]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

( قصص من الواقع)... " أصناف مهنة التسول"

بواسطة: بلقسام حمدان العربي الإدريسي  |  بتاريخ: 2016-07-08 ، الوقت: 17:38:09
  • تقييم المقالة:

 

التسول ، هي المرتبة الأدنى و الأخيرة قد يلجأ إليها  البعض من تقطعت  بهم سبل الحياة . قلت البعض ، لأن ليس كل من تقطعت به  السبل  يلجأ  لهذه الوسيلة وهناك من  يفضل  الموت جوعا أو حتى الانتحار بدل مذلة مد اليد للآخرين. لأن وازع الكرامة لديه  أعلى...

وكما تم ذكره في موضوع سابق ، هذا الوازع ، أي الكرامة ، هو الحاجز المعنوي الذي يمنع الإنسان من الحط من قيمته الإنسانية التي وهبها له الله و سجد لها  الملائكة...

قد تجد فقيرا مدقع لكنه عزيز النفس قد تحسبه في أعلى مستويات السعة و الثراء يقابله غني فاقد الكرامة تحسبه فقيرا في يوم مسغبة. كالذي ينهض قبل الفجر للوقوف في الطابور من أجل شراء مادة خبز هي متوفرة في كل أوقات النهار ...

كيف يكون حال مثل هؤلاء الناس في وقت الأزمات ، وهي أيام متداولة بين الناس والأمم ، كالأزمة التي حدثت بسبب الحرب الكونية الأخيرة وفقدان المؤون والطعام ، عاشها ورواها لنا بالتفصيل أبائنا و أمهاتنا ، كما يسميه " عام الشر" أو " عام البون"، أو نظام  توزيع الحصص الغذائية  ( années  des bons de rationnement  ) ...

رغم ذلك لا ينهضون الناس فجرا للوقوف في الطوابير ، لأن كانت لهم كرامة تمنعهم من ذلك و بتلك الكرامة تمكنوا من تفجير ثورة من أعظم الثورات التي عرفتها البشرية في العصر الحديث...

لينخفض مقاس تلك الكرامة حتى وصل الأمر ، ليس النهوض فجرا للوقوف في  الطوابير ،  ولكن الأخطر من ذلك المشاجرة من  أجل شراء  سيارة معروضة للبيع في معرض السيارات قيمتها أكثر من مليار. لأن لو كانت لهؤلاء كرامة فان السيارة نفسها و صاحبها يأتون طوعا أو كرها منحنين إلى باب هؤلاء...

أو كالقصة التي حكها  لي أحد الأشخاص من مؤسسات تعليمية التي تقدم معونات مالية للتلاميذ المعوزين ، و هي مساعدة رمزية ...

 الغريب في الأمر هناك بعض أولياء تلاميذ يأتون في سيارات فخمة والظاهر عليهم عدم حاجة للمساعدة،  ليقفون في الطابور للحصول على تلك المساعدة التي لا تغني و لا تسمن من جوع...

أو قصة رواها لي احد الأئمة نُصب حديثا في مسجد من المساجد وفي إحدى المناسبات الدينية التي يتم توزيع فيها  مساعدات على الفقراء ، تقدم أحد الأشخاص للحصول عليها (المساعدة) ليتبين أن ذلك الشخص يملك من فيلات و محلات تجارية لا حصر لها...  

المهم ، العودة إلى موضوع التسول. قلت التسول قد يظن المرء في البداية أنها حالات استثنائية يلجأ إليها الإنسان مكرها لشراء في غالب الأحيان  خبزا يقيه من عذابات الجوع ...

لكن المتتبع يكتشف أمور لا تخطر على بال عاقل ، يلجأ إليها البعض من صنف "الفاقدين للكرامة" و تحويل التسول إلى مهنة ، ينقصها فقط سجل تجاري ورقم تسجيل في مصلحة الضمان الاجتماعي. مستغلين هؤلاء  الوازع الإنساني للمتصدقين و خصوصا منهم المؤمنين  الذين لا يرضون رؤية متسول أو محتاج بدون تقديم  له صدقة...

وطور هؤلاء أساليب ، تماما كاللصوص الذين يطورون في كل مرة أساليب السطو و السرقة ، فالمتسولين النوع المذكور يطورون أيضا  أساليبهم الاحتيالية للسطو ، الفرق بينهما أن اللصوص ينهبون أشياء الناس غفلة أو كرها  و النوع الثاني  يسطون و ينهبون عطفا وحدبا...

من القصص التي بحوزتي ، أطلعت عليها من إحدى وسائل الإعلام ، أن شخصا موظفا في دوائر حكومية وبعد انتهاء دوامه يركب الطائرة ليقصد مدينة أخرى لكي لا يعرفه أحد ليتسول فيها ثم يعود بنفس الوسيلة (أي الطائرة) لينام ثم يذهب صباحا إلى عمله، وهكذا. لقد تبين بعد أن افتضح أمره ، ما كان يجنيه من التسول أعلى بكثير من مرتبه الشهري...

والقصة أخرى ، حكها  لي شخصا يسكن بالقرب من المسجد الحي  ، امرأة تتسول يوميا  على أبوابه (المسجد) تصطحب أطفالا صغارا في حالة يُرثى  لها.  وبعد صلاة العشاء و يفترقون المصلين و الناس تأتي سيارة فخمة تأخذ تلك المرأة "المتسولة" و أطفالها "الافتراضيين"...

أما القصة الأخرى عن والدي عندما كان شابا أجيرا ، يوما يعمل و عشرة يبحث عنه (عن العمل) ، بمعنى أنه كان يعيش تحت مستوى الفقر وكان عندما يقصد السوق يجد شخصا حالته يُرثى لها مستعطفا الناس لتقديم له صدقة. وكان والدي رغم قلة ما لديه يقدم لذلك المتسول شيئا مما هو موجودا في جيبه...

وفي أحد الأيام كان والدي ماشيا خارج المدينة و إذ بشخص بثياب فخمة يمتطي حصانا لا يملكه في ذلك الوقت إلا صاحب جاه ومال ، كالوقت الحالي الممتطي سيارة "مرسيدس-بنز " اخر ما تنتجه عقول  المصانع الألمانية...

نظر كل واحد للآخر وكل واحد عرف الآخر ، انه بالفعل  ذلك المتسول الذي يستعطف الناس في الأسواق. منذ الحين أصبح ذلك المتسول  يجتنب والدي في الأسواق خوفا من أن يفضح أمره للناس...

الخلاصة القول ، جميع الأصناف المذكورة هي تختلف عن بعضها البعض من حيث الشكل لكن من حيث المضمون لهم   قاسم  مشترك ، هو فقدان الكرامة...

 

 

 

بلقسام حمدان العربي الإدريسي

08.07.2016   

   


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق