]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

"الأعريكان" أو الشر المعبود

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2016-07-08 ، الوقت: 10:34:05
  • تقييم المقالة:

 

إنَّ الخيْرَ يحتاجُ إلى الشَّرِّ.. والعدالةَ إلى الظُّلْمِ.. والسَّلامَ إلى الفتْنَةِ... فلا بُدَّ أنْ يوجدَ الشَّيْءُ ونقيضُهُ؛ بهذا قضت حكمةُ اللهِ وإرادتُهُ، ولا رادَّ لقضائه.

ولعلَّ الإنسانَ وهو خائضٌ في الشَّرِّ، غارقٌ في الظلم، مستسلمٌ للفتنةِ، هو ما يدفعُهُ إلى البحثِ عن الخير، وطلبِ العدالةِ، ومناشدةِ السَّلامِ؛ فلا شعورَ بالراحة إلاَّ بعد التعب، وتعبُ الحياةِ يكتملُ في الرذائل وليس في الفضائل، وفي الخبائث وليس في الطيباتِ.. والنُّورُ يسطعُ في الظلامِ، وليس في وضحِ النهارِ.

وفي رأيي أنَّ الإنسانَ ينشَطُ ويتحرَّكُ بالشرِّ، قبل أن ينشطَ ويتحرَّكَ بالخير، وما الخيرُ إلاَّ كحديقةٍ غنَّاءَ، يُحيطُ بها سياجٌ أو سورٌ، يستروحُ فيها المرءُ لحظاتٍ قليلةً، يتنسَّمُ فيها الهواءَ النَّقِيَّ، ويريحُ فيها عينيهِ بالمناظر الخلاَّبَةِ، ثم يقومُ منها، كي يستأنفَ نشاطه، ويُعاوِدَ حركته. أمّا ساحتُهُ الحقيقية فهي ساحة الوغى والتدافع والقتال...

وهَبْ أنَّ الحياةَ مُلئتْ بالخير والعدل والسلامِ، ولمْ يعُدْ لأصحاب الشر والظلم والحربِ وجودٌ وأثرٌ، فهل تستقيم، وهل يهنأُ الخلْقُ، وتهداُ نفوسُ بعض البشرِ، ويرضى الجميعُ بالحياة الطيبة، الآمنة، الوديعة؟

الحالمون، والواهمون، والمُتْعبون الفاشلون، قد يقولون "نعم"، لكنَّ السَّادةَ الكبراء، وأصحاب الشأن العالي، والحُكَّامَ، لن يقولوا "نعم"، وإنْ قالوها جهرةً فإنَّ قلوبهم لا تستيقنُها في السِّرِّ، وتأبى مصالحهم؛ فمصالحهم مع الشرِّ وبضاعتِه، وبوجودِ صُنَّاعِ الشَّرِّ وحُلفائه.

إنَّ الحكام يضْمنون وجودَهم بوجود الشر، وسيادة الظلم، وانتشار الفتنة؛ فذلك ما يثبت حضورَهم، ويُقوِّيِ مكانتهم فوق الأرض، ويجعل الناسَ يحتاجون إليهم، ويطلبون منهم التدخل، والإنقاذَ، ومحاربة الدَّاءِ؛ فهم الذين يملكون الدَّواءَ، ويقدمونه متى أرادوا، وكيف أرادوا، كما أنهم يعرفون الداءَ ومكامنه، وأسبابه، وعلاجه، وأصحابه، ويتعاملون معهم بتقديرٍ وحسابٍ، وتقديم وتأخير، وعجلةٍ وبُطْءٍ، وذلك حسب مصالحهم ومنافعهم، ومصالحهم تتحقق دائماً بالشر والظلم والفتنة، كما نرى في الحاضر والماضي.

"نجيب محفوظ" (1911/2006)، في قصةٍ له بعنوان (الشر المعبود)، عالجَ هذه الحقيقة أنصع علاجٍ، وبيَّنَ أنَّ الحُكامَ لا يدومُ لهم الحالُ إلا بوجودِ الشرِّ وأخواته، وأنَّ أيَّ دعوةٍ للقضاء على الشرِّ هي طريقٌ للقضاء عليهم، أو ـ في أحسن الأحوال ـ للاستغناءِ عنهم وعن خدماتهم، وسيجدون أنفسهم في نهاية المطاف عاطلين، وهذا ما لا يرْضون به، ولا يقبلونه.

في قصة (الشر المعبود) أنَّ مقاطعةً من مقاطعات وادي النيل، عرفت شيخاً طاعناً في السنِّ «كان يغشى الأسواقَ، ويزورُ المعابد، ويدعو نفسه إلى الحفلات... ويحادثُ الجميع... ويتركُ خلفه أثراً عميقاً قويّاً...».

«فاستطاع في مدَّةٍ وجيزةٍ أن يستأثرَ بآذان القوم، ويسْحرَ قلوبهم، ويُهيِّجَ عاطفة الخير في نفوسهم... وكان أساس دعوته الجمال والاعتدال... ووجد فيه المجتمعُ المريضُ طبيباً صادقاً بارعاً، فتعلَّقَ بمُثُلِهِ، واعتنق مبادئه... وجاءت النتائجُ باهرةً... فَسُحِقت الجريمةُ، وهُزِمَ الشَّرُّ، وأدْبرَتِ الأمراضُ، وأظلَّتِ السعادةُ بجناحيْها المقاطعةَ».

لكنَّ الحكامَ لم ترُقْ لهم هذه "السعادةُ العامَّةُ"، ولم يطمئنُّوا إلى هذا العهد الجديد؛ إذْ وجدوا أنفسهم في فراغٍ ثقيلٍ، «وشاهدوا بأعينٍ جزِعَةٍ مجْدَهم ينهارُ، وريحَهم تذهبُ، ونورَهم ينقلبُ ظلاماً».

واجتمعوا (وكانوا ثلاثة: القاضي وحارس الأمن والطبيب)، وقالوا إنَّ الشيْخَ أفسدَ المقاطعة!وأنه يعوقُ التقدم ويقتلُ الهِمَمَ!!.. كذلك قال فرعون عن دعوة "موسى"، وقوم شعيب عن دعوة "شعيب"، وزعماء قريش عن النبي "محمد"، عليهم السلام، فبيَّتوا أمراً في الصباحِ.

وفي الصباح اختفى الشيخُ... «وشملَ الحزنُ المقاطعةَ».. غير أنَّ الناسَ بدوْا للحكام أنهم متمسِّكون بدعوة الشيخ، فاهتاجَ الغضبُ حارسَ الأمنِ، وفكَّرَ فكرةً خطيرةً، نفَّذَها في الحالِ، وتلك الفكرة هي أن يَسْتقْدِمَ "راقصةً فاتنةً" إلى المقاطعة، وهو يُدركُ تماماً أنها سوفَ «تفرِّقُ ما بين الأخ وأخيه، والزوج وزوْجه، وبأنْ تُغْري الأغنياءَ بالانْقِضاض على (الفضيلة)...».

وفعْلاً تحقق ذلك «وعادت الحياةُ الشيطانيَّةُ تملأ جوَّ (المقاطعة) الهادئَ، وتعصفُ بالسَّلامِ المُخَّيِّمِ على رُبوعِها»، واستأنفَ أولئك حُكْمَهم، وأظْهروا أنفسَهم، مرَّةً أخرى، في صورةِ منْ يكافحُ ويناضل من أجل الخير والعدالة والسلام...!!

وهذا ما نشهدُ على مَرِّ الحقب والأجيال.

هل أدُلُّكم على مثال؟

"الأعريكان"!

من هم "الأعريكان"؟!

همْ أعرابُ أمريكا.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق