]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . اختصار الكلام براعة لا يجيدها كل أحد، كما أن الإسهاب فيه فن لا يتقنه إلا القلة، والعبقري من يجمع بين الحُسنين   (محمد النائل) . 

الديكة الإفريقية

بواسطة: طارق  |  بتاريخ: 2016-07-11 ، الوقت: 11:59:33
  • تقييم المقالة:

تابع  الملايين من عشاق الساحرة المستديرة مجريات كأس أمم أوربا التي أقيمت بفرنسا والتي تميزت بوجود منافسة محمومة بين فرق قوية ذات صيت كروي عالمي مثل ألمانيا وإيطاليا والبرتغال وانجلترا وفرنسا. وقد تألق منتخب البلد المضيف –فرنسا- بشكل مبهر في هذه المنافسة إذ تمكن من بلوغ المباراة النهائية على حساب بطلة العالم (ألمانيا) في مباراة خالفت كل التوقعات حيث رجح معظم المحليين الرياضيين كفة الماكينة الألمانية التي كانت المرشح الأول لنيل البطولة.

وإذا كانت فرنسا قد نجحت إلى حد كبير في تنظيم هذه البطولة رغم التحديات الأمنية والتهديدات الارهابية والوضع الدولي غير المستقر، وإذا كان المدير الفني للديكة ''ديديه ديشامب'' قد أحسن في إعداد كتيبة فرنسية قوية  نالت إعجاب المشجعين الفرنسيين، فإن ما أثار دهشة  معظم المتابعين عبر العالم هو التركيبة العجيبة للمنتخب الفرنسي التي كان معظم لاعبيها من أصول إفريقة أو من المجنسين الأفارقة حتى اعتقد البعض أن البرتغال يواجه بلدا إفريقيا في نهائي كأس أمم أوربا. وهكذا ففي الرياضة كما في السياسة والحرب والاقتصاد تتجدد فضائل القارة الافريقية على فرنسا.

وحتى نفهم حكاية لبس الأسود والأفيال الأفارقة لأقمصة الديكة الفرنسية لا بد من العودة قليلا إلى التاريخ القريب، وبالضبط ابان الحرب العالمية الثانية، فخلال هذه  الحرب كان هناك 500 ألف جنديا من البلدان الإفريقية من المقاتلين في صفوف الجيش الفرنسي ينحدرون من مالي والبينين وبوركينا فاسو والكامرون والكونغو وساحل العاج والغابون وموريتانيا والنيجر وتشاد وتوغو، ومن الجزائر والمغرب وتونس. و حوالي 150 ألفا من هؤلاء الجنود كانوا من ضمن صفوف الحلفاء في عملية الإنزال بمقاطعة البروفانس في غشت 1944 والتي أدت إلى تحرير ما تبقى من الجنوب الفرنسي من قبضة الجيش النازي. طبعا البلدان الافريقية جنوب الصحراء والبلدان المغاربية كانت تأمل بهذه المشاركة أن تنال استقلالها من فرنسا بمجرد  أن يتحقق نصر الحلفاء، لكن ذلك لم يحدث إذ تنكر الفرنسيون لجميل الأفارقة وساموهم سوء العذاب في سنوات أخرى من الاحتلال والقمع الذي أودى بملايين الأرواح. وحتى عندما نالت هذه البلدان استقلالها فلم يكن ذلك بشكل تام وإنما كان استقلالا مشروطا ومقيدا بعدة اتفاقيات اقتصادية وثقافية تفرض تبعية مهينة لشعوب المستعمرات الإفريقية.

ونظرا للخسائر البشرية الفادحة التي تكبدها الفرنسيون في هذه الحرب وما ترتب عن ذلك من اضطراب في بنية المجتمع الفرنسي الذي فقد فئته النشيطة في ساحات الوغى، فقد وجدت فرنسا ما بعد الحرب في الجاليات العربية والإفريقية ملاذا في إصلاح هذا الخلل الديموغرافي، لذلك كانت هذه الجاليات هي من أشرف على إعادة البناء الحقيقي للمنشآت الاقتصادية والعمرانية وللبنيات التحتية، بل هي من ضخت دماء جديدة في شرايين المجتمع الفرنسي وفي دواليب الاقتصاد.

لذلك كله فإنه مؤسف جدا أن تكون فرنسا من الدول التي تتصدر قائمة الممارسات العنصرية ضد مواطنيها من أصول إفريقية ذوي البشرة السوداء، فقد أفادت استطلاعات رأي كثيرة أن نسبة كبيرة من السود والعرب تلقوا عنفا لفظيا، وكلاما بذيئا خلال مختلف عمليات التسوق و عند مداهمات الشرطة، أو في علاقاتهم مع مصالح الخدمات العمومية وحتى عند تقديمهم لطلبات العمل. ويبلغ مستوى الاضطهاد العنصري أوجه عندما تصدح أبواق تدعو إلى طرد المهاجرين والمجنسين من الأجانب لأنهم مصدر كل الشرور والفتن في بلد أحفاد ''المطرقة شارل مارتل'' . نكران الجميل هذا تجسد بشكل واضح من طرف هؤلاء عندما أقدم الأسطورة الكروية زين الدين زيدان على نطح ماتيريزي المدافع السابق لإيطاليا في نهائي كأس العالم 2006، فبالنسبة لهم زيدان الذي قاد فرنسا للتتويج بأول لقب عالمي سنة 1998 هو فرنسي، أما صاحب النطحة الشهيرة فهو تيس جزائري.

بالرغم من استقلالها، لا زالت القارة السمراء تتعرض في كل مناسبة لتدخلات عسكرية فرنسية تحت ذرائع ومبررات متعددة، فقد تدخلت فرنسا في ليبيا وافريقيا الوسطى وقبلها في مالي وفي ساحل العاج. هذه التدخلات لم تكن أعمالا خيرية ، وإنما  ارتبطت أساسا بحسابات اقتصادية واستراتيجية بحتة، والتي تمثلت في الوصول للموارد الطبيعية التي تملكها القارة والاستفادة من أسواقها الاستهلاكية والسيطرة علي المواقع الاستراتيجية في بعض الدول الإفريقية كقاعدة جيبوتي ومالها من ميزة هامة في مراقبة المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وأيضا لمواجهة الزحف الصيني والأمريكي على القارة

عرفانا بالفضل والجميل، ينبغي على فرنسا أن تتعامل مع البلدان الإفريقية بمنطق تبادل المصالح والمنفعة المشتركة وليس بمنطق الاستنزاف والقمع المغلف بثوب الديمقراطية والحرية. قديما قال الامبراطور الفرنسي  نابليون بونابارت وهو يستولي على الشعوب الأوربية تباعا '' نحن لا نحكم شعبا إلا بأن نريه المستقبل ، القائد هو تاجر الأمل'' أي المتاجرة بالأمل في الحرية، بعد قرون رد عليه مانديلا من أقصى الجنوب الإفريقي '' الحرية لا يمكن أن تعطى على جرعات، فالمرء إما أن يكون حرّاً أو لا يكون.''


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق