]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

دين السلطان.. تاريخ نكاح السفاح بين الدين والسياسة

بواسطة: محمد عرفة  |  بتاريخ: 2016-06-21 ، الوقت: 23:04:26
  • تقييم المقالة:

 

 

 

 

 

" إن الإسلام أراد الإنسان ولكن الفقهاء أرادوا الإسلام " جمال البنا 

دين السلطان هو عنوان كتاب عظيم وضخم للكاتب السوري نيازي عز الدين, وهو من أخطر ما قرأت عن هذا الموضوع..

نحن اليوم نمتدح في الدولة الغربية الحديثة أنها دولة مؤسسات لا دولة أقراد.. فهناك "خطة عمل" طويلة الأجل تحكم سياساتها, يعمل بها كل رئيس منتخب كترس ضمن تلك الماكينة.. وليس كما هو في بلادنا العربية : إذا مات صاحب الفكرة الإصلاحية مات معه مشروعه..

سؤال : المشروع النبوي الإصلاحي الذي جاء به النبي ص هل كان مشروع فردي أم مشروع مؤسسي ؟ يعني هل أخذ النبي ص حيطته كزعيم أمة وليدة وأوصى أمته أن تتبع رجلاً سيحمل رسالته من بعده ويكمل المسيرة., أم ترك مشروعه يتعرض للخطر بوفاته.. حيث كانت عيون الطلقاء والمنافقين تتربص منتظرة يوم وفاة النبي ص لتنقض على السلطة وتحبط المشروع النبوي جملة وتفصيلاً.. وتحل الظلم محل العدل وسيادة الحاكم محل سيادة الأمة.. وباختصار : الردة إلى الجاهلية الأولى أيام غارات القبائل على بعضها وسيطرة منطق القوة.

الجواب من وجهة نظر من قرأ التاريخ والحديث النبوي : أن النبي ص جعل رسالته ذات نظام مؤسسي وأوصى الأمة أن تتبع الإمام علي كرم الله وجهه كما في حديث الغدير غدير خم (من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) ونحن نلاحظ في هذا الحديث أن النبي ص يشير ويلمح إلى أن الإمام علي سيكون له أعداء, والنبي ص دعا عليهم أن يكون الله تعالى هو عدوهم وخصمهم.. وهذا أمر كبير يجعل من الإمام علي فيصل بين الإيمان والنفاق, وفي هذا كفاية لمن كان له مسكة من عقل.. لأن الأمر خطير والعيون متربصة بالأمة, ومهمة الإمام علي صعبة وشاقة لأنها تتمثل في العبور الآمن بهذه الأمة والمرور بها عبر غابات ومحيطات مترعة بالوحوش والحويانات والأسماك المفترسة.. فليس الحديث إذن كما يصوّر مشايخ دين السلطان عبارة عن مدح وثناء وتطييب خاطر من النبي ص كما في آلاف الأحاديث التي وضعها هؤلاء المشايخ في حق كل واحد من الصحابة وكأن النبي ص لم يكن متفرغاً لشئ إلا للمدح والثناء على كل من هب ودب ! .. لم تكن تلك الأحاديث إلا تعتيماً على مركزية الإمام علي بن أبي طالب , ومع ذلك فقد ظل متميزاً ولم يرد في حق أحد من الصحابة ما ورد فيه.. قال احمد بن حنبل : "لم يرد في احد الصحابة من الفضائل بالاسانيد الجياد كما ورد في حق علي بن ابي طالب "..

إن من قرأ التاريخ يعلم علم اليقين دلالة حديث الغدير وخطورة حمل مشعل الهداية بعد رفع النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم..

طيب لماذا تم إحباط المشروع النبوي الإصلاحي المعروف بالخلافة الراشدة فانتهى عام 40 هجرية وتم استبداله بالملك العضوض ؟

لأن هذه الأمة مليئة بأصحاب المصالح والمطامح وبالبله والمجانين المطبلاتية وماسحي الجوخ وحملة المباخر.. لم تفهم الأمة مقصد النبي ص ولم تستوعب مركزية الإمام علي كرم الله وجهه.. ولست أتحدث عن الخلافة والسياسة فقد كانت خلافة أبي بكر رضي الله عنه صحيحة وكذا خلافة عمر رضي الله عنه وكذا خلافة عثمان رضي الله عنه كلها كانت بالشورى والديمقراطية.. ولكني أتحدث عن الإمامة الدينية للإمام علي التي لم يفقهها المسلمون.. فضلاً عن الخلافة السياسية التي سلبت منه على مرأى ومسمع من الكل.. 

الانقلاب الذي قام به معاوية بن أبي سفيان رأس الطلقاء على الإمام علي الخليفة الشرعي المنتخب فأطاح به وتسبب في قتله ثم القفز على كرسي الحكم وتحويل الخلافة الراشدة عن مسارها الإصلاحي من سيادة الشعب إلى الحكم الفردي الشمولي وجمع خيوط كل مفاصل الامة في يد الحاكم أو الإمبراطور الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.. هذا الإنقلاب كان تحت مظلة شعار ديني هو (قميص عثمان) الذي صار مثلاً من أمثال العرب للتندر بخبث الخبثاء ومكر الماكرين.. لقد كان معاوية هو مؤسس دين السلطان أو الإسلام السياسي تحت مظلة القصاص الشرعي لدم عثمان ووجوب تطبيق الشريعة وتطبيق الحدود.. سبحان الله نفس النغمة التي لا نزال نسمعها الآن.. وانطلت تلك الحجة على جماعات الخوارج فقالوا للإمام علي " لا حكم إلا لله ولو كره أبو حسن" ! وانتهى المشروع الإصلاحي على يد معاوية بن أبي سفيان وخلفائه الذين ضربوا أروع الأمثلة في السكر والعهر وجباية الضرائب من عباد الله ثم جمعها لحسابهم الشخصي..

لقد شاهد الصحابة بأم أعينهم ثمرة مشروع معاوية الإنقلابي يوم وقعة الحرة وقتل الصحابة والقراء بالآلاف واغتصاب النساء وسبي الأطفال.. كما سمغوا خطبة زياد البتراء وسمعوا مقولة الحجاج بن يوسف الثقفي " إني أرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها".. وهم يسترجعون شريط الذكريات وهم يرون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي يقف كل واحد منهم بعد الآخر يخطب قائلاً "إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني".. نعم .. كان ماض جميل يمثل استمراراً لنعمة كبرى حملتها السماء لهم بهذا النبي الكريم.. ولكنهم لم يقدروها قدرها ولم يصبروا على رشاوى معاوية وهرعوا إليه وإلى أمواله التي كان يجبيها من بيت مال المسلمين ويوزعها على أنصاره ولحاسي نعاله والمتكالبين على موائده.. لم يصبروا على عدل الإمام علي وورعه عن أخذ درهم واحد من بيت مال المسلمين ليصرفه في غير حقه.. كان هذا تقشف وزهد في مقابل فتنة معاوية صاحب مشروع الإنقلاب الكبير الذي لا زال سصفق له المغفلون والفقاقيع والبكتريا البشرية حتى اليوم..

لقد حاول الإمام علي أن يصلح ما أفسده بنو أمية من قبله حتى تسببوا في قتل سيدنا عثمان رضي الله عنه بحسن نيته وصفاء طويته.. ولكن الإمام علي لم يجد العدد الكافي من الأنصار لمشروعه النبوي للإنقاذ والعبور الآمن في مقابل أنصار مشروع معاوية وثورته المضادة التي لم ينتبهوا إليها ولم تتجاوز أنظارهم موضع أقدامهم.. 

لقي الإمام علي ما لقي من العنت والصد والغباء كما تصور خطبه, حتى صار في أواخر أيامه يسأل الله تعجيل الشهادة.. روى البخاري في صحيحه بسنده في في تفسير قوله تعالى (هذان خصمان اختصموا في ربهم) : عن قيس بن عباد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، قال : (أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة). فإذا كان الإمام علي الإمام وخليفة المسلمين سيجثو على ركبتيه يوم القيامة مما حل به, فهذا يصور عِظَم وحجم ما وقع عليه من أذى وبلاء..

نعم إن من قرأ التاريخ يعلم علم اليقين دلالة حديث الغدير.. وهذا المقال للأستاذ جمال البنا رحمه الله يبيح باختصار قراءة سريعة للتاريخ وكيف تحول الإسلام من دين الإنسان إلى دين السلطان حتى يكاد يصل الفرق بين الإسلامين إلى حد التناقض : 

http://www.almasryalyoum.com/node/1466166
http://www.almasryalyoum.com/node/1484561

وأنا على يقين من أنك ستكتسب الكثير من المعرفة بعد تمعنك في القراءة.. وسوف ينحل لديك لغز الولاء بين مشايخ دين السلطان وبين اسرائيل والعداء لإخوانهم الشيعة في إيران المسلمة ولبنان المسلمة تنفيذاً لمخططات الصهاينة في تفتيت الوحدة الإسلامية على النقيض من وصية الله تعالى في كتابه (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم).

قال النبي ص ( ما اخاف أن تشركوا بعدي, ولكن أخاف أن تبسط عليكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسها من فبلكم فتهلككم كما أهلكتهم).. أو كما قال النبي الكريم ص.. 

هذا التحول في تاريخ الإسلام سنة 40 هـ كان بإرادة الله تعالى.. وحاش لله أن يقع في كونه ما لا يريد.. والحكمة منه أن الناس ليسوا كلهم مؤمنين بل فيهم كفار يغطون الحقيقة ولا يريدونها.. ومن ثم لا يمكن فرضها عليهم.. وقد خلق الله تعالى دار الدنيا من أجل إتاحة هذه المساحة من الحرية ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) بعد أن نافق من نافق أمام مشهد جلال الربوبية يوم ألستُ (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا ) قالوا بلى نفاقاً لعدم استطاعتهم البوح بما في نفوسهم من رفض الحقيقة..

لذلك خلق الله تعالى الدنيا لكي يعلن الكل اختياره في حرية تامة..

ومن هنا يتصادم مع إرادة الله من يقولون بحد الردة والتحكم في اعتقادات الناس وحريتهم الفكرية.. ونحن نعذرهم هؤلاء ال*****ة.. مساكين لا يدرون شيئاً عن الدين الحقيقي وإنما هم فقهاء النسخة التقليد لا النسخة الأصلية.. 

يقول الراحل جمال البنا في كتاب "إستراتيجية الدعوة الإسلامية في القرن الواحد والعشرون"

"إن الدعوات الإسلامية نصبت نفسها للدفاع عن الإسلام وإظهار مزاياه. والدفاع عن الإسلام بالدرجة الأولى هو مهمة الأكاديميين والكتاب، والإسلام بعد محفوظ بحفظ الله، ولا يعنى الدفاع المجرد عن الإسلام شيئاً، وكان يجب أن تعنى الدعوات الإسلامية بالغاية التي جاء الإسلام لها فتحقق ما أراده الإسلام. فضلا عن أن هذه طبيعة الدعوة الجماهيرية 

وأدى اقتصار الدعوات الإسلامية على الدفاع النظري عن الإسلام وتخليها عما أراده الإسلام بالفعل لحدوث فراغ، وكان لابد أن يُملأ هذا الفراغ (ليبرالية .. علمانية.. ديمقراطية الخ)

على أن الدعوات الإسلامية التي نصبت نفسها للدفاع عن الإسلام لم تحسن القيام بهذه المهمة لأنها عرضت الإسلام السلفي. ولأنها جعلت من نفسها أداة لإذاعة أفكار بعض الفقهاء أو المذاهب مما لا يمثل إضافة إلى الفكر الإسلامي، وقد عنيت بعض هذه الدعوات بطبع كتب التراث، وبيعها بأثمان زهيدة أو على أجزاء ونشرها بين طلبة الجامعة الخ 

وهذا في حقيقة الحال لا يخدم الإسلام بل يقدم صورة عقيمة عن الإسلام ويؤخر بدلا من أن يقدم فهم الإسلام. وهذا الفهم المغلوط هو السبب في ظهور دعوات تقوم على التعصب أو تمارس العنف أو تقتصر على الطقوس والشعائر والوعظ والإرشاد 

أو تؤمن " بالحاكمية الإلهية " التي ضللت فريقا من المحدثين، كما ضللت الخوارج من قبل وأدت إلى تضخم "التدين الأخروي" بين معظم فئات المجتمع، خاصة شباب الجامعات والمهنيين ويتبلور هذا التدين في الشعائر وبوجه خاص في الصلاة. فكل جزئية في الصلاة بدءا من الوضوء والتيمم حتى التسليم في نهاية الصلاة هي محل عناية وتدقيق يعاد فيها إلى المراجع أو يسأل فيها الفقهاء، وقل مثل ذلك عن جزئيات الصيام والحج وعذاب القبر والجنة والنار

وتنعكس هذه الحالة الفكرية النفسية على سلوك وتصرفات أصح ابها وطريقة عملهم. يقابل هذه الجرعة الزائدة من " التدين الأخروي " إهمال " للتدين الدنيوي " أي الأخلاق والقيم التي يدعو إليها الإسلام لتستقيم الحياة من صدق، أو إنفاق، أو حرية أو سماحة أو عدل أو إعمال للعقل أو بذل للجهد. لأن التدين الأخروي لم يبق شيئاً، أو لم يبق إلا القليل للتدين الدنيوي..

وليس أدل على العجز الفكري للدعوات الإسلامية على الساحة من أنها لم تقدم تنظيراً أو تحليلا لتحديات العصر ولكيفية تعامل الإسلام فيها، لأنها جميعاً محكومة بالأطر السلفية التي ليس لديها ما تقدمه حلا لمشكلات العصر". المشروع النبوي لم يتم إعدامه من الوجود وإنما تم إخفاؤه فقط وإظهار نسخة أخرى من الإسلام هي النسخة السلطانية.. وأما المشروع النبوي فلابد من الجهاد لكي تعثر عليه.. الدليل قوله تعالى (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) ولو كان الحق واضحاً والكل معه الكتاب والسنة كما نسمع لما قال الله تعالى هذا ولما وردت هذه الآية في القرآن.. 

 

جماعات الخوارج الجدد القائمة على محور عقيدة "الفرقة الناجية" مهمتها تقزيم هذه الأمة واختزالها في كيانهم القزم المجهري.. وقد أخطأوا وأجرموا في حق هذه الشعوب المسلمة حين اتهموها بالمروق والردة إلى الجاهلية الأولى والرضا بعدم تطبيق الشريعة.. كيف يتصورون أن الشريعة غير مطبقة إلا لأنهم لا يعترقون بنظام الدولة الحديثة ودولة الدستور والقانون ؟ ولجهلهم يتصورون أن الشريعة ستطبق لو تولى الحكم شيخ بلحية ولو كان الحجاج بن يوسف الثقفي ! أين ثورة الإسلام الأولى التي ظهرت في مكة ضد منطق القوة ؟ هل تلك الجماعات تدرك حقيقة ما فعله النبي ص ؟ أم تدرك فقط الصورة التافهة السخيفة الطفولية التي يعرضها لهم شيوخهم عن الإسلام ؟

إن جهد النبي ص ليست ثمرته هي تلك الأشكال القذرة والجلابيب القصيرة واللحى شيطانية والوجوه المكفهرة والرؤوس التي طلعها كشجرة الزقوم ! وإنما جهوده المباركة هي بسمة طفلة تلبس (شيك) في تركيا.. أو امرأة تتولى القضاء بل رئاسة المحكة الدستورية العليا في مصر, أو عالم ذرة بل عالمة ذرة مثل سميرة موسى أو عبقري مثل جمال حمدان اللذان اغتالتهما اسرائيل لمعاداتهما للصهيونية.. أو دولة مسلمة صنعت قنبلة نووية مثل إيران تهدد بها أركان الكيان الإسرائيلي.. نعم هذه هي النماذج المشرفة التي يفخر بها أي نبي كريم ربى أمة ونذر حياته لتويرها من ظلمات التخلف العقلي المعششة برؤوسها.. كم هو حجم الفرق بين امرأة شابة عالمة ذرة مسلمة كسميرة موسى تنصر دينها وترفع رأس أمتها, وبين شيخ سلفي بلغ من الكبر عتياً ولا تجده يعرف من قضايا إسلامه سوى ختان الإناث ! أو تقصير الثوب أو إطالة اللحية أو على أقصى تقدير : تحريم الخروج على الحاكم !

هل يجب أن أكون إنساناً فاشلاً كهذا النموذج لكي أكون مسلماً ؟ ألا يمكن أن أكون مسلماً لو كنت مثل جمال حمدان أو سميرة موسى أو أحمد زويل مصطفى السيد أو أو ؟! وهل لو هاجمت النموذج المتخلف أكون كافراً ؟!!

إن الإسلام يعيش في خلايا ونسيج ودماء تلك الشعوب المسلمة سواء ظهرت سلفية أو لم تظهر ! بل إن الإسلام الحق كان أظهر وأقرب لقلوب الناس قبل ظهور جماعة الإخوان سنة 1928 والتيارات السلفية في السبعينات.. لأن تلك التيارات ببساطة فتحت ملفات الإسلام السلطاني الموجود في كتب الفقه والحديث وتركت القرآن على جنب يتراكم عليه الغبار ! لعنة الله على تلك التيارات فلو كانت رجلاً لقتلته !

وأنا على يقين من أن وجود تيار العلمنة والإلحاد في عالمنا العربي سببه هذا التراث الفقهي البشري وتلك الجماعات التي تبنته وأطلقت عليه وصف الإسلام الرسمي. 


يقول الاستاذ جمال البنا :

"وأي دارس أمين لطبيعة المجتمع العربي لابد وأن يعترف بالأثر العميق للإسلام عليه وأنه تغلغل في أعماق المجتمع حتى خالط اللحم والعظم، ونحن لا نعلق هنا على دلالة تمسك جماهير الشعب بالصلاة باعتبارها شعيرة خاصة جدا بالفرد، وقد لا يظهر مردودها بشكل مباشر، ولكن خذ الصيام مثلا الذي يشمل أثره الفرد كما يشمل المجتمع.. فالمجتمع كله يتغير في رمضان، تبعا لما يقتضيه الصيام بما في ذلك تغيير مواعيد الوجبات والأخذ " بالسحور " الذي يسبق الفجر، وما يفرضه رمضان على المجتمع من ابتعاد عن المجاهزة بالفواحش الخ 

ولا يقل عن ذلك أهمية الزكاة فإن نسبة كبيرة من الأغنياء يقدمون الزكاة إلى الفقراء من الجيرة أو الأهل أو المعارف مما حال دون زيادة تدهور الفئات الفقيرة وأوجدوا قدرا من التراحم والتماسك الاجتماعي، كا قام نظام الوقف بدور الممول الأكبر للمدارس وللهيئات العلمية ولمختلف وجوه البر، وهذا كله إنما تحقق بفضل الإيمان الإسلامي وتطبيق ما أمر به الدين وما كان المجتمع القديم ليستطيع التماسك في ظل استبداد الحكام وجورهم، إلا بفضل وجود هذه النظم 

ولم تأخذ حركات التجديد في الشرق العربي طابع الثورة على الإسلام - كما أخذته في أوربا ضد المسيحية أو الكنيسة - بل بدأت بأفراد يمتون إلى الأصل الإسلامي - مثل رفاعة رافع الطهطاوى، وعلى مبارك في مصر. أيام عباس الأول ( الذي خلف محمد على ) ثم جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في عهد الخديوي إسماعيل وتوفيق بل إن أحمد لطفي السيد سافر إلى الأستانة ليلقى جمال الأفغاني ويتتلمذ عليه، وعندما ظهر جيل جديد يبحث عن أيدلوجيات أخرى كالماركسية أو الفرعونية والأخذ باللهجة العامية دون العربية الفصحى فإن هذا الجيل فشل تماما ولم يرزق أي شعبية 

فالتكتلات الماركسية ظلت غريبة على المجتمع المصري، وأعترف محمد حسين هيكل بفشله في فكرة الفرعونية آونة، والمثل الأوربية مرة أخرى، وعاد إلى الأصل الإسلامي بل إننا نجد كاتبا قبطيا ويساريا وداعية لاستخدام العامية كالدكتور لويس عوض وهو يفشل في ذلك ويقلع عنه حتى في " مذكرات طالب بعثة " التي بدأ بها تجربة الكتابة بالعامية إذ تتخللها عبارات قرآنية أو إسلامية. كما نجد الاستشهاد بآيات قرآنية أو بأقوال لعمر بن الخطاب وخالد بن الوليد في خطاب الحزب الشيوعي السور - الذي كان يعد من أقوى الأحزاب في العالم العربي. 

وقد كان شبلي شميل وهو طبيب لبناني استوطن مصر - ملحداً وترجم أصل الأنواع لدارون. ولكنه دافع عن الإسلام وبرأه من أن يكون علة تخلف المسلمين 

وباستثناء قسم من سكان العواصم وبعض الفئات الأخرى فيمكن القول إن جمهور الشعب العربي في المدن والقرى لا ينقصه التدين، بل لعل نصيبه منه أكثر من المطلوب، وإن حالت المفاهيم الشائعة والمغلوطة لهذا التدين دون بروز قيم الحرية والعدالة والمساواة في المجتمع. على ما أشرنا إليه من غلبة التدين الأخروي على التدين الدنيوي 

وإذا كان التاريخ الحديث اصطنع أصولا وقوى ومرتكزات غير الدين، فإن هذا حدث في أوربا التي لم تكن يوما أرضا لأديان، ولم نسمع فيها بنبي أو رسول، وقد كان هوميروس ومجموعة الشعراء اليونانيين، والمسرحيين الكبار هم الذين صنعوا الديانة اليونانية، ووضعوا مبادئ الضمير والخلق والواجب، وتأثرت بهم الحضارة الرومانية وظل ذلك حتى العصر الحديث وما يصدق على أوربا لا يصدق على الشرق، فالأمم كالأفراد لها قدرها ومصيرها المعين الذي لا يمكن تغييره أو الإفلات منه.. فلا يمكن أن نتجاهل تاريخنا ونستجدى تاريخا آخر. إن هذا غير ممكن وغير مطلوب"

الكلام الملون بالأحمر هذا كلام رجل عملاق مبدع لم أقرأه لعلماني نصف مثقف ولا إسلامي مُغيّب غارق في تراثه الأموي العفن.. أنا كل يوم أرفع القبعة لهذا الرجل 

يقول الأستاذ جمال البنا أن زهد البعض في الاسلام يعود إلى الفكرة المغلوطة المأخوذة عن الدين التي يروج لها ويدعو إليها رجال المؤسسة الدينية من شيوخ وخطباء مساجد من الذين لا يعرفون عن الإسلام إلا الطقوس العبادية والشعائر والمظاهر التي هي من الدين كالجسد من الروح، ولعله معذور في ذلك. ولكن الحقيقة هي أن الأديان أعظم وأنبل فكر أراد الله به هداية البشر وهو يمثل قيم الخير والحب والمساواة والعدل والحرية وهو الذي يغرس في النفوس مبدأ الإيثار والإحسان والرحمة وهو الذي يلهم الفنانيين والكتاب روائعهم وهو الذي يلمس أسرار الروح وعوالم القلوب، وهو الذي يلزم الحكام والأغنياء العدل في السياسة والاقتصاد ويبقى على البيت والأسرة ويربطها برباط من المحبة والتراحم.

وحتى بالنسبة للذين يضعفون أمام الإغراءات فإن الدين لا يرفضهم لأنه يعترف بالطبيعة البشرية وهو يدعوهم إلى الاستغفار " ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما " فكل ما يمكن أن تقدمه أفضل النظم السياسية والاجتماعية والآداب والفنون توجد في الدين. فالدين هو ذخر البشرية وهو هدية الله تعالى للبشر، وإذا كان برومثيوس قد قدم للبشرية النار.. فإن الأديان قدمت للبشرية النور 

 

 

وحتى بالنسبة للوسيلة، فالذين يضيقون بالإسلام لأنه رمز الحفاظ والتقليد إنما نظروا إلى الفقه السلفي وجهلوا الطبيعة الأولى للإسلام والدور الثوري الذي قام به بحيث حقق أعظم ثورة شاملة في تاريخ العالم بأقل قدر من العنف والدماء، ولو ترك الإسلام دون مجابهة لما اضطر إلى القتال، لأن ثوريته تكمن في المعاني والقيم والأثر النفسي العميق الذي يوجده القرآن في النفوس فهنا - يمكن أن تقوم ثورة دون دماء أو تفتح مدينة دون غزو كما " فتحت المدينة بالقرآن " كما قالت السيدة عائشة.   
في رأيي الشخصي أننا لو كنا نطبق رسالة الإسلام كما هي كما نزلت لما احتجنا لاستيراد ليبرالية أو تبرير لوجود علمانية لا تتعارض مع الإسلام أو ديمقراطية لا تتعارض مع الإسلام..

ركزوا في هذه العبارة للأستاذ جمال البنا : 
"اقتصار الدعوات الإسلامية على الدفاع النظري عن الإسلام وتخليها عما أراده الإسلام بالفعل (الدفاع عن الإنسان) أدى لحدوث فراغ، وكان لابد أن يُملأ هذا الفراغ (ليبرالية .. علمانية.. ديمقراطية الخ)" [ما بين الأقواس توضيح مني]..

نحن عندنا فراغ فظيع في عالمنا العربي والإسلامي في باب الحرية والديمقراطية ليس بسبب الحكام فقط كما يبرر كُهّان الضلالة.. وإنما لأنهم فتحوا بئراً نتنة تقيد الحريات وتنظر للمرأة على أنها مخلوق للجنس وتؤله الحكام ولو عبيد رؤوسهم زبيبة طُلقاء مرلفة قلوبهم.. الخ

جبرية مقرفة وتماوت رهيب ! على النقيض من عصور لا أقول فجر الإسلام بل عصور الجاهلية ! كيف سادت المتنبئة سجاح قومها وقادت حركة سياسية كبيرة كانت هي العقل المدبر لها في الحرب والسلام ؟ إذا كان حال نساء العرب أنهن عورة لازم تتدارى كما هو حال سلفيو اليوم !! هؤلاء أشد تخلفاً من مشركي العرب إذن ! الذين كانوا يسجدون للات والعزى!

حدث فراغ في العالم العربي فاستوردنا الاشتراكية والرأسمالية والقومية الخ.. لسد الفراغ.. مع أن هذا عندنا لكن معتّم عليه, ولو ظهر على يد أحد لحورب كما حورب رواد النهضة رفاعة الطهطاوي وطه حسين وغيرهم واتهموهم بأنهم تغريبيون يستوردون الكفر من الخارج ! والحقيقة أن شيوخ الظلام هم معدن الكفر والمادة الخام للجهل والتخلف !

الشيخ الخرِف الذي يدعو الآن لاحتلال مصر.. الشيخ الخراضاوي.. له كتاب بعنوان "الحلول المستوردة وكيف جنت على أمتنا".. يروج فيه للإسلام السياسي ويقول جربنا الاشتراكية وجربنا الرأسمالية وو.. فلماذا لا نجرب الإسلام ؟ 

أي إسلام الذي يريد أن يجربه ؟ إسلام تركيا الصوفي الذي دعى إليه بديع الزمان النورسي ؟ أم الإسلام السلفي الذي ثار عليه شعب مصر مرتين مرة يوم 30 يونيو ومرة يوم 26 يوليو.. حتى اكتظت الشوارع ولم يكن هناك موضع لقدم.. إنه إسلام جماعة الإخوان المجرمين وجماعات السلفية.. الذي لم يستطع سد الفراغ.. 

كيف يسد فراغ الحريات العامة ومطالب العدالة الاجماعية وهو مؤسس على عكس هذا ؟ في بلاط الحكام حيث حرم الخروج عليهم وأعطاهم السلطة المطلقة ! 

إن القرضاوي نفسه يعتبر جمال البنا من المارقين الجهلة ! مع أن الرجل عاش حياته رهاب متبتل في محراب مكتبته يعكف على الكتب ويحني ظهره كل يوم ساعات طوال ليخرج في النهاية بعد خمسين سنة بنتيجة لم يعرفها لا القرضاوي ولا ابن تيمية ! كيف يكون هو المارق والقابع في جزيرة الموز هو الزاهد الورع.. عجبت لك يا زمن.. أحيانا أشعر أن هذا الزمان هو زمان الكذب والنفاق. 
    إذا بدأ خط الإنحراف سنة 40 هجرية من الخلافة الراشدة إلى المُلك (والملك يعني اختكار معاوية لموارد الدولة لحسابه الشخصي) إذا علمنا هذا : فهمنا مغزى المقولة الشهيرة المروية عن غير واحد من الكهنة من كل من هب ودب الذين يسمونهم سلف : 

(معاوية سِتر لأصحاب محمد ص).

والمسألة ليست أصحاب سيدنا محمد ص ولا يحزنون وإنما هي مسألة تعتيم وتعمية وتمويه ودجل بغرض حفظ نسخة معاوية من الإسلام السلطاني الذين يشلون به حركة الجماهير ويخرسون به ألسنتهم ويُعمون به أبصارهم وبصائرهم.

شخصية معاوية شخصية محورية في التاريخ الإسلامي كشخصية الإمام علي تماماً.. ولكن على الجانب المقابل للحق.. ولذلك الصراع بينهما لم يكن صراع على سلطة -نعم كانت عين معاوية على السلطة - وإنما كان الأمر أكبر من هذا : كان الصراع على مشروع ونظرية واستراتيجية وتقرير مصير نكون أو لا نكون.. TO BE OR NOT TO BE 


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق