]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

معراجٌ وقتَ السَحَر

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2016-07-16 ، الوقت: 21:24:02
  • تقييم المقالة:

معراجٌ وقتَ السَحَر

 

محمد الحداد / العراق

وسط جحيمٍ مستعر..على مقربةٍمن تخومِ البرازخ..علىمرمى صرخةٍ مكتومةٍ أخيرة اختنقتْ بدخانِ الموت..مسافة شهقةٍ صاعدة إلى السماء.. بحضرةِ أرواحٍ ارتقتْ بُراقاً من نار في ليلةِ القدر وقت السَحَر لتعرجَ إلى اللهِ في قصةِ رحيلٍ لا إيابَ له.

هناك..بين حياةٍ كالموت أو موتٍ كالحياة وقفتُ أتأملُ بذهولٍ ما رَسمتهُ أصابعُ القدر من لوحةٍ حزينة أطلقت على نفسها "محرقة الكرادة" ..كانت ثمة أرواحٌ كثيرة لا تزالُ تطوفُ فوق المكان فيما كان الصمتُ المطبق يُنصتُ برهبةٍ وخشوع لأنينها الخافت..

لا أقسى من أن تقفَ متفرجاً قرب كارثةٍ طازجة لم ينطفئ دخانها بعد..ستطيشُ منكَ الكلماتُ حتماً وسينعقدُ لسانكَ حينئذٍ عاجزاً وأنتَ تبصرُ بعينيكَ ما لا تقدرُ على وصفهِ بشفتيك..حينها فقط وأنت تقفُ وجهاً لوجهٍ أمام موتٍ فصيحٍ كهذا ربما ستفهمُ ماذا تعني بالفعل كلمة حياة..وستفهمُ كذلك معنى فرحة ناجٍ خرجَ بأعجوبةٍ ينفضُ عن نفسهِ الغبارَ من بين يدَي زلزالٍ عنيف أفرغ للتو نوبة جنونه.

قطعٌ من لحمٍ متفحم التصقت عنوةً بفرحةِ أطفالٍ يحملونَ أثوابَ العيد فاستحالت إلى كومةِ رمادٍ محض لا حياة فيه.

بقايا نار ودخان..حفنة بخورٍ وأصابع شموعٍ تستعرُ حزناً بإثرِ الغائبين.. دموعُ وداع وأياد متضرعة لم تتعب من الدعاء لأمهات وآباء لا زالوا يبحثون عبثاً عن جثثِ أبنائهم من دون جدوى..

محلاتُ تبضعٍ راقية استحالت إلى محضِ هياكل كئيبة وموحشة وبقيت لوحدها شاخصة تروي قصة ما حصل من دون أن يطلبَ أحدٌ منها ذلك وهي التي كانت قبل قليل فقط تنبضُ بالحياة وتعجُّ بمتبضعين كانوا يستكملون فرحتهم بعيدٍ قريب..وعلى الأرصفةِ البائسة كان بضعة رجالٍ متطوعين يكنسون بذهولٍ وصمت ما تبقى من آثارِ الكارثة في مدينةٍ لم تكن تعلمُ مسبقاً أنها على موعدٍ ملتهبٍ مع قيامتها الأخيرة وقت السَحر..

هل أصبحتْ حياتنا لهذهِ الدرجة خطأ لا يغتفر؟هذا الخطأ الموغل في القِدم ..خطؤنا الذي لم يستطع الزمنُ أن يغيّرهُ أو يصححَ مسارهُ بعد لكننا رغم ذلك لا نزال نتداولهُ جيلاً إثرَ جيلٍ بعنادٍ وغباءٍ مُستديمين..تماماً كما تورّث تميمة معتقة غائرة في متاهاتِ الأزليدحرجها الزمن نحونا عنوةً عبرَ سلالم تخترقُ غياهبَ الدهور وتختصرُ متاهاتِ السنين.

هو ذاتُ المسرح المألوف..والجريمة هي ذاتها أيضاً..كم أصبح التكرارُ مملاً ومكلفاً حدَّ اللعنة لكن الألعن من ذلك أنها ستدونُ مثل سابقاتها ضد مجهولٍ نعرفهُ تماماً لكننا لا نعرفُ ما يريد..هذه المرة كنت أقفُ قربَ هذا المسرح الكئيب مذهولاً كشاهدٍ محظوظ على محرقةٍ كان يمكن ببلاهةٍ مبهمة وبفارقٍ زمنيّ أخرق أن أكون أحدَ ضحاياها..صعدتُ المسرحَ وتجولتُ في أركانه..ثم استوقفتني سلالمُ الموت..وتسمّرتُ طويلاً أمامها.. كنتأحاولُ أن أسترجعَ قصة أرواحٍ شقّتْ من هنا دونَ وداعٍ طريقاً إلى السماءِ وسط أعمدةِ النارِ والدخان..تلك السلالم التي اقتضى سيناريو مغيّب أن تفضي إلى أبوابٍ مغلقة كانت شاهدة على سخريةٍ كبيرة تدعى ثنائية الموت والحياة..تتبعتُ آثارَ أقدامٍ سوداء تركها الموتُ وراءهُ في كل مكان ..ووجدتني أرددُ بدون وعي وبصوتٍ عال: يا إلهي..هذا موتٌ آخر لا يشبهُ أبداً موتنا الذي ألفناهُ طويلاً وحفظنا تفاصيلهُ من قبل.

بعد ثلاثة أيام من هذهِ الكارثة أقبلَ العيد..كأنهُ أتمَّ أيامَ العزاء ثم جاءَ يطرقُ أبواباً لطخها الموتُ بالحزنِ والعويلِ والأنين..الحقُّ أنني لمحتُ العيدَ حزيناً هو الآخر لأن عينيهِ كانتا متعبتين من كثرةِ ما ذرفتا من دموع وكان يرتدي ثياباً سوداءَ محترقة لا زالت تفوحُ منها رائحة الدخانِ والأجسادِ المشوية..ربما جاء معتذراً وهو يقدمُ لنا واجبَ العزاء لكنني صفقتُ البابَ بوجههِ بقوةٍ وضربتُ حولَ نفسي صومعة موحشة من حزنٍ ودموعٍ ونحيب..أطفأتُ موبايلي وأغلقتُ كل نوافذي مع العالم..هي صدمة مروعة بحق ولا أظن أننا سنصحو منها قريباً..تبادرَ إلى ذهني فوراً أنني عشتُ هذه الكارثة من قبل أكثر من مرة..ومن بين أوراقٍ كثيرة يزدحمُ بها صندوقُ ذاكرتي الأسود عدتُ إلى الوراءِ خمسة وعشرين عاماً لتتداعى أمامي مجزرة ملجأ العامرية..أعرف أن الكوارثَ تجيدُ دائماً استنساخ نفسها مرات ومرات وأعرف أيضاً أننا تعودنا أن نجترَّ كوارثنا كلما دعت المآسي لذلك ونجيد الإبحار دائماً بمراكب الذاكرة في رحلةِ نزوحٍ عكسية صوبَ ماضٍ سيظلُّ عصياً على النسيان لأننا نُصرُّ أن يسكن معنا إلى الأبد ولا نريدُ لهُ أن يغيبَ عنا طرفة عين.

لا تظلُّ أية نكهةٍ للكلام عند الكوارثِ والنكبات..لن يكون بوسعك حينها أن  تنتخبَ أبجدية فصيحة تعطي معنى دقيقاً يصفُ لمستمعيك ما الذي تعنيهِ حقاً كلمة كارثة أو نكبة..لا الصور ولا غيرها يمكنها فعل ذلك أيضاً لكن الحقيقة لوحدها وهي تقفُ كشاهدةٍ وحيدة في ذاتِ المكان وذاتِ الزمان تجيدُ ذلك ببراعةٍ لا نظيرَ لها لذا فلها وحدها الحق كله أيضاً بأن تستأثرَ بروايةِ ما حدث بصدق وأمانةٍ وبلغةِ حزنٍ عربيةٍ لا أشجى ولا أفصحَ منها.

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق