]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . 

"تاريخنا العلمي المفترى عليه" أمتنا الإسلامية بين كهنة الوهابية وزنادقة العلمانية

بواسطة: محمد عرفة  |  بتاريخ: 2016-06-20 ، الوقت: 20:00:48
  • تقييم المقالة:

ملاحدة العرب يحاولون عبثاً أن ينسبوا علماء المسلمين للإلحاد ليفتخروا بهم بدلاً من أن يصنعوا صاروخاً أو ينتجوا محركاً.. ملاحدة متخلفين أشد تخلفاً من المسلمين العرب ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ابن سينا ألف كتب كثيرة ومنها كتاب (المبدأ والمعاد) فهو مسلم مؤمن يؤمن بيوم المعاد وليس ملحداً.

ولكن كل ما اقترفه ابن سينا والفارابي أنهم اجتهدوا اجتهادات خاصة بهم في العقيدة تأثراً بالفلسفة اليونانية حيث قالوا مثلاً بأن الحشر بالأرواح والأنفس فقط لا بالأجسام.. فهل هذا يجعله ملحد ؟!! أنا أعتقد أن الحشر بالأنفس لا بالأجساد !
ليسوا ملحدين.. العقلية السلفية فقط هي التي كفرتهم.. وأما هم فقلوبهم مطمئنة بالإيمان بل باليقين عن اقتناع ويقين لا يتزعزع.. وسيأتي في السياق مناجاة مع الله للإام الفارابي يكفيك فقط أن تقرأها كل يوم كورد لك مع الله لكي يرق قلبك ويطمئن بالإيمان.

ابن سينا أشهر فلاسفة الإسلام يسمى الشيخ الرئيس.. كان من تلامذة أبي نصر الفارابي, ويقول : قرأت شرح الفارابي على كتاب أسطو (لا أذكر اسم الكتاب) فلم أفهم منه حرفاً ! وأرسطو كان يبحث في العلة الأولى وفي علم الكلام والفلسفة الإلهية واثبات وجود الله من خلال العقلهناك أصوات كريهة (السلفية والعلمانية) تعمل لحساب الموساد الإسرائيلي تريد تنويم هذه الأمة في التفاهات أو الغلو، فإما ستار أكاديمي أو تنظيم القاعدة وداعش وأخواتها.. لكن آخر شئ هو التوجه للعلم والبحث العلمي.. لذلك يكفرون علمائنا القدماء حتى لا يكون لنا ماضي ولا قدوات نستمد منها الهمة وحب المجد.. فيقولون أن ابن سينا كان ملحد كافر.. وأستاذه الفارابي كان كذلك ملحد كافر وجابر بن حيان كان كافر!! وهذه من المضحكات المبكيات ومن المهازل لأن هذه الأمة أمست لا تقرأ وبالتالي يمكن لأي كلب أن يعوي ويصدقه الجميع ويصفقون له على عوائه... ولكي أبين كذب السلفية وزنادقة العلمانية أسوق هذا الدعاء للإمام الفارابي رحمه الله, وهو عبارة عن مناجاة بينه وبين الله فيها من علوم التصوف والعرفان ما فيها.. وأقسم بالله أني أحسست بنورها في صدري ولا أنساها أبداً.. وقد بحثت عنه حتى وجدته الآن والحمد لله ... هذا هو.. ركز واستغرق فيه وفي معانيه :

"اللهم إني أسألك يا واجب الوجود، ويا علة العلل، قديماً ولم يزل، ان تعصمني من الزلل، وأن تجعل لي من الأمل ما ترضاه لي من عمل. 

اللهم امنحني ما اجتمع من المناقب، وارزقني في اموري حسن العواقب. نجح مقاصدي والمطالب، يا اله المشارق والمغارب.

رب الجوار الكنس السبع التي انبجست عن الكون انبجاس الأبهر، هنّ الفواعل عن مشيئته التي عمت فضائلها جميع الجوهر. 

أصبحت أرجو الخير منك وأمتري زحلاً ونفس عطارد والمشتري ( هو يذكر كواكب المجموعة الشمسية على أساس أنهم كانوا يربطون بينها وبين الملائكة.. ) 

اللهم البسني حلل البهاء، وكرامات الأنبياء، وسعادة الأغنياء، وعلوم الحكماء، وخشوع الاتقياء. اللهم انقذني من عالم الشقاء والفناء واجعلني من اخوان الصفاء، وأصحاب الوفاء، وسكان السماء، مع الصديقين والشهداء. أنت الله الاله الذي لا إله إلا أنت، علة الأشياء، ونور الأرض والسماء. امنحني فيضاً من العقل الفعال يا ذا الجلال والافضال.

هذب نفسي بانوار الحكمة، وأوزعني شكر ما أوليتني من نعمة، أرني الحق حقاً وألهمني اتباعه، والباطل باطلاً واحرمني اعتقاده واستماعه
هذب نفسي من طينة الهيولي انك أنت العلة الأولى.

يـا علـة الأشياء جمعاً والـذي كانـت بـه عـن فيضه المتفجـر * رب السمـوات الطباق ومركـز فـي وسطهن مـن الثرى والأبحـر

إنـي دعوتـك مستجيراً مذنبـاً فـاغفـر خطيـة مذنـب مقصـر * هذب يفيض منك رب الكل مـن كـدر الطبيعة والعناصر عنصـري

اللهم رب الأشخاص العلوية، والأجرام الفلكية، والأرواح السماوية، غلبت على عبدك الشهوة البشرية، وحب الشهوات والدنيا الدنية. فاجعل عصمتك مجني من التخليط، وتقواك حصني من التفريط، إنك بكل شيء محيط

اللهم انقذني من أسر الطبائع الأربع، وأنقلني إلى جنانك الأوسع وجوارك الأرفع. 

اللهم ارجع الكفاية سبباً لقطع مذموم العلائق التي بيني وبين الأجسام الترابية، والهموم الكونية واجعل الكمة سببا لاتحاد نفسي بالعوالم الالهية، والأرواح السماوية. 

اللهم طهر بروح القدس الشريفة نفسي وأثـِر بالحكمة البالغة عقلي وحسي، واجعل الملائكة بدلا من عالم الطبيعة أنسي. 

اللهم ألهمني الهدى، وثبت ايماني بالتقوى، وبغض إلى نفسي حب الدنيا. 

اللهم قوِّ ذاتي على قهر الشهوات الفانية، وألحق نفسي بمنازل النفوس الباقية، واجعلها من جملة الجواهر الشريفة الغالية، في جنات عالية.

سبحانك اللهم سابق الموجودات التي تنطق بألسنة الحال والمقال، إنك المعظي كل شيء منها ما هو مستحقه بالحكمة، وجاعل الوجود لها بالقياس إلى عدمها نعمة ورحمة. 
فالذوات منها والأعراض مستحقة بآلائك، شاكرة فضائل نعمائك، (وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم). 

سبحانك اللهم تعاليت، إنك الله الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.

اللهم جد لها ( يقصد ذاته) بالعصمة، وتعطف عليها بالرحمة التي هي بك أليق، وبالكرم الفائض الذي هو منك أجدر وأخلق؛ وامتن عليها بالتوبة العائدة بها إلى عالمها السماوي؛ وعجل لها بالأوبة إلى مقامها القدسي؛ واطلع على ظلمائها شمساً من العقل الفعال؛ وامط عنها ظلمات الجهل والضلال، واجعل ما في قواها بالقوة كامناً بالفعل؛ واخرجها من ظلمات الجهل إلى نور الحكمة وضياء العقل


(الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور) اللهم أر نفسي صور الغيوب الصالحة في منامها، وبدلها من الأضغاث برؤيا الخيرات والبشرى الصادقة في أحلامها؛ وطهرها من الأوساخ التي تأثرت بها عن محسوساتها وأوهامها؛ وأمط عنها كدر الطبيعة؛ وأنزلها في عالم النفوس المنزلة الرفيعة

الحمد لله الذي هداني وكفاني وآواني". اهـ ذكره ابن أبي أصيبعة في "طبقات الأطباء"

هذا يشبه بل هو كلام سيدي محي الدين بن عربي الطائي الأندلسي .. الذي يطلق عليه الصوفية لقب الشيْخ الأكبر ! وهو كان يحبهم , أعني فلاسفة المسلمين مع أنه فقيه ظاهري ولكنه أيضاً صوفي صاحب ذوق عال راق.. وأكثر الفقهاء على تكفيره. 
والله إن الواحد يحتقر نفسه.. ما هذا الفهم الدقيق لحقيقة الإنسان وعلاقة الروح مع الجسد وكيف أن الجسد المادي ومتطلباته التافهة الحقيرة السخيفة التي لا معنى لها قياساً بعالم الروح العلوي المطلق الذي نحن فرعه وهو أصلنا, والنفس تشتاق لهذا ولكن كيف أن هذا الجسد قد عطل شفافية النفس وارتباطها بالروح التي هي أصلها فلم تعد النفس تبصر تلك الحقائق التي شهدتها وعرفتها.. كيف أنسانا حجاب وأسر المادة عالم الملكوت الأعلى وعهد يوم ألست والمشاهد التي شاهدناها لجمال وجلال ربنا وخالقنا.. ثم ما هذا الكم من الرضا والسعادة والطمأنينة وراحة البال بوجود الله ! هل كان الإمام الفارابي يهرب من الخوف والكلام الفارغ الذي يقوله سارتر وبرتراند رسل ؟!! ما هذا الرضا !! وهذه الرحمة التي في قلبه التي يخاطب الله بها في حب وعلاقة بين حبيب وحبيبه ! لماذا لا نتعلم من فلاسفة الإسلام هذا اليقين والحب وتلك المشاعر الصوفية الراقية !

علماء الكرة الأرضية في العصر الذهبي الإسلامي كانوا كلهم على هذه الدرجة من التقوى والتصوف والتسامي.. 

كان الإمام الفارابي شيخ ابن سينا وإمام أئمة فلاسفة الإسلام.. ولم يكن مسلماً فقط بل إنه كان شيعياً محباً للإمام علي عليه السلام.. اجتمع به الأمير الشيعي سيف الدولة الحمداني التغلبي وأكرمه اكراماً كثيراً..ارحمونا يا جماعة شبعنا تطرف, هؤلاء كانوا يبدأون كتبهم ومؤلفاتهم باسم الله والصلاة والسلام على رسول الله ص ! فكيف لا يكونوا مسلمين ؟ حتى من ظنوهم ملحدين كالحلاج الصوفي هم لم يفهموهم لأن الإسلام عظيم لا يحيط به الفقهاء حيث لا يمكن أن يفهموا الصوفية على أصولهم الحرفية الظاهرية ! 

أبو العلاء المعري فنحن نحيل صاحب القناة على كتب الأديب الكبير محمود شاكر حيث أثبت أنه لم يكن ملحداً ولا يحزنون.. وعمرو بن بحر الجاخظ كان من أئمة المعتزلة ومن قال عنه أنه ملحد فهو يعلن عن جهله لصبيان المكتبات العامة, كما أن جابر بن حيان من أئمة علماء الشيعة وفخر المسلمين وتلميذ الإمام جعفر الصادق.. 


ولكن متى كان أبو نواس من علماء المسلمين هو وابن الراوندي ؟!!!!!!! 

الذي أظنه أن صاحب القناة أتى بفيديو جاهز لعلماء وشعراء وفلاسفة الإسلام وضعه أحد الإخوة الأتراك (بدليل الكلام الذي ورد في آخر الفيديو)... ثم لفق له الأخ الملحد الثقة صاحب الأمانة العلمية هذا العنوان..


نعم كان هناك تيار رسمي أموي لا سيما بعد إنشاء المدرسة النظامية التي بناها الوزير نظام الملك في بغداد, ولكن ليس صحيحاً أن هؤلاء كانوا شواذاً في مجتمعهم ؟ وإلا كيف كان هو العالم الأول لا الثالث كما نحن اليوم ؟ هل العالم الأول يكون فيه هؤلاء شواذ ؟!! هل لأنه صدرت ضدهم فتاوى من الشيوخ الرسميين ؟ لم يكن للشيوخ أي سلطة على المجتمع المسلم ... بل كان المجتمع الإسلامي حينها قبلة أوروبا ومحط بعثاتها العلمية.. حتى أن هناك طرفة تاريخية متداولة في الكتب المؤلفة في حضارة المسلمين تقول أن أحد القساوسة في أوروبا كتب وثيقة وجدوها تقول :

" إن هؤلاء الشباب الرقعاء الذين يحشرون ألفاظاً عربية في كلامهم.." يستحقون كذا وكذا !! يعني كان العرب يومئذ لهم حال مختلف يا أخي عن حالهم اليوم.. ولم يصلوا لهذا إلا بتربية قرآنية تحث على العلم والنظر والتفكر والتعقل في آيات الأنفس والآفاق..
لقد قدمت الحضارة الإسلامية شموس العلم التجريبي على المستوى الإنساني من أمثال :
الكندي : الذي يقول فيه كوردان – وهو فيلسوف من فلاسفة النهضة الأوربية :( يعد الكندي واحدا من اثني عشر، هم أنفذ الناس عقلا ، وأنه كان في القرون الوسطى واحدا من ثمانية هم أئمة العلوم الفلكية ). ابن الهيثم : الذي يقول عنه جورج سارتون في كتابه تاريخ العلم : ( إنه من أكبر الباحثين في علم البصريات ) . البيروني : وهو الذي يقول عنه المستشرق سخاو : ( إنه أكبر عقلية في التاريخ ، ومن كبار علماء الفلك ) ، ويقول عنه المرحوم الأستاذ الدكتور عبد الوهاب عزام ( هو من أعلام العلماء في تاريخ الإنسانية كلها ) . ابن النفيس : الذي سلبه الغرب حق اكتشاف الدورة الدموية ونسبها كذبا وتزييفا إلى هارفي ، متناسيا ما قام به ابن النفيس من تجارب وملاحظات واختبارات وصل على أساس منها إلى اكتشاف الدورة الدموية قبل هارفي بعدة قرون . ابن يونس : الذي يقول عنه الدكتور عبد الحليم منتصر في كتابه " العلوم عند العرب " : ( لقد رصد ابن يونس كسوف الشمس وخسوف القمر في القاهرة ، وقد وصف في زيجه الحاكمي الطريقة التي اتبعها فلكيو العرب في عصر المأمون في قياس محيط الأرض ، وهو الذي اخترع البندول ، وبذلك يكون قد سبق جاليليو بعدة قرون ، وقد برع ابن يونس في حساب المثلثات وأجاد فيها ، وفاقت بحوثه بحوث كثير من الرياضيين ، وحل مسائل صعبة في المثلثات الكروية ، واستعان في حلها بالمسقط العمودي للكرة السماوية على كل من المستوى الأفقي ، ومستوى الزوال ، وابتدع قوانين ومعادلات كان لها قيمة كبرى قبل اكتشاف اللوغارتمات ) ابن ماجد : الربان الشهير أحمد بن ماجد السعدي شهاب الدين النجدي ، ربان سفينة فاسكو داجاما في رحلتها التاريخية إلى بحر الهند من طريق رأس الرجاء الصالح ، وكانت مصنفاته في علم البحار المصدر الأساسي لمصنف مشهور في الجغرافيا الملاحية لأمير البحر التركي سيد علي ريس ، وقد ذكر في مقدمة كتابه عددا من مصنفات سابقِهِ ابن ماجد ، وقد ذكر ابن ماجد في مصنف منها أن له تجربة أربعين عاما في الملاحة ، مما جعل المستشرق " فيران " الذي اكتشف بعض مخطوطاته في خزانة مخطوطات ( الناسيونال بباريس ) يفترض أنه ولد في العقد الثالث من القرن الخامس عشر ، وقد أفسح كراتشوفسكي في كتابه (تاريخ الأدب الجغرافي العربي ) ترجمة مبسوطة لأحمد بن ماجد تبين أنه كان ينحدر من أسرة اشتغل أفرادها بقيادة السفن ، ، ويذكر " سر رتشارد برتون ( أن ملاحي عدن كانوا إلى منتصف القرن التاسع عشر ينسبون اختراع البوصلة إلى ولي يدعى الشيخ ماجد ويقرءون الفاتحة على روحه قبل ركوبهم البحر ) - أنظر إلى الحس الديني المرتبط بالعلم - وآثار ابن ماجد كثيرة – تأخر الكشف عن أصولها العربية إلى أوائل العِقد الثاني من القرن العشرين – بلغت أربعين مصنفا ومعظمها منظومات ، أما كتابه ( الفوائد في أصول علم البحر والقواعد ) فقد رأى فيه المستشرق الفرنسي جابرييل فيران الذي نشره في طبعة موثقة محققة متقنة مع حواش وتعليقات علمية أثرا يدعو إلى الإعجاب واعتبره ذروة التأليف الفلكي الملاحي في عصره . ( إن الإسلام بدعوته إلى العلم هو الذي خرج للإنسانية – كما يقول الإمام الأكبرالأستاذ الدكتور عبد الحليم محمود - رجال الحضارة وجهابذة العلم وأساتذة الدنيا وعمالقة العلماء أمثال : ابن الهيثم ، والكندي ، والفارابي، وابن سينا ن والبيروني ، والزهراوي والخوارزمي وابن البطار ، وابن حيان ، والإدريسي ، والمسعودي ، وابن بطوطة ، وابن زهرة ، هؤلاء الأعلام وغيرهم كثير في كل فن هم ثمرة الدعوة الإسلامية التي بلغت في الإشادة بالعلم الذروة)   مكانة المنهج التجريبي : يقول فضيلة الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الأزهر السابق وإمام من أئمة الصوفية رحمه الله تعالى : قامت الحضارة الأوربية المعاصرة بكل ما فيها من صناعة في الطبيعة ، ومن اكتشافات في الكيمياء ، ومن قوانين فلكية ، ومن اختراعات في جميع المجالات المادية والحسية على أساس من المنهج العلمي التجريبي . وهذا المنهج في المشهور المتعارف يدين بوجوده إلى الفيلسوف الإنجليزي : فرنسيس بيكون ولكنه عند الدارسين لتاريخ الفكر الأوربي يدين لسلفه الأسبق : روجر بيكون أكثر مما يدين لغيره ، بيد أن روجر بيكون – على خلاف كثير من مواطنيه – يعترف في صراحة لا لبس فيها وفي وضوح لا شائبة فيه أنه مدين في منهجه للعرب وللحضارة العربية . وهذه الحقيقة التي حاول الغربيون جاهدين أن ينكروها يعلنها الآن بعض المنصفين منهم ، فها هو الأستاذ بريفولت يتحدث في كتابه " بناء الإنسانية " عن أصول الحضارة الأوربية فيقول : ( إن روجر بيكون درس اللغة العربية والعلوم العربية في مدرسة أكسفورد على خلفاء معلميه في الأندلس ، ولم يكن لروجر بيكون ولا لسميه الذي جاء بعده الحق في أن ينسب إليهما الفضل في ابتكار المنهج التجريبي ، فلم يكن روجر بيكون إلا رسولا من رسل العلم والمنهج الإسلاميين إلى أوربا المسيحية ، وهو لم يمل قط من التصريح بأن تعلم معاصريه اللغة العربية وعلوم العرب هو الطريق الوحيد للمعرفة الحقة ، والمناقشات التي دارت حول واضعي المنهج التجريبي هي طرف من التحريف الهائل لأصول هذه الحضارة ، ) ويقول بريفولت أيضا ( لقد كان العلم أهم ما جاءت به الحضارة العربية إلى العالم الحديث ، ولكن ثماره كانت بطيئة النضج : إن العبقرية التي ولدتها ثقافة العرب في أسبانيا لم تنهض في عنفوانها إلا بعد مضي وقت طويل على اختفاء تلك الحضارة وراء سحب لظلام ) ثم يقول ( إن ما ندعوه العلم قد ظهر في أوربا نتيجة لروح من البحث جديدة ، ولطرق من الاستقصاء لطرق التجربة والملاحظة والمقاييس ، ولتطور الرياضيات إلى صورة لم يعرفها اليونان ، وهذه الروح وتلك المناهج العلمية أدخلها العرب إلى العالم الأوربي ) ويقول المؤرخ الأوربي " اجناسيو أولا غويه " في كتابه " العرب لم يستعمروا أسبانيا " ( لقد ولد الغرب المعاصر من أسبانيا ألفونسو العاشر ومن صقلية فردريك الثاني ، وهما المعجبان بالحضارة الإسلامية المتحمسان لها ، تلك التي كانت كأنها قابلة أو أم مرضع للحضارة الغربية ) [11] وتقول المستشرقة الألمانية زيجفريد هونكة ( إن المسلمين عندما اتصلوا بالتراث الحضاري للأمم السابقة فإنهم أحاطوا بقلوبهم حتى المؤلفات الفنية الدقيقة في الهندسة، والميكانيكا ، والطب ، والفلك ، والفلسفة ) ثم تقول ( إن العرب لم ينقذوا الحضارة الإغريقية من الزوال ثم نظموها ورتبوها وأهدوها إلى الغرب فحسب ، إنهم مؤسسو الطرق التجريبية في الكيمياء والطبيعة والحساب ، والجبر ، والجيولوجيا وحساب المثلثات وعلم الاجتماع ، لقد قدم العرب أثمن هدية : وهي طريقة البحث العلمي الصحيح التي مهدت أمام الغرب طريقه لمعرفة أسرار الطبيعة وتسلطه عليها اليوم )    إن الحضارة الإسلامية لم يقتصر دورها على مجرد رعاية الفكر الإنساني السابق عليها وتقديمه للحضارة الأوربية ، ولكنها تعدت ذلك إلى وضع المنهج العلمي التجريبي الذي يربط بين العلم والعمل ، ذلك المنهج الذي احتقره الإغريق ، واحتقرته أوربا في العصور الوسيطة ، يقول فيليب فرانك في كتابه " فلسفة العلم " : ( كانت العادات الاجتماعية (عند الإغريق) لا تشجع على الاتصال بين نمطي المعرفة (النظري والعملي) وإذا حاول إنسان ذو مكانة اجتماعية أن يطبق الفلسفة أو العلم على إحدى المشاكل التقنية فإنه كان يواجه بنقد مرير ، وقد كان الاختبار العملي للمبادئ العامة يتطلب عملا يدويا ، وكان العمل اليدوي في نظر اليونانيين القدامى شيئا يلائم العبيد ولا يليق بالرجال الأحرار ) ، ثم يقول ( لقد وجه أفلاطون نقدا شديدا إلى العلماء الذين عززوا نظريات الميكانيكا البحتة ، أو الرياضيات البحتة ، وكما يقول بلوتارك : لقد عيرهم أفلاطون ، لأنهم أفسدوا الهندسة ، وجعلوها تهبط من شيء عقلاني غير مادي إلى شيء مادي محسوس ، كان عليهم أن يستخدموا المادة وهي تحتاج إلى كثير من العمل اليدوي ، وهي موضوع العمل الحقير )    ولم يقتصر الأمر في نهضة العلم التجريبي على شروط التخلص من الفلسفة الأفلاطونية اليونانية ومواريث العادات الاجتماعية الإغريقية ، وإنما اقتضى كذلك التحرر من قميص المنطق الأرسطي المهلهل ، وكل ذلك إنما تم على يد البعث التجريبي في الحضارة الإسلامية ، فهاهو ربان سفينة " فاسكو داجاما " أحمد بن ماجد شهاب الدين النجدي الذي قاد السفينة في رحلتها التاريخية إلى بحر الهند من طريق رأس الرجاء الصالح والذي تذكره المصادر البرتغالية باسم " ماليمو كانانا " يقول عن أصالة التجريب في كتابه " الفوائد في أصول علم البحر والقواعد " : ( إن التجريب شيء ما بعده شيء ) ، ثم يحذر ربابنة البحار من استهواء المنطق ، فيما أدلته التجربة قائلا ( فإن أكثر الخطأ في كثرة المنطق ، خصوصا في هذه الصنعة ، وخطؤها في المنطق أكثر من خطئها في العلم .. وأصل علم البحر الفن والتجريب )   وعلينا هنا أن نتذكر أن العلماء الكبار الذين طبقوا العلم على العمل في الحضارة الأوربية القديمة إنما فعلوا ذلك على جناح طير غارب ، وقد كانوا من غير اليونان من مثل : أبقراط الذي كان من آسيا الصغرى ، وأرخميدس الذي كان من صقلية ، وإقليدس وبطليموس اللذين كانا من الإسكندرية.. في هذا الوقت أو بعده بقليل كان السلف من المسلمين يقررون أن ( العلم يهتف بالعمل ، فإن أجاب حل ، وإلا ارتحل ) وكانوا يستعيذون مما استعاذ منه الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه : ( قال : كان رسول الله يدعو فيقول " اللهم إني أعوذ بك من الأربع : من علم لا ينفع ، وقلب لا يخشع ، ونفس لا تشبع ، ودعاء لا يسمع " اهـ كلام الشيخ عبد الحليم محمود رحمه الله.   اعرفوا يا اخواني تاريخ حضارتكم كم من كتب المنصفين كجوستاف لوبون في "حضارة العرب" و الرائعة المستشرقة الألمانية زغريد هونكة في كتابها العظيم "شمس العرب تسطع على الغرب" ولا تعرفوه من كتب بني عمومتنا الجهلة مدعي العلمانية والتحرر الفكري.. هؤلاء سوس ينخر في أمتكم ويريد تجريدكم من ثقتكم بأنفسكم.. هذه الأمة تواجه خطر مزدوج (السلفية الوهابية والعلمانية الشاملة الإلحادية).. التياران موجودان منذ قرون ولكن تمت رعايتهما من قبل وزارة المستعمرات البريطانية (مسيح دجال عصرها.. بالمناسبة المسيح الدجال ليس شخصاً كما يتصور الوهابيةوأهل الظاهر) أقول رعايتهما من قبل وزارة المستعمرات البريطانية ونشأت الحركة الوهابية التي تبنت منهج التكفير الذي كانت له جذور في التراث.. وتنامى بعد ذلك تيار العلمانية الشاملة بعد رحيل الإستعمار العسكري.. وأقول الشاملة بحسب مصطلح د. عبد الوهاب المسيري رحمه الله حيث يعني بها رفض نموذج الإسلام في الحياة لا الدولة فقط.

فنحن بين مطرقة الوهابية وسندان العلمانية.. هذه تعطي نموذج متخلفبزعم أنه هو الأصل.. وتلك تهاجم ذلك النموذج بزعم أنه هو الأصل أيضاً..

والحل في رأيي هو في لزوم نموذج مستنير ومدرسة إسلامية تجمع بين الأصالة والحداثة.. والمدرسة المثلى في هذا في رأيي هي مدرسة السيد محمد ماضي أبو العزائم يليها مدرسة الأستاذ جمال البنا. يجب لمن أراد أن يحصن نفسه من سموم المطرقة والسندان أن يقرأ كل مؤلفات هذين الإثنين تحديداً.. ثم إن وجدت وقتاً بعد ذلك إقرأ كتب علي شريعتي ومرتضى مطهري من الشيعة وحسن قرحان المالكي من السنة لأن هؤلاء ينقدون مذاهبهم فتخرج أنت بحاسة نقدية ستجمع بها بين الحسنيين وستعلم فضل مدرسة السيد محمد ماضي أبو العزائم لأنها تجمع رحيق كل المذاهب الإسلامية كلها.. لكن لا تقرأ لأحد قبل التأسيس.. و التأسيس يكون من خلال دراسة مدرسة متكاملة كتلك الإثنين التي ذكرت..

وأما من أحب متابعة الميديا فعليه بالرائع عدنان ابراهيم.. وهو رجل له وزن وصاحب رؤية نقدية حادة ثاقبة بحكم إقامته في قلب أوروبا حيث يعيش في النمسا.. مرة سمعته يتحدث عن كتاب المغني في قضايا العدل والتوحيد للقاضي عبد الجبار المعتزلي وأنه عنده في البيت ! مَن مِن مشايخ القطيع اليوم عنده همة لأن يقرأ للمعتزلة كتاباً من 17 مجبد !! عدنان ابراهيم عالم بمعنى الكلمة... تابعوه ورابط قناته على يوتيوب في توقيعي. 

كما يجب الانتباه إلى قاعدة مهمة جداً يمكن أن يستنير بها كل سلفي وعلماني (لأول مرة سيشتركوا في شئ) :


على شبابنا أن ينظروا إلى من يتبعونه, فإن كان يتجه نحو أمريكا واسرائيل فهو مضل, وإن كان يسير ضدهم فهو على حق.

هذا هو السبيل الوحيد للنجاة من واقعنا الأليم الذي يغلفه الجهل والضلال والتيه بكل ما تحمله الكلمة من معنى.. بشرط أن تنفي وهم يقول (أن فلان يتجه نحو أمريكا لنصرة الإسلام ! أو أن الدولة الفلانية تعادي أمريكا في الظاهر, وتساعد سوريا في الظاهر وتخرج اسرائيل من جنوب لبنان في الظاهر !! وتحاول أن تقيم علاقات طيبة مع الدول المحيطة باسرائيل في الظاهر, وتصنع قنبلة نووية في الظاهر أيضاً, كل شئ في الظاهر, ولكنها حبيبتها في الباطن !!!!!!!!!!) فنحن لنا الظاهر يا سيادة المحلل السياسي.. لأن وقتنا هذا سقطت فيه كل الأقنعة والحرب الآن على المكشوف ولم يعد الأمر يحتمل تلك الأوهام التي تدور برؤوس ضحايا الإعلام العربي العميل..

 

أكرر نحن لنا الظاهر لكي لا نتوه أكثر وأكثر..  

لقد تعبنا من التطاحن الطائفي.. أفضل شئ أن تكون مسلماً فقط لا مذهب لك.. مثل عم ابراهيم بتاع القول.. وعم عبده بياع الـ.. الخ هؤلاء لا معنى أبداً أن تسألهم عن مذهبهم لأن مذهبهم هو الإسلام الصافي الحقيقي ذلك الجزء النبوي البسيط الخالي عن اضافات السلطة في عصور لاحقة.. كان سيدنا أبو بكر رضي الله عنه يوقول : اللهم ألهمنا إيماناً كإيمان العوام. فلنتعرف على معالم إيمان العوام ونتلمسه ونعتقده وندع ما عداه.

ماذا يقعل العوام ؟ تجدهم يحبون أهل البيت جداً ولا معنى عندهم للحب بدون الزيارة والسلام عليهم في روضاتهم الشريفة والتوسل إلى الله بهم وتعظيمهم وإكرامهم لكرامتهم على الله.. قال ص (أذكركم الله في أهل بيتي) وكررها.. ولا يخطر على بال العوام مطلقاً. 

كما أن من معالم دين العوام غشيان مجالس الذكر الجماعي (الحضرات الصوفية) والسلوك على يد شيخ تربية صوفي من نسل النبي ص.. وكل هذه الحركات التي يقومون بها في حلق الذكر ويسخر منها الأشرار المتلبسون بلباس السنة, هي لما يجدونه من فتوحات وأنوار قد لا يتحملها الجسد لو ظل ساكنا..

 

أنا مسلم صوفي.. أقرأ في تراث السيد محمد ماضي ابو العزائم رحمه الله وهو رجل مجدد صاحب مدرسة متكاملة ودعوة شاملة في فهم الإسلام فهم صحيح وسطي.. وهو رجل قل أن يجود الزمان بمثله ولا يعرف قدره أحد إلا القليل.. 

وهذه فرصة لأن نقتبس من نوره الفياض, ولكي نفهم معاني دعاء الإمام الفارابي المذكورة أعلاه.. يقول حفيد الإمام, سماحة السيد محمد علاء الدين أبو العزائم في ترجمته لجده في كتاب (خاتم الوراث المحمديين) :

الإمام يقول: (إذا زكت النفوس أشرقت عليها شموس القدوس، وتزكية النفوس قبل تلقي الدروس). والنفس إذا تزكت زكت، وإذا زكت أفلحت، والفلاح هو الفوز بجميع المقاصد الدنيوية والأخروية، قال تعالى (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى) (الأعلى:14) وقال سبحانه (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) الشمس: ٩ 

لقد تكلم الكثير والكثير من العلماء بالله في عصورهم عن النفس وأمراضها وطرق تزكيتها، وذلك من باب أمر رسول الله ﴿ص وآله﴾ عندما عاد من غزوة من غزواته وقال: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر: جهاد النفس). وقد سار الإمام علي نهج من قبله، ولكنه بسط الأمر علي أهل عصره واختصر لهم الطريق. وما من كتاب من كتبه إلا وتكلم فيه عن النفوس وتزكيتها، وفي كل كتاب لون مخالف لما سبقه، وأفرد لذلك المقالات العديدة التي تحث علي ذلك، ولم يترك مريد الحق بدون أن يُوجدَ له العلاجَ وفي دائرة التحصين بحصون الأمن والأمان..

ووضع مفاهيم جديده لهذا العلمَ متمثلة في كتاب: (محكمة الصلح الكبري )، تلك الجامعة الكبيرة والحديثة التي تمثل منهج الإمام التربوي في علوم النفس، وتوج هذا العمل بمناهج السير والسلوك التي بثها في مواجيده المتعددة، وهي ما تعرف بمواجيد السير والسلوك.

بسّطَ الإمام الأمر، وأراد أن يختصر الكلام الصعب، وكذلك أن يخرج من دائرة الفلسفات التي لاتغني ولا تسمن من جوع، فشرح للمريد النفس وتطورها وترديها ليكون علي بينة من الأمر.. أن الإنسان مثنوي من حيث تركيبه، فهو مكون من: جسم ظاهر بجوارح، وحقيقة باطنة وهي ماتسمي بالحقيقة الروحانية. والحقيقة الروحانية أيضًا لها ظاهر وباطن، وهي ما يطلق عليها بالنفس، إذ أن المثنوية لا تفارق الإنسان حتى ولو كان في الجنة حتى ينفرد الله بالأحدية.

والجسم وهو الظاهر، مدته محدودة في الدنيا، وعند نداء الحقيقة الروحانية للخروج من الدنيا فإنها تترك الجسم وتعود. وقد يسر الله لعباده هذا الفهم في الدنيا عن طريق الرؤيا، فعند الإستغراق في النوم يبقي الهيكل أو الجسم في مكانه وتنطلق الحقيقة وتتجول، فلا تتقيد بالجسم، بل تكون في حالة إطلاق كامل ومبهر، فقد تتواجد في أماكن مختلفة وبعيدة عن بعضها في لحظات، وقد تطير في الهواء، وقد تمشي علي الماء، وقد تلتقي بالأحياء والأموات، وقد يكون من تلتقي بهم نائمين أو أيقاظًا، فهذا كله لا يختلف، 
والله سبحانه يقول: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الزمر:42) ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند نومه ويعلمنا أن ندعو بهذا الدعاء قبل النوم: (باسمك ربي وضعت جنبي "عند النوم" وبك أرفعه "عند الاستيقاظ" إن أمسكت نفسي "أي أمتها أثناء النوم" فارحمها "أي في البرزخ" وإن أرسلتها "أي أعدتها إلى هيكلها ليستيقظ فاحفظها "في الدنيا" بما تحفظ به عبادك الصالحين. 

ويبين الإمام أن الحقيقة الروحانية كانت قبل خلق جسم آدم في عالم الإطلاق سابحة في الملأ الأعلى، وقد شاهدت هذه الحقيقة جمال ربها وسمعت لذيذ كلامه في يوم "ألستُ بربكم" أو "يوم الذر"..

فقد تجلى لها الحق، فشهدت وسمعت، وعوهدت ووثقت وقالت (بَلَى شَهِدْنَا ) مصداقا لقول الحق تبارك وتعالى (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ) الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣ إلى آخر الآية. 

ولما أراد الله إبراز كل حقيقة بحسب ظهورها علي مسرح الحياة الدنيا لازمت كل حقيقةروحانية هيكلها في عالم الأرحام واستترت به، فأصبح الهيكل بُرقُعًا وسِتارًا لها..

وهذا اليوم هو ما يعبر عنه بيوم بطن الأم من ضمن أيام الله (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ) إبراهيم: ٥.

ويبين الإمام أن النفس ظلّت (وهي اللطيفة النورانية الربانية) في صفائها وفي طُهرها، إذ أن أصلها صفاء في صفاء وطهر في طهر، إلى أن اتصلت بالهيكل العنصري الترابي.. وبعد أن امتزجت به اختلف أمرها، فقد تهادت من عليائها ونزلت إلى أرض المادة واتصلت بهيكل مادي لتظهر على مسرح الدنيا من خلاله، وهذا الهيكل المادي ظُلماني بطبيعته ويميل إلى أسفل، فما هو من الأرض فهو أرض، فحجب الهيكل الحقيقة الروحانية بظلمته، والله سبحانه وتعالى يقول: (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) التين: ٤ - ٦.

ويوضح الإمام أنه بطول المدة، نسيت الحقيقة الروحانية عالمها الروحاني باختلاطها بالمادة والتراب فاحتاجت لمذكِّر، وهذا هو سر إرسال الرسل وبعث الأنبياء، قال تعالى لحبيبه المصطفي ﴿ ص وآله﴾ : (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) (الذريات:55)، وقال جل شأنه )سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى) (الأعلى:10) ، وقال تعالى (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)(ابراهيم: من الآية5) 
وعندما يذكُرُ المذكِّر تتذكر الحقيقة الروحانية عالمها الروحي، وتذكر يوم ألست بما فيه من عهود ومواثيق، وما فيه من جمال وجلال وكمال، وما كانت عليه الحقائق في صفاء وطهر وعفاف.

ولما كانت كل نفس بعد الحياة الدنيا ستعود إلى أصلها في يوم البرزخ وترجع إلى العالم الذي قدمت منه والذي سترجع إليه (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّه) (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) (يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ) (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ)، وأول خلق في الوجود هو المصطفي ﴿ ص وآله﴾، وأول خلق في الإنسان هو حقيقته الروحانية: احتاج الإنسان للمذكر في الحياة الدنيا، واحتاجت النفس لداع يدعوها للإيمان، فهي مؤمنة أصلاً ولكنها نسيت عهدها وميثاقها بسبب مُلابَسَتِها لهذا الهيكل الطيني والذي له مستلزمات ومتطلبات تختلف بالكلية عما تحتاجه الحقيقة الروحانية، ليبين لها طريق المجاهدة حتى تصفو وتعود إلى أصل فطرتها النورانية الصفائية وهي هنا في الدنيا، بعد أن أتاها ما عكر صفوها.


والنفس واحدة وقواها كثيرة، ولكن كل صفة من صفاتها تأخذ معان كثيرة، والمطلوب أن تكون هذه القوي في دائرة الخير. وهذه الصفات غير تنوع النفوس إلى نفس أمارة ولوامة ومطمئنة وراضية ومرضية. ومثال لذلك أن إنساناً دخل المدرسة الابتدائية وحصل علي شهادتها فزادت معلوماته وتغيرت الصور الداخلية فيه حسب المعلومات التي وصل إليها، وهو واحد. ثم ترقي هذا الإنسان معنويًا بحصوله علي الشهادة الإعداية، وزاد ترقيه عندما أنهي المرحلة الثانوية، وازداد ذلك بحصوله علي البكالوريوس أو الليسانس، ثم الماجستير والدكتوراه. إن الحقائق التي ترقت في هذا الإنسان داخلية وليست خارجية، وقد أصبحت هذه القيم المعنوية العليا مجالاً في ارتقاء حقيقته الباطنة. وقد تكون هذه القيم المعنوية من علوم ظاهر الحياة الدنيا التي يشترك فيها المسلم وغير المسلم، وقد تكون بالإضافة لهذه العلوم علوم أهل الله وهي علوم الكتاب والسنة، وبعض العلوم الخاصة ولكنها خاصة المخصوصين لا يكرم بها إلا الصفوة من عباد الله ولا يذوق أذواقهم فيما علموه إلا من هو منهم من أهل الإستجابة.

(1) فالنفس التي تميل إلى القهر وحب الإنتقام وحب الغلبة هي النفس السبعية.فإذا ظهرت هذه الرعونات علي النفس فتكون النفس المتصفة بالصفات السبعية هي المستولية والمستعلية علي الصفات الأخري بالرغم من وجودها.

(2) نفس تميل إلى الحرص والبخل والشح يقال: إنها نفس نباتية.

(3) إذا زادت علي ذلك تصبح نفسًا بهيمية وهي حب الشح وحب البخل والادخار المزري . 

فالصفات تختلف من حال إلى حال فتكون نفسًا جمادية في وقت ما، وفي بعض الأحيان تكون نفسًا نباتية، وفي أحيان أخري بهيمية وسبعية. فإذا ما صفت هذه النفس بالتزكية تصبح نفسًا مَلَكية. 

والنفس الملكية مع صفائها تعتريها الرعونات والنوازع في كثير من الأحيان إذا غلب الحال، وكان المحيطون بصاحب النفس الملكية قرناء للسوء فلا يري ولا يسمع منهم إلا الشر. وهذه الأحوال السيئة المحيطة قد تنعكس في لحظة ما بظلمتها علي صاحب النفس الملكية فتعتريها رعونة. وقد تأتي الرعونة عن طريق رد شتيمة وسباب أو الزيادة عليها، و(المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، والأمثلة في هذا المجال كثيرة ولذلك فلو جالس الإنسان أهل الصدق، انعكست أنوار صدقهم علي جوهر النفس فتزداد صفاء ورقيًا وعروجًا، وهذا هو سر توجيه ربنا سبحانه لنا في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة:119)، وقوله تعالى (فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (الأنعام: ٦٨).

والنفس تميل إلى الرياسة لأنها تحس بأصلها، والإمام يبين ذلك فيقول:

والنفس داعية الرياسة فاحذرن فرعونها تنجو من الداء الدفين

والمثال هنا أن الإنسان عندما يكون أبوه أو جده من أصل عريق أو مرموق في المجتمع حتى لو لم يكن يملك شيئًا ولكنه يحس بنفسه أنه علي صورة أبيه أو صورة أجداده. ولكن الصورة التي أسجد الله لها ملائكته تحس أنها الكل في الكل، والحديث النبوي الشريف يقول: (خلق الله آدم علي صورة الرحمن) وفي حديث آخر (خلق الله آدم علي صورته) وكذلك الصور التي خرجت منها، ولكن ليس الكل قد خلق علي الصورة.. ولكن النفس التي زكت وصفت واستقامت هي التي خلقت علي الصورة، لأنها استنارت واتحدت بأصلها فوصلت واتصلت وأشرق عليها نور الأًصل فظهرت من خلالها الأنوار وسمعت منها الأسرار، وما جاز لأبينا آدم يجوز لكل نفس زكاها ربنا.

وعلي ذلك، فإن الإمام يقرر أن التزكية معناها أن يستحضر العبد العَود للبدء الذي جاء منه وهو هنا في عالم الدنيا حتى يحين موعد انتقاله إلى برزخه. فإذا عاد للبدء بالعلم النافع والإشراق والحكمة الصادقة سار في الدنيا كما سار أئمة السلف بالحق واليقين وبالإقبال والتمكين وبالقبول من حضرة رب العالمين. 

اهـ.


وهذه قائمة بكتب الإمام السيد محمد ماضي أبو العزائم المتاحة حالياً على شبكة الإنترنت

أصول الوصول إلى معية الرسول (كتاب شامل مثل منهاج المسلم ولكن مع الفرق الهائل)
http://www.4shared.com/office/HoKxGKje/___-_____.html

معارج المقربين - كتاب هام شامل لفهم الإسلام ولكن بشكل أعمق
http://www.4shared.com/office/rV0tfSZ8/_______.html

كتاب نيل الخيرات (كتاب أوراد وأدعية وصلوات قدسية على حضرة النبي ص المحمدية - هام جداً ويقرأ ليلة كل اثنين وخميس فتتنزل بسببه الأرواح العلوية على القارئ فتصفو نفسه وتقوى روحانيته وتتغلب على حجاب جسده) 
http://www.4shared.com/office/SmOd3OFj/__________.html

إنسان المؤمنين وإنسان الملحدين (هذا الكتاب هو الأهم لشباب العالم حالياً حول تحديد هوية الإنسان وتفسير كينونته, وإنسان الملحدين هو إنسان الداروينية الحديثة).
http://www.4shared.com/office/fCfwanjm/___-_____.html

دروس في تزكية النفوس - كتاب في علم التصوف وتهذيب النفس
http://www.4shared.com/office/ANYa1SDj/_______.html

الطريق الي الله تعالي 
http://www.4shared.com/office/x8-t0Fc5/_____.html

وسائل اظهار الحق - حوار مع اهل الكتاب
http://www.4shared.com/office/iFLEEygd/________.html

صيام أهل المدينة
http://www.4shared.com/office/klLWS0ph/__-__.html

وصيه الى رجل مسلم 
http://www.4shared.com/office/kp0jomb_/_________.html 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق