]]>
خواطر :
الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

أبي في القُفَّةِ (قصة قصيرة)

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2016-07-26 ، الوقت: 11:56:47
  • تقييم المقالة:

تعوَّدْتُ أنْ أرى أبي يعودُ، كلَّ مساءٍ، من الأرض المترامية أطرافها حولنا، قد هدَّهُ التعب، واتسخت ثيابُه وأطرافُه بالعرق والتراب والطين وبَرازِ الحيوانات.

يرْكَنُ عُدَّةَ شُغْلِهِ في زاوية من المنزل، يغيبُ دقائق يغتسلُ فيها. وبعد أن يُصلِّيَ فرائضَه، يتمدَّدُ فوق فراشٍ بالٍ، يشربُ الشَّايَ، يقلب قنوات تلفاز لا يجأرُ بصوْته إلاَّ إذا صَفَعَهُ أحدُنا صفعاتٍ متكررةً، يكلمُ أمِّي كلاما أعي نصفَه، ويستغلق عليَّ نصفُه الآخر. بعد العشاء بفترة وجيزة ينْسحِبُ إلى حُجْرتِه وينامُ.

في الصباح لا أراه؛ لأنه يكونُ قد صحا من نومه باكراً، وذهب إلى الأرض المترامية أطرافُها حولنا.

ذات مرة سألته ببراءة الطفل الذي كنْتُهُ:

ـ هل الأرض التي تذهب إليها يا أبي أرضنا؟

ضحك أبي، وقال بهدوء:

ـ كلاَّ يا بني..

سألته بفضولٍ:

ـ إذن، هي أرض منْ؟

قال:

ـ إنها أرض السيد...

ـ وأين يسكن هذا السيد؟

ـ يسكن بعيداً من هنا.

ـ أين بالضبط يا أبي؟

ـ في أماكن كثيرة يا بني، فالسيد رجل غنيٌّ جدّاً، يملك ثروة وقوة ونفوذاً.

لم أفهم بعقلي الصغير، كيف لهذا السيد، الذي يسكن بعيداً، أن يملك كل هذه الأرض المترامية أطرافها حولنا، ولا يملكها أبي الذي يسكن قريباً منها، ويقوم إليها في الصباح الباكر، ولا يعود منها إلا في المساء متعباً مكدوداً؟

سألت أبي:

ـ هل السيد كان يسكن هنا من قبل، ثم غيَّر سكنه من بعد؟

قال أبي:

ـ كلا يا بنيَّ؛ فالسيد ليس من هنا أصلاً، لكننا هكذا وجدنا الوضع، هو يملك الأرض، ونحن نشتغل فيها.

ـ لكنك يا أبي أنتَ الذي تعمل في الأرض؛ تحرثُها، وتسقيها، وتنقيها من الأشواك، وتبذر فيها البذور، وتغرس أشجارها ونباتاتها، وتحصدها في موسم الحصاد.

ـ أنا أعمل عنده يا بنيَّ، وهو يدفع لي الأجرَ.

ـ هل هو أجْرٌ كبيرٌ يا أبي؟

غاضت ابتسامة أبي، خبا نور عينيه، لفَّهُ الصمتُ لدقائق، ثم نظر إلي بانكسار، ومسح بيده الخشنةِ على رأسي، وقال لي وكأنه يهربُ من الإجابةِ:

ـ نعم...

لم أصدِّقْ هذه "النَّعَمْ"، مسَّني تيارٌ من الحزن، انقبض صدْري، امتلأ قلبي بالشفقة نحو أبي، وبالكراهية الشديدة للسيد.

حرصتُ أنْ أُشاهدَ يوماً السيدَ، وأعرف السرَّ الذي جعله يملك الأرض والثروة والقوة والنفوذ، ويجعل أبي وغيرَه يشتغلون عنده، يتعبون، ويشقون، ولا يحصلون في النهاية إلا على الكفاف، أو أقل الكفاف، بينما هو يحصل على كل شيء، ويتمتع بالخيرات والمباهج.

قال لي صديقي الذي يكبرني بأعوام قليلة، وحصل على تعليمٍ أكثر منِّي، إنَّ السيدَ ورث الأرضَ من آبائه وأجداده، وكلُّ الأهالي يعملون من أجله، وهو يتصرف في الجميع كما يشاءُ.

قلت:

ـ كيف؟

فقال مثل قول أبي:

ـ هكذا وجدنا الأمر، منذ حقبة طويلة، هو يملك الأرض، والأهالي يشتغلون عنده.

ـ من أجل ماذا؟

ـ من أجل أنْ يقضي مصالحنا، ويحمينا، ويرْعانا، ويذود عنا الأعداءَ...

ـ هل لنا أعداءٌ يتربَّصون بنا؟

ـ نعم، الأجانب...

ـ الأجانب؟ (قلتُ مندهشاً، وتابعتُ).. لكنِّي رأيتُ السيد يتعامل معهم بوُدٍّ، ويستقبلهم من حين لآخر بترحابٍ !!

قال لي مُتعالماً:

ـ إنَّ السيدَ رجلُ سياسةٍ، يتعامل مع هؤلاء من أجل مصلحتنا، ويعرف كيف يتصرَّفُ.

ـ إنه يأخذ من الأرض، ويعطي لهم، أكثر مما يُعْطي لأبي وللأهالي.

ـ هم أيضا يُعْطون له أشياءً تنفعنا.

ـ يعطون له هو، وليس لنا، فنحن بالكاد نحصل منه على الطعام.

ـ إنهم متعلمون، ونحن جهلاء.

ـ لكن، ما الذي جعلنا جهلاء؟.. أليس ارتباطنا بالأرض من أجل الطعام فقط؟.. أليس استحواذ السيد على نصيب الأسد، بينما نحن نعيش على الفتات؟

نظر إليَّ صديقي مأخوذاً بكلامي، واحتار بما يَرُدُّ، ثم قال لي:

ـ لست أفهم ماذا تقصد؟

أنا أيضا لست أدري كيف خرجت مني هذه الكلماتُ، وأي روحٍ نفثت في روْعي هذه الهواجس؟!

افترقنا أنا وصديقي، وقفلتُ راجعاً إلى المنزل.

لم يكن المساءُ قد حلَّ بعد، لكنْ وجدت أبي في الدار، طريحاً في الفراش، يشكو منْ بعضِ الآلام. قعدْتُ جنْبَه أواسيه، أنظرُ إلى شحوب وجهه، وعروق يديْهِ، وأبكي في داخلي، بينما هو يغالبُ أوجاعَه، ويبتسمُ في وَجْهي...

في يومٍ تعالت نداءاتٌ من حناجر بعض الأهالي، يذْكرون من خلالها اسمَ السيد، ويدعون الناس إلى الالتفاف حوله، ووضْعِ ثقتهم فيه، ويَعدونَهم بأماني وتحقيق رغباتٍ، ويؤكدون أنَّ السيدَ خيرٌ من سواه. تكررت تلك النداءات لأيام متعاقبةٍ، وزَيَّنت صورةُ السيدِ الجدرانَ والشوارعَ.

لبث أبي في البيت أياماً طويلةً؛ مقيَّداً بالمرض، بدأ زادُنا يتناقصُ، وخشْيتُنا من الخصاصة تكبر وتنمو، وما نحاولُ أن ننسى همَّنا قليلاً حتى يهوي القلقُ بمِنْجَله على صدورِنا، يَحْصُدُ منَّا الرِّضا والطمأنينةَ.

لبست أمي جلبابَها الذي تحتفظ به للمناسبات الخاصة، وألبستني بدوري ثياباً نظيفةً، وقدْ أمرتْني أنْ أصْطحبَها إلى الأرض المترامية أطرافها حولنا، كي نقابلَ السيدَ؛ فقد شاع أنه سيزورُ الأهالي، ويوزِّعُ عليهم الإعانات.

كان ازدحامٌ شديدٌ، وكان أكثره بسبب النساء، نساءٌ فقيرات، بائسات، أغلبهن أرامل، وعجائز، وأطفال يتعلقون بأذيالهن.

انحنت أُمِّي أمام السيد، وهي تستلم قٌفَّةً، تمتمت بعبارات الشكر والدعاء. برقت أسنانُ السيد في ابتسامة لامعةٍ، تَخاطفتْها آلاتُ التصوير.

حدَّقْتُ فيه مَلِيّاً أبحثُ عمَّا يجعلني أرتاحُ إليه، وأقتنع أنه "سَـيِّـدٌ" حقيقةً، وخيرٌ من سواه. لم أرَ أنه يشبه أبي ولو في شكل يديه؛ فقد كانت يداه مكتنزتين باللحم والزغب، وكان يرتدي بذلةً فاخرةً، وربطة عنقٍ من حريرٍ، يتوسَّطُها مشبكٌ من ذهبٍ يشُعُّ مثل النَّارِ، ونظارةً غامقةً يُخْفي بها عينيه.

في الطريق، وأنا أساعدُ أُمِّي، بيديَّ الواهنتيْنِ، على حمْلِ القُـفَّـةِ، فاحت منها رائحةُ عـرق أبـي...

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق