]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . اختصار الكلام براعة لا يجيدها كل أحد، كما أن الإسهاب فيه فن لا يتقنه إلا القلة، والعبقري من يجمع بين الحُسنين   (محمد النائل) . 

التعريف بعلم التصوف ومدارس التزكية في الإسلام

بواسطة: محمد عرفة  |  بتاريخ: 2016-06-18 ، الوقت: 15:18:00
  • تقييم المقالة:
ليس هناك هناك شئ يبعث الناس على القلق والخوف من أن يصير الدين مصدر تسلط واستبداد وقهر للحريات..    يقول الأستاذ خالد محمد خالد في مطلع كتاب (من هنا نبدأ) كلمات تكتب بماء الذهب, أمعن النظر فيها :    [ إن تصفية العلاقة بين المجتمع والدين بداية الطريق إلى النماء والاستقرار. وليس ثمة ما ينفر الناس من الدين مثل ابرازه في صورة في صورة مناهضة لحقوقهم مخذلة لطموحهم .   والدين في المجتمع الإنساني بأسره يمثل "ضرورة اجتماعية" لا غنى للناس عنها. لكن الأمم تتفاوت في طرائق الانتفاع به, واستلهام مبادئه وتوجيهاته. كما تختلف في حرصها على أن يكون كما أراد له ربه قوة وإخاء ومساواة, لا ظهير أنانية وعدوان.   وبقاء الدين متربعاً على عرشه المجيد, يتوقف على أمرين :   أولهما : تفاعله المستمر مع حاجات الناس, حتى تستطيع البشرية أن تجد منه عوناً على مواجهة مشاكلها المستحدثة, ووضروراتها الطارئة, ويبارك محاولتها الدائمة للتقدم والوثوب.   ثانيهما : احتفاظه بخصائصه الذاتية الكبرى, وأهدافه التي من أجلها شرعه الله وأنزله.. وهي إسعاد الناس سعادة واقعية في نطاق المساواة النبيلة التي جاء يعلنها ويحض عليها ] اهـ   دين الله تعالى الذي أنزله, أنزله رحمة وهدية للعالمين من خلال التفاف المسلمين حول من يمثل تلك الرحمة وهو النبي ص وورثته من بعده, على رأس كل قرن منهم وارث.. وهو ما يسميه السنة بالمجدد ويسميه الشيعة بالإمام.. بهذه الطريقة وحدها تكون النجاة ولا يستطيع الحكام والفراعنة استغلال الدين لمصالحهم الشخصية..   لكن الدين بهذا الفهم تم القضاء عليه سنة 40 هـ من خلال تهميش مركزية الوارث المحمدي الأول وهو الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.. هذا التحييد كان نقطة تحول في تاريخ الإسلام ومن ثم في تاريخ البشرية كلها..   أكثر شئ يسلب كرامة الإنسان وشخصيته هو "الاستبداد" ولا سيما لو تقنّع بقناع ديني.. هنا يعظم خطره أضعافاً مضاعفة, لسبب بسيط جداً أنه سيكون مراداً ومطلوباً بدلاً من أن يكون منبوذاً مكروهاً.. كيف لا ونصرته ستكون نصرة للدين وهزيمته هزيمة للدين.   وهذا الأمر يوافق عليه الجميع (نظرياً) فقط.. لكن تختلف الآراء وتتمايز عند التطبيق على أرض الواقع لتكتشف أن أغلبية سكان المنطقة الجزيرة العربية يوافقون على الاستبداد الديني من خلال ما رأيناه من تأييدهم لحكم جماعة الإخوان المسلمين ((وإن ظلموا, وإن ظلموا)).. ورأينا أن مريديهم في مصر وخارجها يظنون أن الاستبداد هو الاستبداد العسكري فقط.. مع أن الاستبداد العسكري أسهل في التعامل معه من الاستبداد الديني لأن هذا الأخير هو الأخطر على الإطلاق لخفائه وللحاجة إلى إعادة تربية وتثقيف البسطاء من جديد ليفهموه ويفهموا حقيقة الشخصيات التي تمثله بلحاها وابتساماتها الجميلة في الرخاء, ولعناتها لكل مسلم لا يريدها عند الخلاف السياسي.. ولا غرو, فهم وكلاء الله تعالى ونصرتهم نصرة للإسلام.. بل لم يدخل الإسلام مصر إلا يوم تولى محمد مرسي كما قال الشيخ العلامة محمد حسان نفع الله به وأعز به أمة المليار.   تحدث القرآن عن الاستبداد السياسي/الديني ومعضلاته العوبصة بشكل بسيط جداً يفهمه كل أحد من خلال حوار موسى مع فرعون في عدة مواضع من القرآن..    تحدث القرآن عن إسباغ فرعون الصبغة الدينية على حكمه فقال فرعون في كلامه عن موسى عليه السلام (إني اخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد)   كما تحدث عن سلبه لكرامة شعبه من خلال نظريته (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد).. هذا هو أحرّ لهيب يلفح باطن أي إنسان حر كريم لو كان يفهم أنه استبداد.. لكن لو كان يظن أن شيخ/السياسة أو الرئيس/المؤمن صادق في كلامه وأنه فعلاً لا تغريه مغريات السلطة وكرسي الحكم وامتلاك الدنيا, وأنه خرج عن طور بشريته تقريباً كأنه ملَكٌ كريم, ومن ثم فهو أحق بالملك من غيره ممن ليسوا مثله في تدينه وقربه من الله : فهنا ايْأَس من هذا الإنسان الذي يظن هذا الظن وكبر عليه أربع تكبيرات. لأنه رضي بتقسيم أمته إلى معسكري كفر وإيمان وسيقتل أو يُقتل في حرب أهلية بسبب هذا الفرعون الملتحي الذي آمن به.   كان ينبغي للتيارات السلفية التي ملأت أركان العالم الإسلامي ضجيجاً وصراخاً في غير فائدة وجعجعة بلا طحن أن توصل تلك المفاهيم القرآنية التي تحمل هذا الوعي السياسي الرفيع المستوى ومنذ 1400 سنة : إلى قلوب الجماهير وعقولهم لتكسبها الوعي والتحصين والتطعيم ضد حُمّى الاستبداد التي أكلت الأخضر واليابس في أرض المسلمين.. ولكن شيئاً من هذا لم يحدث ولن يحدث لأن بنية الفكر السلفي ال***** تبلورت وتشكلت تحت رعاية بريطانية منذ البداية.. ويا للسخرية ! حاميها حراميها.. يعني خرج الاستعمار ووضع مكانه الحكم والمعارضة الدينية الكرتونية التي لا تنجب ولا تلد إلا الفئران الميتة بعد طول جهاد .   والسؤال : هل من المعقول أن الشيخ كتكوت السلفي الأثري لم يكن يعلم مرامي الوعي السياسي في القرآن لكي يكتب فيها الكتب وينشر فيها المحاضرات والدروس ؟! (وأنا أتحدث عن باب الاستبداد الديني الفرعوني) هل كان يجهل هذا ؟!!   الجواب : هل السارق وهو يسرق يمكن أن يذكر آية قطع اليد ؟ أو الزاني وهو يزني هل سيذكر آية الجلد ؟!!   إن القرآن يتحدث عن هذا الشيخ نفسه من خلال فرعون !   لكن الشيخ الجليل لم يزل يَحْبِك تلبيس العِمّة والسلطانية على رؤوس المسلمين ليقنعهم مزيد إقناع بأنه هو موسى لا فرعون.. وأنه لا يوجد شئ اسمه استبداد ديني على الإطلاق !! آه والله ! وربنا ! والنعمة الشريفة !! وإلا فأنت كافر ابن ستين كلب علماني أو *****.. على حسب صبغتك وتكوينك العلمي التهمة جاهزة.   بس..   هذه هي مشكلتنا نحن العرب والمسلمين.. أننا   كالعيس في البيداء يقتلها الظما * والماء فوق رؤوسها محمول   هذا وأنا لم أتعرض لتفاصيل التوعية السياسية في القرآن وإنما ألمحت إليها إلماحاً فقط.. وأنا بحسب ما تعلمت من مولانا السيد محمد علاء الدين أبو العزائم أن تلك الجماعات المتأسلِمة أخطر من الحكام الظلمة, فهي أخدم للإستعمار والجوارح المنفذة لأوامر عقله المدبر, وأداة سيطرته على عقول الشعوب وإراداتها حول تقرير مصيرها.. من خلال تحييد ما جاء به الإسلام من قضايا كبرى, وإشغال الشباب بالخوف من الزنا ووتهويل عواقب الاختلاط وتكرار الأمر بالحجاب مع وجود النقاب وو الخ مما لا ينتهي حول استخدام الجنس في تركيع الشعوب لمصلحة السادة الكبار..    القرآن كله توعية سياسية من خلال قصص صراع الأنبياء مع الطغاة والفراعنة.. ولكن المتمسلفة لا يذكرون هذا ويكتفون بختان الإناث وإطلاق اللحية.. وزمان كنت أقول : ما هو سر ورود قصة موسى بهذه الكثافة في القرآن حتى أنه أكثر نبي مذكور في القرآن ؟! وإذا الأمر يتعلق بقصة بناء أمة هي تلك التي نعيشها الآن..    بفراعنتها المتسربلين بالدين وشعوبها المقهورة وهارونها الملوم وموساها المجهول القدر الذي لا يعرفه المسلمون وهو فيهم.. وقد ذكرته في أول المشاركة : الوارث المحمدي المجدد أو الإمام.. هذا هو موسى عصره الذي يقيمه الله حجة على عباده وتتوقف نصرتهم لله على نصرته, ويتوقف مستقبلهم على معرفته. وإلا فلا نجاة قط لأن الطريق الموصلة واحدة ونحن لم نسلكها حتى الآن.    الإسلام أخرج رجالاً عظماء كُثُر في التاريخ الإسلامي.. عُرفوا بالأخلاق الحسنة وعلو الهمة والشخصية المصقولة.. وكانوا كلهم من الصوفية أو محبي الصوفية.. لأن التصوف هو علم تزكية النفس وتطهيرها من الأخلاق الذميمة وتحليتها بالأخلاق الفاضلة..   كان من هؤلاء العظماء : الفقهاء والعلماء.. وكان منهم المجاهدون.. وكان منهم التجار فاتحي البلاد الوثنية بحسن خلقهم فقط وأمانتهم في المعاملات المالية..   الصوفى قدم دار البقاء على دار الفناء وباع ما يزول بما يدوم يقول الإمام أبو العزائم : (معلوم أن الأشياء كلها لها ظاهر وباطن وهو لبها، فكذلك الدنيا والآخرة، وللدنيا أبناء، وللآخرة أبناء، فأبناء الدنيا شغلوا بما تقتضيه حظوظهم، وشهواتهم، وأهواؤهم، وما يدعوهم إليه الحس والجسم، فرضـوا بالحياة الدنيا، واطمأنوا بها (وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع). فاستخدموا جوهر النفس النوراني، ونور العقل الروحاني لتحصيل كماليات الجسد الفاني، جهلا بالآخرة، أو تجاهلا.    والصوفي عرف قدر الدنيا بالتعليم، وتحقق زوالها بالتفكير، وأيقن أن بعدها دارا هي الدار حقا، لا يسعد فيها إلا من تخلى عن دنس الأجسام، وخبث الشياطين، ودناءة البهائم، وبلادة النباتات، وثقل الجمادات، حتى يتشبه بعالم الملكوت الأعلى.    الصوفي علم قدر الدنيا والآخرة، فقدم ما يبقى على ما يفنى، وباع ما يزول بما يدوم).   والله لا أخفيكم سراً : أنا حينما سلكت الطريق وانكشفت لي عيوب نفسي الأمارة, شعرت باليأس من إصلاحها لقوة سلطانها وطول العهد بمسالمتها دون مجاهدة.. ولكن مع الوقت ومع وصول المدد الباطني من سيدنا رسول الله ص, وباتباع توجيهات شيخي أكرمه الله وجزاه عني خيراً : تحسن الأمر كثيراً عما ذي قبل.     يتابع الإمام أبو العزائم كلامه فيقول    الصوفى جاهد نفسه وانسلخ من مقتضيات نقائصه الصوفي رأى في نفسه عوائق تعوقه عن بلوغ كماله الحقيقى، تلك العوائق راسخة في فطرته، راسية في حقيقته، جواذبها إلى الرذائل قوية، ودوافعها عن نيل الخير شديدة، ومقتضياتها التي توبق في الدرك الأسفل من النار ملازمة..   ولكنه سطعت على جوهر نفسه أنوار تلك الكمالات من جانب الروح، وناداه الحق من قِبَله: (إني انا ربك) خلقتك لذاتى، وخلقت لك كل شىء، ومنحتك الحرية والإدراة، وبينت لك الشر، وأعددت لك النظر إلى وجهي، في دار كرامتي، وجوار الأطهار المقربين ممن اصطفيتهم من خلقي، فسمع ولبى، وحن واشتاق   ثم دعته فطرته الحيوانية في دار البلية، فنظر وفكر، وتـأمل وتدبر، فرأى الدنيا قد آذنته بزوالها، وأشهدته عملها في أبنائها، فرآهم بين راحل إلى القبور، وبين غافل عن الآخرة مغرور، فجاهد نفسه في الله حتى أطاعته، وانسلخ من مقتضيات نقائصه كما ينسلخ الليل من النهار.   الصوفي غريب بين أهله  الصوفي صغرت والله الدنيا في عينه حتى كره المُقام فيها بين أهله، لولا رحمته ببني جنسه ليدعوهم إلى الخير، واستوحش والله حتى من نفسه، وتمنى أن يكون نفسه الثانى في رمسه، شوقا إلى جوار حبيبه المختار، والأنس بالصفوة الأطهار، في مقعد صدق عند مليك مقتدر   رجع بكليته إلى الماضي (بالحال والأخلاق لا بالأحكام الشرعية وذهنية التحريم -نورسي) مسارعا إلى ما كان عليه أصحاب رسول الله ﴿ص﴾ من العقيدة والعبادة، والحال النبوية، والأخلاق الربانية، ومعاملتهم الله تعالى في خلقه، ورجع إلى الماضي من السنة السمحاء، والطريقة المستقيمة، فكان غريبا بين أهله، لجهلهم بالسنة، وتساهلهم بالمله، ولو ظهر بينهم رجل من الصحابة لأنكروا حاله، وجهلوا أعماله (وأولهم السلفية لأنه لا تسامح لديهم ولا وسطية -نورسي)، ولكن الصوفي قوي في دين الله، ولا تأخذه لومة لائم في الله، شهد الحق حقا فاتبعه مسارعاً، والباطل بـاطلا فاجتنبه فازعا، يغار لله، ولسنة رسول الله﴿ص﴾ .   الصوفي اتحد بالحق مفارقا للخلق وهو فيهم الصوفي عمل بكتاب الله مجاهدا، وبسنة رسول الله ﴿ص﴾ مشاهدا، فَسَبَحَتْ نفسه الطاهرة في ملكوت الله، بين صفوف ملائكة الله، فرفعه الله قدراً؛ لأن الصوفى مجاهد والملائكة غير مجاهدين، ينازع بالمجاهدة فطرته، والملائكة على الخير مفطورون. قال الله تعالى: (وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيما) (النساء:95).    لم تقف همة الصوفي على السياحة في ملكوت الله الأعلى بل فرت إلى لوامع وميض أنوار قدس العزة والجبروت، فألهت إلى الإشراف على القدس الأعلى، فجذبتها العناية الأزلية، واختطفتها يد الحسنى بالسابقية، فأشرف على قدس العزة والجبروت، فأشرقت عليه أنوار مشاهد التوحيد العلية، فاتحد بالحق مفارقا للخلق، وهو في الخلق محفوظ الظاهر والباطن، فألهمه الله – تعالى - نور البيان في فهم القرآن، ومنحه المنة بذوق السنة، فكان أمة وحده.   جعل الله له نورا منه –سبحانه- حفظه به من دواعي النفس، ولوازم الطبع، ومقتضيات رتبته من مراتب الوجود، وجعله نورا لأهل عصره، يجمل بأعماله الأشباح، وبعلومه الأرواح، ويجذب القلوب إلى علام الغيوب، ألقى الله عليه محبة منه فأحبه كل شيء، إلا شياطين الإنس والجن، الذين جعلهم الله قطاعا لطريقه).   الإمام يقول : أن الصوفي يعطيه الله تعالى نوراً في قلبه يفهم به عن الله مراده وعن النبي ص دينه منهاجه كما فهم هو ص وكما أراد الله تعالى, ببركة هذا النور المحمدي الذي يفيضه الله على قلب طالب الصفاء. قال الله تعالى (واتقوا الله ويعلمكم الله) وقال (وعلمناه من لدنا علما). والتقوى ليست كلمة تقال على الألسنة, بل هي منهاج إسلامي يسمى التزكية له أصوله وقواعده ومدارسه وعلماءه ومجتهديه.. سمه التصوف سمه التزكية لا مشاحة في الاصطلاح.. المهم أن هناك منهج آخر معني بالتربية وإصلاح النفس, بعد منهج التعليم والفقه.   فإذا تربت النفس وتزكى القلب صار شفافاً غير ملطخ بسواد الذنوب ودخانها, فيصير عرشاً للرحمن يستوي عليه.. وفي الحديث القدسي : (ما وسعتني أرضي ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن) وصار قلبه يرى بالله ويسمع بالله فتنعكس صور عالم الملكوت فيه, فيكاشف بالجنة ويرى قصورها وحورها وأهلها يتنعمون فيها ويشعر بما يشعرون هناك من السعادة أثناء تلك اللحظات من الهدايا التي يمن الله بها على أحبابه وأوليائه المطهرة قلوبهم بالذكر والحب لله ورسوله.   وما هي الجنة إلا جنة الروح والشعور بالسعادة التي كنا نشعر بها ونحن أطفال صغار ونحن سليمي الفطرة بريئي المشاعر.. وكل أولياء الله تعالى قلوبهم هكذا كبراءة الأطفال.. كان سيدنا عيسى عليه السلام كذلك : شاهد لصاً يسرق فنهره فحلف اللص أنه لم يسرق, فقال سيدنا عيسى : آمنت بالله وكذبت بصري ! كأنه استعظم أن يحلف أحد بالله كاذباً... ولذلك صدّق آدم ابليس حينما حلف (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ).. كذلك كان سيدنا عثمان بن عفان على قلب آدم عليه السلام فانخدع في بني أمية ولم يكن يفطن أنهم يخدعونه ويكذبون عليه, حيث لم يكن يتصور أن هناك بشر بهذا الكم من القدرة على لبس الأقنعة. والدليل أنه لما سمع أبا سفيان سيدهم وكبيرهم يقول في مجلس عثمان : تداولوها يا بني أمية تداول الكرة فوالله ما من حساب ولا جنة ولا نار !! ففزع عثمان وطرده.. ومع أن طيبة قلبه كانت سبباً في قتله وثورة الصحابة عليه, إلا أنها كانت سبباً لاعتماد سيدنا رسول الله ص له كواحد من أخص أصحابه البررة فزوجه ابنتيه وبشره يوم جيش العسرة قائلاً : ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم.. وذلك لأنه أثبت حين تبرع بتجهيز الجيش أنه محب لله ورسوله كريم النفس شهم الطبع سريع النجدة.. وهذه صفات رسول الله ص, فهو رضي الله عنه كان يشبه رسول الله ص ولذلك أحبه وزوجه ابنتيه رقية وأم كلثوم رضي الله عنهم جميعاً..   هذا الطريق طريق الصوفية : كله نِعَم ومنن ورحمات يُنْزِلها الله على أهله.. يعلم هذا من كان من غير أهله تلك الطريق ثم دخلها.. فيلحظ الفرق في تحسن نفسيته وأحواله على العموم.. فيعلم ويوقن أن لأهل هذا الطريق عناية خاصة من قبل الله تعالى كما قال عزوجل (إن الله يدافع عن الذين آمنوا) وقال (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون) جنة عاجلة في الدنيا.. يدخلونها هنا قبل مماتهم لأن اماتوا أنفسهم الأمارة بالسوء ومن مات دخل الجنة..    ولكي تعلموا يا أحبتي كيف أن هذا الطريق لا يمكن وصف عناية الله بأهله وسالكيه الذين وصف حالهم الإمام أبو العزائم أعلاه, فتظروا في هذا الكتاب العجيب للإمام الشعراني رحمه الله (لطائف المنن والأخلاق في التحدث بنعمة الله على الإطلاق)   https://archive.org/download/alcha3rani/lataefminan.pdf   وهو عبارة عن تطبيق لقوله تعالى (وأما بنعمة ربك فحدث) العبارة المتكررة على طول الكتاب وعرضه هي "ومما منّ الله به عليّ" كذا وكذا.. ولكن حينما يتحدث شيخ صوفية القرن العاشر عن نعم الله عليه وعناية الله به : فهل يقل الكتاب عن ثمانمائة 800 صفحة ؟!! ليس غريباً أن نقول لا ونحن واثقون من أنفسنا لمن عرف هذا الطريق.. ومن ذاق عرف.   يقول الصوفية : التخلي ثم التحلي ثم التجلي   التخلي عن الأخلاق الذميمة ، والتحرر من قيود القوى الظلمانية في النفس من الشهوة والغضب والحسد، أخلاق الحيوانات والسباع والأبالسة.   ثم التحلي بالأخلاق الحميدة ،واستنارة القلب والنفس بنور سيدنا رسول الله وأهل بيته.   ثم تجلي أنوار الله سبحانه وتعالى لعين القلب بعد محو الحُجُب التي كانت تحجب القلب عن المشاهدة والتنعم بها. وهذا هو أعلى نعيم أهل الجنة، يكرم الله به خواص عباده المحبوبين له في هذه الدار، كلٌ بحسب حظه ونصيبه من أنوار سيدنا رسول الله ص وأهل بيته..   وفي الحديث ( من عرف نفسه عرف ربه ).. قال أهل التصوف : من عرف نفسه بالنقص والحاجة والعبدية، عرف ربه بالكمال والغنى والربوبية، ولكن قليل من يعرف نفسه بهذا المعنى ويراها على حقيقتها، فأغلب الناس ينازعون الربوبية ويعترضون على القدر ولا يرضون بحكم الله ويقل فيهم التوكل ويعتمدون بقلوبهم على الأسباب، فهي مشهدهم وموضع نظرهم، وليس مشهدهم أن الله تعالى هو المتصرف المعطي المانع.. أكثر الناس يعيشون أسرى نفوسهم.   ولذلك قال الصوفية (أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك) فلا سبيل لأحد إلى معرفة الله تعالى ما دامت فيه بقية من نفسه الأمارة بالسوء، لأنها أغلظ حجاب بين العبد وربه.. ولا سبيل إلى قطع واقتحام هذه العقبة إلا بشيخ من شيوخ الطريق، من خارجها، يصل السالك أو المريد مدد سيده رسول الله ص من خلال شيخه هذا، مدد يعينه على اقتحام عقبة نفسه الأمارة لتموت ويولد صاحبها ولادة أخرى (موتوا قبل أن تموتوا)، ومن الطبيعي أنه لا يمكن للنفس أن تسمح لصاحبها أن ينتصر عليها دون معين من خارجها من الكُمّل.. وقد سمعتُ شيخي يقول : ان النفس بها من النقائص بعدد ما لله من كمالات، ولذلك أقسم بها فقال (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها) ودعا إلى التفكر والنظر فيها (وفي أنفسكم أفلا تبصرون)، فهي مخلوق عظيم معقد جداً له أوجه عديدة، تجمع صفات الحيوانات والملائكة والسباع المفترسة والشياطين والنباتات والجمادات.. وقد تحدث الإمام أبو العزائم بالتفصيل عن هذا في مؤلفاته، ولكن موضع الشاهد هو أنه لا يمكن الانتصار على النفس الأمارة لتكون مطمئنة إلا بشيخ كامل مأذون بالتربية، قال تعالى (من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا).   وأهمية المرشد في طريق السير إلى الله لأن الطريق غامض غير واضح, ولذلك ندعو كل يوم في صلاتنا قائلين (اهدنا الصراط المستقيم) وعيوب نفس السالك أو المُريد غامضة.. وحيل الشيطان وحبائله بالنسبة للمبتدئ غامضة كذلك.. وفقه الأولويات وتقديم الأهم على المهم غامض.. والأهم من هذا كله : أن الانفراد في طريق الله مذموم لأنه ينفخ في النفس الكبر والزهو والعُجب والاعتماد على قدراتها وإمكاناتها.. وفي الحقيقة أنها لن تسمح لك بأن تخالفها دون مساعد ومعين من الخارج تتقوى به عليها.. والشيخ تستمد منه النور النبوي, والشيخ يستمد من روحانية رسول الله ص..   ولذلك مدح النبي ص السفر في جماعة وذم الانفراد فقال : (الراكب شيطان, والراكبان شيطانان, والجماعة ركْب).   وقال ( إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية) والشيطان ذئب الإنسان.. والنفس الإنسانية بطبيعتها تحتوي على قُوى شر شيطانية قد تتجاوز قُوى شيطان الجن بمراحل إذا أهمل الإنسان نفسه.. ولذلك قدّم الله تعالى الإنس على الجن في قوله : (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن).   لذلك يجب مواجهة تلك القوى الشريرة التي في النفس بقوة أكبر منها تتمثل في الشيخ المرشد.     قال الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبو العزائم   الطريق والحاجة إليه ما احتياج المسلم إلى الطريق ؟  كل مسلم على يقين أنه مسافر إلى الدار الآخرة ، وأهل الإيمان منهم مسافرون إلى مقر رحمة الله ودار النعيم الأبدي ، وأهل الإحسان مسافرون إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر ، وأهل الإيقان مسافرون فرارا من الكونين إلى المكون جل جلاله .    ولما كان المسافر إلى مكان ناء لا يخلو حاله : إما أن يكون عالما بالطريق متمرنا عليه أولا ، فإن كان عالما به احتاج إلى رفيق يعينه على مهام شئونه ، حتى يكون على يقين من أنه إذا نسى ذكره وإذا ذكر أعانه ، وفى الحكمة : ( الرفيق قبل الطريق ) وإن كان جاهلا بالطريق احتاج إلى دليل موثوق به مشهور بين الناس بتوصيل السفر.     هذا ولما كان المسافر لا بد أن يترك وراءه كل الآثار والمعالم التي تحول بينه وبين نيل المقصد من وطنه ، وأهله ، وأولاده ، وأقاربه ، حتى يتسنى له نيل هذا المقصد العظيم ، فكذلك المسافر إلى مقصد من المقاصد المتقدمة لا بد أن يفارق معالم وأثارا كثيرة تحجبه وتبعده عن مقصده ، والحُجُب في السفر المعنوي أكثف وأشد من الحُجُب في السفر الحسي .   فقد وصل العقل إلى مقدمات أنتجت له التكلم مع المحبوب النائي عنه بواسطة الموصل السلكي ( المسرة ) ، وأمكن العقل أن يضبط صدى صوت حبيبه محفوظا لديه، يسمعه متى شاء بآلة تعقيب الصدى الحاكي ( الفنغراف ) ولكن هذا المقصد ليس للعقل اقتدار أن يقربه بآلة أو بأداة ، بل لا بد من فادح المجاهدات ، وعظيم المكافحات ، حتى يفارق كل تلك القواطع والحجب مرة واحدة ، وبدون مفارقتها لا يصل كما وصل الحس بمجهودات العقل ، فسمع صوت حبيبه محفوظا أو ملفوظا ، وقد يرى حبيبه بالتصوير وهو متكيء على فراشه ينظر إليه في الصورة ويسمع صوته في الآلة ، وذلك لأن الذي يفارقه المسافر إلى الحق حقائق في ذات الشخص لا تفارقه إلا بفادح المجهود ، وما دامت تغشى جوهر النفس ، فالنفس في اللبس .      ولو حصل المسلم علوم الأولين والآخرين ولم يظفر بدليل في مقام جهالته بالطريق أو برفيق في مقام علمه به لا يصل إلى قصده ، ولو أن الله جل جلاله قدر ذلك في أزله لأظهر ذلك في ملائكته المجردين عن المادة ولوازمها ، أو منح ذلك رسله الكرام ، فإن الله تعالى ألزم الملائكة أن يتلقوا من آدم ، وأمر الرسل أن يتلقوا من جبريل ، وقد صحب جبريل رسول الله ﴿ ص وآله﴾ في إسرائه وفى سيره وهو من تعلم جلالة وقدرا حفظا للناموس الإلهي ، حتى ينفرد جل جلاله بالعلم بذاته لذاته.   هذا من حيث ما يتعلق بهذا الموضوع عقلا ، أما من حيث الذوق فيه، فإن العلم كالمال والعافية والجاه يكسب النفس غرورا وعلوا ، وهما العقبتان القاطعتان عن الله تعالى ، ولو أن العلم ينفع في السير إلى الله تعالى لكان أول منتفع به إبليس ، وهو من تعلم علما ومعرفة بقدر نفسه وعلمه ، ولما لم يكن له مرشد يرشده ضل وهوى.   إن الله أرسل الرسل وهو الحكيم العليم لأنه خلق الخلق خطائين بأنفسهم ، جهلاء بحسب حقائقهم ، وإنما المرشد للسالك منزل منزلة القوت للروح والعقل علما ، والغذاء للجسم عملا ، ومنزل للواصل منزلة الشمس المبينة للحقائق ، ومنزل لأهل التمكين بمنزلة الاتحاد ، حتى يكون المتمكن مع المرشد هو هو ، حالا وعقيدة وعملا وشهودا ، وأنت تعلم ياولدى أن الجسم الحي يفقد حياته بفقد الغذاء ، وأن العين المبصرة تخفى عليها الحقائق باحتجاب الشمس ، وأن المتمكن قربا من الله تعالى يفقد كرامة الله له بفقد ما به وصل إلى الله تعالى.    وإنما سميت مجاهدة النفس وتهذيبها ، وتجملها بمحاب الله ومراضيه طريقا ؛ لأن الإنسان في هذا المقام يفارق عوائده المهملة ، وأخلاقه الوحشية ، وهمته الإبليسية ، وصفاته البهيمية الشهوانية ، حتى يكون أشبه برسول الله ﴿ ص وآله﴾ . وما أعظم هذا الذي يفارقه وما أشد احتياجه إلى معين قوي مؤثر معتقد فيه.   وهناك فوق الذوق إشارة فسلم : إن الله تعالى ظهر لملائكته في مظهره ، وظهر جل جلاله للسالك المخلص آمرا ناهيا مبينا في مظهره الأكمل خاتم الأنبياء صلوات الله عليه وآله ، وظهر ﴿ ص وآله﴾ في المرشد فيصل لصاحبه حتى تبلغ العقيدة به مبلغ أنه يرى مخالفته مخالفة لرسول الله ﴿ ص وآله﴾.   لذلك كان لا بد من الرفيق في الطريق .    يقول ﴿ ص وآله﴾ : ( اللهم ارحم خلفائي ) وخلفاؤه ﴿ ص وآله﴾ هم العلماء الربانيون الذين يحيون سنته بعد مواتها . ويقول الله تعالى : (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) النساء: ٨٣ وأولوا الأمر منهم هم الذين منحهم الله الفقه في دينه لأنهم أهل أمر الله تعالى ، ومن لم يعتقد أن له مرشدا يصحح عليه حاله فهو مغرور بعيد عن الحق .    وهنا أنبه السالك أن يحفظ الموازين مع أكمل المرشدين ، وألا يقبل من المرشد في كل مرتبة من مراتب السلوك إلا ما يعلمه من كتاب الله وسنة رسوله ﴿ ص وآله﴾ صريحا أو تأويلا ، حتى يبلغ مقام الإلهام، ولديها يجب أن يؤول للمرشد ، فإن لم يبلغ بتأويله فهم الحكم سلم له ، ووقف عن العمل ، حتى يمنحه الله نورا تستبين له به الحقيقة، فإن المرشد إنما يزكي نفوس المريدين ، فهو طبيب روحاني يجب على السالك أن يتعاطى عقاقيره التي لا تخرجه عن آداب الشريعة ، مهما كانت ؛ كما إذا أمره بالأسباب وهو في التجريد ، أو بالتجريد وهو في الأسباب ، وأمثال ذلك.      ما يناله السالك بانتسابه للطريق :  الطريق والصراط والمنهج ألفاظ مترادفة يراد بها ما يسهل به الوصول إلى المقصد ، آمنا سالكه على نفسه وماله من وعثاء السفر ، أو سوء المنقلب . وقد قررنا فيما سبق أن السالك إلى الله تعالى يفارق حقائق كثيرة ، لا يتسنى له الوصول ما دام واقفا عندها ، وكل حقيقة من تلك الحقائق كجبل سَدّ مَسلَكَ المسافر إلى الله تعالى .    ولما كانت أسس الدين أربعة : العقيدة ، والعبادة ، والمعاملة ، والأخلاق . وكانت النجاة متوقفة على الأساس الأول الذي هو العقيدة، وعلى قدر قوتها يكون الوصول ، فإن أصحاب رسول الله ﴿ ص وآله﴾ سبقونا بقوة الإيمان وسبقنا التابعون بوسعة العلم ونحن جئنا بكثرة العمل . ولا تسو بقوة الإيمان شيئا ، فنحن في حاجة إلى قوة الإيمان ولو جهلنا كل شيء إلا ما لا بد منه لنا ، وتركنا كل عمل إلا ما فرضه الله علينا ، إذ وسعة العلم وكثرة العمل مع ضعف الإيمان لا تجدي شيئا ، ولكن العقيدة الحقة تنتج العبادة الحقة والأخلاق الجميلة والمعاملة الحسنة ، والرعاية التي تجعل المسلم حاضرا مع الله أو موقنا بحضور الله معه ، يقول ﴿ ص وآله﴾ : " ....... فإن لم تكن تراه فإنه يراك ".    هذا والقائمون بالدعوة إلى الله أنواع ، فخيرهم وأنفعهم من جمله الله تعالى بقوة الإيمان ، وبمعرفته سبحانه ، وبعلم حكمته وأيامه وأحكامه ، وهذا هو وارث رسول الله ﴿ ص وآله﴾ ، وهو السعادة العظمى لمن سلم له ، وحصن الأمن لمن اقتدى به ، وهو المعنى بقوله ﴿ ص وآله﴾ في الحديث القدسي عن الله : ( من آذى لي وليا آذنته بالحرب ) ، لأنه الصورة الكاملة لرسول الله ﴿ ص وآله﴾ ، والخليفة القائم لله بالله ، مجدد المنهاج ، ومقيم الحجة ، ومبين المحجة، وهو المراد بقول الله تعالى : (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) فاطر: ٢٨.    ثم يلي هذا الفرد رجل منحه الله الورع في دينه والخشوع في عبادته ، وهو الزاهد العابد.  ثم يلي هذا رجل منحه الله الرحمة في قلبه والشفقة على عباد الله وهو من أهل المعاملة. ثم يلى هذا رجل زكى الله نفسه ، وطهر أخلاقه حتى ذلت نفسه في عينه ، وهو المتخلق بالأخلاق الجميلة.   وكل واحد من هؤلاء يُجَمّل السالكَ على يده بما جمله الله به ، وكلنا نعلم أن الله يهب على الأخلاق ما لا يهبه على غيرها ، فكل مسلم لا يتربى على يد مرشد لا يذوق لذة الإيمان ، ولا لذة التقوى ، وربما اغتر بأعماله فأفسد إبليس عليه حاله ، وكم سالك زلت به قدمه ، وواصل ارتد على وجهه ، ولا أمان لمكر الله ، فالسالك على يد المرشد في حصون الأمن من وسوسة الشيطان وخدع النفس ، وبه ينال الرقي إلى مقامات اليقين من التوبة ، والخوف ، والرجاء ، والمحبة ، والتوكل ، والمشاهدة ، والرضا ، والصبر ، وغيرها ، حتى يبلغ مقام المقربين ، ويكون مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين .    إذا يتعين على كل مسلم أن يتلقى تلك الأسرار ، وأن يقتدي بالمرشد في الأعمال ليكون أشبه الناس برسول الله ﴿ ص وآله﴾ ، وكل مسلم لم يتلق العلم من العالم الرباني ولم يقتد بالمرشد الكامل يخشى عليه من الشرك الخفي ، أو الأخفى ، من الغرور بالنفس والعمل والنسب والجاه ، نسأل الله السلامة من الآفات في الهجرة إلى الله تعالى ، إنه مجيب الدعاء .    ليس هناك هناك شئ يبعث الناس على القلق والخوف من أن يصير الدين مصدر تسلط واستبداد وقهر للحريات ..   يقول الأستاذ خالد محمد خالد في مطلع كتاب (من هنا نبدأ) كلمات تكتب بماء الذهب، أمعن النظر فيها:   [إن تصفية العلاقة بين المجتمع والدين بداية الطريق إلى النماء والاستقرار. وليس ثمة ما ينفر الناس من الدين مثل ابرازه في صورة في صورة مناهضة لحقوقهم مخذلة لطموحهم.   والدين في المجتمع الإنساني بأسره يمثل "ضرورة اجتماعية" لا غنى للناس عنها. لكن الأمم تتفاوت في طرائق الانتفاع به، واستلهام مبادئه وتوجيهاته. كما تختلف في حرصها على أن يكون كما أراد له ربه قوة وإخاء ومساواة، لا ظهير أنانية وعدوان.   وبقاء الدين متربعا على عرشه المجيد، يتوقف على أمرين:   أولهما: تفاعله المستمر مع حاجات الناس، حتى تستطيع البشرية أن تجد منه عونا على مواجهة مشاكلها المستحدثة، ووضروراتها الطارئة، ويبارك محاولتها الدائمة للتقدم والوثوب.   ثانيهما: احتفاظه بخصائصه الذاتية الكبرى، وأهدافه التي من أجلها شرعه الله وأنزله .. وهي إسعاد الناس سعادة واقعية في نطاق المساواة النبيلة التي جاء يعلنها ويحض عليها] اه   دين الله تعالى الذي أنزله، أنزله رحمة وهدية للعالمين من خلال التفاف المسلمين حول من يمثل تلك الرحمة وهو النبي ص وورثته من بعده، على رأس كل قرن منهم وارث .. وهو ما يسميه السنة بالمجدد ويسميه الشيعة بالإمام .. بهذه الطريقة وحدها تكون النجاة ولا يستطيع الحكام والفراعنة استغلال الدين لمصالحهم الشخصية ..   لكن الدين بهذا الفهم تم القضاء عليه سنة 40 ه من خلال تهميش مركزية الوارث المحمدي الأول وهو الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه .. هذا التحييد كان نقطة تحول في تاريخ الإسلام ومن ثم في تاريخ البشرية كلها ..   أكثر شئ يسلب كرامة الإنسان وشخصيته هو "الاستبداد" ولا سيما لو تقنع بقناع ديني .. هنا يعظم خطره أضعافا مضاعفة، لسبب بسيط جدا أنه سيكون مرادا ومطلوبا بدلا من أن يكون منبوذا مكروها .. كيف لا ونصرته ستكون نصرة للدين وهزيمته هزيمة للدين.   وهذا الأمر يوافق عليه الجميع (نظريا) فقط .. لكن تختلف الآراء وتتمايز عند التطبيق على أرض الواقع لتكتشف أن أغلبية سكان المنطقة الجزيرة العربية يوافقون على الاستبداد الديني من خلال ما رأيناه من تأييدهم لحكم جماعة الإخوان المسلمين ((وإن ظلموا، وإن ظلموا)) .. ورأينا أن مريديهم في مصر وخارجها يظنون أن الاستبداد هو الاستبداد العسكري فقط .. مع أن الاستبداد العسكري أسهل في التعامل معه من الاستبداد الديني لأن هذا الأخير هو الأخطر على الإطلاق لخفائه وللحاجة إلى إعادة تربية وتثقيف البسطاء من جديد ليفهموه ويفهموا حقيقة الشخصيات التي تمثله بلحاها وابتساماتها الجميلة في الرخاء، ولعناتها لكل مسلم لا يريدها عند الخلاف السياسي .. ولا غرو، فهم وكلاء الله تعالى ونصرتهم نصرة للإسلام .. بل لم يدخل الإسلام مصر إلا يوم تولى محمد مرسي كما قال الشيخ العلامة محمد حسان نفع الله به وأعز به أمة المليار.   تحدث القرآن عن الاستبداد السياسي / الديني ومعضلاته العوبصة بشكل بسيط جدا يفهمه كل أحد من خلال حوار موسى مع فرعون في عدة مواضع من القرآن ..   تحدث القرآن عن إسباغ فرعون الصبغة الدينية على حكمه فقال فرعون في كلامه عن موسى عليه السلام (إني اخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد)   كما تحدث عن سلبه لكرامة شعبه من خلال نظريته (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) .. هذا هو أحر لهيب يلفح باطن أي إنسان حر كريم لو كان يفهم أنه استبداد .. لكن لو كان يظن أن شيخ / السياسة أو الرئيس / المؤمن صادق في كلامه وأنه فعلا لا تغريه مغريات السلطة وكرسي الحكم وامتلاك الدنيا، وأنه خرج عن طور بشريته تقريبا كأنه ملك كريم، ومن ثم فهو أحق بالملك من غيره ممن ليسوا مثله في تدينه وقربه من الله: فهنا ايأس من هذا الإنسان الذي يظن هذا الظن وكبر عليه أربع تكبيرات. لأنه رضي بتقسيم أمته إلى معسكري كفر وإيمان وسيقتل أو يقتل في حرب أهلية بسبب هذا الفرعون الملتحي الذي آمن به.   كان ينبغي للتيارات السلفية التي ملأت أركان العالم الإسلامي ضجيجا وصراخا في غير فائدة وجعجعة بلا طحن أن توصل تلك المفاهيم القرآنية التي تحمل هذا الوعي السياسي الرفيع المستوى ومنذ 1400 سنة: إلى قلوب الجماهير وعقولهم لتكسبها الوعي والتحصين والتطعيم ضد حمى الاستبداد التي أكلت الأخضر واليابس في أرض المسلمين .. ولكن شيئا من هذا لم يحدث ولن يحدث لأن بنية الفكر السلفي ال ***** تبلورت وتشكلت تحت رعاية بريطانية منذ البداية .. ويا للسخرية! حاميها حراميها .. يعني خرج الاستعمار ووضع مكانه الحكم والمعارضة الدينية الكرتونية التي لا تنجب ولا تلد إلا الفئران الميتة بعد طول جهاد.   والسؤال: هل من المعقول أن الشيخ كتكوت السلفي الأثري لم يكن يعلم مرامي الوعي السياسي في القرآن لكي يكتب فيها الكتب وينشر فيها المحاضرات والدروس؟! (وأنا أتحدث عن باب الاستبداد الديني الفرعوني) هل كان يجهل هذا؟ !!   الجواب: هل السارق وهو يسرق يمكن أن يذكر آية قطع اليد؟ أو الزاني وهو يزني هل سيذكر آية الجلد؟ !!   إن القرآن يتحدث عن هذا الشيخ نفسه من خلال فرعون!   لكن الشيخ الجليل لم يزل يحبك تلبيس العمة والسلطانية على رؤوس المسلمين ليقنعهم مزيد إقناع بأنه هو موسى لا فرعون .. وأنه لا يوجد شئ اسمه استبداد ديني على الإطلاق !! اه والله! وربنا! والنعمة الشريفة !! وإلا فأنت كافر ابن ستين كلب علماني أو ***** .. على حسب صبغتك وتكوينك العلمي التهمة جاهزة.   بس ..   هذه هي مشكلتنا نحن العرب والمسلمين .. أننا   كالعيس في البيداء يقتلها الظما * والماء فوق رؤوسها محمول   هذا وأنا لم أتعرض لتفاصيل التوعية السياسية في القرآن وإنما ألمحت إليها إلماحا فقط .. وأنا بحسب ما تعلمت من مولانا السيد محمد علاء الدين أبو العزائم أن تلك الجماعات المتأسلمة أخطر من الحكام الظلمة، فهي أخدم للإستعمار والجوارح المنفذة لأوامر عقله المدبر، وأداة سيطرته على عقول الشعوب وإراداتها حول تقرير مصيرها .. من خلال تحييد ما جاء به الإسلام من قضايا كبرى، وإشغال الشباب بالخوف من الزنا ووتهويل عواقب الاختلاط وتكرار الأمر بالحجاب مع وجود النقاب وو الخ مما لا ينتهي حول استخدام الجنس في تركيع الشعوب لمصلحة السادة الكبار ..   القرآن كله توعية سياسية من خلال قصص صراع الأنبياء مع الطغاة والفراعنة .. ولكن المتمسلفة لا يذكرون هذا ويكتفون بختان الإناث وإطلاق اللحية .. وزمان كنت أقول: ما هو سر ورود قصة موسى بهذه الكثافة في القرآن حتى أنه أكثر نبي مذكور في القرآن؟! وإذا الأمر يتعلق بقصة بناء أمة هي تلك التي نعيشها الآن ..   بفراعنتها المتسربلين بالدين وشعوبها المقهورة وهارونها الملوم وموساها المجهول القدر الذي لا يعرفه المسلمون وهو فيهم .. وقد ذكرته في أول المشاركة: الوارث المحمدي المجدد أو الإمام .. هذا هو موسى عصره الذي يقيمه الله حجة على عباده وتتوقف نصرتهم لله على نصرته، ويتوقف مستقبلهم على معرفته. وإلا فلا نجاة قط لأن الطريق الموصلة واحدة ونحن لم نسلكها حتى الآن.   الإسلام أخرج رجالا عظماء كثر في التاريخ الإسلامي .. عرفوا بالأخلاق الحسنة وعلو الهمة والشخصية المصقولة .. وكانوا كلهم من الصوفية أو محبي الصوفية .. لأن التصوف هو علم تزكية النفس وتطهيرها من الأخلاق الذميمة وتحليتها بالأخلاق الفاضلة ..   كان من هؤلاء العظماء: الفقهاء والعلماء .. وكان منهم المجاهدون .. وكان منهم التجار فاتحي البلاد الوثنية بحسن خلقهم فقط وأمانتهم في المعاملات المالية ..   الصوفى قدم دار البقاء على دار الفناء وباع ما يزول بما يدوم يقول الإمام أبو العزائم: (معلوم أن الأشياء كلها لها ظاهر وباطن وهو لبها، فكذلك الدنيا والآخرة، وللدنيا أبناء، وللآخرة أبناء، فأبناء الدنيا شغلوا بما تقتضيه حظوظهم، وشهواتهم، وأهواؤهم، وما يدعوهم إليه الحس والجسم، فرضوا بالحياة الدنيا، واطمأنوا بها ( وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع). فاستخدموا جوهر النفس النوراني، ونور العقل الروحاني لتحصيل كماليات الجسد الفاني، جهلا بالآخرة، أو تجاهلا.   والصوفي عرف قدر الدنيا بالتعليم، وتحقق زوالها بالتفكير، وأيقن أن بعدها دارا هي الدار حقا، لا يسعد فيها إلا من تخلى عن دنس الأجسام، وخبث الشياطين، ودناءة البهائم، وبلادة النباتات، وثقل الجمادات، حتى يتشبه بعالم الملكوت الأعلى.   الصوفي علم قدر الدنيا والآخرة، فقدم ما يبقى على ما يفنى، وباع ما يزول بما يدوم).   والله لا أخفيكم سرا: أنا حينما سلكت الطريق وانكشفت لي عيوب نفسي الأمارة، شعرت باليأس من إصلاحها لقوة سلطانها وطول العهد بمسالمتها دون مجاهدة .. ولكن مع الوقت ومع وصول المدد الباطني من سيدنا رسول الله ص، وباتباع توجيهات شيخي أكرمه الله وجزاه عني خيرا: تحسن الأمر كثيرا عما ذي قبل.     يتابع الإمام أبو العزائم كلامه فيقول   الصوفى جاهد نفسه وانسلخ من مقتضيات نقائصه الصوفي رأى في نفسه عوائق تعوقه عن بلوغ كماله الحقيقى، تلك العوائق راسخة في فطرته، راسية في حقيقته، جواذبها إلى الرذائل قوية، ودوافعها عن نيل الخير شديدة، ومقتضياتها التي توبق في الدرك الأسفل من النار ملازمة ..   ولكنه سطعت على جوهر نفسه أنوار تلك الكمالات من جانب الروح، وناداه الحق من قبله: (إني انا ربك) خلقتك لذاتى، وخلقت لك كل شىء، ومنحتك الحرية والإدراة، وبينت لك الشر، وأعددت لك النظر إلى وجهي، في دار كرامتي، وجوار الأطهار المقربين ممن اصطفيتهم من خلقي، فسمع ولبى، وحن واشتاق   ثم دعته فطرته الحيوانية في دار البلية، فنظر وفكر، وتأمل وتدبر، فرأى الدنيا قد آذنته بزوالها، وأشهدته عملها في أبنائها، فرآهم بين راحل إلى القبور، وبين غافل عن الآخرة مغرور، فجاهد نفسه في الله حتى أطاعته، وانسلخ من مقتضيات نقائصه كما ينسلخ الليل من النهار.   الصوفي غريب بين أهله الصوفي صغرت والله الدنيا في عينه حتى كره المقام فيها بين أهله، لولا رحمته ببني جنسه ليدعوهم إلى الخير، واستوحش والله حتى من نفسه، وتمنى أن يكون نفسه الثانى في رمسه، شوقا إلى جوار حبيبه المختار، والأنس بالصفوة الأطهار، في مقعد صدق عند مليك مقتدر   رجع بكليته إلى الماضي (بالحال والأخلاق لا بالأحكام الشرعية وذهنية التحريم -نورسي) مسارعا إلى ما كان عليه أصحاب رسول الله )ص( من العقيدة والعبادة، والحال النبوية، والأخلاق الربانية، ومعاملتهم الله تعالى في خلقه، ورجع إلى الماضي من السنة السمحاء، والطريقة المستقيمة، فكان غريبا بين أهله، لجهلهم بالسنة، وتساهلهم بالمله، ولو ظهر بينهم رجل من الصحابة لأنكروا حاله، وجهلوا أعماله (وأولهم السلفية لأنه لا تسامح لديهم ولا وسطية -نورسي)، ولكن الصوفي قوي في دين الله، ولا تأخذه لومة لائم في الله ، شهد الحق حقا فاتبعه مسارعا، والباطل باطلا فاجتنبه فازعا، يغار لله، ولسنة رسول الله)ص(.   الصوفي اتحد بالحق مفارقا للخلق وهو فيهم الصوفي عمل بكتاب الله مجاهدا، وبسنة رسول الله )ص( مشاهدا، فسبحت نفسه الطاهرة في ملكوت الله، بين صفوف ملائكة الله، فرفعه الله قدرا؛ لأن الصوفى مجاهد والملائكة غير مجاهدين، ينازع بالمجاهدة فطرته، والملائكة على الخير مفطورون. قال الله تعالى: (وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما) (النساء: 95).   لم تقف همة الصوفي على السياحة في ملكوت الله الأعلى بل فرت إلى لوامع وميض أنوار قدس العزة والجبروت، فألهت إلى الإشراف على القدس الأعلى، فجذبتها العناية الأزلية، واختطفتها يد الحسنى بالسابقية، فأشرف على قدس العزة والجبروت، فأشرقت عليه أنوار مشاهد التوحيد العلية، فاتحد بالحق مفارقا للخلق، وهو في الخلق محفوظ الظاهر والباطن، فألهمه الله - تعالى - نور البيان في فهم القرآن، ومنحه المنة بذوق السنة، فكان أمة وحده.   جعل الله له نورا منه -سبحانه- حفظه به من دواعي النفس، ولوازم الطبع، ومقتضيات رتبته من مراتب الوجود، وجعله نورا لأهل عصره، يجمل بأعماله الأشباح، وبعلومه الأرواح، ويجذب القلوب إلى علام الغيوب، ألقى الله عليه محبة منه فأحبه كل شيء، إلا شياطين الإنس والجن، الذين جعلهم الله قطاعا لطريقه).   الإمام يقول: أن الصوفي يعطيه الله تعالى نورا في قلبه يفهم به عن الله مراده وعن النبي ص دينه منهاجه كما فهم هو ص وكما أراد الله تعالى، ببركة هذا النور المحمدي الذي يفيضه الله على قلب طالب الصفاء. قال الله تعالى (واتقوا الله ويعلمكم الله) وقال (وعلمناه من لدنا علما). والتقوى ليست كلمة تقال على الألسنة، بل هي منهاج إسلامي يسمى التزكية له أصوله وقواعده ومدارسه وعلماءه ومجتهديه .. سمه التصوف سمه التزكية لا مشاحة في الاصطلاح .. المهم أن هناك منهج آخر معني بالتربية وإصلاح النفس، بعد منهج التعليم والفقه.   فإذا تربت النفس وتزكى القلب صار شفافا غير ملطخ بسواد الذنوب ودخانها، فيصير عرشا للرحمن يستوي عليه .. وفي الحديث القدسي: (ما وسعتني أرضي ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن) وصار قلبه يرى بالله ويسمع بالله فتنعكس صور عالم الملكوت فيه، فيكاشف بالجنة ويرى قصورها وحورها وأهلها يتنعمون فيها ويشعر بما يشعرون هناك من السعادة أثناء تلك اللحظات من الهدايا التي يمن الله بها على أحبابه وأوليائه المطهرة قلوبهم بالذكر والحب لله ورسوله.   وما هي الجنة إلا جنة الروح والشعور بالسعادة التي كنا نشعر بها ونحن أطفال صغار ونحن سليمي الفطرة بريئي المشاعر .. وكل أولياء الله تعالى قلوبهم هكذا كبراءة الأطفال .. كان سيدنا عيسى عليه السلام كذلك: شاهد لصا يسرق فنهره فحلف اللص أنه لم يسرق، فقال سيدنا عيسى: آمنت بالله وكذبت بصري! كأنه استعظم أن يحلف أحد بالله كاذبا ... ولذلك صدق آدم ابليس حينما حلف (وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين) .. كذلك كان سيدنا عثمان بن عفان على قلب آدم عليه السلام فانخدع في بني أمية ولم يكن يفطن أنهم يخدعونه ويكذبون عليه، حيث لم يكن يتصور أن هناك بشر بهذا الكم من القدرة على لبس الأقنعة. والدليل أنه لما سمع أبا سفيان سيدهم وكبيرهم يقول في مجلس عثمان: تداولوها يا بني أمية تداول الكرة فوالله ما من حساب ولا جنة ولا نار !! ففزع عثمان وطرده .. ومع أن طيبة قلبه كانت سببا في قتله وثورة الصحابة عليه، إلا أنها كانت سببا لاعتماد سيدنا رسول الله ص له كواحد من أخص أصحابه البررة فزوجه ابنتيه وبشره يوم جيش العسرة قائلا: ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم .. وذلك لأنه أثبت حين تبرع بتجهيز الجيش أنه محب لله ورسوله كريم النفس شهم الطبع سريع النجدة .. وهذه صفات رسول الله ص، فهو رضي الله عنه كان يشبه رسول الله ص ولذلك أحبه وزوجه ابنتيه رقية وأم كلثوم رضي الله عنهم جميعا ..   هذا الطريق طريق الصوفية: كله نعم ومنن ورحمات ينزلها الله على أهله .. يعلم هذا من كان من غير أهله تلك الطريق ثم دخلها .. فيلحظ الفرق في تحسن نفسيته وأحواله على العموم .. فيعلم ويوقن أن لأهل هذا الطريق عناية خاصة من قبل الله تعالى كما قال عزوجل (إن الله يدافع عن الذين آمنوا) وقال (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون) جنة عاجلة في الدنيا .. يدخلونها هنا قبل مماتهم لأن اماتوا أنفسهم الأمارة بالسوء ومن مات دخل الجنة ..   ولكي تعلموا يا أحبتي كيف أن هذا الطريق لا يمكن وصف عناية الله بأهله وسالكيه الذين وصف حالهم الإمام أبو العزائم أعلاه، فتظروا في هذا الكتاب العجيب للإمام الشعراني رحمه الله (لطائف المنن والأخلاق في التحدث بنعمة الله على الإطلاق)   https://archive.org/download/alcha3rani/lataefminan.pdf   وهو عبارة عن تطبيق لقوله تعالى (وأما بنعمة ربك فحدث) العبارة المتكررة على طول الكتاب وعرضه هي "ومما من الله به علي" كذا وكذا .. ولكن حينما يتحدث شيخ صوفية القرن العاشر عن نعم الله عليه وعناية الله به: فهل يقل الكتاب عن ثمانمائة 800 صفحة؟ !! ليس غريبا أن نقول لا ونحن واثقون من أنفسنا لمن عرف هذا الطريق .. ومن ذاق عرف.   يقول الصوفية: التخلي ثم التحلي ثم التجلي   التخلي عن الأخلاق الذميمة، والتحرر من قيود القوى الظلمانية في النفس من الشهوة والغضب والحسد، أخلاق الحيوانات والسباع والأبالسة.   ثم التحلي بالأخلاق الحميدة، واستنارة القلب والنفس بنور سيدنا رسول الله وأهل بيته.   ثم تجلي أنوار الله سبحانه وتعالى لعين القلب بعد محو الحجب التي كانت تحجب القلب عن المشاهدة والتنعم بها. وهذا هو أعلى نعيم أهل الجنة، يكرم الله به خواص عباده المحبوبين له في هذه الدار، كل بحسب حظه ونصيبه من أنوار سيدنا رسول الله ص واهل بيته ..   وفي الحديث (من عرف نفسه عرف ربه) .. قال أهل التصوف: من عرف نفسه بالنقص والحاجة والعبدية، عرف ربه بالكمال والغنى والربوبية، ولكن قليل من يعرف نفسه بهذا المعنى ويراها على حقيقتها، فأغلب الناس ينازعون الربوبية ويعترضون على القدر ولا يرضون بحكم الله ويقل فيهم التوكل ويعتمدون بقلوبهم على الأسباب، فهي مشهدهم وموضع نظرهم، وليس مشهدهم أن الله تعالى هو المتصرف المعطي المانع .. أكثر الناس يعيشون أسرى نفوسهم.   ولذلك قال الصوفية (أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك) فلا سبيل لأحد إلى معرفة الله تعالى ما دامت فيه بقية من نفسه الأمارة بالسوء، لأنها أغلظ حجاب بين العبد وربه .. ولا سبيل إلى قطع واقتحام هذه العقبة إلا بشيخ من شيوخ الطريق، من خارجها ، يصل السالك أو المريد مدد سيده رسول الله ص من خلال شيخه هذا، مدد يعينه على اقتحام عقبة نفسه الأمارة لتموت ويولد صاحبها ولادة أخرى (موتوا قبل أن تموتوا)، ومن الطبيعي أنه لا يمكن للنفس أن تسمح لصاحبها أن ينتصر عليها دون معين من خارجها من الكمل .. وقد سمعت شيخي يقول: ان النفس بها من النقائص بعدد ما لله من كمالات، ولذلك أقسم بها فقال (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها) ودعا إلى التفكر والنظر فيها (وفي أنفسكم أفلا تبصرون)، فهي مخلوق عظيم معقد جدا له أوجه عديدة، تجمع صفات الحيوانات والملائكة والسباع المفترسة والشياطين والنباتات والجمادات .. وقد تحدث الإمام أبو العزائم بالتفصيل عن هذا في مؤلفاته، ولكن موضع الشاهد هو أنه لا يمكن الانتصار على النفس الأمارة لتكون مطمئنة إلا بشيخ كامل مأذون بالتربية، قال تعالى (من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا).   وأهمية المرشد في طريق السير إلى الله لأن الطريق غامض غير واضح، ولذلك ندعو كل يوم في صلاتنا قائلين (اهدنا الصراط المستقيم) وعيوب نفس السالك أو المريد غامضة .. وحيل الشيطان وحبائله بالنسبة للمبتدئ غامضة كذلك .. وفقه الأولويات وتقديم الأهم على المهم غامض. . والأهم من هذا كله: أن الانفراد في طريق الله مذموم لأنه ينفخ في النفس الكبر والزهو والعجب والاعتماد على قدراتها وإمكاناتها .. وفي الحقيقة أنها لن تسمح لك بأن تخالفها دون مساعد ومعين من الخارج تتقوى به عليها .. والشيخ تستمد منه النور النبوي، والشيخ يستمد من روحانية رسول الله ص ..   ولذلك مدح النبي ص السفر في جماعة وذم الانفراد فقال: (الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والجماعة ركب).   وقال (إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية) والشيطان ذئب الإنسان .. والنفس الإنسانية بطبيعتها تحتوي على قوى شر شيطانية قد تتجاوز قوى شيطان الجن بمراحل إذا أهمل الإنسان نفسه .. ولذلك قدم الله تعالى الإنس على الجن في قوله: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن).   لذلك يجب مواجهة تلك القوى الشريرة التي في النفس بقوة أكبر منها تتمثل في الشيخ المرشد.     قال الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبو العزائم   الطريق والحاجة إليه ما احتياج المسلم إلى الطريق؟ كل مسلم على يقين أنه مسافر إلى الدار الآخرة، وأهل الإيمان منهم مسافرون إلى مقر رحمة الله ودار النعيم الأبدي، وأهل الإحسان مسافرون إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر، وأهل الإيقان مسافرون فرارا من الكونين إلى المكون جل جلاله.   ولما كان المسافر إلى مكان ناء لا يخلو حاله: إما أن يكون عالما بالطريق متمرنا عليه أولا، فإن كان عالما به احتاج إلى رفيق يعينه على مهام شئونه، حتى يكون على يقين من أنه إذا نسى ذكره وإذا ذكر أعانه، وفى الحكمة: (الرفيق قبل الطريق) وإن كان جاهلا بالطريق احتاج إلى دليل موثوق به مشهور بين الناس بتوصيل السفر.     هذا ولما كان المسافر لا بد أن يترك وراءه كل الآثار والمعالم التي تحول بينه وبين نيل المقصد من وطنه، وأهله، وأولاده، وأقاربه، حتى يتسنى له نيل هذا المقصد العظيم، فكذلك المسافر إلى مقصد من المقاصد المتقدمة لا بد أن يفارق معالم وأثارا كثيرة تحجبه وتبعده عن مقصده، والحجب في السفر المعنوي أكثف وأشد من الحجب في السفر الحسي.   فقد وصل العقل إلى مقدمات أنتجت له التكلم مع المحبوب النائي عنه بواسطة الموصل السلكي (المسرة)، وأمكن العقل أن يضبط صدى صوت حبيبه محفوظا لديه، يسمعه متى شاء بآلة تعقيب الصدى الحاكي (الفنغراف) ولكن هذا المقصد ليس للعقل اقتدار أن يقربه بآلة أو بأداة ، بل لا بد من فادح المجاهدات، وعظيم المكافحات، حتى يفارق كل تلك القواطع والحجب مرة واحدة، وبدون مفارقتها لا يصل كما وصل الحس بمجهودات العقل، فسمع صوت حبيبه محفوظا أو ملفوظا، وقد يرى حبيبه بالتصوير وهو متكيء على فراشه ينظر إليه في الصورة ويسمع صوته في الآلة، وذلك لأن الذي يفارقه المسافر إلى الحق حقائق في ذات الشخص لا تفارقه إلا بفادح المجهود، وما دامت تغشى جوهر النفس، فالنفس في اللبس.     ولو حصل المسلم علوم الأولين والآخرين ولم يظفر بدليل في مقام جهالته بالطريق أو برفيق في مقام علمه به لا يصل إلى قصده، ولو أن الله جل جلاله قدر ذلك في أزله لأظهر ذلك في ملائكته المجردين عن المادة ولوازمها، أو منح ذلك رسله الكرام، فإن الله تعالى ألزم الملائكة أن يتلقوا من آدم، وأمر الرسل أن يتلقوا من جبريل، وقد صحب جبريل رسول الله) ص وآله( في إسرائه وفى سيره وهو من تعلم جلالة وقدرا حفظا للناموس الإلهي، حتى ينفرد جل جلاله بالعلم بذاته لذاته.   هذا من حيث ما يتعلق بهذا الموضوع عقلا، أما من حيث الذوق فيه، فإن العلم كالمال والعافية والجاه يكسب النفس غرورا وعلوا، وهما العقبتان القاطعتان عن الله تعالى، ولو أن العلم ينفع في السير إلى الله تعالى لكان أول منتفع به إبليس، وهو من تعلم علما ومعرفة بقدر نفسه وعلمه، ولما لم يكن له مرشد يرشده ضل وهوى.   إن الله أرسل الرسل وهو الحكيم العليم لأنه خلق الخلق خطائين بأنفسهم، جهلاء بحسب حقائقهم، وإنما المرشد للسالك منزل منزلة القوت للروح والعقل علما، والغذاء للجسم عملا، ومنزل للواصل منزلة الشمس المبينة للحقائق، ومنزل لأهل التمكين بمنزلة الاتحاد، حتى يكون المتمكن مع المرشد هو هو، حالا وعقيدة وعملا وشهودا، وأنت تعلم ياولدى أن الجسم الحي يفقد حياته بفقد الغذاء، وأن العين المبصرة تخفى عليها الحقائق باحتجاب الشمس، وأن المتمكن قربا من الله تعالى يفقد كرامة الله له بفقد ما به وصل إلى الله تعالى.   وإنما سميت مجاهدة النفس وتهذيبها، وتجملها بمحاب الله ومراضيه طريقا؛ لأن الإنسان في هذا المقام يفارق عوائده المهملة، وأخلاقه الوحشية، وهمته الإبليسية، وصفاته البهيمية الشهوانية، حتى يكون أشبه برسول الله) ص وآله(. وما أعظم هذا الذي يفارقه وما أشد احتياجه إلى معين قوي مؤثر معتقد فيه.   وهناك فوق الذوق إشارة فسلم: إن الله تعالى ظهر لملائكته في مظهره، وظهر جل جلاله للسالك المخلص آمرا ناهيا مبينا في مظهره الأكمل خاتم الأنبياء صلوات الله عليه وآله، وظهر) ص وآله( في المرشد فيصل لصاحبه حتى تبلغ العقيدة به مبلغ أنه يرى مخالفته مخالفة لرسول الله) ص وآله(.   لذلك كان لا بد من الرفيق في الطريق.   يقول) ص وآله(: (اللهم ارحم خلفائي) وخلفاؤه) ص وآله( هم العلماء الربانيون الذين يحيون سنته بعد مواتها. ويقول الله تعالى: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) النساء: 83 وأولوا الأمر منهم هم الذين منحهم الله الفقه في دينه لأنهم أهل أمر الله تعالى، ومن لم يعتقد أن له مرشدا يصحح عليه حاله فهو مغرور بعيد عن الحق.   وهنا أنبه السالك أن يحفظ الموازين مع أكمل المرشدين، وألا يقبل من المرشد في كل مرتبة من مراتب السلوك إلا ما يعلمه من كتاب الله وسنة رسوله) ص وآله( صريحا أو تأويلا، حتى يبلغ مقام الإلهام، ولديها يجب أن يؤول للمرشد، فإن لم يبلغ بتأويله فهم الحكم سلم له، ووقف عن العمل، حتى يمنحه الله نورا تستبين له به الحقيقة، فإن المرشد إنما يزكي نفوس المريدين، فهو طبيب روحاني يجب على السالك أن يتعاطى عقاقيره التي لا تخرجه عن آداب الشريعة، مهما كانت، كما إذا أمره بالأسباب وهو في التجريد، أو بالتجريد وهو في الأسباب، وأمثال ذلك.     ما يناله السالك بانتسابه للطريق: الطريق والصراط والمنهج ألفاظ مترادفة يراد بها ما يسهل به الوصول إلى المقصد، آمنا سالكه على نفسه وماله من وعثاء السفر، أو سوء المنقلب. وقد قررنا فيما سبق أن السالك إلى الله تعالى يفارق حقائق كثيرة، لا يتسنى له الوصول ما دام واقفا عندها، وكل حقيقة من تلك الحقائق كجبل سد مسلك المسافر إلى الله تعالى.   ولما كانت أسس الدين أربعة: العقيدة، والعبادة، والمعاملة، والأخلاق. وكانت النجاة متوقفة على الأساس الأول الذي هو العقيدة، وعلى قدر قوتها يكون الوصول، فإن أصحاب رسول الله) ص وآله( سبقونا بقوة الإيمان وسبقنا التابعون بوسعة العلم ونحن جئنا بكثرة العمل. ولا تسو بقوة الإيمان شيئا، فنحن في حاجة إلى قوة الإيمان ولو جهلنا كل شيء إلا ما لا بد منه لنا، وتركنا كل عمل إلا ما فرضه الله علينا، إذ وسعة العلم وكثرة العمل مع ضعف الإيمان لا تجدي شيئا، ولكن العقيدة الحقة تنتج العبادة الحقة والأخلاق الجميلة والمعاملة الحسنة، والرعاية التي تجعل المسلم حاضرا مع الله أو موقنا بحضور الله معه، يقول) ص وآله(: "....... فإن لم تكن تراه فإنه يراك".   هذا والقائمون بالدعوة إلى الله أنواع، فخيرهم وأنفعهم من جمله الله تعالى بقوة الإيمان، وبمعرفته سبحانه، وبعلم حكمته وأيامه وأحكامه، وهذا هو وارث رسول الله) ص وآله(، وهو السعادة العظمى لمن سلم له، وحصن الأمن لمن اقتدى به، وهو المعنى بقوله ) ص وآله( في الحديث القدسي عن الله: (من آذى لي وليا آذنته بالحرب)، لأنه الصورة الكاملة لرسول الله) ص وآله(، والخليفة القائم لله بالله، مجدد المنهاج، ومقيم الحجة، ومبين المحجة، وهو المراد بقول الله تعالى: ( إنما يخشى الله من عباده العلماء) فاطر: 28.   ثم يلي هذا الفرد رجل منحه الله الورع في دينه والخشوع في عبادته، وهو الزاهد العابد. ثم يلي هذا رجل منحه الله الرحمة في قلبه والشفقة على عباد الله وهو من أهل المعاملة. ثم يلى هذا رجل زكى الله نفسه، وطهر أخلاقه حتى ذلت نفسه في عينه، وهو المتخلق بالأخلاق الجميلة.   وكل واحد من هؤلاء يجمل السالك على يده بما جمله الله به، وكلنا نعلم أن الله يهب على الأخلاق ما لا يهبه على غيرها، فكل مسلم لا يتربى على يد مرشد لا يذوق لذة الإيمان، ولا لذة التقوى، وربما اغتر بأعماله فأفسد إبليس عليه حاله، وكم سالك زلت به قدمه، وواصل ارتد على وجهه، ولا أمان لمكر الله، فالسالك على يد المرشد في حصون الأمن من وسوسة الشيطان وخدع النفس، وبه ينال الرقي إلى مقامات اليقين من التوبة، والخوف، والرجاء، والمحبة، والتوكل، والمشاهدة، والرضا، والصبر، وغيرها، حتى يبلغ مقام المقربين، ويكون مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.   إذا يتعين على كل مسلم أن يتلقى تلك الأسرار، وأن يقتدي بالمرشد في الأعمال ليكون أشبه الناس برسول الله) ص وآله(، وكل مسلم لم يتلق العلم من العالم الرباني ولم يقتد بالمرشد الكامل يخشى عليه من الشرك الخفي، أو الأخفى، من الغرور بالنفس والعمل والنسب والجاه، نسأل الله السلامة من الآفات في الهجرة إلى الله تعالى، إنه مجيب الدعاء.   أنواع الإنسان أربعة: إنسان كلي: وهو رسول الله) ص وآله(. وإنسان كامل: وهم الرسل القائمون مقامه) ص وآله(، قبل إشراق شمسه المحمدية في عالم الإمكان، وأبداله صلوات الله عليه المجددون لسنته بعد رفعه عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى. وإنسان روحاني: وهم السالكون المقتدون. وأما الرابع: فحيواني عاص من المسلمين، أو شيطاني غاو كافر أو منافق.   وقد اقتضت الحكمة الإلهية أن يخلق الإنسان وسطا بين العالمين، وأن يخفى عنه ما به سعادته الروحانية، وأن يلهمه ما به سعادته الدنيوية، قال سبحانه: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) النحل: 78. ومعلوم أن السمع والأبصار والأفئدة آلات لتحصيل العلم بالله وبأيام الله وبأحكام الله، فالأذن تصغى للحكمة، والعين تشهد أنواع الآيات في الكائنات والقلب يفقه تلك العلوم. أما ما يتعلق بالضروري والكمالي من الدنيا، فلا يتوقف تحصيله على مرشد، لأن كل أنواع الحيوان ألهمت بالفطرة طريق تحصيل ما لا بد لها منه، والولد يولد من بطن أمه عالما بما به حفظ حياته من الرضاع إلهاما من الله تعالى.   ولما كانت العلوم والأعمال التي بها نيل مراضي الله ومحابه ليس للعقل أن يحصلها إلا بمرشد، اقتضت الإرادة الإلهية أن يبعث الرسل مبشرين ومنذرين. ولما كان ما جاء به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، قد يخفى فهمه على أكثر الناس بعد رفعهم إلى الرفيق الأعلى تفضل الله تعالى فأناب عنهم أبدالا لهم، يقيمون حججه ويوضحون محاجه، ويبينون للناس سبله سبحانه، لنحكم على عجز العقل عن نيل ما به السعادة، بل وعن هجومه على الغيب المصون، قال تعالى: (ثم إن علينا بيانه) القيامة: 19 فهو المبين سبحانه، ولكن يتفضل تنزلا فيبين لكل مرتبة من المراتب على قدر ما تطيقه القلوب، قال تعالى: (ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا) الأنعام: 9 وقال عليه الصلاة والسلام: (رحم الله خلفائي) وقال صلوات الله عليه وسلامه: (يبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدد لهذه الأمة أمر دينها).   ومعلوم أن السالك في طريق الله تعالى إذا لم يؤسس سيره على محبة الله، ومحبة رسوله) ص وآله(، وحب الخير لخاصة المسلمين وعامتهم لم ينل خيرا، والسالك الذي لا يقوم بإخلاص عاملا لله على هدى رسول الله) ص وآله( قل أن يصل إلى مقصوده. ولما كانت محبة الله تعالى لا يظفر بها السالك إلا بسماع ما له علينا سبحانه من النعم، وفهم أنوار جماله وأسرار بهائه، وعظمة جلاله، وسواطع أنواره، وإدراك مراتب الوجود، ونسبته في مرتبته، وما تفضل الله به عليه من خلقه بيديه، ومن نفخته فيه من روحه، وسر سجود الملائكة لآدم، وحكمة جعله خليفة عنه في الأرض، وعنايته سبحانه بالإنسان حتى أعد له مالا عين رأت ولا أذن سمعت في جوار قدسه، ومنازل الأطهار من خيرة خلقه، وبذلك يحصل له الحب الجذاب إلى حضرة القرب من الله تعالى. . وكان كل ذلك لا بناله السالك إلا بصحبة لمرشد القائم مقام رسول الله) ص وآله( كان لا بد لكل سالك من مرشد، فالمرشد في الحقيقة هو صورة رسول الله صلوات الله عليه المجملة بجماله المحمدي إلا أنه لا يوحى إليه، انطوت النبوة بين جنبيه، حفظ الله قلبه ولسانه، لأنه ممد من روح العصمة، فهو النجم المضيء لأهل عصره، وقد جعل) ص وآله( المرشدين في مقام التمكين إخوانا له في الحديث الطويل: "وددت لو رأيت إخوانى الذين لما يأتوا بعد" بسند مالك بن أنس في موطئه، فأنزلهم منه صلوات الله عليه منزلة الإخوان لأن الله تعالى أكرمهم بأن جعلهم ورثة أنبيائه.   وللمرشد اقتباس من مشكاة رسول الله) ص وآله( تنكشف به غياهب البدع، وظلمات الفتن في كل زمان، فهو حجة الله تعالى القائم للحي القيوم، وهو الإنسان المجمل بجمال الصديقين قولا وعملا وعلما وخلقا وعبادة ومعاملة وعقيدة، كما قال) ص وآله(: " الولى من إذا رؤي ذكر الله لرؤيته "وقال أيضا:" الولى إذا دخل بلدا كمل إيمان أهلها ".   المرشد ينوع الأفكار ويقوي اليقين الحق، وتزكو به النفوس، وتنشط الأبدان للعبادة، ومن أكمل صفاته: أن الله يلقي عليه محبة منه فلا يراه مؤمن إلا أحبه، ولا منافق إلا هابه، ولا كافر إلا خاف منه، فهو صورة رسول الله) ص وآله( والمرآة التي أشرقت فيها معانيه المحمدية.       من هو السالك ؟ : هو إنسان مسلم منحه الله النور الذي يقبل به الخير, والنور في اصطلاحنا هو القابل وحفظه سبحانه وتعالى من فعل ما يخالف ما أنزل الله على نبيه ﴿ ص وآله﴾ وإن قبله في بدايته من غير المرشد الكامل ألهمه الله الفرار إليه سبحانه ودله على المرشد ، فكان من خيرة أصحابه ، لأن ما يجعله الله من النور في قلب السالك إليه جل جلاله يستبين به الحق والباطل ، فيجذبه الله إلى الحق بدليل قوله تعالى : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ البقرة: ٢٥٧ وقوله ﴿ص وآله﴾ : ( يد المؤمن في يمين الله كلما وقع أقامه ) .    والسالك يشتاق إلى الحق ، والمشتاق إلى الحق قوي المسارعة إلى الحكمة ، ولشوقه إلى الحق إذا سمع كلمة حكمة تلقاها ولو من عدو الله ، قال رسول الله ﴿ ص وآله﴾ : " الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها أنى وجدها ".    وسماع الحكمة يجعل النفوس تعظم حاملها ، ولكن قد يكون حامل الحكمة غير الحكيم يحفظها ولا يفقهها ، قال تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا الجمعة: ٥ ، فإذا نطق الناطق بالحكمة قبلها السالك منه ، ثم وزن أحواله بهذا النور المجعول له من الله ، قال الله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ النور: ٤٠. فإذا اطمأن لها قلبه ، وشهد من الحكمة العمل بها أحبه واقتدى بعلمه ، وعمله ، وحاله . وإذا لم يطمئن قلبه ولم يشهد عمله بالحكمة أخذ منه الحكمة وفارقه . فليس كل محصل للعلم عالما ، ولا كل مبين للأحكام بدلا من أبدال الرسل ، قال الله تعالى وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا الأعراف: ١٧٥ وقال ﴿ ص وآله﴾ : " قراء آمتى فساقها ".   إذا فهمت ياولدي هذا ؛ فلا يعتبر السالك سالكا في طريقنا إلا إذا جمله الله بكل تلك المعاني ، وأنت تعلم يابني أن أصحاب رسول الله ﴿ ص وآله﴾ كان بينهم المنافق ، والشاك ، والمتردد في دينه ، والمظهر الإيمان لغرض من الأغراض ، وكلهم يرون من رسول الله الميل والتأليف ، مع إعلام الله إياه بحقيقة ما انطوت عليه قلوبهم ، قال ﴿ ص وآله﴾ : " أمرت بمدارة الناس " وقد أمرنا ﴿ ص وآله﴾ أن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر .    فالسالك حقا من منحه الله التسليم وقدر له صحبة المرشد الكامل ، فأفرده بالقصد دون غيره من الخلق، حبا في أن يفوز بمعية رسول الله ﴿ ص وآله﴾ بنيل صحبة أشبه الناس به شوقا إليه عليه الصلاة والسلام ، ويكون في الحقيقة في معية النبي عليه الصلاة والسلام ، بمعنى أنه لا يعتبر للمرشد وجودا فيعظم أمره ونهيه ، وإنما يكون وجوده في معية الحبيب المصطفى ، فيقبل من المرشد ما يعلم أنه من السنة ، ويرد ما لا يفقهه قلبه من القول والعمل ، معتقدا أن السلوك هو العمل بصريح السنة والكتاب ، حتى يمنحه الله تعالى المراقبة أو المشاهدة ، فهو لا ينكر على المرشد الكامل ما لا يفقهه قلبه مما يعتقد أنه حق في مرتبة المرشد ما دام المرشد لا يفعل محرما ولا يقول بضلال.   مثال ذلك : أن المرشد إذا ترك الأسباب أو عمل عملا يقتضي مهانة من تغيير هيئة ، أو فرار إلى الغابات ، أو فارق النساء والمشتهيات ، أو مالت نفسه إلى السماع ، أو زار الملوك والأمراء ، مما حصل للأفراد المرشدين ، فلا يقلده السالك في ذلك ولا ينكر عليه. أما إذا فعل محرما ، أو أمر به ، أو ترك فريضة وجب على السالك مفارقته بسرعة ولو كان المرشد يريد امتحان السالك في طاعته أو يريد امتحانه في يقينه برسول الله ﴿ ص وآله﴾ وعلى السالك في مثل هذه الحال أن يستبين الأمر منه جليا مع التمنع عن الوقوع فيما يأمره به .    أما السالك الذي لا بصيرة له إذا قلد المرشد في عمله المتقدم ، أو سلم له فيما يعلم حرمته فلا يعتبر عندنا فقيرا من فقراء الطريق ، فإن المراد بالسلوك تجاوز عقبة الإلحاد والانتشال من وحلة التوحيد والتخلي عن نظر النفس ونزوعها ، حتى يكون السالك إنسانا مسلما مقبلا على الله بكليته .    وأهم صفات السالك إلى الله تعالى :  1- إيثاره إخوانه على نفسه .  2 - الزهد فيما في أيدي الناس إلا لضرورة مقتضية .  3 - المسارعة إلى أن يكون نافعا لإخوانه بقدر استطاعته .  4 - السمع والطاعة لله ولرسوله ﴿ ص وآله﴾ وللمرشد ما دام آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر .    ومن أخص علاماته :  قبول ما لا يلائم نفسه بانشراح صدر وفرح ، والوقوف عند أدبه مع المرشد مهما أثنى عليه ورفعه ، وعدم الغرور بنفسه ولو أقبل عليه العالم أجمع ، ما دامت شمس المرشد مشرقة في أفقه حتى يبلغ اليقين الحق .        السالك المصاحب للمرشد: لم يبلغ درجة المرشد من العرفان . والمعرفة بها كمال التحقق في العبودية ، وقد ترى بعض السالكين يعمل ما يخالف الشريعة مظهرا أنها من المعرفة ، ولو أن المعرفة تبيح مخالفة الشريعة لكان أولى بذلك الخلفاء الراشدون ، والمرشدون الكاملون ، ومعرفة تبيح مخالفة الشريعة معرفة ولكنها معرفة الشيطان وإلهام ولكنه من إبليس ومخالفة المرشد دليل على الخيبة.   ما هي المعرفة ؟  المعرفة أن تعرف نفسك ، فتعرف بمعرفتها ربك ، وهل المعرفة التي تفقد العبد حقيقته حتى يكون إلها أو مخالفا لأحكام الإله معرفة ؟ هي ظلومية وجهولية ، إنما المعرفة حفظ الأدب في الطلب ، وكشف الحقيقة للحفظ من العطب ، ومتى كان العبد المقهور يصير ربا قادرا ؟    والسالك يقف موقف الأدب مع المرشد فيعادي شهوده إن خالف عبارة المرشد ، ويكره إلهامه إن أخرجه عن الأدب مع المرشد ، وإنما السالك في طريقنا هذا ميت أحياه الله وجعل له نورا يمشي به في الناس من غير شك ولا إلباس ، وإشارات المرشد كأشعة أنوار الشمس تظهر ما حسن ، وما قبح ، فتستبين النفوس الإبليسية من النفوس الملكوتية مع المرشد ، وقد قال الله تعالى : يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ البقرة: ٢٦ .     وللسالك أخلاق روحانية وآداب إحسانية ، فهو في الحقيقة عين المرشد وإن كان مريدا , ومرادا لله تعالى وإن كان بعيدا , فإن السالك ليست له إرادة ولكنه مراد من الأزل .   حفظني الله وإخوتي المؤمنين جميعا من صحبة المضلين ، ومن الإصغاء إلى الجاهلين وبين لنا كتابه وسنة نبيه بلسان وعمل أفراده المحصنين بحصون أمنه ، إنه مجيب الدعاء.    أقوال علماء الاسلام في التصوف   من كتاب "حقائق عن التصوف" للشيخ عبد القادر عيسى رحمه الله تعالى.. يقول :    "ولا اراك محتاجا إلى هذه الشهادات بعد أن عرفت جوهر التصوف وتبين لك أنه روح الإسلام، وأحد أركان الدين الثلاثة: الإسلام والإيمان والإحسان.  ولكن هناك بعض النفوس قد عميت عن رؤية النور، وتجاهلت حقائق الإسلام، وحكمت على الصوفية من خلال أعمال بعض المنحرفين والمبتدعين من أدعياء التصوف دون تبين ولا تمحيص، فالى هؤلاء وإلى كل جاهل بحقيقة التصوف نسوق هذه الأقوال، كي يدركوا أثر التصوف وضرورته لإحياء القلوب وتهذيب النفوس، وكي يطلعوا على ثمرات التصوف ونتائجه في انتشار الإسلام في مختلف الديار وشتى الأمصار.    1- الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى (توفي في سنة 150 هـ)  نقل الفقيه الحنفي الحصفكي صاحب الدر المختار: أن أبا علي الدقاق رحمه الله تعالى قال:"أنا أخذت هذه الطريقة من أبي القاسم النصر اباذي، وقال أبو القاسم: أنا أخذتها من الشبلي، وهو من السري السقطي، وهو من معروف الكرخي، وهو من داود الطائي، وهو أخذ العلم والطريقة من أبي حنيفة رضي الله عنه، وكل منهم أثنى عليه وأقر بفضله..." ثم قال صاحب الدر معلقا: "قيا عجبا لك يا أخي ! ألم يكن لك أسوة حسنة في هؤلاء السادات الكبار ؟ أكانوا متهمين في هذا الإقرار والافتخار، وهم أئمة هذه الطريقة وأرباب الشريعة والطريقة ؟ ومن بعدهم في هذا الأمر فلهم تبع، وكل من خالف ما اعتمدوه مردود مبتدع"  ولعلك تستغرب عندما تسمع أن الإمام الكبير، أبا حنيفة النعمان رحمه الله تعالى، يعطي الطريقة لأمثال هؤلاء الأكابر من الأولياء والصالحين من الصوفية !".  يقول ابن عابدين رحمه الله تعالى ،في حاشيته متحدثا عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى، تعليقا على كلام صاحب الدر الآنف الذكر:"هو فارس هذا الميدان، فان مبنى علم الحقيقة على العلم والعمل وتصفية النفس، وقد وصفه بذلك عامة السلف، فقال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى في حقه: إنه كان من العلم والورع والزهد وإيثار الآخرة بمحل لا يدركه أحد، ولقد ضرب بالسياط ليلي القضاء، فلم يفعل. وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: ليس أحد أحق من أن يقتدى به من أبي حنيفة، لأنه كان إماما تقيا نقيا ورعا عالما فقيها، كشف العلم كشفا لم يكشفه أحد ببصر وفهم وفطنة وتقى. وقال الثوري لمن قال له: جئت من عند أبي حنيفة: لقد جئت من عند أعبد أهل الأرض"  ومن هذا نعلم أن الأئمة المجتهدين والعلماء العاملين هم الصوفية حقيقة.    2- الإمام مالك رحمه الله تعالى (توفي سنة 179 هـ):  يقول الإمام مالك رحمه الله تعالى:"من تفقه ولم يتصوف فقد تفسق، ومن تصوف ولم يتفقه فقد تزندق، ومن جمع بينهما فقد تحقق"  المصدر: حاشية العلامة علي العدوي على شرح الامام الزرقاني على متن العزيه في الفقه المالكي وشرح عين العلم وزين الحلم للامام ملا علي قاري.    3- الإمام الشافعي رحمه الله تعالى (توفي سنة 204 هـ):  قال الإمام الشافعي رخمه الله تعالى:"صحبت الصوفية فلم استفد منهم سوى حرفين، وفي رواية سوى ثلاث كلمات:  قولهم: الوقت سيف إن لم تقطعه قطعك.  قولهم: نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.  وقولهم: العدم عصمة" المصدر "تأييد الحقيقة العلية" للامام جلال الدين السيوطي.    وقال الشافعي أيضا:"حبب إلي من دنياكم ثلاث: ترك التكلف، وعشرة الخلق بالتلطف، والاقتداء بطريق أهل التصوف"  المصدر:"كشف الخفاء ومزيل الالباس عما اشتهر من الأحاديث عل ألسنة الناس" للامام العجلوني.    4- الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى (توفي سنة 241 هـ):  كان الإمام رحمه الله تعالى قبل مصاحبته للصوفية يقول لولده عبد الله رحمه الله تعالى:" يا ولدي عليك بالحديث، وإياك ومجالسة هؤلاء الذين سموا أنفسهم صوفية، فانهم ربما كان أحدهم جاهلا بأحكام دينه. فلما صحب أبا حمزة البغدادي الصوفي، وعرف أحوال القوم، أصبح يقول لولده: يا ولدي عليك بمجالسة هؤلاء القوم، فانهم زادوا علينا بكثرة العلم والمراقبة والخشية والزهد وعلو الهمة" المصدر: "تنوير القلوب" للعلامة الشيخ أمين الكردي.    وقال العلامة محمد السفاريني الحنبلي رحمه الله تعالى عن إبراهيم بن عبد الله القلانسي رحمه الله تعالى أن الامام أحمد رحمه الله تعالى قال عن الصوفية:"لا أعلم قوما أفضل منهم. قيل: إنهم يستمعون ويتواجدون، قال: دعوهم يفرحوا مع الله ساعة..." المصدر:"غذاء الألباب شرح منظومة الآداب".    5- الامام أبي عبد الله الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى (توفي سنة 243 هـ) من كتابه "كتاب الوصايا" وهو من أمهات الكتب الصوفية المعتمدة:  يقول الامام المحاسبي رحمه الله تعالى متحدثا عن جهاده المرير للوصول إلى الحق حتى اهتدى إلى التصوف ورجاله: "...فقيض لي الرؤوف بعباده قوما وجدت فيهم دلائل التقوى وأعلام الورع وإيثار الآخرة على الدنيا، ووجدت إرشادهم ووصاياهم موافقة لأفاعيل ائمة الهدى...." اهـ.     موقف الإمام أحمد من التصوف والصوفية http://www.dahsha.com/old/viewarticle.php?id=28585   موقف أئمة الحركة السلفية من التصوف و الصوفية http://www.frzdqi.net/mybooks/mogif/aemat.zip   كتاب يتناول أقوال الإمام احمد بن حنبل و ابن تيمية و الامام الذهبي و ابن قيم الجوزيةو الشيخ محمد عبدالوهاب في مدح التصوف و الصوفية. ولم يحدث في تاريخ الإسلام إنكار عام على التصوف كما حدث في عصرنا في جهالة وأمية تامة بخقيقة الإسلام وتاريخه وكيف أن التصوف جزء وقطعة من جسد هذه الأمة. حتى في السابق كل من أنكر التصوف إنما أنكر مدرسة وحدة الوجود فقط وروادها محي الدين بن عربي والحلاج وابن الفارض وعبد الكريم الجيلي وكلهم من سادات الصوفية ولكن علومهم عزيزة الفهم عسرة المنال على الفقهاء ولذلك كفروهم.. ولكن لم يتعرضوا للتصوف نفسه وقالوا بإلغائه كما يطالب بهاليل عصرنا.    قال الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبو العزائم مدارس الصوفية لا خلاف بينها في كل زمان ومكان الصوفية لا خلاف بينهم في كل زمان ومكان، وبدايتهم تزكية النفـوس من أدرانها، وتطهير الأجسام من نجاساتها المعنوية، والاتصال بالمرشد الكامل الذي يتلقون عنه العقيدة الحقة، ويتشبهون به في الأعمال السنية، والأخلاق المرضية، والمعاملات المقربة إلى الله تعالى؛ لأن المرشد وارث رسول الله ﴿ص﴾ ورسول الله صلوات الله وسلامه عليه لم يورث درهما ولا ديناراً، ولا أطيانا وعقارا، ولكنه ﴿ص﴾ ورث نوراً وهدى، وحكمة وبيانا قال الله تعالى: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ)   فهذه الخيرات هي ميراث سيدنا رسول الله ﴿ص﴾ التي ورثها الله بفضله من شاء من عباده.   الصوفية هم أنصار الله ورسوله ﴿ص﴾ في كل زمان ومكان الصوفية هم أنصار الله، وأنصار رسوله ﴿ص﴾ في كل زمان ومكان.. سترهم الله عن أعين الجهلاء، وأخفاهم عن أهل الظلم والطغيان، ولكنهم هم النجدة عند الشدة، والقوة عند الضعف، والحصون عند الخوف.   ذلوا، ولانوا، وخشعوا، واختفوا، وتستّروا، نعم.. ولكنهم إذا غضبوا لله غضب الله لهم، وإذا دعاهم الحق لبّوه، رخيصة دماؤهم عليهم حنينا إلى الموت في سبيله، والقتل في إعلاء كلمته، متى تحركوا لله لا يسكنوا حتى يظهر الحق، أو يتصلوا بدار الحق، كم لهم من صولة لله بالله، أزالوا بها باطلا تعسر زواله على الجيوش الجرارة، فهم الأنوار التي تسطع في حالك الظلمات فتمحوها   وقد أثبت التاريخ ما أظهره الله تعالى بهم، منهم آل بدر أنصار الله المهاجرون، استضعفوا في أوطانهم ففروا إلى الله تعالى، والفقراء من الأنصار الذين خرجوا ليقابلوا تجارا من الشام فقابلوا صناديد العرب وجمراتها، فكان كل رجل منهم كأنه جيش جرار.   غضبوا لله – تعالى - غضبةً مَحَتِ الكفر وأهله، وفي كل عصر وزمان قام فيه أهل الطغيان ليطفئوا نور الله بأفواههم.. أشرقت أنوار الصوفية فمحت الظلمات، هم الذين نشروا تلك الأنوار في سائر الأقطار، بالقرآن والسنان، شوقا إلى لقاء ربهم، وحبا في إعلاء كلمة الحق. أهل الصُّفة هم مصدر بث الروح العالية في كل الحوادث وأهل الصفة رضي الله عنهم هم الذين بثوا تلك الروح العالية في كل الحوادث.. أقبل جيش الروم عندما قام الصحابة لفتح القسطنطينية، وكانوا رضى الله عنهم قليلين، وجيش الروم يناهز الستمائة ألف مقاتل، فهجم رجل من التابعين على قلب الجيش منفردا، فناداه آخر قائلا: ارجع فإن الله يقول: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) !   فصاح سيدنا أبو أيوب الأنصاري من كبار أئمة الصوفية قائلا: ويحك ! لقد نزلت فينا، وأنا أعلم سبب نزولها، ليست التهلكة الإقدام على هذا الجيش، وإنما التهلكة الإحجام، فإن المؤمن إذا أقبل فاستشهد أحياه الله الحياة الحقة، وإذا أحجم هلك، ثم كبر رضي الله عنه وهجم على الجيش كله منفردا، فاخترق صفوفه، وأقبل المسلمون بعزيمة ماضية وراءه، فهزم الله جيش الروم، وكادت تُفْتَح القسطنطينية، لولا موت معاوية ورجوع أمير الجيش وقواده.   فكان الصوفي في وقت الغيرة لله، يجعل من معه مشاهداً فردوس الله، ليس بينه وبينها إلا أن يطعن بسنان، أو يضرب بسيف، فهم رضي الله عنهم زهدوا في الدنيا، ورغبوا في الآخرة، ولكنهم عند المقتضيات يقومون لله، رغبة لإعلاء كلمته سبحانه، وهم الذين إذا أقدموا لم يحجموا.   يعملون ولا يقولون، كثرت أعمالهم وقلت أقوالهم، خافوا مقام ربهم، ونهوا النفس عن الهوى، لهم جانب مع الله تعالى إذا سألوه استجاب لهم، ولهم أعمال خالصة لذات الله تعالى إذا قاموا بها كان الله معهم ولهم.    الصوفية حملوا راية الإسلام إلى كل مكان بالمعرفة والسلوك لم تقم دولة من دول الإسلام إلا وهم مؤسسوها، ولم تقم فتنة من أعداء المسلمين إلا وهم مطفئوها. أول الخلفاء بعد رسول الله ﴿ص﴾ إمامهم، ودام الأمر فيهم إلى سيدنا الحسن السبط رضي الله عنه, ومدتهم عمر الخلافة، حتى انتقلت إلى المُلك العضوض.   وهم الذين قلبوا دولة بني أمية، وأعادوا الدولة لبنى هاشم، وهم الذين أيدوا دولة آل عثمان، حتى شُيّدَت المساجد في بودابست، وفي بولونيا، ولم يبق إلا أن تصير أوروبا إسلامية كما كان أولا.   وهم الذين ردوا الصليبيين عن الثغور الإسلامية في زمان صلاح الدين الأيوبي، عندما غار والله غيرة سلبت عقول الإفرنج، حتى أصبح الحليم سفيها، ولا غرابة! فإن درويشا لم يبلغ خدمة المرشدين، غار لله هو ودراويشه غيرة قهرت ملك الحبشة وجيوش الطليان، وجنود فرنسا، والجيش المصري، والإنجليزى، حتى مات منصورا ظافراً، وجيشه على أبواب مصر، ولكن غادرته المنية وقام بالأمر غير الدراويش، فاختلفت القلوب وتغيرت, والتفت الصوفية إلى خلواتهم وتجريدهم، عند ما رأوا أنه لا حاجة لهم لقوة سلطان المسلمين.    الدس على الصوفية وكتبهم ومصنفاتهم هذه السنة السيئة سنة الكذب والتحريف والدس في الكتب صناعة يهودية اتبعنا اليهود بها حذو القذة بالقذة كما قال النبي ص.. وليت الأمر اقتصر على الدس الصوفية وابن عربي والشعراني.. بل هو قبل ذلك بكثير.. على النبي ص نفسه ثم على رؤساء أهل البيت ورؤوساء الصحابة, ورؤساء المذاهب !   الدس على الإمام جعفر الصادق وعلى الإمام أحمد بن حنبل  فقد قال أبن الفراء في طبقاته نقلاً عن أبي بكر المروزي ومسدد وحرب إِنهم قد رووا الكثير من المسائل، ونسبوها للإِمام أحمد بن حنبل.. وبعد أن أفاض في ذكر هذه المسائل قال:  ( رجلان صالحان بُليا بأصحاب سوء: جعفر الصادق، وأحمد بن حنبل، أما جعفر الصادق فقد نسبت إِليه أقوال كثيرة،دونت في فقه الشيعة الأمامية على أنها له، وهو بريء منها. وأما الإِمام أحمد، فقد نسب إِليه بعض الحنابلة آراء في العقائد لم يقلها).   وقال سيدنا الشيخ القدوة عبدالقادر عيسى رحمه الله تعالى في كتابه "حقائق عن التصوف" ص400 تحت عنوان (الدس على العلوم الإسلامية) ما نصه:   (وأما التصوف: فكغيره من العلوم الدينية، لم يَسْلم من الدس والتحريف من هؤلاء الدخلاء والمفترين.فمنهم من أدخل في كتب الصوفية أفكاراً منحرفة، وعبارات سيئة ما أنزل الله بها من سلطان، كقولهم: وما الكلبُ والخنزيرُ إِلا إِلهنا وما الربُّ إِلا راهبٌ في كنيسة{كَبُرَتْ كَلِمَةً تخرُجُ مِنْ أفوَاهِهِمْ إنْ يَقُولونَ إلا كَذِباً} [الكهف: 5].   ومنهم من أراد أن يفسد دين المسلمين بأشياء أُخر تمس عقائدهم ؛ فنسب إِلى بعض رجال الصوفية أقوالاً تخالف عقيدة أهل السنة ؛ كالقول بالحلول والاتحاد، وبأن الخالق عين المخلوق، والكون عين المكوِّن.   ومنهم من حاول تشويه تاريخ رجال الصوفية، ونزع ثقة الناس بهم، فدَسَّ في كتبهم حوادث وقصصاً من نسج خياله، فيها ارتكاب للمنكرات واقتراف للآثام والكبائر، كما نجد ذلك كثيراً في الطبقات الكبرى للإِمام الشعراني رحمه الله تعالى، وهو منها بريء كما سيأتي.   ومنهم المبشِّرون والمستشرقون، وأبواق الاستعمار الذين درسوا كتب السادة الصوفية، وكتبوا عنهم المؤلفات لأجل التحريف والتزوير والدس، يقصدون بذلك أن يطعنوا الإِسلام في صميمه، وأن يسلخوا روح الدين عن جسده، ولقد خُدع بهم أقوام أرادوا أن يفهموا التصوف من كتب هؤلاء المستشرقين، كأمثال [نكلسون الإِنكليزي، وجولد زيهر اليهودي، وماسينيون الفرنسي وغيرهم]، فوقعوا في أحابيلهم، وتسمَّمُوا من أفكارهم، وانجرفوا في تيار محاربة الصوفية. ولا أدري كيف يثق مسلم صادق بأقوال عدوه المخادع الماكر ؟    ومنهم السُّذَّجُ الذين يصدقون هؤلاء وهؤلاء، فيعتقدون بهذه الأمور المدسوسة ويثبتونها في كتبهم. وكل هذا بعيد عن الصوفية والتصوف. فإِن قال قائل: إِنَّ ما نسب إِلى الصوفية من أقوال مخالفة هي حقاً من كلامهم بدليل وجودها في كتبهم المطبوعة المنشورة.   نقول: ليس كل ما في كتب الصوفية لهم ؛ لأنها لم تسْلم من حملات الدس والتحريف. وما أحوجنا إِلى تضافر جهود المؤمنين المخلصين لتنقية هذا التراث الإِسلامي الثمين ممَّا لحق به من دس وتحريف.ولو ثبت بطريق صحيح عن بعض الصوفية كلام مخالف لحدود الشريعة فنقول: ليست كلمة فرد واحد حجة على جماعة، شعارها ومذهبها التمسك بالكتاب والسنة. حتى إِنهم ليقولون: إِن أول شرط الصوفي أن يكون واقفاً عند حدود الشريعة، وألا ينحرف عنها قيد شعرة. فإِذا هو تخطى هذا الشرط، ووصف نفسه بأنه صوفي، فقد اختلق لنفسه صفة ليست فيه وزعم ما ليس له. وإِن من إِضاعة الوقت الثمين الانشغالَ بمثل هذه التُّرَّهَات والأباطيل المفتراة على هؤلاء القوم في هذه الأوقات التي يوجد ما هو أهم من المجادلة بها، فهي معروفة لدى الصوفية المحققين والعلماء المدققين. وعلينا أن نعرف أن التصوف ليس علماً نتلقاه بقراءة الكتب ومطالعة الكراريس، ولكنه أخلاق وإِيمان، وأذواق ومعارف، لا ينال إِلا بصحبة الرجال، الذين اهتدوا بهدي الرسول صلى الله عليه وسلم، وورثوا عنه العلم والعمل والأخلاق والمعارف. وهو علم ينتقل من الصدر إِلى الصدر، ويفرغه القلب في القلب. وهناك أقوام مغرضون، درسوا كتب السادة الصوفية وتتبعوا ما فيها من دس وتشويه وتحريف واعتبروها حقائق ثابتة، وارتكزوا عليها في حملاتهم العنيفة وتهجماتهم الشديدة على السادة الصوفية الأبرار. ولو أنهم قرأوا ما يعلنه رجال التصوف في جميع كتبهم من استمساكهم بالشريعة واعتصامهم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وتقيدهم بالمذاهب الإِسلامية المعتبرة، وتَبَنِّيهِمْ عقيدة أهل السنة والجماعة، كما بيناه آنفاً في بحث بين الحقيقة والشريعة، لأدركوا تماماً أن ما ورد في كتبهم مما يناقض هذا المبدأ الواضح والمنهج السوي، إِنما هو مؤول أو مدسوس.   سئل الإِمام الفقيه ابن حجر الهيثمي رحمه الله تعالى ونفعنا به: في عقائد الحنابلة ما لا يخفى على شريف علمكم، فهل عقيدة الإِمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه كعقائدهم ؟  فأجاب بقوله: (عقيدة إِمام السنة أحمد بن حنبل رضي الله عنه وأرضاه وجعل جنان المعارف متقلبه ومأواه، وأفاض علينا وعليه من سوابغ امتنانه، وبوأه الفردوس الأعلى من جنانه، موافقةٌ لعقيدة أهل السنة والجماعة من المبالغة التامة في تنزيه الله تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً ؛ من الجهة والجسمية وغيرها من سائر سمات النقص، بل وعن كل وصف ليس فيه كمال مطلق، وما اشتهر بين جهلة المنسوبين إِلى هذا الإِمام الأعظم المجتهد من أنه قائل بشيء من الجهة أو نحوها فكذب وبهتان وافتراء عليه. فلُعن من نسب إِليه، أو رماه بشيء من هذه المثالب التي برأه الله منها، وقد بين الحافظ الحجة القدوة الإِمام أبو الفرج بن الجوزي من أئمة مذهبه المبرئين من هذه الوصمة القبيحة الشنيعة أن كل ما نسب إِليه من ذلك كذب عليه وافتراء وبهتان، وأن نصوصه صريحة في بطلان ذلك وتنزيه الله تعالى عنه، فاعلم ذلك، فإِنه مهم) [الفتاوى الحديثية لابن حجر المكي ص148]   ولو ذهبنا نستقصي ألوان التزييف في التاريخ الإِسلامي والتصوف لما وَسِعْتَنا هذه الرسالة، إِذ التصوف كان نصيبه من الدس والافتراء أعظم من غيره، لأن المزيفين أدركوا أن التصوف هو روح الإِسلام، وأن الصوفية هم قوته النافذة الضخمة وشعلته الوضاءة المشرقة، فأرادوا أن يطفئوا هذا النور. قال تعالى: {يُريدونَ لِيُطْفِئوا نورَ اللهِ بأفواهِهِم واللهُ مُتِمُّ نورِهِ ولو كَرِهَ الكافرونَ} اهـ   إذا كان التصوف هو جزء من الشريعة, وهو علم التزكية ودراسة مرتبة الإحسان (أن تعبد الله كأنك تراه) وكان الصوفية هم أفضل الامة وأطيبها أخلاقاً وأرفعها منزلة وأسرعها نجدة عند داعي الجهاد الخ ما هنالك : فلماذا وجد التيار ال***** المنشق على المسلمين فرصة لنقد التصوف بهذا الشكل ؟ من خلال نقد ما في كتب الصوفية لا سيما كتب العلامة محي الدين بن عربي والإمام الشعراني.   الجواب : أن العصر الذهبي للتصوف كان تلك الأيام الخوالي.. وكان لمشايخ الصوفية جوْلة وصولة ودولة.. وكانوا محل محبة الناس لا سيما العامة والجماهير.. ولذلك غار منهم الفقهاء وأكثروا بهم الوشايات عند السلاطين, وأكثر من لا يخاف الله الدسّ على كتبهم وإدخال ما ليس منها من الإلحاد والإباحية والعقائد الكفرية.. مما لا يتفق مع السياق لأول وهلة,. ولا يتفق مع دين ولا شريعة.. نعم كان الدس قليلاً بالنسبة لحجم الكتاب المدسوس عليه, إلا أن مجرد ورود هذا الكلام كان يعتبر فرصة لكل منافق معادِ للتصوف, فيتلقفه وينشره على أنه هو التصوف نفسه ليضع بهذا الكذب والافتراء والدجل علامات استفهام استفهام كثيرة لم تنته حتى هذه اللحظة.. ولا زال المسلمون - بسبب هذا - لا يعرفون أن التصوف دين ومن الدين ! وعلم شرعي ! مثل الفقه والعقيدة تماماً.. ولا زال جهل المسلمين بهذه الحقيقة الأوليّة يمثل كارثة, لأن دينهم لا يكتمل إلا بتزكية النفس على المربين أهل التخصص.   الدس على محي الدين بن عريي كذلك لم تسلم كتب شيخ صوفية الأندلس المحقق العلامة محي الدين بن عربي من الدس المكثف جداً..  وقد سئل الإمام الحصفكي : " من قال عن فصوص الحكم للشيخ محي الدين بن عربي إنه خارج عن الشريعة ، وقد صنفه للإضلال ، ومن طالعه ملحد ، ماذا يلزمه ؟ أجاب : نعم فيه كلمات تباين الشريعة ، فتكلف بعض المتصلفين إرجاعها إلى الشرع ، ولكن الذي تيقنته أن بعض اليهود افتراها على الشيخ قدس الله سره . وقد صنف الحافظ السيوطي كتابا أسماه ( تنبيه الغبي في تبرئة ابن عربي ) بين فيه حقيقة منهج الشيخ الأكبر الذي ليس إلا الكتاب والسنة ، وقال الشيخ البلقيني : ( كذب والله وافترى من نسبه - يقصد الشيخ الأكبر - إلى القول بالحلول والاتحاد ) ، ولدينا عدة وثائق تثبت أن كتاب الفتوحات تعرض للدس والتزوير ، فيقول الشعراني في اختصاره للفتوحات : ( وقد توقفت حال الاختصار في مواضع كثيرة منه لم يظهر لي موافقتها لما عليه أهل السنة والجماعة فحذفتها من هذا المختصر ، وربما سهوت فتتبعت ما في الكتاب كما وقع للبيضاوي مع الزمخشري ، ثم لم أزل كذلك أظن المواضع التي حذفت ثابتة عن الشيخ محي الدين حتى قدم علينا الأخ العالم الشريف شمس الدين أبو الطيب المدني المتوفى سنة 955 هـ فذاكرته في ذلك فأخرج إلي نسخة من الفتوحات التي قابلها على النسخة التي عليها خط الشيخ محي الدين نفسه بقونية ، فلم أر فيها شيئا مما توقفت فيه وحذفته ، فعلمت أن النسخ التي في مصر الآن كلها كتبت من النسخة التي دسوا فيها على الشيخ ) (1)  ولدينا وثيقة أخرى تثبت أن الشيخ الأكبر لاحظ أن كتابه داخله التحريف والتغيير ، فأعاد كتابته وترك نسخة أصلية عليها خط يده كمرجع ، فقد ذكر المقري وهو المعروف بدقته وتثبته ( أن الشيخ الأكبر أرسل يستأذن الشيخ ابن الفارض في شرح تائيته . فقال ابن الفارض رحمه الله : كتابتك المسمى بالفتوحات المكية شرح لها ) (2) وإذا علمت أن ابن الفارض توفي سنة 632 هـ والنسخة التي بخط الشيخ الأكبر كانت في أواخر حياته إذ فرغ منها في 635 هـ دلك هذا على أن الشيخ لاحظ التحريف الذي طرأ على كتابه ، فأراد أن يجعل له حدا بأن يجعل من نسخته مرجعا ، ولا يبعد أن تكون النسخ الموجودة فيما بعد ذلك التاريخ خليط مما كتب الشيخ وغيره ، وقد ذكرنا ذلك ليكون قارئ كتب الشيخ الأكبر على حذر . والراجح عندي أن هذه الإضافات هي محاولات من البعض لشرح مغاليق كتب الشيخ وإشكالاتها ، فأضاعوا المعنى من حيث لا يشعرون ، ويظهر هذا واضحا في تغيير الأسلوب فجاة من أسلوب الشيخ المشهود له بالتقدم والروعة ، إذ هو أحد خمسة كتاب شهد لهم علماء الإسلام بالتقدم على سواهم من سابقين ولاحقين (3) إلى أسلوب تقريري عادي خصوصا في الفتوحات . ولنرجع إلى العبارة التي ذكرها المنكر وهي ( إن العارف من يرى الحق في كل شيء بل يراه عين كل شيء ) وخوفا من أن يتبادر إلى ذهن سامعها ما تبادر إلى ذهن المنكر ، نجد أن الشيخ كرر في كتبه قوله : ( إن العالم ما هو عين الحق ، ولا حل في الحق ، إذ لو كان عين الحق او حل فيه لما كان تعالى قديما ولا بديعا ) (4) أو قوله : ( أعظم دليل على نفي الحلول والاتحاد الذي يتوهمه البعض أن تعلم عقلا أن القمر ليس فيه من نور الشمس ، وأن الشمس ما انتقلت إليه بذاتها وإنما كان القمر محلا لها ، فكذلك العبد ليس فيه من خالقه شيء ولا حل فيه ) (5) فالشيخ رحمه الله يبين بوضوح وصراحة أن الحلول والاتحاد لا يصح اعتقادها ، إذ أن ذلك سيؤدي بداهة إلى سلب الصفات الواجبة لله وحده ، مما يؤدي بدوره إلى لزوم فسادها . فالعارف من أسقط السوى بالكلية ، فلا يرى في المخلوق إلا قدرة وإرادة الله تعالى ، إذ ذهب المجاز وبقيت الحقيقة ، حقيقة ما ثم إلا الله ظاهرا وباطنا اولا وآخرا . وقد قلنا سابقا : إن لكل طائفة اصطلاحات وألفاظا تعارفت عليها لا يقف على مضمونها إلا هم ، وإلى هذا أشاؤ الجلال السيوطي رضي الله عنه بقوله : ( واعلم أنه وقع في عبارة بعض المحققين لفظ الاتحاد إشارة منهم إلى حقيقة التوحيد ، والتوحيد معرفة الواحد الأحد ، فاشتبه ذلك على من لا يفهم إشاراتهم ، فحملوه على غير محله ) (6) وأيضا فإن الاصطلاحات والألفاظ لا تشرح ، بل تفهم ، ومن أراد فهمها وإدراكها فليكن في مستوى قائليها ، قال شيخ الأزهر عبدالحليم محمود : ( فلا بد أن يبلغ الإنسان المستوى أو يقارب المستوى ، وحينئذ سيقول كما قال أسلافنا الذين بلغوا المستوى أو قاربوه : رضي الله عن سيدنا محيي الدين بن عربي ) (7)  والخلاصة : أن الذي يجب علمه يقينا أن الشيخ الأكبر كان إمام التحقيق حالا ومقالا ، والشارح لعلوم العارفين فعلا واسما ، لا ينطق بغير الله ، ولا يسير على غير كتابه تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان شعاره دائما ( كل من رمى ميزان الشريعة من يده لحظة هلك ) (8)     __________________________________________ (1) اليواقيت والجواهر للشعراني 1/9 (2) نفح الطيب للمقري 1/570 (3) جاء هذا في إذاعة المملكة العربية السعودية في برنامج مسائل ومشكلات بتاريخ 20/2/1985 في حديث لفضيلة الشيخ علي الطنطاوي والخمسة هم : محيي الدين بن عربي وأبوحيان التوحيدي وابن خلدون وحجة الإسلام الغزالي والجاحظ . (4) الفتوحات المكية لابن عربي باب 559 (5) الحاوي للفتاوى للسيوطي 2/134 (6) الحاوي للفتاوي للسيوطي 2/134 (7) قضية التصوف المنقذ من الضلال لعبدالحليم محمود 163  (8) اليواقيت والجواهر للشعراني 1/7   ووجدت خبراً جيداً عن إعادة تحقيق كتاب الفتوحات المكية ومطابقته على نسخة بخط المؤلف : كتاب " الفتوحات المكية " للشيخ محي الدين بن عربي كتاب قيم جدا و قيل أن الشيخ ابن تيميه استفاد منه في بداية طلبه العلم كما ذكر بنفسه في رسالته للشيخ نصر المنبجي في مجموع فتاويه , والامام الذهبي رحمه الله قال في نهايه ترجمته انه من اولياء الله الذي ختم الله لهم بالحسنى.  وتبقى مسأله صحه مانسب له محل نظر ودراسه , خصوصا ان الدس والتحريف في كتب التراث كثيره جدا وما الاحاديث الموضوعه عنا ببعيد . وارجو من بعض الاخوه الا يتسرعوا في التكفير وان يكفوا السنتهم عن اولياء الله وخصوصا ان امثال ابن عربي وابن تيميه من الشخصيات المختلف حولها  والله الموفق    علمنا أنه يقوم حاليا أحد الباحثين المحققين و متخصص في تحقيق كتب التصوف بتصحيح الاخطاء واعادة تحقيق مؤلف الفتوحات المكيه لابن عربي رحمه الله عن طريق مقارنته بالنسخه الاصليه والمراجعه من ابن عربي نفسه فكما هو معلوم ان ابن عربي قد قضى حوالي ثلاثين سنه في كتابة الفتوحات ثم قام في السنوات الاخيره قبل وفاته بمراجعة ما كتب "يضيف هنا ويحذف هناك" كما ذكر هو ثم قام بتسليم هذه النسخه المصححه والاصليه لتلميذه صدر الدين القنوي. هذه النسخه هي التي وصلت الى أحد المحققين وهو الان يوشك على الانتهاء من هذا العمل الرائع والمجهود الكبير. اما عن كيفيه وصول النسخه الاصليه اليه فهو من لطف الله وتوفيقه . الجدير بالذكر ان هذا المحقق قد وجد حتى الان اكثر من اثنين وثلاثين الف خطأ في كتاب الفتوحات المكيه المتداول في الاسواق ... تخيلوا كثرة التزوير و الاخطاء و الدس في كتب الشيخ ابن عربي ثم احكموا عليه.  فماذا عن الكثير من كتب التراث الإسلامي التي لمسها التزوير.  هذا الكتاب المحقق والآتي قريبا بعون الله سوف يكون أصح كتاب محقق للفتوحات المكيه  http://www.mnaabr.com/vb/showthread.php?p=157985   عقيدة الشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي الطائي شيْخ صوفية الأندلس وفخر الإسلام في أوروبا هذه هي عقيدة الشيخ التي بينها هو في كتابه ( الفتوحات المكية ) مما يؤيد ما نقول من أن كل ما نسب إليه من الضلال فهو بريء منه . وهذا نص ما كتب رحمه الله :  يا إخواني ويا أحبابي أشهدكم أني أشهد الله تعالى وأشهد ملائكته وأنبياءه ومن حضر أو سمع أني أقول قولاً جازماً بقلبي إن الله تعالى واحد لا ثاني له منزه عن الصاحبة والولد . مالكٌ لا شريك له ، ملك لا وزير له ، صانع لا مدبر معه ، موجود بذاته من غير افتقار إلى موجود يوجده ، بل كل موجود مفتقر إليه في وجوده . فالعالم كله موجود به ( أي وجد بإيجاد الله له )  وهو تعالى موجود بنفسه لا افتتاح لوجوده ولا نهاية لبقائه بل وجوده مطلق قائم بنفسه ، ليس بجوهر فيقدر له المكان ولا بعرض فيستحيل عليه البقاء ولا بجسم فيكون له الجهة والتلقاء ، مقدس عن الجهات والأقطار . استوى على عرشه كما قاله وعلى المعنى الذي أراده كما أن العرش وما حواه به استوى وله الآخرة والأولى . لا يحده زمان ولا يحويه مكان بل كان ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان لأنه خلق المتمكن والمكان وأنشأ الزمان . تعالى الله أن تحله الحوادث أو يحلها أو تكون قبله أو يكون بعدها  بل يقال كان ولا شيء معه إذ القبل والبعد من صيغ الزمان الذي أبدعه ، فهو القيوم الذي لا ينام والقهار الذي لا يرام ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير .  وأنشأ الكرسي وأوسعه الأرض والسماء ، اخترع اللوح والقلم الأعلى وأجراه كما يشاء بعلمه في خلقه إلى يوم الفصل والقضاء ، أبدع العالم كله على غير مثال سبق .  ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، لو اجتمع الخلائق كلهم على أن يريدوا شيئاً لم يرده الله تعالى لهم أن يريدوه ما أرادوه ، أو أن يفعلوا شيئاً لم يرده الله تعالى لهم أن يريدوه ما أرادوه ، أو أن يفعلوا شيئاً لم يرد الله ايجاده وأرادوه ما فعلوه ولا استطاعوا ذلك ولا أقدرهم عليه ، فالكفر والإيمان والطاعة والعصيان من مشيئته .  وكما أشهدتُ الله وملائكته وجميع خلقه وإياكم على نفسي بتوحيده ، فكذلك أشهد الله تعالى وملائكته وجميع خلقه وإياكم على نفسي بالإيمان بمن اصطفاه الله واختاره واجتباه من خلقه وهو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي أرسله إلى جميع الناس كافة ، وبشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ، فبلغ صلى الله عليه وسلم ما أنزل من ربه إليه وأدى أمانته ونصح أمته ووقف في حجة الوداع على من حضره من الأتباع ، فخطب وذكر وخوف وحذر ووعد وأوعد وأمطر وأرعد وما خص بذلك التذكير أحداً دون أحد ، عن إذن الواحد الصمد ، ثم قال : ألا هل بلغت ؟ قالوا بلغت يا رسول الله ، فقال صلى الله عليه وسلم اللهم اشهد .  وإني مؤمن بما جاء به صلى الله عليه وسلم مما علمتُ به ومما لم أعلم ، فمما جاء به وقرر : الموت عن أجل مسمى عند الله إذا جاء لا يؤخر ، فأنا مؤمن بهذا إيماناً لا ريب فيه ولا شك ، كما ْامنت أن سؤال ملكي السؤال في القبر حق والعرض على الله حق ، والحوض حق وعذاب القبر حق ، ونصب الميزان حق وتطاير الصحف حق والصراط والجنة حق والنار حق ، وفريقاً في الجنة وفريقاً في السعير ، وكرب ذلك اليوم على طائفة حق ، وطائفة أخرى لا يحزنهم الفزع الأكبر حق ، وشفاعة الملائكة والنبيين حق . وجماعة من أهل الكبائر من المؤمنين يدخلون جهنم ثم يخرجون منها بالشفاعة حق .  التأبيد للمؤمنين في النعيم المقيم والتأبيد للكافرين والمنافقين في العذاب الأليم حق .  وكل ما جاءت به الكتب والرسل من عند الله حق .  فهذه شهادتي على نفسي أمانة عند كل من وصلت إليه يؤديها إذا سئلها حيثما كان .  نفعنا الله وإياكم بهذا الإيمان وثبتنا عليه عند الإنتقال إلى الدار الحيوان ، وأحلنا دار الكرامة والرضوان ، وحال بيننا وبين دارٍ سرابيلُ أهلها قطران ، وجعلنا من العصابة التي أخذت الكتب بالإيمان وممن انقلب من الحوض وهو ريان ، وثقل له الميزان وثبت منه على الصراط القدمان آمين آمين.     شرح قول سادتنا الصوفية : وجودك ذنب لا يقاس به ذنب    وجودك : قال ( أنا ) خير منه .. أكثر مخلوق يرى (الأنا ) هو إبليس .. ولذلك أعمته أناه عن شهود عظمة ربه .. وقد قال سادتنا الصوفية : (أعظم حجاب بينك وبين الله : نفسك التي بين جنبيك) .. ولذلك فإن لهم ذكر معروف على عكس ( أنا ) : هو..   ولا يعرف قدر ما عند الصوفية إلا مسلم من ذرية العترة النبوية , يساعده على فهم مقاصدهم : ما يحمله من نور بالوراثة..   كيف تعرف موقفك من ( أنا ) ؟    عن طريق الاختلاط بالناس , عن طريق الاحتكاك ... وتأمل في نفسك : ستجد أنك مشغول على طول الخط بنقد الناس وتتبع عوراتهم مع تزكية نفسك .. كل هذا في حديث داخلي ... وهذه هي ( أنا خير منه ) !   هذا على مستوي معاملة الخلق ..   وأما على مستوى معاملة الحق : فإن الـ ( أنا ) لو لم تنمحي تماماً وتتلاشى , فإن الله تعالى لن يقبلك .. فإن القمر إذا ادعى ظهوره بالنهار في وجود الشمس وسطوعها فهو كاذب ومفتري .. كذلك أنت أيها العبد المخلوق المستحدث , يجب أن ترى نفسك عدماً مع الله تعالى, فلو صليت أو صمت أو تعبدت فلا ترى أنه فعلك ( والله خلقكم وما تعملون ) قد صليت وصمت وحججت بقدرته هو سبحانه وتعالى التي أقرضك إياها ... بقدرته وسمعه وبصره وعلمه وبقية صفاته التي أقرضك إياها أيها العبد , وأنت تظن أنها ملكك أنت وليست كذلك !   ذنب لا يقاس به ذنب : لأنك حينئذ تكون قد ادعيت الربوبية وأشركت بالله تعالى دون أن تدري .. فإن الموجود المطلق هو الله تعالى بلا أول ولا آخر , وأما أنت فقد كانت الدنيا تضج بالحياة وأنت لم تولد بعد , وهو موجود , وهو من أوجدك ... فعترف بهذا ولا تنسب الفضل إلا لأهله ولا تكذب على نفسك وعلى الله ..   قد تصلي وتعجبك صلاتك وتزهو نفسك فيكون هذا عصياناً لأنه وجود, وقد تعصي الله فتنكسر وتشهد وجوده هو وتنسى نفسك فيكون هذا من أكمل الطاعات لأنه اعتراف بأنك غير موجود ولا شئ قياساً بالوجود الأصلي المطلق الذي أوجدك..    المهم هو شهودك.. ما الذي تشهده ؟ هل تشهد وجوده هو وقدرته عليك وعلى جميع الخلق ؟ أم تشهد نفسك وتعيش مع نفسك ولا ترى غيرها ؟   الإمام أبو العزائم يقول : (أمح أنا.. وأثبت أنا.. تلق المسرة والهنا). امح أنا : أي نفسك, وأثبت أنا : أي الله. تلق المسرة والهنا.   انس كلمة : لماذا يارب.. ولم أنا دون غيري.. امح هذه الكلمات الشركية من قاموسك, تصل إلى الله أسرع من البرق !   لأنك محوت نفسك الأمارة بالسوء.. وأثبتّ الحق, لأن الله هو الحق الخالص, وكل قضائه حق لا ظلم فيه.. فإذا رضيت بالحق ولو على نفسك : ظهر فيك الحق وكنت صورة منه.. صورة من النبي ص.   وهذا هو معنى قول سادتنا الصوفية : موتوا قبل أن تموتوا.   فمن مات موتاً معنوياً دخل جنة الدنيا المعجلة. لأنه وحّد الله تعالى بالوجود.. هو وحده لا أنا..   وعلى هذا النهج تدور فلسفة الشيح الأكبر سيدي محيي الدين بن عربي رحمه الله تعالى التي ييئ فهمها عنه خصوم الصوفية فيقولون أنه يقول بوحدة الوجود وأن الخالق والمخلوق واحد ! وهذا منهم جهل لمرامي كلامه, ولا يفهم كلام الصوفية إلا من عاش معهم.   أطع أمرنا نرفع لأجلك حـجبنا * فإنا منحنا بالرضا من أحبنا   ولذ بحمانا و احتمِ بجنابنا * لنحميك مما فيه أشرار خلقنا   وعن ذكرنا لا يشغلنك شـاغل * و أخلص لنا تلق المسرة والهنا   وسلم إلينا الأمر في كل ما يكن * فما القرب والإبعاد إلا بأمرنا    الدس على الشيخ عبد الوهاب الشعراني الإمام الشعراني رحمه الله تعالى كان يشكو من الدس على كتبه ويستعيذ بالله من ذلك في مقدمة بعض ما وصلنا من كتبه.. قال في كتابه لطائف المنن والأخلاق فقال: (ومما مَنَّ الله تبارك وتعالى به عليَّ، صبري على الحسدة والأعداء، لما دسوا في كتبي كلاماً يخالف ظاهر الشريعة، وصاروا يستفتون عليَّ زوراً وبهتاناً، ومكاتبتهم فيَّ لِبابِ السلطان، ونحو ذلك. إِعلم يا أخي أن أول ابتلاء وقع لي في مصر من نحو هذا النوع، أنني لما حججْتُ سنة سبع وأربعين وتسعمائة، زَوَّر عليَّ جماعة مسألة فيها خرق لإِجماع الأئمة الأربعة، وهو أنني أفتيتُ بعض الناس بتقديم الصلاة عن وقتها إِذا كان وراء العبد حاجة، قالوا: وشاع ذلك في الحج، وأرسل بعض الأعداء مكاتبات بذلك إِلى مصر من الجبل، فلما وصلتُ إلى مصر، حصل في مِصْرَ رَجٍّ عظيم، حتى وصل ذلك إِلى إِقليم الغربية والشرقية والصعيد وأكابر الدولة بمصر، فحصل لأصحابي غاية الضرر، فما رجعتُ إِلى مصر إِلا وأجد غالب الناس ينظر إِليَّ شذراً، فقلت: ما بال الناس ؟ فأخبروني بالمكاتبات التي جاءتهم من مكة، فلا يعلم عدد من اغتابني، ولاث بعرضي إِلا الله عز وجل.   ثم إِني لما صنفت كتاب البحر المورود في المواثيق والعهود، وكتب عليه علماء المذاهب الأربعة بمصر، وتسارع الناس لكتابته، فكتبوا منه نحو أربعين نسخة، غار من ذلك الحسدةُ، فاحتالوا على بعض المغفلين من أصحابي، واستعاروا منه نسخته، وكتبوا لهم منها بعض كراريس، ودسوا فيها عقائد زائغة ومسائل خارقة لإِجماع المسلمين، وحكايات وسخريات عن جحا، وابن الراوندي، وسبكوا ذلك في غضون الكتاب في مواضع كثيرة، حتى كأنهم المؤلف، ثم أخذوا تلك الكراريس، وأرسلوها إِلى سوق الكتبِيِّين في يوم السوق، وهو مجمع طلبة العلم، فنظروا في تلك الكراريس، ورأوا اسمي عليها، فاشتراها من لا يخشى الله تعالى، ثم دار بها على علماء جامع الأزهر، ممن كان كتب على الكتاب ومن لم يكتب، فأوقع ذلك فتنة كبيرة، ومكث الناس يلوثون بي في المساجد والأسواق وبيوت الأمراء نحو سنة، وأنا لا أشعر. وانتصر لي الشيخ ناصر الدين اللقاني، وشيخ الإِسلام الحنبلي، والشيخ شهاب الدين بن الجلبي، كل ذلك وأنا لا أشعر، فأرسل لي شخص من المحبين بالجامع الأزهر، وأخبرَني الخبرَ فأرسلت نسختي التي عليها خطوط العلماء، فنظروا فيها، فلم يجدوا فيها شيئاً مما دسه هؤلاء الحسدة، فسبُّوا من فعل ذلك، وهو معروف.   وأعرفُ بعض جماعة من المتهوِّرين، يعتقدون فيَّ السوء إِلى وقتي هذا، وهذا بناء على ما سمعوه أولاً من أُولئك الحسدة، ثم إِن بعض الحسدة، جمع تلك المسائل التي دُسَّت في تلك الكراريس وجعلها عنده، وصار كلما سمع أحداً يكرهني، يقول له: إِن عندي بعض مسائل تتعلق بفلان، فإِن احتجت إِلى شيء منها أطلعتك عليه، ثم صار يعطي بعض المسائل لحاسد بعد حاسد إِلى وقتي هذا، ويستفتون عليَّ وأنا لا أشعر، فلما شعرتُ، أرسلت لجميع علماء الأزهر أنني أنا المقصود بهذه الأسئلة، وهي مفتراة عليَّ، فامتنع العلماء من الكتابة عليها)[كتاب "لطائف المنن والأخلاق" للشعراني ج2. ص190ـ191].   وقال أيضاً: (وكذلك دسوا عليَّ أنا في كتابي المسمى بالبحر المورود جملةً من العقائد الزائغة، وأشاعوا تلك العقائد في مصر ومكة نحو ثلاث سنين، وأنا بريء منها كما بَيَّنْتُ في خطبة الكتاب لمَّا غيرتها، وكان العلماء كتبوا عليه وأجازوه، فما سكنت الفتنة حتى أرسلت إِليهم النسخة التي عليها خطوطهم) ["اليواقيت والجواهر" ج1. ص8].   و قال في مقدمة كتابه (الأنوار القدسية) : (و قد ضمنت كل باب ما تقر به أعين الناظرين من قول السلف و الخلف إى عصرنا هذا . فأكرم بها من رسالة كلها نصح و أدب و لا أظن أن فيها كلمة واحدة يرمى بها . و أعيذها بالله تعالى من شر كل عدو أو حاسد يدس فيها ما ليس من كلامي فينفر الناس من مطالعتها ، كما وقع ذلك في كتاب ""العهود" و في مقدمة كتاب "كشف الغمة" فإن بعض الحسدة لما رألى إقبال الحسدة على هذين الكتابين غار من ذلك فاستعار له نسخة من كل كتاب و دس فيها كلاماً ليس كلامي و سلكه في غضونها حتى كأنه المؤلف . ثم أعطى ذلك لبعض المتهورين في دينهم و قال أطلع العلماءعلى هذا الكلام المخالف لظاهر الشريعة الذي ألفه فلان! فلا يعلم عدد من استغابني إلا الله تعالى . مع إني بحمد الله سني محمدي .. و ما ألفت شيئاً من هذا الكتاب إلا بعد تبحري في علوم الشريعة الإسلامية و اطلاعي على مذاهب المجتهدين و أدلتهم . فكيف أخالفهم ؟و أعرف بعض جماعة يظنون إنني أعتقد ما دسوه في كتبي من العقائد الزائغةإلى وقتي هذا و ما منهم أحد يجالسني قط . فالله يغفر لهم جميعاً .. فإياك أن تصغيي لقولهم .. فإني بريء من جميع ما دسوه و بيني و بينهم يوم القيامة) كتاب الأنوار القدسية - مكتبة المعارف بيرت - ص 18].   وقد ذكر المؤرخ الكبير عبد الحي بن العماد الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه شذرات الذهب في أخبار من ذهب ترجمة الشيخ عبد الوهاب الشعراني رحمه الله تعالى وبعد أن أثنى عليه، وذكر مؤلفاته الكثيرة، وأثنى عليها أيضاً قال فيه: (وحسده طوائف فدسوا عليه كلمات يخالف ظاهرها الشرع، وعقائد زائغة، ومسائل تخالف الإِجماع، وأقاموا عليه القيامة، وشنَّعوا وسبُّوا، ورموه بكل عظيمة، فخذلهم الله، وأظهره الله عليهم وكان مواظباً على السنة، ومبالغاً في الورع، مُؤثِراً ذوي الفاقة على نفسه حتى بملبوسه، متحملاً للأذى، موزعاً أوقاته على العبادة ؛ ما بين تصنيفٍ وتسليكٍ وإِفادة.. وكان يُسمَعُ لزاويته دوي كدوي النحل ليلاً ونهاراً، وكان يحيي ليلة الجمعة بالصلاة على المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولم يزل مقيماً على ذلك، معظَّماً في صدور الصدور، إِلى أن نقله الله تعالى إِلى دار كرامته) ["شذرات الذهب في أخبار من ذهب" للمؤرخ الفقيه الأديب عبد الحي الحنبلي المتوفى سنة 1089هـ. ج8. ص374].   وقد أعيد طبع الكتاب ( الطبقات الكبير للإمام الشعراني ) بتحقيق عبدالرحمن حسن محمود . ووضع على غلافه : أول طبعه محققة في العالم . ومما كُتب على الغلاف: قوبلت هذه الطبعة على مخطوطة نادرة ,ومقابلة قراءة كاملة على طبعة بولاق عام 1292 هـ , وعدة مخطوطات بمكتبة الأزهر الشريف , وهي خالية تماماً من التحريف والتخريف . الناشر : مكتبة الآداب ، 42 ميدان الأوبرا ـ القاهرة ت : 3900868 الطبعة الأولى . 1414 هـ ـ 1993 م وحقوق الطبع محفوظة لمكتبة الآداب .   ومما قاله المحقق في مقدمته للكتاب صفحة رقم 25 ، تحت عنوان: كتاب (( الطبقات الكبرى )) : والكذب على الشيخ رحمه الله ورضي الله عنه ما نصه : (( وأما ما كذب على الشيخ الشعراني في هذا الكتاب " لواقح الأنوار في طبقات السادة الأخيار " فكثير ، وقد مكننا الله تعالى من الاطلاع على تراجم نظيفة أثبتناها في نسختنا هذه , وأشرنا إلى كلٍ في موضعهإن النسخة التي كتبها الشيخ بيده رحمه الله تعالى قد فقدت , أو هدى في سرداب من سراديب المكتبات , أو أضاعوها ليتمكنوا من دس ما يمكن دسه في ما تنسخه أيديهم . والنسخ الموجودة في بعض تراجمها زيادة عن المطبوع أو نقص , فما رأيت فيه مخالفة تستحق أن تظهر : نقلته برمته , بدلاً عن ما في النسخ المطبوعة , وما لا : تركته كما هو , وإليك بعض من المخالفات الواضحة )) وذكر الكثير من الأمثلة ومنها: قال المحقق أما الذي هو أشهر مثال ينسبونه فما جاء في ترجمة الشيخ " على وحيش " ج 2 ص 135 من المطبوعة : " وكان إذا رأى شيخ بلد وغيره ينزله من على الحمارة ، ويقول له : أمسك رأسها لي حتى أفعل فيها ، فإن أبَى شيخ البلد تسمّر في الأرض حتى لا يستطيع يمشى خطوة ، وإن سمع حصل له خجل عظيم " أهـ . والترجمة التي أثبتها بالكامل في هذا الكتاب من المخطوطة التي استَعَنَتُ بها ليس فيها هذا الكلام إطلاقاً .   ثم وضع المحقق صورة المخطوطة وقال:  ولذلك صوّرتها لك أيها القارئ الكريم مع المقدمة لتقرأها بعينك ، ويستريح قلبك : أن هؤلاء الناس قد افترى عليهم مَنْ قدوته اليهود والنصارى ، في الافتراء على أهل الله ، والكذب عليهم انتهي.   وهذه الكتب كانت دور النشر تنشر الكتب للربح بدون العناية من التحقيق واثبات ما في الكتاب من الرجوع إلي مخطوطات والآن والحمد لله يوجد الكتب المنقحة المصححه من أهل العلم ولا يوجد فيها هذه الخرافات المدسوسة من أهل الكفر والإلحاد وأعداء الصوفية إلا ما يوجد في الأسواق من أفعال أعداء التصوف فيقومون بجلب النسخ المدسوسة علي أهل الله. وإعادة طبعها بدون تحقيق وعناية..وماهذا إلا من أفعال اليهود.   كتاب اﻟﻘﻮل اﻟﻤﺒﻴﻦ ﻓﻲ اﻟﺪس ﻋﻠﻰ اﻹﻣﺎم اﻟﺸﻌﺮاﻧﻲ إﻣﺎم اﻟﻌﺎرﻓﻴن  http://www.nuuruliimaan.org/uploads/content/file/33.pdf   كلام جميل حول تبرئة الشعراني وابن عربي مما نسب إليهما لشيخ صوفية الحجاز العلامة المحدث السيد محمد بن علوي المالكي رحمه الله تعالى https://www.youtube.com/watch?feature=player_embedded&v=80I4gY24G7k   موقف الإمام أحمد بن حنبل من التصوف والصوفية  الأستاذ / أسعد الخطيب   ما هو موقف الإمام الجليل أحمد بن حنبل (164- 241هـ) صاحب المذهب المشهور من التصوف والصوفية؟‏    لا شك أن أصول الصوفية الصحيحة المتفرقة في ثنايا الكتب اجتمعت في شخصية الإمام أحمد. وهو رضي الله عنه ممن تكلم بعلوم الصوفية كما صرح بذلك ابن تيمية حين قال في (رسالته الصوفية والفقراء): (وقد نقل التكلم به من غير واحد من الأئمة والشيوخ كالإمام أحمد وأبي سليمان الداراني وغيرهما).‏    ولذلك ليس غريباً أن نجد ترجمة الإمام أحمد مذكورة في معظم كتب تراجم الصوفية مثل حلية الأولياء وطبقات الأصفياء. والكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية. والطبقات الكبرى للشعراني. وفي كشف المحجوب للهجويري: (وكل السادة الصوفية من جميع الطبقات يعتقدون فيه البركة).     ولذلك ليس غريباً أن نجد ترجمة الإمام أحمد مذكورة في معظم كتب تراجم الصوفية مثل حلية الأولياء وطبقات الأصفياء. والكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية. والطبقات الكبرى للشعراني. وفي كشف المحجوب للهجويري: (وكل السادة الصوفية من جميع الطبقات يعتقدون فيه البركة...).‏      وقلَّ أن نجد كتاباً من كتب التراث الصوفي يخلو من أثر عن الإمام أحمد، خاصة في الرسالة القشيرية والفتوحات المكية وتنوير القلوب وإحياء علوم الدين. حتى إن البعض عند الكلام عنه وصفه بأنه: (مقتدى الطائفة).‏    علاقة الإمام أحمد مع صوفية عصره‏ لقد عاصر الإمام أحمد بن حنبل (164- 241هـ) طائفة من كبار الصوفية، وعلاقته معهم كانت قائمة على المودة والتقدير والاحترام المتبادل، وكان يقول: (صار القوم أئمة بالإخلاص وعند ذكرهم تتنزل الرحمة)    وعلى رأس هؤلاء القوم    1- بشر بن الحارث / ت 227هـ/ وقد سُئل عنه الإمام أحمد فقال: (هو رابع سبة من الأبدال)  وكان يقول: الطريق ما كان عليه بشر بن الحارث. وقال الحسن الرازي قيل لأحمد: يجيئك بشر بن الحارث قال: لا تعننِّ الشيخ، نحن أحق أن نذهب إليه. وقال بشر عن الإمام أحمد خلال محنته: إن ابن حنبل دخل الكير فخرج ذهباً أحمر. فبلغ ذلك الإمام أحمد فقال: الحمد لله الذي رضى بشر بما صنعنا. وقال عندما بلغه موت بشر: لم يكن له نظير. ونستنتج من أخبار المؤرخين عن هذين الشيخين الجليلين، أن البغداديين كانوا يرون أنهما في مرتبة واحدة.‏    وكانوا يقولون: مثل الإمام أحمد بن حنبل مثل دجلة، كل أحد يعرفها. ومثل بشر بن الحارث كمثل بئر عذبة مغطاة لا يقصدها إلا الواحد بعد الواحد.‏    2- أحمد بن أبي الحواري /ت 203هـ/ عن يحيى بن معين قال: التقى أحمد بن حنبل وأحمد بن أبي الحواري بمكة ودار بينهما الحوار حول قول أبي سليمان الداراني: (إذا اعتادت النفوس على ترك الآثام جالت في الملكوت، وعادت إلى ذلك العبد بطرائف الحكمة من غير أن يؤدي إليها عالم علماً). وتعجب الإمام أحمد من هذا القول ووجد ما يدعمه في قوله صلى الله عليه وسلم: "من عمل بما يعلم، ورثة الله علم ما لم يعلم" ثم قال لأحمد بن أبي الحواري: صدقت يا أحمد وصدق شيخك).‏  وفي قوت القلوب كان أحمد بن حنبل يقول: العلم ما جاء من فوق. قال يعني إلهاماً من غير تعليم.‏    3- حاتم الأصم /ت 237هـ/ لما دخل حاتم بغداد واجتمع إليه أهلها فقالوا: يا أبا عبد الرحمن أنت رجل أعجمي وليس يكلم أحد إلا قطعته، قال ذلك في ثلاث خصال إظهر بهن على خصمي: افرح إذا أصاب خصمي، واحزن إذا أخطأ، وأحفظ نفسي ألا أجهل عليه. فبلغ ذلك الإمام أحمد فقال: سبحان الله ما أعقله قوموا بنا إليه. فلما دخلوا عليه قيل له: يا أبا عبد الرحمن، ما السلامة من الدنيا؟ قال: يا أبا عبد الله لا تسلم من الدنيا حتى يكون معك أربعة خصال: تغفر للقوم جهلهم، وتمنع جهلك عنهم، وتبذل لهم شيئك، وتكون من شيئهم آيساً. فقال: يا حاتم إنها لشديدة، فقال حاتم: وليتك تسلم وليتك تسلم.‏    4- يحيى بن الجلاء / ت 258هـ/ عن الطرسوسي قال: ذهبت أنا ويحيى بن الجلاء إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل فسألته: يا أبا عبد الله، بم تلين القلوب؟ فقال: بأكل الحلال، فمررنا إلى بشر بن الحارث، فقلت له: بم تلين القلوب، قال ألا بذكر الله تطمئن القلوب. قلت له: إن ابن حنبل قال: بأكل الحلال فقال جاء بالأصل.‏    5- معروف الكرخي / ت 200هـ/ وصف معروفاً الإمام أحمد بعد أن رآه بأنه (فتى عليه أثار النسك)،‏  وكان أحمد بن حنبل يذهب إلى معروف ويسأله.  وقد سأل عبد الله والده أحمد مرة: هل كان مع معروف شيء من العلم؟ قال: كان معه رأس العلم وهو خشية الله.  وذكر يوماً في مجلس الإمام أحمد قول أحدهم عن معروف هو قصير العلم، فقال: أحمد: امسك عافاك الله، وهل يراد بالعلم إلا ما وصل إليه معروف؟!‏    6- سَرِيٌّ السَقَطِي / ت 253هـ/ وهو خال الإمام الجنيد وشيخه. قال الحسن البزار سألت أحمد بن حنبل عن السري بعد قدومه من الثغر، فقال: أليس الشيخ الذي يعرف بطيب الغذاء (أي أكل الحلال) قلت: بلا، فأثنى عليه.‏  وقد أراد السَرِيُّ السَقَطِيّ - وكان تاجراً- أن يوصل إلى أحمد شيئاً فرده، فقال له: يا أحمد احذر آفة الرد فإنها أشد من آفة الأخذ. فشرح أحمد صدراً بما قال السري، وأجاب: ما رددت ذلك إلا لأن عندي قوت شهر، فإذا كان بعد شهر فأنفذه إلي. وعلق صاحب كتاب (أحمد بن حنبل إمام أهل السنة) على ذلك بقوله: وأحمد يستفيد من كلام السري، ولا يلقي القول بإصرار رجل تستعبده آراؤه فتلك كبرياء على العلم والعلماء.‏    7- أبو حمزة الصوفي / ت 269هـ/ هو محمد بن إبراهيم اجتمع بالإمام أحمد كثيراً. وكان أحمد بن حنبل يجله ويعظمه، وإذا جرى في مجلسه شيء من كلام القوم يلتفت لأبي حمزه ويقول: (ما تقول فيها يا صوفي؟).‏  وجاء في تنوير القلوب: إن الإمام أحمد بعد أن اجتمع مع أبي حمزه، قال لولده: يا ولدي عليك بمجالسة هؤلاء القوم، فإنهم زادوا علينا بكثرة العلم والمراقبة والخشية والزهد.‏   8- الحارث المحاسبي / ت 243هـ/ وقد ذكر بعض المؤرخين، أنه في البداية كان بينه وبين الإمام أحمد جفاء بسبب مسائل في علم الكلام. واتفق أن الإمام أحمد أمر بعض صحبه أن يجلسه بحيث يسمع كلام الحارث ولا يراه، ففعل فتكلم الحارث وأصحابه يسمعون كأنما على رؤوسهم الطير، ثم أخذوا يبكون فبكى أحمد حتى أغمي عليه وقال لصاحبه: ما رأيت كهؤلاء ولا سمعت في علم الحقائق مثل كلام هذا الرجل، لكن مع ما وقفت من أحوالهم لا أرى لك صحبتهم.‏ قال السبكي في طبقاته: إنما قال له ذلك لقصوره عن مقامهم.‏    ولا ننسى أن نذكر أن المحاسبي كان يحمل التقدير لابن حنبل، مؤيداً موقفه من المحنة. وقال ابن تيمية: المحاسبي أعلم المتأخرين بالسنن والآثار.‏    9- أبو عثمان الوّراق / ت 260هـ/ وقد تخرج به أكثر نجوم البغداديين في التصوف وعنه أخذوا التجرد وسياسة النفوس كما قال أبو نعيم، وأضاف أن الإمام أحمد بن حنبل كان يحمد سيرته.‏    10- أبو بكر المغازلي / ت 282هـ/ ذكر الذهبي في ترجمته هو الإمام الولي الرباني كان من البدلاء، له أحوال عجيبة، وكان الخلال يقول: كان أبو عبد الله (أي الإمام أحمد) يقدمه ويكرمه ويقول: من مثله!.‏    11- أبو تراب النخشبي (أحد رجال الرسالة القشيرية)/ ت 245هـ/ وقد أخذ عنه الإمام أحمد. وقال ابن العماد: أبو تراب النخشبي دخل بغداد مرات واجتمع بالإمام أحمد بن حنبل.‏    12- أبو جعفر الطوسي / ت 254هـ/ وهو أستاذ الصوفيه المشهور أبي سعيد الخراز، قال أبو بكر المروزي: سألت أبا عبد الله عن أبي جعفر فقال: لا أعلم إلا خيراً.‏    13- أبو إبراهيم السائح: قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: كان في دهليز أبي دكان، فإذا جاءه إنسان يريد أن يخلو به أجلس عليه، فدخله أبو إبراهيم السائح، فقال لي أبي: سلّم عليه فإنه من خيار المسلمين وكبارهم.‏    14- أبو إسحاق النيسابوري: قال الذهبي: كان أحمد بن حنبل يغشاه ويحترمه ويجله ويقول عنه: إن كان ببغداد أحد من الأبدال، فأبو اسحاق النيسابوري.‏    15- ذو النون المصري / ت 246هـ/ قال المرزوي: دخلت على ذي النون أيام محنته وهو في السجن فقال لي: أي شيء حال سيدنا ؟ يعني أحمد بن حنبل. وقال الإمام أحمد لذي النون، لما سُمّي يحيى بن الجلاء بابن الجلاء، فقال: سميناه بذلك، لأنه إذا تكلم جلا قلوبنا.‏    16- موسى الجصاص / ت 251هـ/ قال الخطيب البغدادي عنه: (ورع متخل كان لا يحدث إلا بمسائل أبي عبد الله أحمد بن حنبل وشيء سمعه من أبي سليمان الداراني)، وقال غيره: هو من قدماء أصحاب الإمام أحمد: كان ذا زهد وورع وتأله.‏    17- زكريا الهروي / ت 255هـ/ قال الذهبي والجامي: هو من كبار مشايخ الصوفية وورعيهم. وكان أحمد بن حنبل يرفع من محله ويقول عنه: هو من الأبدال.‏    18- فتح بن شخرف / ت 273هـ/ كان يقول عنه الإمام أحمد (ما أخرجت خراسان مثله).‏    وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: كتب لي الفتح بن شخرف الخراساني: (يقولون: علماء الأزمنة ثلاثة: ابن عباس في زمانه والشعبي في زمانه والثوري في زمانه، وأنا قلت للحارث المحاسبي: وابن حنبل في زمانه. فقال المحاسبي: نزل بالإمام أحمد ما لم ينزل بغيره.‏    19- وكيع بن الجراح / ت 200هـ تقريباً/ الكوفي الصوفي المحدث قيل: كان يصوم الدهر. قال أحمد بن حنبل: لو رأيت وكيعاً رأيت عجباً، حج أربعين حجة ورابط في عبادان أربعين ليلة. ولم يتلطخ بالسلطان.‏    - وهناك آخرون كثُر من العارفين لو سردنا أخبارهم هنا لطالت القائمة مثل أيوب الحمال وصفوان بن سليم ويحيى القطان وأحمد بن أبي بدر وإبراهيم النيسبوري وأبو يوسف الغسولي، وغيرهم. كان الإمام أحمد يقول عنهم: هم من خيار عباد الله يستنزل بذكرهم القطر. وما رأت عيناي مثلهم، وكان يطلق على بعضهم صفة الأبدال.‏    أفضلُ ختام لبحثنا هذا: دعاء للإمام أحمد بن حنبل كان يردده في سجوده (اللهم من كان على هوى أو على رأي وهو يظن أنه على الحق وليس هو على الحق، فرده إلى الحق حتى لا يضل من هذه الأمة أحد).‏    عاش الإمام أحمد 77 سنة، ودفن بعد وفاته في مقبرة باب حرب ببغداد، وصلى عليه خلائق لا يحصى عددهم.    قال صاحب مختصر طبقات الحنابلة:‏ وقبره ظاهر مشهور يزار ويتبرك به.‏      قضايا التصوف وموقف الإمام أحمد منها الأستاذ / أسعد الخطيب‏ http://www.dahsha.com/old/viewarticle.php?id=28585   1- التوسل : قال ابن تيمية في فتاواه: قال أحمد في نسكه الذي كتبه للمروزي صاحبه أنه يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في دعائه(5). وروى ابن مفلح في الآداب الشرعية عن أحمد بن حنبل أنه قال:‏    حججت فضللت الطريق وكنت ماشياً فجعلت أقول يا عباد الله دلوني على الطريق فلم أزل أقول ذلك حتى وقعت على الطريق(6). وقد ثبت عن الإمام أحمد أنه قال عند القحط وعند انقطاع المطر: يتوسل الداعي الذي يصلي صلاة الاستسقاء بالرسول صلى الله عليه وسلم. وقد ثبت أيضاً أن الإمام أحمد توسل بالإمام الشافعي رضي الله عنهما(7). حتى تعجب ابنه عبد الله من ذلك فقال له الإمام أحمد: إن الشافعي كالشمس للناس وكالعافية للبدن.‏    2- التبرك : جاء في خلاصة الوفاء للسمهودي وفي كتاب العلل والسؤالات لعبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: سألت أبي عن رجل يمس قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويفعل بالمنبر مثل ذلك فقال: لا بأس به(8).‏    ويعزز هذا الكلام قول الذهبي: أين المتنطع المنكر على أحمد، وقد ثبت أن عبد الله سأل أباه عمن يلمس رمانة قبر النبي ويمس الحجرة النبوية فقال: لا أرى بذلك بأساً. وختم الذهبي كلامه: أعاذنا الله وإياكم من رأي الخوارج والبدع(9).‏    وقال السندي الخواتيمي: سألت أبا عبد الله عن الرجل يأتي هذه المشاهد، فقال:‏    على ما كان يفعله ابن عمر يتتبع مواضع النبي صلى الله عليه وسلم وأثره، فليس بذلك بأساً أن يأتي الرجل المشاهد(10). وقال عبد الله بن أحمد: رأيت أبي آخذاً شعرة من شعر النبي صلى الله عليه وسلم فيضعها على فيه يقبلها وأحسب أني رأيته يغمسها بالماء ويشربه يستشفي به(11).‏    3- العزلة : قال الإمام أحمد رضي الله عنه: الخلوة أروح لقلبي(12). وقال مرة: أريد نزول مكة في شِعْب من تلك الشعاب حتى لا أعرف. وقال ابنه عبد الله: لا يمكن لأحد أن يقول: إنه رأى أبي في هذه النواحي يوماً إلا إذا خرج إلي الجمعة، وكان أصبر الناس على الوحدة، وبِشْرٌ رحمه الله لم يكن يصبر على الوحدة(13). وقيل لأحمد بن حنبل: ما حجتك في ترك الخروج إلى الصلاةَ في جماعة ونحن بالعسكر فقال: إن الحسن وإبراهيم التيمي خافا أن يفتنهما الحجاج وأنا أخاف أن أفتتن أيضاً(14)واستشهد رحمه الله بقول مطرف التابعي الكبير: (تفقهوا ثم اعتزلوا)(15) قال فتح بن نوح: سمعت أحمد يقول: أشتهي مكاناً لا يكون فيه أحد من الناس، طوبى لمن أخمل الله ذكره.‏    4- السماع : جاء في طبقات الحنابلة في ترجمة يحيى بن منده: حدثنا الخلفاني، قلت لأحمد بن حنبل: ما تقول في القصائد أي السماع الذي يتواجد عليه الصوفية؟ قال: مثل ماذا؟ قلت مثل:‏    إذا ما قال لي ربي * أما استحييت تعصيني‏   وتخفي الذين من غيري * وبالعصيان تأتيني‏   ‏ قال: فرد الباب وجعل يردد هذا الشعر(16).‏    وقد نقل العلامة السفاريني الحنبلي عن إبراهيم القلانسي أن الإمام أحمد قال عن الصوفية: لا أعلم قوماً أفضل منهم. قيل: إنهم يستمعون ويتواجدون قال: دعوهم يفرحوا مع الله ساعة(17).‏    وطبعاً فإن الإمام أحمد رحمه الله يقصد هنا سماع الصوفيين الصادقين الذين هم خاصة الخلق كما وصفهم السبكي وليس أدعياء التصوف الذين تكاثر عددهم على مر الزمن.‏    5- الزهد : وتعريفه هو أن تكون مما في يد الله أوثق مما في يدك. ولأحمد بن حنبل كتاب خاص في الزهد شحن فيه أقوال الصحابة وكبار التابعين والصوفية أمثال إبراهيم بن أدهم ومالك بن دينار والفضيل بن عياض ومحمد بن واسع وسواهم وكان رضي الله عنه يقول: أسرّ أيامي أصبح ليس عندي شيء. ويستشهد بعبارة أحد الربانيين: اهتمامك برزق غد يكتب عليك خطيئة(18).‏    وقيل له: إن همة هؤلاء الصوفية كِسْرة وخرقة فقال: لا أعلم أعظم قدراً من هذه صفته.‏    قال صالح بن أحمد، رأيت أبي يأخذ الكسر (الخبز) وينفض الغبار عنها ثم يصب عليها الماء ثم يأكلها بالملح(19). وقد أرسل له مرة المتوكل طبيباً فقيل له: يا أمير المؤمنين إن أحمد بن حنبل ليس به علة في بدنه إنما هذا من قلة الطعام وكثرة الصيام والعبادة(20). فقد كان رحمه الله يقول: الخوف منعني من الطعام والشراب(21). وقال النحوي: رأيت الإمام أحمد وعليه ثياب غلاظ(22). وقال أبو طالب الشابي:‏    سئُل أحمد ما الزهد في الدنيا فقال: قصر الأمل والإياس مما في أيدي الناس.‏    أما ابن القيم فيذكر أن الزهد عند الإمام أحمد ثلاث أنواع: الأول: ترك الحرام وهو زهد العوام. والثاني: ترك الفضول من الحلال وهو زهد الخواص. والثالث: ترك ما يشغل عن الله وهو زهد العارفين(23).‏    6- الإخلاص : قال رحمه الله: هو الخلاص من آفات الأعمال فخلص أعمالك من الغرور والشرك ومما يلائم نفسك(24) والشرك الذي كان يحذر منه الإمام أحمد ذكره في مسنده عندما أورد قول شداد بن أوس للرسول صلى الله عليه وسلم: أتشرك أمتُك من بعدك؟ قال: نعم أما إنهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا حجراً ولا وثناً ولكن يراؤون بأعمالهم(25).‏    وهناك حديث يتكرر كثيراً في مصنفات الصوفية وذكره الإمام أحمد في مسنده هو، قوله عليه الصلاة والسلام: (ما أخلص عبد قط أربعين يوماً إلا ظهرت ينابيعُ الحكمة من قلبه على لسانه)(26).‏   7- الحديث الضعيف : قيل إن أحمد بن حنبل كان يحفظ ستمائة ألف حديث ما بين الصحيح والحسن والضعيف. وفسر الإمام أحمد ذلك قائلاً: (إذا روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحلال والحرام والسنن والأحكام تشددنا في الأسانيد، وكذلك إذا جاء الحديث في الكفارات والحدود والفرائض وإذا روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضائل الأعمال وثوابها وترغيبها وما لا يضع حكماً ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد)(27). وهو يستدل بكلام أحد زهاد التابعين: (إن للحديث ضوءاً كضوء النهار تعرفه، وظلمة كظلمة الليل تنكره)(28).‏    8- الأبدال : لا نعلم أحداً من الفقهاء الأربعة المشهورين أكثر من ذكر الأبدال مثل الإمام أحمد، مثال على ذلك: ما جاء في مسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الأبدال بالشام وهم أربعون رجلاً كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلاً يسقى بهم الغيث وينتصر بهم على الأعداء ويصرف عن أهل الشام بهم العذاب(29).‏    9- تقبيل القبر الشريف: أجاز الإمام أحمد تقبيل القبر. قال الحافظ العراقي: أخبرني أبو سعيد العلاني قال: رأيت في كلام ولد أحمد بن حنبل في جزء قديم أن الإمام أحمد سئل عن تقبيل قبر النبي صلى الله عليه وسلم وتقبيل غيره، فقال: لا بأس بذلك، فأريناه ابن تيمية فصار يتعجب من ذلك(30).‏    وروى الإمام أحمد (وجد مروان بن الحكم رجلاً واضعاً وجهه على القبر الشريف فأخذ مروان برقبته ثم قال: هل تدري ما تصنع؟ قال: نعم إنما جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم آت الحجر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن ابكوا على الذين إذا وليه غير أهله)(31).‏    10- تقبيل المصحف : قال الإمام أحمد ما سمعت فيه شيئاً، ولكن روي عن عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه أنه كان يفتح المصحف ويضع وجهه عليه ويقول: كلام ربي كلام ربي(32).‏    11- تقبيل اليد : سُئل عنها الإمام أحمد فقال: لا أرى بها بأساً عن طريق التدين، وكرهها عن طريق الدنيا(33) وقال الخلال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: رأيت كثيراً من العلماء والفقهاء والمحدثين يقبلون يد أبي ويعظمونه تعظيماً(34).‏    12- قراءة القرآن على الميت: قال أبو بكر المروزي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا دخلتم المقابر فاقرؤوا آية الكرسي وثلاث مرات قل هو الله أحد ثم قولوا: اللهم اجعل فضله لأهل المقابر(35).‏    قال ابن تيمية: إنه يجوز إهداء ثواب العبادات إلى موتى المسلمين كما هو مذهب أحمد.‏    13- كتابة التمائم وتعليقها: ذكر ابن القيم في زاد المعاد، أن الإمام أحمد سُئل عن التمائم تعلق بعد نزول البلاء فقال: أرجو أن لا يكون به بأساً. وقال ابن تيمية: نقلوا عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه كان يكتب كلمات من القرآن والذكر ويأمر بأن تسقى لمن به داء، ونص الإمام أحمد على جوازه(36).‏    14- الذكر : أورد الإمام أحمد في مسنده قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (أكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون)(37) وفي المسند أيضاً قال صلى الله عليه وسلم لجعفر بن أبي طالب: (أشبهت خَلْقي وخلُقي فحَجَل)(38). قال ابن حجر العسقلاني: حجل أي وقف على رجل واحدة، وهو الرقص بهيئة مخصوصة.‏    15- مناجاته : كان أحمد بن حنبل يناجي الله عز وجل مناجاة الصوفية فيقول:‏    اللهم، إن كنت تعلم أني أحبك خوفاً من نارك فعذبني بها، وإن كنت تعلم أني أحبك طمعاً في جنتك فاحرمنياها، وإن كنت تعلم أني أعبدك حباً مني إليك وشوقاً إلى وجهك الكريم فابحنياه مرة واصنع ما شئت(39).‏    16- أدبه : قال إبراهيم الحربي: كان أحمد بن حنبل وفّق للأدب، كان يجتمع في مجلس أحمد زهاء خمسة آلاف، خمسمائة يكتبون والباقون يتعلمون منه حسن الأدب(40). وكان مرة متكئاً من علة، فذكر عنده أحد الصالحين فاستوى جالساً وقال: لا ينبغي أن يذكر الصالحون فيتكأ.‏    وقد روى الإمام النووي أن الإمام أحمد عندما رأى أحد هؤلاء الصالحين وثب إليه وأكرمه فلما مضى قال له ابنه عبد الله: يا أبت تعمل به مثل هذا العمل، فقال: يا بني، لا تعارضني في مثل هذا(41).‏    قال ابن المنادي: سمعت جدي يقول: كان أحمد بن حنبل من أحسن الناس عشرة وأدباً، كثير الإطراق والسكوت، لا يسمع منه إلا المذاكرة بالحديث وذكر الصالحين والزهاد.‏    17- الكرامات : ذهب الإمام أحمد إلي جواز الكرامات للأولياء وضلّل من ينكرها(42).‏    قال التاج السبكي: فإن قلت: ما بال الكرامات في زمن الصحابة قليلة وبعدهم على يد الأولياء أكثر، فالجواب ما قاله الإمام أحمد بن حنبل: لأن قوة إيمانهم لا يحتاج معها إليها. ولأن الزمن الأول كان كثير النور، ألا ترى أن القنديل لا يظهر نوره بين القناديل، والنجوم لا يظهر لها نور مع ضوء الشمس(43). وقد وقعت للإمام أحمد كرامات عديدة، قال صاحب الجوهر: المحصل في مناقب الإمام أحمد بن حنبل له رضي الله عنه كرامات مشهورة ودعوات بالإجابة مبرورة، منها ما ظهر في حياته ومنها ما كان بعد مماته. جاء مرة حفيده ينزف من منخريه وعجز الطبيب عن ذلك، فجعل الإمام أحمد يحرك يديه ويدعو له فانقطع الدم(44). وحدّث أبو حرارة، قال: كانت أمي مقعدة نحو عشرين سنة، فقالت لي يوماً: اذهب إلى أحمد بن حنبل فاسأله أن يدعو الله لي. فذهبت إليه ودعا لها وعدت إلى البيت، فوجدت أمي تمشي على رجليها(45).‏    وقال عبد الله بن موسى: خرجت أنا وأبي في ليلة مظلمة نزور أحمد فاشتدت الظلمة، فقال أبي: يا بني، تعال نتوسل إلى الله تعالى بهذا العبد الصالح. فدعا أبي، فأضاءت السماء كأنها ليلة مقمرة(46) حتى وصلنا إليه.‏    18- في مصطلحات أخرى: المحبة: قال رضي الله عنه: سل عنها بشر الحافي لأني لا أجيبك عنها ما دام حياً. الرضا: قال: لكل شيء كرم، وكرم القلوب الرضا عن الله(47). وقال أيضاً: الرضا ثلاثة أشياء: ترك الاختيار وسرور القلب بمر القضاء وإسقاط التدبير من النفس(48).‏    المريد: قال: أن يكون مع الله كما يريد، وأن يترك كل ما يريد لما يريد.‏    الفتوة: قال: هي ترك ما تهوى لما تخشى(49).‏    التواضع: مثال على ذلك قوله: أخذنا هذا العلم بالذل(50)‏    المجاهدة: قال المجاهد: من جاهد نفسه في ذات الله.‏    التوكل: قال: هو الثقة بالله وقال أيضاً: التوكل هو استشراف باليأس من الناس(51).‏    وهذا قريب من كلام الإمام الجُنيد رضي الله عنه: التصوف الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق.‏   _________________________________________     (5) ج1 ص 140.‏    (6) الصواعق الإلهية ص 76 لسليمان بن عبد الوهاب.‏    (7) الدرر السنية ص 45 لأحمد زيني دحلان.‏    (8) اقتضاء الصراط المستقيم ص 401. تصحيح مفاهيم خاطئة لابن علوي المالكي ص 29.‏    (9) سِيرَ أعلام النبلاء للذهبي ج 11 ص 54.‏    (10) اقتضاء الصراط المستقيم ص 339.‏    (11) سير أعلام النبلاء ج 11 ص 212‏    (12) مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص 351.‏    (13) تاريخ دمشق ج 7 ص 258، سير أعلام النبلاء ترجمة رقم 1810.‏    (14) أحياء علوم الدين للغزالي ج2 ص 166 ط دار الفكر.‏    (15) الزهد للإمام أحمد ص 140.‏    (16) طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى ج3 ص 132.‏    (17) غذاء الألباب لابن مفلح ج1 ص 120.‏    (18) الورع للإمام أحمد ص 46.‏    (19) المختار في مناقب الأبرار لابن الأثير الجذري (مخطوط 61 ب).‏    (20) طبقات الحنابلة ص 7.‏    (21) سير أعلام النبلاء ج 11 ص 216.‏    (22) تاريخ دمشق ج 7 ص 216.‏    (23) مدار ج السالكين ج 2 ص 12. الرسالة القشيرية ج1 ص 413.‏    (24) كشف المحجوب ص 144.‏    (25) ج2 ص 633. مسند أحمد رقم 16671.‏    (26) الرسالة القشيرية ج2 ص633.‏    (27) شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي وفيات (241هـ) طبقات الحنابلة ج1 ص 113.‏    (28) الزهد للإمام أحمد ص 320.‏    (29) ج 1 ص 112.‏    (30) الرد المحكم المتين لصديق الغماري ص 273.‏    (31) خلاصة الوفا للسمهودي ص 127.‏    (32) أحمد بن حنبل إمام أهل السنة لعبد الحليم الجندي ص 177.‏    (33) الجوهر المحصل في مناقب أحمد بن حنبل ص 113 لمحمد بن سعدي الحنبلي.‏    (34) سير أعلام النبلاء ج 11 ص 58.‏    (35) إحياء علوم الدين ج2 ص 147. المجموعة اليوسفية في بيان أدلة الصوفية للشيخ خطار ج1 ص 443.‏    (36) مسائل كنز النقاش حولها للشيخ سيد بن الدين آل سميط ص 20.‏    (37) ج 3 ص 68.‏    (38) ج 1 ص 98، 108.‏    (39) إسلام بلا مذاهب ص 461 نقلاً عن طبقات الحنابلة.‏    (40) سير أعلام النبلاء ج 11 ص 216.‏    (41) الترخيص بالقيام للنووي ص 48.‏    (42) اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل (مخطوط 12 أ) مكتبة الأسد الوطنية.‏    (43) الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية للمناوي (المقدمة)‏    (44) مناقب الإمام أحمد بن حنبل ص 369.‏    (45) تاريخ دمشق ج 7 ص 259، سير أعلام النبلاء وغيره (باختصار).‏    (46) مناقب الإمام أحمد ص 372.‏    (47) تاريخ دمشق ج 7 ص 268.‏    (48) المقدمة في التصوف للسلمي ص 45.‏    (49) طبقات الحنابلة ج 1 ص 86‏    (50) سير أعلام النبلاء ج 11 ص 231.‏    (51) مناقب الإمام أحمد ص 198.‏    ومن أراد معرفة دور الصوفية في الجهاد وطرد الإستعمار وحماية بلاد المسلمين على مدار التاريخ الإسلامي قديما وحديثا فعليه بقراءة كتاب (البطولة والفداء عند الصوفية) أسعد الخطيب http://www.archive.org/download/boto...otolasufia.pdf   وهذا كتاب هام للغاية في بيان منزلة النبي ص وتفرده من بين البشر بسعة العلم بالغيب والشهادة معاً, الطبيعة وما وراء الطبيعة..   ومنهج الكتاب منهج سلفي يسير على خطى المحدّثين    جلاء القلوب من الأصداء الغينية ببيان إحاطته صلى الله عليه وآله بالعلوم الكونية المؤلف : محمد بن جعفر الكتاني رحمه الله تعالى محدث راوية مؤرخ فقيه ولد بفاس عام 1857م وتوفي بها عام 1927م الطبعة الأولى  1425هـ 2004م الملف : pdf   وهو كتاب في المعرفة اللدنية للذات النبوية ، يجري فيه المحدث الكتاني على نسق ومنهج الشيخ محيي الدين بن عربي مستدلاً بالسنة النبوية. http://cb.rayaheen.net/showthread.ph...page=1#p108334   ج1 http://dc166.4shared.com/download/Sy...20739-e170b460 ج2 http://dc207.4shared.com/download/Eu...f?tsid=2013111 ج3 http://dc610.4shared.com/download/yT...20945-650dd5dd
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق