]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

عفريت العلبة .. الكتابة من العالم السفلي د. فتحي عبد العزيز محمد

بواسطة: Fathy Aziz  |  بتاريخ: 2016-07-25 ، الوقت: 14:48:52
  • تقييم المقالة:

 

عفريت العلبة .. الكتابة من العالم السفلي

 

د. فتحي عبد العزيز محمد

 

 

 

 

 

 الإنسان كائن تاريخي يعيش في الزمن بالمعني المزدوج: إنه إنسان له ماض وحاضر ومستقبل من جهة وله بداية ونهاية من جهة أخري. مجهول

 

   رواية صادرة مع بدايات عام 2016 عن دار غراب للنشر والتوزيع للمؤلف الشاب عمرو البدالي وهي من الروايات التي يحار المرء في تصنيفها وربما يعزو الأمر إلي ما تعالجه من موضوع لا يمكن أن تدرك كنهه إلا مع اقتراب صفحاتها من النهاية والبالغ عددها 572 من القطع المتوسط. وعلي الرغم من هذا العدد من الصفحات إلا أن القارئ يظل يلاحق أوراقها رغبة في إدراك نهايتها يلاحق صفحاتها بنفس الشغف والمتعة والتعاطف مع شخوص الرواية وأحداثها. وقد يكتشف القارئ أن الإيهام الذي يسعي إليه الكاتب عكس ما ينهي به عمله نحن أمام عمل جديد من نوعه فريد في موضوعه

   

    يصدر لنا الكاتب روايته بعبارة تشعرك بما أنت مقبل عليه من رعب تعايش فيه جو روايات إدجار آلان بو بغموضها ورعبها في نصه المشوق يقول في تصديره " من هذا الذي يقاوم أشخاصا غير مرئيين ... إنهم يرونك ولا تراهم .. يظهرون لك فقط حين يبغون ذلك.. وبالشكل الذي يلائم أهواءهم ....كن حذرا دائما عندما يحدثونك أو يظهرون بالقرب منك.. قد يخترقونك .. لا تثق بأحد حتي أقرب الناس إليك..".

تدور أحداث الرواية علي مدي مئة يوم كما يقرر راوي الرواية وبطلها, وهو بطل من نمط الأبطال الهروبيين الذين لا يملكون المواجهة ولا يتستطيعون إنجاز عمل ما حتى نهايته علي الوجه الأكمل وربما لا يصل إلي نهاية ما بدأ من ذلك حبه للكتابة فلم يكمل رواية بدأها بيد أنه كان مصرا علي إكمال روايته تلك فهي الرواية الوحيدة التي أخرته عن اتخاذ قراره بمغادرة عالمنا بعد أن عاش فيه مسجونا بين قضبان الحياة ذلك أن الدنيا بالنسبة له ما هي إلا سجن كبير.

كيف لنا أن نتابع رواية حكم بطلها علي نفسه منذ البداية بالموت بل هو يتهم الأحياء بأنهم لا يعرفون أهم موتي أم العكس..أنه بطل مستفز وربما كان ذلك أهم ما في شخصيته ويغريك بمتابعته كما أنه بطل يملك من العشق رومانسيته والرومانسية لها إغراؤها لدي المتلقي أيا كان عمره.

يبدأ بطل الرواية بتقديم نفسه والأحداث التي مر بها والبداية في تصوري رغم سوداويتها ناجحة وصادمة يحدثنا معرفا نفسه أو كاتبا تاريخه من داخل منزله بمنطقة المنيل الذي يصفه بالكئيب قائلا: أنا أمير كاظم نصر الدين هو ذاك اسمه ويبدو كأنه يتحدث عن شخص آخر سيقوم بقتله بكل الثقة. ويبدأ الرجل بسرد أحداث الأيام التي حددها لنا لنعرف عنه ما أراد لنا أن نعرفه وفكرت كيف للقارئ أن يتابع رواية يوما بيوم لكني صرفت هذه الفكرة عن ذهني فهناك من حكي ألف ليلة وليلة ولعمري أدهشتني المماهاة أو المماثلة فالرواية مليئة بالأحداث والشخوص والأماكن. أحداث متنوعه انماطها متعدده فمنها ما تشبه المغامرات التي لا يمكنك توقع نتائجها ومنها أحداث ذات وقع جميل في النفس وأحداث تظنها بلا معني لكنها تصب في السياق آخر الأمر فهي تفسر الحدث الرئيسي.أما شخصيات الرواية فنحن أمام عدد كبير منهم علي اختلاف طبائعهم ومكانتهم وأدوراهم، فمنهم رجل الشرطة العنيد الذي لا يكل ولا يمل من أجل الوصول إلي الحقيقة وإن تعرض للهلاك، وزميله الذي يحاول طمسها ضعفا أوخوفا نقيضان مطلوبان في الرواية، ومن الشخوص أيضا رجالات من صفوة المجتمع مالا ومكانة ومن قاعه أيضا حرافيش يذكرونك بنجيب محفوظ وحرافيشه صعاليك ولصوص ومروجي مخدرات. ونساء والنساء عند كاتبنا دائما جميلات ولا يعني ذلك رومانسية يضفيها الجمال علي شخصيتهم بل لعلك تجد منهن عتوا في الإجرام دون أن تدري فلا تؤخذ الأمور بالظواهر فكثير منها مرواغ مخادع،شخصيات ثرية تضيف للعمل وتفتح مجالات السرد والرؤية . أما أماكن الرواية فقد لحقها التنوع أيضا لتنوع الأحداث وتقلباتها ولتعدد الشخوص ومستواياتها فالأماكن موقع الحدث والشخوص هي جغرافيا يلتقي علي أرضها الطرفان ويطيب للكاتب أن ينقلنا إلي كل منها بطريقة كاتب السيناريو وهو يأتي بنقلات بارعة وأحيانا مباغته فيكون القطع مشوقا ولعل خبرته في مجال كتابة السيناريو أكسبته هذا الحس الراقي حمل القارئ علي بساط الريح كعفريت من عفاريت سليمان عليه السلام ليشهد أماكن لم يشهدها منها ما عمره الإنسان فوق الأرض او تحتها وفي مستويات بين بين مثل سكان المقابر الأحياء المجاورن للموتي, فأنت تشهد القصور الفخمة والشقق الراقية والعشوائيات والمحال الراقية والمحال التي لا تصلح لحمل اسمها، تري المستشفي والمعمل وأقسام الشرطة جميع ما سكن البشر وما طرقه الجن في بيوت مسكونة.

 

كان البطل قادرا علي التنقل بين تلك الشخوص والأماكن والأحداث بسرد ربما كان غريبا أيضا فهو يحكي أحداثا لم يكن حاضرا إياها في بعض الأحيان ويبرر ذلك وقوفه علي وقائعها فيما بعد حيث صارت لديه الصورة كاملة.

تبدأ الأحداث برؤية فلسفية لها دلالتها فالراوي يتحدث عن اليوم الأول لذا لا بد أن يكون مدخله الي ابصارنا عبر الحروف مدخلا قويا،فيقول "كان يوما غائما ينذر بهطول المطر الغزير .. امتلأت السماء بالغيوم المحتقنة.. وكأنها تستعد لهجوم شرس بسلاحها المستديم لم تنس السماء ذلك اليوم الذي انتصرت فيه علي من يسكنون أسفلها.. يوم أن غمرتهم جميعا بالمياه فلم يبق منهم إلا من شاء الله له الحياة... يوم ذلك الطوفان العظيم طوفان نوح.. كان ذلك منذ زمن سحيق.. ولم يتكرر مرة ثانية .. وإن كانت تتمني ذلك". اعتقد أن هنا تكمن رؤية الكاتب لعله يتمني او يتبني فكرة التطهر لكثير من رموز روايته وبراعة الكاتب هنا أيضا هو ربطه بين يوم تشرف الأرض علي استقبال غضب السماء ويوم الطوفان العظيم صورة لا ينصرف إليها الفكر إلا فيما ندر رغم أنا نخاف البرق والرعد ومررنا بهول أشد من يوم السيد أبو الوفا إسماعيل وهو البطل الثاني في الرواية وصديق عمر أمير كاظم نصر الدين. هو تاجر مخدرات يهرب من كمين محتوم ولا يقع في يد القناص ذلك الضابط الذي لايفلت من قبضته أحد. أيا ما كانت أيام أمير كاظم نصر الدين فإنه يلتقي بصديق عمره بعد عودة من رحلة لم يحقق أمير فيها نجاحا رغم سنيها الطوال، عاني كثيرا لكنه عاد إلي بيته في المنيل صفر اليدين خاوي الوفاض وقد تملكه الخوف من ذكريات هرب منها سنين عدة زهاء خمسة عشر عاما.هاهو يعود ويطلب من صديقه أن يبيت معه ليلته الأولي في بيت شاع عنه أنه تسكنه العفاريت ويطلب من زميل عمره أن يبحث له عن مشتر فالمنزل يساوي ملايين هذه الأيام ويوافق صديقه أن يسعي له في الأمر لدي سمسار عقارات بالمنطقة ويخبره الأخير أن البيت ملعون من يأتي لشراءه يختفي في ظروف غامضه مزيد من الرعب يضاف إلي رصيده معاناته هو وأمه التي كانت ترفض ما كان يقوم به الأب من أعمال السحر وكتبه الصفراء التي ضاقت بها ذرعا ولا تملك حياله شيئا ويشقي الابن بمعاناتها وما يلحقه بها والده من أذي وما يوسعه بها من ضرب وحشي وظن أنه قادر علي حمايتها لكنه كان أضعف من أن يحمي حتي نفسه من وحشية ذلك الأب الذي لا يعرف الرحمة ولا ينسي أمير يوم أن اشعلت النار في جسدها لتنهي حياتها بنفسها لا بد أن يبيع البيت ليتخلص من كل تلك الذكريات الأليمة كانت أمه أول من عرف من النساء طيبة قلب وحنان غير أن فقدانها زاد من كراهيته لوالده . عرف نساء اخريات أحب ولم يثمر الحب إلا مأساة وتدور بنا الأحداث لتلقي بنا في صراعات عدة جريمة قتل أصحابها يعلنون أنهم لم يرتكبوها قتل خمسة أفراد ويوضع الجميع في مستشفي الأمراض العقلية للتأكد من قواهم العقلية وسلامتها لكنهم باتفاق مع الجن يخرجون من الموقف أبرياء هو اتفاق غير مؤكد أترك للقارئ تبين جوانبه .يعجب أمير بالدكتورة المعالجة علا السيد التي تعاطفت معه حتي بعد خروجه هو وزملائه من هي تلك المرأة الحانية الجميلة هي الشر بعينه أن العفاريت تحركها الكل في دائرة تبدو ميتافيزيقية يبدو أن هناك يد أقوي من العفاريت ليشع نور يهبط علي الحقيقة المفسرة وراء كل شئ أنه الفساد وعالم آخر شروره أقوي من الجن يلعب في خلفية البيت المهجور والمسكون وقلمي لن يبوح بكل الأحداث ..لكن صدمته في العشق الذي ساقته اليه الدكتورة المعالجة كانت القشة التي قسمت ظهر البعير لقد عصفت بكل آماله أدرك حينها رغم انتهاء مشاكله أن اللعنة تطارده ليفعل فعلة أمه وأن كنت أعارض ذلك الموقف إلا أن تلك رؤية المؤلف بعد أن حمل البطل هموم الدنيا وصار أضعف من مواجهتها.

بعد هذا العرض السريع لجوهر الأحداث فإننا أمام رواية شخوصها تميل إلي التغيير لكنها تصطدم برغبات أقوي منها لا يمكنها مجابهتها بما تملك من مال ونفوذ ومقدرة علي اخفاء الحقائق وافساد الضمائر مثل الأب كاظم نصر الدين وابن مدير مستشفي الأمراض العقلية ووالد زوجته  إنها دائرة ملعونه من يقع في فلكها لا يقدر منها فكاكا.

أيا ما كانت طبيعة شخصيات رواية عفريت العلبة، خيرة وشريرة يمكن القول أنها رسمت بكل دقة فتبدو وكأنها قدت من الحياة قدا، وأنك بما تخيلته عنها قد تري بعضا منها رأي العين. فالضابط القناص صورة حية لضابط يسعي وراء الحقيقة مهما كلفته من ثمن لا يكل ولا يمل وهو الذي كشف لنا كل اللعبة التي دارت بين الإنس والجن حقيقة ووهما. ومن الشخوص المثيرة للجدل شخصية الصديق السيد أبو الوفا اسماعيل الصديق الذي يحمل النقيضين في الصداقة الوفاء والخيانة, ويحمل النقيضين في التصرف فهو الشهم ابن البلد والخسيس النذل الذي لا يتورع عن الإتيان باحقر التصرفات انه شخصية رسمت بدقة متناهية مظهرا ومخبرا تحمل الشئ ونقيضة مليئة بالحيوية يعشق ويهجر يصادق ويفجر شخصية تكاد تقفز من ورق الرواية تجالس القارئ ولما لا والعلبة مليئة بعفاريت من البشر أيضا. هو تاجر مخدرات يعيش حياته بالطول والعرض محب لأمه ولأخته وأولادها يعين أخته ويساندها أمام زوجها الجشع ويوقفه عند حده محب للنساء ويسكن حوشا في المقابر شخصية رسمت في براعة يحمد عليها المؤلف.

لا جدال أن رواية بهذا الحجم تضم الكثير من الشخصيات الرئيسية والثانوية تمكن الكاتب من توظيفها بدقة لخدمة السرد الروائي .ويقودنا هذا إلي حبكة الرواية لقد كنت اتوجس أن تفلت منه الخيوط بيد أن الحبكة قوية محكمة فالخيط الرئيسي للرواية مستمر في تصاعده بدقة نحو الخاتمة ومن المدهش أن يحكي علي مدار مائة يوم ومن المدهش أكثر أن لا يحكي يوما بيوم فهو يقدم اليوم الأول ثم اليوم العشرين ليقفز إلي الخلف إلي اليوم التاسع فلا تتشابك معه الخيوط بل تكتمل الصورة وتفسر الأحداث هي مقدرة تدل علي تمكن الكاتب من أدواته ولديه تقنياته الجيدة في تقديم عمل أدبي متماسك.

يهمني في هذه القراءة النقدية لرواية عفريت العلبة أن أشير إلي أمرين لهما شأنهما الأول هو عنوان الرواية لم يرق لي أن يكون هناك عنوان مثل هذا فهو يذكرني بعناوين مضحكة مثل عفريت الست وغيرها وتمنيت لو كان العنوان شيئا آخر ونظرت الي الغلاف الأخير فوجدت عبارة محفزة ربما تجعلك تفكر بمعرفة سر التسمية وهنا وافقت بعد القراءة علي جدية العنوان وتوافقه مع العمل الأدبي تماما.

الأمر الثاني هو استخدام الكاتب اللغة العامية في الحوار علي الرغم من تمكنه بشكل بين من اللغة الفصحي ، والحقيقة إن هذا الأمر منتشر بشكل كبير بين أدبائنا الشباب إلي الحد الذي نجد معه عدد من الروايات كتبت كاملة بالعامية ولا اتفق مع ما يساق من مبررات في مثل تلك الحالات. إن كاتبنا مبدع تقنية وأسلوبا ولغة وقد أتي بصور غير مسبوقة في السرد فما يضيره أن تمسك بالعربية الفصحي في الحوار بعيدا عن مبرر جعل الشخصية تتكلم لغتها أو ماشابه. فهو أديب له قدره ومستقبله.

الخلاصة:

 

نحن أمام عمل أدبي محترم،متميز في موضوعه متعدد في شخوصه وأحداثه ناجح في حبكته كما استطاع صاحبه أن يقدم لنا نمطا جديدا من أنماط السرد استخدم فيه لغة راقية شاعرة تدل علي علو كعب في مفردات اللغة وأدواتها ودلالات ألفاظها، وإن تنازل عنها في الحوار.. استخدم أحيانا خلفيات غنائية وظفها جيدا لمطرب محبوب تذكرني بطريقة ابن بلدته أديبنا السكندري الكبير ابراهيم عبد المجيد .ولا شك أن المقاطع الغنائية تضفي جوا مقصودا علي اللحظة الساردة.                            

 

تجدر الإشارة أن الكاتب خاض غمار تجربة أدبية غاية في الصعوبة فصلب العمل أو جوهره يشبه عش الدبابير ،العفاريت وألغازها وأحاجيها السفلية، المخدرات وعالمها السري. لقد كان عمرو البدالي في عمله هذا مغامرا يغوص في عالم غامض ليكتب عن العوالم السفلي مانري منها وما لم نر. هو أديب واعد ينتظره كما ننتظر منه الكثير .       

 

      د. فتحي عبد العزيز محمد 

 


صورتي لديكم وبالفيس

 


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق