]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

للفشلِ رسائلُ حكيمة أيضاً !

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2016-08-03 ، الوقت: 15:17:00
  • تقييم المقالة:

للفشلِ رسائلُ حكيمة أيضاً !

 

محمد الحداد /العراق

أجمل وأروع ما في الرسائل الإنسانية أنها يمكن أن تصلنا من عناوين غير متوقعة..أحياناً تُرسلُ لنا الآلامُ والجراحُ رسائلَ مهمة تفيضُ بالعِضات..قد يرسلُ الموتُ لنا مثلَ ذلك أيضاً..حتى الفشل ربما يرسلُ لنا رسائل تمتلئُ بالعِبرِ والحكمة..لكنَّ أغربَ تلك الرسائلِ وأكثرها بلاغة تلكَ التي تصلنا من ألدِّ أعدائنا وهي مغلفة بذلك كله!

من بين رسائل كثيرة مهمة وصلتنا ليلة الانقلاب التركي الكبير سيكفينا أن نستلَّ ثلاثَ رسائل فقط من ثلاثةِ نماذج تركية تصلحُ أن تكون دروساً مجانية حقيقية..الرسالة الأولى من الشعب والثانية من أحزابِ المعارضة في تركيا والثالثة من أردوغان!

أولى الرسائل وصلت من الشعب التركي الذي لقننا فيها أغلى الدروس حينما أبهرَ العالم كلهُ بنزولهِ المفاجئ  إلى الشارع في أشدِّ اللحظاتِ المصيرية وتبنيهِ موقفاً صريحاً بوقوفهِ بوجهِ الانقلاب قبلَ أن يتحصلَ على أيةِ تفاصيل اكتشف بسرعةٍ أنهُ لم يكن بحاجةٍ لمعرفتها..بضعة كلماتٍ فقط من أردوغان عبرَ "سكايب" تكفلتْ بأن يتخذَ الشعبُ التركي فوراً قرارهُ الحاسم هذا ليتصدى لانقلابٍ رفعَ بوجههِ أمضى أسلحتهِ وهو العَلم التركي فحسب..

أظن أن صوتَ الشعب التركي في تلك الليلة الحالكة كان أعلى من صوتِ الدبابة التي قصفتْ مبنى البرلمان ومجلس الوزراء وأكثر منها قوةً وحزماً ..لم ينزل الشعبُ كي ينتقمَ من حكومتهِ الآيلة إلى السقوط..لم يسرق المصارفَ ويحطم المراكز التجارية ويعلن الفوضى في البلاد لكنهُ ربما أتاحَ لنا أن نشاهدَ للمرةِ الأولى صدوراً عزلاءَ تقفُ بمواجهةِ انقلابٍ عسكري عنيف قام بهِ الجيش بدباباتهِ ومدرعاتهِ حتى تمكنَ من إفشاله.. أظن أن الأتراكَ هم الشعب الوحيد في العالم كلهِ الذي فعلَ ذلكَ ولاشك عندي أنهُ كان بطل هذهِ الليلة بلا منازع..فيا لها من رسالةٍ نفيسة لنا بالفعل!

الشعوبُ لا ترتقي هكذا بالصدفة..وهذا الوعي الشعبي التركي العميق الذي تعالى على زَبدِ التفاصيل الزائدة لم يأتِ اعتباطاً أبداً..فالجماهيرُ لا تقامرُ عادةً بزعمائها الذين أحبتهم وخبرتْ انجازاتهم فتقوم باستبدالِ ورقتهم الرابحة بأوراقٍ أخرى لا تعرفُ عن أصحابها أي شيء من دونِ أسبابٍ قاهرة..وجميعُ الانقلابات العسكرية التي حدثت في العالم ما كان ليُكتبَ لها النجاح لولا أنها جاءت مُلبية لمطالبِ الشعوب من أجلِ ردِّ الظلم عنهم فلماذا يقامرُ شعبٌ مستقرٌ اقتصادياً واجتماعياً بطعنِ حكومتهِ في ظهرها تحت جنحِ الظلام ليركبَ ظهرَ أول دبابةٍ تنزلُ الشارعَ بانقلابٍ عسكري غائم المعالم غامض النوايا والأهداف في دولةٍ لا تبتعدُ أكثر من مرمى حجر من جحيمِ حربٍ تستعرُ نيرانها منذ سنواتٍ طويلة وراءَ الحدود؟

الرسالة الثانية كانت غريبة هي الأخرى وحملتْ لنا مفاجئة صادمة كبرى  خصوصاً لنا نحن العرب لأنَّ مَن سيلقننا فيها الدرسَ الثاني هي أحزاب المعارضة لا غيرها..تلك التي كان يفترضُ أنها مناهضة تماماً لسياسة أردوغان في كل شيء لكنها فاجأت الجميع ووقفتْ تلك الليلة معهُ ضد الانقلاب خلافاً لما هو متعارف عليهِ في أبجدياتِ السياسة وبديهياتها..ولو أنها اتخذتْ موقفاً معاكساً لَما كان في ذلك أية غرابة..على الأقل كان بوسعها أن تصمتَ مُعوّلة على الزمن وتختبئَ خلف ستارِ الحيادية ثم تنتظر نضوجَ طبخةِ الانقلاب قليلاً كي تشارك الأكلَ مع الآكلين أياً مَن كانوا..لكنها بموقفها الجريء المناهض للانقلاب أعلنت بوضوح منذ اللحظاتِ الأولى وبما لا يقبلُ مجالا للشك عن انتمائها الصريح للوطنِ أولا وآخراً وتغليب مصلحته على أيةِ مصالح أخرى..موقفٌ كان يتسمُ بمسؤوليةٍ عالية بالفعل ومِهنيةٍ احترافية لا يمكن أن نعزوهُ لحساباتِ القوة والضعف على الإطلاق بقدر ما كان يمثلُ بالفعل وعياً متعقلاً يؤشرُ لفهمٍ ناضجٍ لأساسياتِ ومبادئ المشاركة الحقيقية في بناءِ الدولة المدنية الحديثة ..

الدرسُ الثالث كان من أردوغان نفسهِ الذي أظهرَ تماسكاً عجيباً لم أرَ مثيلاً لهُ عندَ أي زعيمٍ آخر مع أنهُ كان يقفُ بمواجهةِ أعنف زلزالٍ كان يمكن أن يُنهي وجودهُ إلى الأبد..أعجبني كثيراً هدوءَ الرجلِ ورباطة جأشهِ في لحظاتٍ كانت هي الأقسى والأحلك..استثمرَ أردوغان عاملَ الوقتِ لصالحهِ بنجاحٍ تام ولم يأنف أبداً أن يخاطبَ شعبهُ عبرَ الموبايل حينما دعت الحاجة لذلك..كانت كلمات أردوغان موجزة جداً لم تستغرق إلا بضعة دقائق فحسب لكنهُ بدا لي فيها صلباً وواثقاً من نفسهِ ولم يُظهر فيها أية انفعالاتمسرحية مفتعلة من ذلك النوع الذي أدمناهُ نحن العرب في مواقف مشابهة ..خاطبَ أردوغان شعبهُ لكنهُ لم ينبش تحتَ الرماد لينفخَ في جمرةِ الحزبية أو القومية أو العِرق..لم يُذكّر شعبهُ بماضٍ تليد ولا وعدهم بمستقبلٍ زاهر ..هي بضعة كلماتٍ فحسب حثهم فيها على النزولِ إلى الشارع والتصدي للانقلاب نطقَها بصوتٍ خافتٍ ومن دون أيةِ ثرثرةٍ زائدة..وتحت ظرفٍ عصيبٍ كهذا لا أعرف حقاًكيف تمكن من ضبط كل المتغيراتِ الطارئة وأعادَ التوازنَ لها من جديد لتتناغمَ أخيراً مع إيقاعهِ الخاص بوقتٍ قياسي قصير.

أما عن الانقلاب نفسهِ فقد كان محكوماً عليهِ بالفشل مُسبقاً لأنهُ كشفَ بوضوح إلى افتقارِ أصحابهِ إلى الدقةِ اللازمة لنجاحهِ تخطيطاً أو تنفيذاً مع أن الجيشَ التركي لم تكن تنقصهُ القوة ليُمسكَ بيدهِ بزمام الحكم في تركيا كلها..ربما غابَ عن بالِ الانقلابيين أن تصفية أردوغان لوحدهِ أو اعتقالهِ على الأقل ليلة الانقلاب كان سيتكفلُ بإنهاءِ كل شيء فوراً لكن ذلك لم يحصل..وبخلاف هذا لم أفهم مغزى أن يقومَ الانقلابيون بقصفِ مبنى البرلمان ومجلس الوزراء من الجو والأرض كما لم أفهم أيضاً كيف بوسعِ أي انقلابٍ عسكري أن ينجحَ من دون استمالةِ الظهير الشعبي الكبير لصالحهم أو تحييدهِ على الأقل مع علمهم بمدى موالاة الشعب لأردوغان.. كانت تلك ثغرات صارخة مرّت على الانقلابيين بعد أشهر طويلة من التخطيط والتحضير.

لا يزال ثمة الكثير مما سيقالُ عن هذا الانقلابِ التركي الكبير الذي يبدو حتى الآن وكأن ثمة حلقاتٍ كثيرة لا تزالُ ناقصة في تفاصيلهِ ولم تكتشف بعد..سيقالُ الكثير أيضاً عن أسبابِ فشلهِ الذريع وربما سيتكفلُ الزمنُ القادم في كشفِ كل الخفايا لنا تباعاً..الفشلُ الذي ربما لولاهُ ما كانَ لهذهِ الرسائل النفيسة أن تصلَ إلينا أبداً.

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق