٌ خالصٌ.

وفي كلِّ ما تأمَّلَ نظرَ بفراسةِ المُؤْمن..

وفي كل ما خلصَ من نقدٍ، أو عتاب، أو تمحيص للمشاكل، أو قراءة للأحداث، أو تسجيل لموقفه الذاتي إزاء قضايا وطنه وأُمَّته، وشهادته في بعض الرموز الوطنية والعربية (المهدي المنجرة كمثالٍ) انطلق من ثقافته الدينية، ومعرفته الإسلامية، ورجوعه إلى الأصول، أصول الفقه، والشريعة، والقوانين العادلة.

ومنهجُهُ في التفكير، والتحليل، وإبداء الرأي، أو إسداء النصح، هو (الوسطيَّةُ المعتدلة)؛ فهو معجبٌ بها، يتخذُها أسلوباً في التعامل، والنظر، والحكم على الأشياء، واقتراح الحلول والبدائل... وقُدْوتُه في ذلك الشيخ "يوسف القرضاوي"، الذي يحترمُهُ كثيراً، ويستفيدُ من كتبه وبرامجه في قناة (الجزيرة)؛ ففي مقاله (كلام في السياسة) يقول لبعض مُحاوريه:

«إذا تعارضت المصالحُ نُوازنُ بينها، حتى إذا تبيَّنت لنا المصلحةُ الحقيقيَّةُ من المُتوهَّمَةِ قدَّمْنا الحقيقيَّةَ، وإذا تبيَّنت لنا المصلحة العامة من الخاصَّةِ قدَّمْنا العامَّةَ، وإذا تبيَّنت لنا الكليَّةُ من الجزْئيَّةِ قدمنا الكلية وهكذا..».

أما أسلوبُه في الكتابة فهو أسلوبٌ عربيٌّ مبينٌ، لا غموض فيه ولا تعقيد ولا التواء، التجأ في بعض الفقرات إلى فنون البلاغة العربية، فوظف المجازَ والجِناس والاستعارة والطِّباقَ والمقابلة، ووشَّى فقراتٍ عديدةً بعباراتٍ مُقتبسةٍ من الشعر وآيات القرآن والحديث النبوي والأمثال الفُصْحى والعامِّية، فلم تأتِ ثقيلة أو مَحْشُوَّةً، بل ناسبت قوله، وأضافت إلى معانيه قوةً وجزالةً، وجعلت بيانَه بيٍِّناً، وكيف لا وهو قارئٌ لكتاب الله، وسُنَّة الرسول، ومُتونِ السَّلفِ والخَلفِ؟

هو إنساناً وكاتباً يغلبُ عليه التفاؤلُ والأملُ، ومحبَّةُ الخير والعملِ، ويحسن الظن بالأنامِ، وبشباب الثورات العربية بخاصَّةٍ، وببعض السنوات التي عَصفت بالعالم العربيِّ، وكان يتمنَّى أن يُغاثَ فيها الناسُ، ويعقبَ العاصفةَ السكونُ والاستقرارُ، وتتمخض الثوراتُ عن آمالٍ عريضةٍ، وفجر صادقٍ، وربيع مُزْهرٍ. لكن ما كل ما يتمنَّى المرْءُ يُدْرِكُه!

هو أشبه بقاضٍ شرعِيٍّ في تأملاته في اجتماعنا الإنساني، يقيمُ الميزانَ بالقسطِ، ويستشهدُ بآيات القرآن الكريم، وأحاديث السُّنَّة الشريفة، ولا يخاف في قول الحق لومة لائمٍ، وهو ـ أصلاً ـ لا يلومُ أحداً لوماً قاسياً، بل يعذر الجميع، ويطلب الهداية له ولنا ولسائر المسلمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

والسلام عليكم ورحمة الله. 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق