]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

تقرير منهجي عن كتاب "الرسالة" في علم أصول الفقه للإمام الشافعي

بواسطة: الشريف اخريف  |  بتاريخ: 2016-08-06 ، الوقت: 01:34:27
  • تقييم المقالة:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وآل بيته الطيبين الطاهرين، وصحابته الغرّ الميامين.  وبعد؛ فهذا تقرير يدخل ضمن علم المناهج حول كتاب "الرسالة" للإمام الشافعي في علم أصول الفقه. 

 وقد انتظم في المحاور الآتية:

أولا - تعريف أصول الفقه: "أصول الفقه" هو علم خاص بالبحث في الأدلة الشرعية الكلية، وطرق إثباتها، وكيفية استثمارها في إنتاج الفقه. ومن التعريفات الشهيرة لعلم أصول الفقه قولهم: «أصول الفقه: معرفة دلائل الفقه إجمالا، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد.[1] وعرفع علماء آخرون بقولهم: "قواعد يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية".

ثانيا - أهمية أصول الفقه: علم أصول الفقه هو المنطق الداخلي للشريعة الإسلامية، به يوزن الفقه، وتدرك أدلته واستدلاله، فهو الأصل، وعليه يُبنى الفرع (الفقه)، والفرع بدون أصل لا قيمة له. فالشريعة في أصلها مجموعة من النصوص، يجمعها قولنا "الخطاب الشرعي"، وهذا الخطاب لا يُفهم إلا بواسطة مقاييس علمية، وضوابط منهجية، وقواعد استقرائية شرعية. وعلم أصول الفقه هو الطريق إلى فهم هذا الخطاب الشرعي وفقا لهذه القرائن.

        ثالثا – تقرير لكتاب "الرسالة" للإمام الشافعي[2]

1- طبعات الكتاب وتحقيقاته: عن مخطوطة كتاب الرسالة يقول محققها أحمد شاكر:

«لم أر نسخة مخطوطة من كتاب الرسالة إلا أصل الربيع ونسخة ابن جماعة، ولكن نجد في السماعات أن أكثر الشيوخ وكثيراً من السامعين كانت لهم نسخ يصححونها على أصل الربيع»

[3]. والمراد بأصل الربيع في كلام أحمد شاكر رواية الربيع المرادي تلميذ الشافعي لكتاب الرسالة، وقد وصلنا بخطه في (124) صفحة، عدا أوراق السماعات، وفي آخرها إجازة بخطه أيضاً تاريخها في ذي القعدة سنة (265هـ)[4]. وكان أصل الربيع هذا ملكاً لأهل دمشق حتى عام (656هـ) ولا يعرف من ملكه فيما بعد حتى آل إلى مكتبة الأمير مصطفى باشا فاضل، وانتقل مع مكتبته كلها إلى دار الكتب المصرية. والمشهور أن الإمام الشافعي كتب كتابه "الرسالة" مرتين، الـمرة الأولى: ألفها في مكة استجابة لطلب الإمام عبد الرحمن بن مهدي (ت 198هــ)، وقد كان الشافعي آنذاك شابا. وقد ضاعت هذه الرسالة الأولى، فليس في أيدي الناس اليوم إلا الرسالة الجديدة التي كتبها بمصر في الـمرة الثانية. وقد طبع كتاب الرسالة ثلاث مرات قبل نشرة أحمد شاكر، أولها نشرة الجزماوي (المطبعة العلمية سنة 1312هـ)[5]. وقد حقق كتاب الرسالة أحمد محمد شاكر، وهو تحقيق علمي رصين، قارن فيه بين الأصول المتوفرة والطبعات المتقدمة، وقدم له بمقدمات علمية عن حياة الشافعي العلمية ومنهاجه العلمي وإسهامه في تقعيد أصول الفقه.

.. 2- التعريف بالمؤلف: هو الإمام محمد بن ادريس الشافعي المتوفى سنة 204 هـ، كان في بداية أمره مهتما باللغة العربية والشعر والأدب، فساعده هذا لأن يكون له ملكة قوية في فهم النصوص الشرعية العربية، لذلك كان من فحول الشعراء في وقته، وله ديوان شعري مشهور، يغلب عليه الرقائق والزهد. تتلمذ الشافعي على أهم فقهاء ومحدثي عصره، وعلى رأسهم الإمام مالك والإمام محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة. تنقل الشافعي من بلد إلى بلد، وأهم مكان استقر فيه وانتشر فيه مذهبه هو مصر، فهناك بنى مذهبه الذي أصبح من أقوى المذاهب الإسلامية، خاصة بعد تأليفه كتاب الرسالة وكتب الرد على بعض المخالفين، وقد ساعده على انتشار مذهبه كثرة مناظراته وحواراته مع مخالفيه، وقوة حججه. جميع إنتاجات الشافعي الأصولية والفقهية مجموعة في موسوعة تُسمى "الأم" وهي التي جمع فيها تلميذه الربيع كتبه كلها، وتقع في مجلدات ضخام

[6]. 3- العناية بالكتاب: كان كتاب الرسالة ولا يزال، من أهم ما صنف في التاريخ الإسلامي في علم أصول الفقه، بل هو أول كتاب فيه على الصحيح، فقد اختلف الباحثون في أول من ألف فيه، فمنهم من يرى أنَّ الإمام جعفر الصادق هو واضع هذا العلم؛ أي: أنه أول من دوَّنه مستقلا، ومِن قائل يرى أنَّ أول من دوَّن في أصول الفقه هو الإمام أبو يوسف صاحب أبي حنيفة. ولكن لم يصلْ إلينا شيءٌ من كُتُبِهما في الباب مما يوثق به، فيبقى الإمام محمد بن إدريس الشافعي فارضا نفسه علينا كأول من ألّف في علم أصول الفقه مستقلا، حتى يثبت لنا العكس بالدليل.

4- القضايا المعرفية التي يعالجها المؤلف في الكتاب: الإمام الشافعي –رحمه الله تعالى- في كتابه "الرسالة" رتَّب أبوابَ علم أصول الفقه وتعليله، وجمع فصولَه ومطالبه، ولم يقتصرْ على مبحث دون مبحث، بل بحثَ في القرآن الكريم من حيث الفهم والدلالة، وفي السُّنة أيضا، وفي طُرق إثباتها وعلاقتها بالقرآن. فبحث الدلالات اللفظية، فتكلَّم في العام والخاص، وفي المشترك والمجمَل والمفصل، وبحثَ في الإجماع وحقيقته، وناقشه مناقشة عِلْميَّة لم يُعرفْ أنَّ أحدًا سبقه إليها، وضبط القياس (الاجتهاد كما يسميه)، وتكلَّم في الاستحسان... واسترسلَ الشافعي في بيان حقائق هذا العلم مبوَّبة مفصَّلة، وهو بهذا لم يُسبقْ إلى عمله، أو على التحقيق لم يُعلم إلى الآن أنَّ أحدًا سبقَه، كما قلت سابقا، ولا ينقص هذا من مقام مَن سبقوه، فلا ينقص هذا من مقام شيخِه مالك، ولا مِن مقام شيخ فقهاء التعليل أبي حنيفة؛ فإن التدوين في عصرهما لم يكنْ تَكَامَلَ نُموُّه، ولا دعت الضرورة إلى التقعيد والضبط. ولا أقول إنَّ الشافعي قد أتى بالعلم كاملاً على كلِّ الوجوه والضروب، بحيث إنه لم يبق مجهودًا لمن بعده، بل إنه جاء من بعده مَن زاد ونَمـَّى وحرَّر مسائلَ كثيرة في هذا العلم. وهكذا تاريخ كل العلوم.

5- مصادره في الكتاب: الإمام الشافعي مثل غيره من فقهاء وأصوليي الإسلام الأوائل، كان المنطلق الأول في تأليفهم هو النص، وخاصة الشافعي الذي يُعتبر أول من صنف في أصول الفقه، فقد كان منطلقه ومصدره هو النص (القرآن والسنة)، ففرع عليهما الفروع واستنبط منهما القواعد ... وإضافة إلى النصوص فقد كان أيضا من مصادر كتابه الرسالة أقوال السلف (الصحابة والتابعين)، وأقضية الفقهاء الكبار... وخلاصة الأمر، فإن الإمام الشافعي كان معتمدا بالأساس في كتابه الرسالة على النص الشرعي: من حيث الفهم وفق البناء اللغوي، إذْ كان بحرا في اللغة. وقد نص في أكثر من محل على أن قضايا أصول الفقه هي قضايا لغوية بالدرجة الأولى؛ لأن جل مباحث الأصول ترجع إلى الاستعمال اللغوي، من منطوق النص ومفهومه ودلالة الألفاظ..

. وهو الذي سماه الأصوليون فيما بعد ب"مبحث الدلالة".   

              والله الموفق للصواب.   محمد سعيد اخريف

 

1-   يُنظر: الإبهاج في شرح المنهاج، تقي الدين أبو الحسن علي بن عبد الكافي السبكي، (1/19). دار الكتب العلمية – بيروت، سنة النشر: 1416هـ - 1995 م.  

2-   اعتمدت في هذه الدراسة على كتاب الرسالة وفق هذه البيانات: الرسالة، أبو عبد الله محمد بنإدريس الشافعي (المتوفى: 204هـ)، بتحقيق أحمد شاكر، الناشر مكتبة الحلبي، مصر، الطبعة الأولى: 1358هـ - 1940م.   

3-   مقدمة أحمد شاكر للرسالة، ص 15.   4-   مقدمة "الرسالة"، ص 16.

  5-   مقدمة "الرسالة"، ص 10 وما بعدها.  

6- للمزيد يُنظر كتاب "طبقات الشافعية الكبرى" للسبكي (المتوفى 771هـ)، (2/71)، تحقيق محمود محمد الطناحي وعبد الفتاح محمد الحلو، هجر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية: 1413ه   


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق