]]>
خواطر :
ظللتنى تحت ظل السيف ترهبنى...حتى استغثتُ بأهل اللهِ والمَدَدِ... ( مقطع من انستنا يا أنيس الروح والجسدِ)...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

نظرية المقاصد عند الشاطبي.. نحو إحياء المنهج وتجديد الفهم.

بواسطة: بلال الغريب  |  بتاريخ: 2016-07-26 ، الوقت: 18:11:41
  • تقييم المقالة:

نظرية المقاصد عند الشاطبي.. نحو إحياء المنهج وتجديد الفهم.

شكلت نظرية المقاصد عند الشاطبي رحمه الله نقلة نوعية في مناهج دراسات العلوم الشرعية فهو يعتبر أول من الف في المقاصد باعتباره علما مستقلا بذاته وقائم بأصوله وقواعده، ولا شك ان الشاطبي كان يعلم علم يقين خطورة ما اقدم عليه على مستوى خلخلة المفاهيم التقليدية التي كانت سائدة في عصره وهو الامر الذي جعله ينبه القارئ لنظريته ويوصيه بالتمعن واجالة النظر اذا هو اراد ان يهتدي بنور المنهج الصحيح ويسلك طريق الفهم السليم يقول رحمه الله: "على أن في أثناء الكتاب رموزا مشيرة، وأشعة توضح من شمسها المنيرة، فمن تهدى إليها رجا بحول الله الوصول، ومن لا فلا عليه إذا اقتصر التحصيل على المحصول، ففيه إن شاء الله مع تحقيق علم الأصول علم يذهب به مذاهب السلف، ويقفُه على الواضحة إذا اضطرب النظر واختلف"([1]) .

وكانه رحمه كان  يعلم مصير نظريته، أن القليل هو من سيفهم مغزى ومضمون ما كتبه، وهو الامر الذي تحقق بالفعل، فقد لقيت نظرية الشاطبي اهمالا طويل الامد،  الى ان جاء العصر الحديث فأميط عنها اللثام ونسجت على غرارها رسائل مقتبسة من نور منهجها وأشعة فهما منهجية التأليف في علم المقاصد فألفت الكتب، وانصب الباحثون على دراسة نظرية الشاطبي وأعادوا لها شيئا من الاعتبار بعدما ظلت مهملة ما يقرب السبعة قرون.

على أي فنظرية الشاطبي في المقاصد لقيت اهتماما كبيرا من طرف الباحثين والدراسين لها وكل ينظر اليها من زاويته التي يحسبها ذات الاهمية والتأثير في الواقع او على الاقل في معالجة مشكل التراث واعادة بناء نسق فكري أصولي/ فقهي يتناسب مع النظرة المقاصدية التي نادى بها الشاطبي في عصره، بعدما ساد الاختلاف المذموم وصعب التوفيق بين المختلفين في فهم التراث الفقهي بل حتى فهم النصوص والتعامل مع الادلة، لذلك جاء الشاطبي رحمه الله بمنهج اراده به ان يكون لمجموع المشتغلين بالعلم الشرعي، قاعدة مشتركة ينطلقون منها ويرجعون اليها باعتبارها اولا قواعد قطعية وأصول ثابتة وثانيا باعتبارها منهجا في التعامل مع التراث بصفة عامة، فكان كتابه الموافقات كما يقول رحمه الله: من أجل التوفيق بين مذهب ابن القاسم وأبي حنيفة([2]).

فالتعامل مع نظرية المقاصد عند الشاطبي يختلف من دارس لآخر فالذي يتناول نظرية المقاصد بخلفية فقهية يحاول ان يثبت ان منطلقات هذه النظرية فقهي والذي يتناولها بخلفية اصولية يحاول ان يثبت ان منطلقاتها اصولية والذي يتناولها بخلفية كلامية يحاول ان يثبت ان منطلقاتها كلامية وقل كذلك في الذي يتناولها من خلفية لغوية.. 

وهكذا تبقى نظرية المقاصد قابلة لقراءات مختلفة وبخلفيات متعددة، لانها منفتحة في افكارها على ما هو فقهي وما هو أصولي وما هو لغوي وما هو كلامي وهكذا فالكل يجد فيها مبتغاه، ومنهجه في طريق بناء الفهم السديد والجديد.

وهي حقيقة قل من يهتدي إليها -اعني كون هذه النظرية تندمج في خلفيات متعددة- وللتدليل على هذه الحقيقة نعقد مقاربة بسيطة للتحقق من تجاذب الخلفية الاصولية والخلفية الكلامية لنظرية الشاطبي، فهو ينطلق من الاصل الاستقرائي باعتباره اداة اصولية من أجل الاستدلال على التعليل وينطلق من الاصل الكلامي لفى التحسين والتقبيح ويشركهما معا في بناء موقفه من التكليف بما لا يطاق فيجوزه عقلا بناء على الاصل الكلامي ويمنعه شرعا بناء على الاصل الاستقرائي.

وقل كذلك عند الحديث عن الاصل اللغوي باعتباره احد المنطلقات المشكلة لنظرية المقاصد عند الشاطبي فاللغة عنده الاصل الاول في بناء النظرية واعتمد كثيرا على الاآليات اللغوية من أجل تشييد هذا البناء المتناسق، وهي بهه الاعتبارات كانت نظرية غنية وجديدة من حيث المنهج المعتمد الذي افرز بدوره تأصيلا جديدا يختلف عما عهده علماء الاصول قبله منهجا وتأصيلا ونتيجة.

هذا التميز الذي يقبل التنوع في الاصول جعل نظرية الشاطبي قابلة لمعالجة الاشكالات العلمية كيفما كانت، لانها اما ان تكون راجعة الى الاصول واما ان تكون من افرازات النتائج التي انتهت اليها نظرية المقاصد. واختم هذه المقالة بكلمات ذهبية هي بمثابة نصيحة يقدمها الامام الشاطبي رحمه الله لمن انتصب للبحث العلمي وقدم نفسه للاشتغال بالعلوم الشرعية، يقول رحمه الله: "والبس التقوى شعارا، والاتصاف بالإنصاف دثارا، واجعل طلب الحق لك نِحْلة، والاعتراف به لأهله ملة، لا تملك قلبك عوارض الأغراض، ولا تغر جوهرة قصدك طوارق الإعراض، وقِفْ وقفة المتخيرين لا وقفة المتحيرين، إلا إذا اشتبهت المطالب، ولم يلُحْ وجهُ المطلوب للطالب فلا عليك من الإحجام، وإن لج الخصوم، فالواقع في حمى المشتبهات هو المخصوم، والواقف دونها هو الراسخ المعصوم، وإنما العار والشنار على من اقتحم المناهي فأوردته النار، لا ترد مشرع العصبية، ولا تأنف إذا لاح وجه القضية"([3]) .

([1])  الموافقات لابي إسحاق الشاطبي 5/423، تحقيق مشهور حسن

([2])  نفسه 1/10 و11

([3])  نفسه 1/12


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق