]]>
خواطر :
إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . “كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

نصرٌ تحنّى بالدم

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2016-06-27 ، الوقت: 23:37:46
  • تقييم المقالة:

نصرٌ تحنّى بالدم

 

محمد الحداد العراق

في بيتي كنتُ أجلسُ متكئاً على أريكتي الأثيرة..فتحتُ التلفاز بالريموت كونترول فرأيتُ أرتالاً عسكرية أخبرتني سُرفاتها المُجهدة أنها خرجتْ للتو من معركةٍ شرسةٍ قريبة..كانت الأرتالُ تحملُ جنوداً عراقيين يلوحون بأيديهم بِشارةِ النصر وقد تعفرتْ وجوههم بغبارِ الحرب..

أنا أعرفُ تماماً طعمَ الانتصار وأتذكرهُ جيداً لأنني تذوقتهُ من قبل لكنني فكرتُ مع نفسي: ألم يكن من المحتملِ أن أرتالَ الموتِ الأسود هي التي تمرَّ من أمامي أو تستوطنَ بيتي بدلَ أرتال النصر هذه؟ سمعتُ أصوات تكبيراتٍ كثيرة من مساجد قريبة فهرعتُ إلى الشارع لأستطلعَ الأمر  ففاجأتني كرنفالاتٍ بشرية عفوية خرجتْ تشاركُ أفراحَ النصر..دقائقُ قليلة وامتلأ الشارعُ كلهُ بالسياراتِ والمارّة..رجالٌ ونساءٌ وأطفال كان بعضهم يرفعُ الأعلام العراقية..وقفتُ على حافةِ الرصيف وبدأتُ بمراقبة السيارات التي كانت تمرُّ من أمامي وهي تطلقُ زماراتٍ عالية تناغمتْ مع زغاريدِ الفرح..تخيلتُ نفسي زعيماً أو قائداً عسكرياً كبيراً يقفُ مستقبلاً وحدةً من الجيش عادتْ بالنصرِ من أرضِ المعركة في احتفالٍ مهيب..ثم مرّتْ من أمامي سيارة ممتلئة بشبابٍ وفتياتٍ كانوا يصفقون ويغنونَ فرحين..رمقتهم بعيني وأحببتُ أن أشاركهم فرحتهم فصنعتُ بيدي شارة النصر ورفعتها عالياً فنثروا فوق رأسي الكثير من الحلوى انحنيتُ لألتقطها من الأرض كي أعطيها لأولادي حينما أرجعُ إلى البيت..فتحتُ واحدةً وأكلتها فأعجبتني حلاوتها وتذكرتُ من جديد حلاوة النصر لكنَّ دمعةً ساخنة قفزتْ فوراً من عيني وذكرتني أنَّ هذا النصر لم يكن ليصبحَ أحلى وأطيبَ وأغلى إلا بعدما تحنّى بالدم..فلا نصر من دونِ دماء.  

كانت الفلوجة هذهِ المرة على موعدٍ مع النصر وكانت تلك فرحتنا بتحريرها قبل أيامٍ قليلة..هذه المدينة الوادعة الغافية بحزنها الأبدي على أحضانِ الفرات..مدينة المآذنِ والدِلالِ والجودِ الممزوج بشموخِ وإباءِ الصحراء..لم يغادرها أبداً غبارُ الحروبِ المتتالية..كأن قدرها أن تَعلقَ أقدامها دائماً بفخاخِ الموت..كأن قدرها أن تظلَّ تقتسم وجعها مع لقمةِ الرغيف وتغفو وتصحو ملتفعة بخوفها الأزلي بين احتمالاتِ الموتِ والحياة..ظلت الفلوجة تحلمُ طويلاً بخلاصها الأخير وتنتظرُ يوماً تُضمدُ فيهِ جراحها وتمسحُ عن وجهها المتعب آثارَ الدماء وتكنسُ من شوارعها وأزقتها وبيوتها إلى الأبد رمادَ الحروب وشظايا الموتِ وأغلفة الرصاص الفارغة.

كانت الفلوجة قرابة عامين أسيرةً عند عدوٍ كان مختلفاً عن كلِّ أعدائها الذين عرفتهم طوال تاريخها..عدوٌ لم تألفهُ الذاكرة ولم تدوّن مثيلاً لهُ كل كتب التاريخ..لذاكانت الحربُ للفكاكِ من أسرها منهُ هي الأخرى مختلفة عن كلِّ حروبها السابقة..ويقيناً أن معاركَ مع عدوٍّ من هذا النوع لا يمكن أن تخضعَ أبداً لحساباتِ الزمان والمكان..بل هي لم تخضع حتى لتوازنات القوى العسكرية المتصارعة فعلياً على الأرض..

لسنا هنا بصدد الكلام عن معركةٍ عسكريةٍ تقليدية إطلاقاً لأنها كانت أكبر من ذلك بكثير وسنظلمها كثيراً لو نظرنا إليها من منظارٍ عسكري بحت.. هي لم تكن محضَ صراعٍ حدودي حول أرضٍ متنازعٍ عليها ولا خلافاً على أحقيةِ جزيرةٍ نائمةٍ في عرضِ البحر.. بل كانت صفحة مهمة من معركةِ أنطولوجيا مصيرية كبرى وشاملة بحق..في تلك المعركة كان الوجودُ والعدمُ طرفينِ يتصارعان بضراوة..لم يكن الخصمُ عدواً سهلاً أبداً..ماذا بوسعكَ فعلهُ وقد حشرتكَ الأقدارُ وجهاً لوجهٍ أمام عدوٍلا يرى إلا صورتهُ ولا يسمعُ إلا صوتهُ ولا يحسبُلكَ وجوداً جنبَ وجوده؟عدوٌّ يخبركَ بمنطقِ الموت الذي يعتنقهُ أن لا مكان يسعنا نحن الاثنين معاً.. أكونُ أنا وحدي أو لا أحد معي ..لي كلُّ شيءٍ أو لاشيء لأحد..وفي معاركِ الوجود والعدم هذه أيُّ خيارٍ سيبقى لكَ حينئذٍ وقد وضعكَ عدوكَ رغماً عنك طرفاً في معادلتهِ الإقصائية هذهِ التي كتبها بيدهِ وألزمكَ قسراً بالخضوع لنتائجها؟ لذا لا أرى أننا سنضيفُ جديداً لو قلنا أن لمعركةِ تحرير الفلوجة وقعها الخاص بكل المقاييس.

أرجوك لا تسأل بعد كل ذلك مَنْ صنعَ هذه الكائنات الطفيلية القاتلة وفي أيةِ مختبراتٍ سرية ولأيةِ غاية؟ خسرنا الكثير من وقتنا الثمين ونحن نسألُ ونفكرُ ونُنظّر..لم يعد من المجدي أن نسألَ بعد اليوم أسئلة غبية كهذهِ.. أزفت الساعة وفاتَ أوانُ الأسئلة..هذهِ الجراثيم الخطيرة لن تقتلها المؤتمرات العقيمة ولا الشعارات الرنانة أو الخطابات المسجوعة والأجدى بنا أن نتفرغَ فقط لإبادتها وتنظيفِ الأرض منها إلى الأبد..

لاشك أن ذاكرتنا أصبحت ممتلئة بما لا يُحصى من صورِ قوافلِ الموتِ والدماء وأصوات النواحِ والعويل لكننا بجَردةِ حسابٍ بسيطة سنكتشفُ أن تنظيم داعش قبل تحرير مدينة الفلوجة لم يعد هو ذاتهُ بعدها..يكفي أنهُ خسرَ فيها إحدى أكبر وأهم مرتكزات بقائهِ وسط محافظة الأنبار كلها وهي التي كانت حتى وقتٍ قريب تحت سيطرتهِ الكاملة تقريباً وقد خرجَ منها اليوم وهو يلعقُ جراحهُ ويُخطئ بالعدِّ كلما أحصى خسائره..لم يعد هذا التنظيم لاعباً رئيسياً في المعادلةِ كلها بعد أن انتقلَ مرغماً من مرحلةِ التمددِ والضم إلى مرحلةِ التقهقرِ والانكماش..من مرحلةِ قضمِ الخرائط إلى مرحلةِ الاختباءِ تحتها.

كانت معركة تحرير الفلوجة بحق حلقة مفصلية عصية على النسيان لأنها رسمتْ بالدم خارطة طريقٍ جديدة نحو انتصارٍ نهائي على هذا التنظيم المتوحش وحجزتْ لها في الذاكرةِ مكاناً مُشرّفاً يليقُ بها بعد أن سطرَ الرجالُ فوق ترابهاصفحاتٍ من البطولةِ والمجد لذا بوسعنا القول وبثقةٍ عالية أن هذهِ المعركة لم تكن مجرد محطةِ قتالٍ عابرة انتصفتْ طريقاً نعرفُ أنهُ شائكٌ وطويل بل مثلتْ بوابة كبرى فتحتْ الطريقَ أمامنا واسعاً لمعارك قادمة ستفضي أخيراً إلى حسمٍ قريب.

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق