]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مخطط استبدال إسرائيل بإيران.. بداياته وغاياته ومصيره

بواسطة: محمد عرفة  |  بتاريخ: 2016-06-18 ، الوقت: 12:34:22
  • تقييم المقالة:
مخطط استبدال إسرائيل بإيران.. بداياته وغاياته ومصيره
السيد محمد علاء الدين ماضى أبو العزائم 

منذ اللحظة الأولى لانتصار الثورة الإسلامية فى إيران عام 1979م، عكفت دوائر الغرب بجناحيه الأمريكى والأوربى مستعينة بدول عربية وخليجية بشكل خاص على وضع مخططات لاستهداف النهج الإيرانى الجديد، خاصة مع رفع الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخمينى شعار دعم حركات المقاومة فى لبنان وفلسطين لاستعادة الحقوق العربية والإسلامية، وهو ما أربك المشاريع الأمريكية المعدة للمنطقة خاصة مع توقيع اتفاقية كامب ديفيد وإخراج (مصر السادات) من معادلة الصراع مع العدو الصهيوني، ومنذ تلك اللحظة بدأت الغرف السوداء بإعداد العدة لضرب الثورة معتمدين على وسائل شتى من الحرب العسكرية والاستخباراتية وصولاً إلى التحريض القومى والمذهبي.


بداية مخطط ضرب إيران تحت ستار: (منع تصدير الثورة الإسلامية)
لم تكد تمضى أشهر بل أيام قليلة على انتصار الثورة الإسلامية (عام 1979م) حتى بدأت موجة اغتيالات استهدفت شخصيات بارزة فى الثورة (الشهيد بهشتي، الشهيد مطهرى وغيرهم) وذلك عبر سلسلة عمليات هدفت إلى زرع الفوضى فى البلاد مستعينة بعناصر داخلية جُندت من قبل أجهزة مخابرات أجنبية.

ولم تكد تنته الثورة من اجتياز حاجز الاغتيالات والفوضى حتى أعلن صدام حسين الحرب على إيران فى ظل دعم غربى ومالى وفرته دول خليجية متخفية تحت عباءة "حماية العالم العربي" من بوابته الشرقية، ورغم الخسائر الكبيرة فى الأرواح والأموال استطاعت الجمهورية الإسلامية إفشال تلك الحرب، فلجأت واشنطن وحلفاؤها إلى المعارك السياسية لعزل طهران، بعد مد القيادة الإيرانية جسور تواصل مع حركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية.

وتمثلت هذه المعارك بمحاولة اختزال القضية الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلى لأراضٍ عربية عبر توقيع اتفاقيات "سلام" (أوسلو، وادى عربة)، وترافق ذلك مع لجوء الكيان الصهيونى إلى الزج بترسانته العسكرية للقضاء على المقاومة فى فلسطين وتصعيد الاغتيالات بحق قادة المقاومة واجتياح المدن الفلسطينية، كذلك عمد العدو إلى شن حربين على لبنان صيف 1993 وربيع 1996م.

وبعد الفشل فى تحقيق أهدافهم عمد الصهاينة إلى الانسحاب من جنوب لبنان (2000م) وبعده قطاع غزة وهو ما جعل "إسرائيل" وأمريكا ومعهم حلف ما يسمى "الاعتدال العربي" إلى التصويب على إيران بصفتها رأس "محور الممانعة"، فبدأ التبشير بالهلال الشيعى وانتشرت الفضائيات والصحف المدعومة من قبل دول خليجية بالعزف على الوتر المذهبى فى محاولة لتأليب الرأى العام العربى والإسلامى ضد إيران، بهدف عزلها على الساحة الإسلامية والعربية، وإبعادها عن قضايا العرب الأساسية وفى مقدمتها احتلال فلسطين.



غزو العراق ومرحلة جديدة من التحريض المذهبي
أمام نجاح إيران فى استيعاب الحملات ضدها، وصمود المقاومتين الفلسطينية واللبنانية بدعم وغطاء سورى بوجه الاحتلال الصهيوني، سعت الإدارة الأمريكية إلى التدخل عسكريًّا فى المنطقة متذرعة بالحرب على "الإرهاب" بعد أحداث 11 سبتمبر فاحتلت أفغانستان والعراق، وبعد فشلها فى هذين البلدين انطلقت حملة تحريض مذهبية ضد إيران ساعدت فيها أطراف عربية وإقليمية عملت على تغذية الشعور المذهبى خاصة فى العراق الذى دخل بدوامة عنف حصدت مئات الآلاف من الأبرياء.

ورغم ذلك استطاع العراقيون تحقيق نجاح جزئى فى منع انتشار الفتنة فى بلدهم ودفعوا الأمريكيين إلى الخروج منه، وهو ما وصف بضربة قوية لمحور الاعتدال العربى (لخوفه من غياب الحاضنة الأمريكية)، وبدلاً من الانفتاح على إيران وإنشاء تعاون معها رفع محور الاعتدال العربى من سقف تمويله لحملات التحريض ضد إيران، وبدأوا بتصويرها على أنها عدو العالم العربى الجديد.



انقلاب الموازين: إيران بدل إسرائيل عدوًّا للعرب
حملة التحريض ضد إيران وصلت إلى مستوى غير مسبوق فى السنتين الأخيرتين خاصة مع سقوط أبرز حلفاء واشنطن فى المنطقة حسنى مبارك فى مصر وزين العابدين ابن علىٍّ فى تونس، وشعر معه الغرب ودول الاعتدال العربى بأنهم أصيبوا بضربة قوية، فوجدوا فى الأزمة السورية التى اندلعت لاحقًا فرصة للنيل من إيران لقربها من سورية، ولما تمثل هذه الأخيرة من أهمية بالنسبة إلى دعم المقاومة فى لبنان وفلسطين.

هنا وجدت أمريكا وحلفاؤها العرب فى الأزمة السورية فرصة ذهبية لتسعير الفتنة والتحريض ضد إيران وإيقاع الشرخ فى صفوف حركات المقاومة، وتحميل إيران مسؤولية نزيف الدم السورى عبر القول أن الحرب فى سورية هى بين أقلية علوية تحتكر السلطة ضد أغلبية سُنِّيَّة، فسُخرت وسائل الإعلام على اختلاف أنواعها لتحقيق هذا الهدف، وزُجت بالفتاوى الدينية، واستقدم آلاف المقاتلين من شتى البلدان إلى سورية تحت عناوين "الجهاد"، وسط هذا كله بدأت محاولات للإيحاء بأن "إسرائيل" هى كيان طبيعى يمكن التعايش معه وأن إيران هى دخيلة على المنطقة وتسعى إلى بسط نفوذها.

أما القيادة الإيرانية التى كانت أول من رحَّب بالثورات فى تونس ومصر ووصفتها بالصحوة الإسلامية ونادت بضرورة الإصلاح فى سورية واعتماد الانتخابات والخيار الشعبى للوصول إلى عملية تحول ديمقراطى فى هذا البلد، داعية إلى إبعاد عناصر التدخل الأجنبى وحصر الحل بالسوريين لتسوية خلافاتهم، ورغم ذلك أصرت أطراف سورية بتحريض أمريكى على رفض أية حلول رافعين شعار إسقاط النظام ولو بالقوة المسلحة.

وفى هذا الإطار يرى الكاتب والمحلل السياسى ميخائيل عوض أن محاولات ضرب إيران وتشويه صورتها (خاصة مع اندلاع الأحداث السورية) أتى بعد سلسلة الانتصارات التى حققها المقاومون فى لبنان وفلسطين، والذين وضعوا حدًّا لتفوق الكيان الصهيونى وهو ما لم يحتمله داعمو هذا الكيان وعلى رأسهم الإدارة الأمريكية، التى جندت حلفاءها فى العرب والمنطقة وسعت جاهدة لعزل طهران ومحاصرتها، وفى تفكيرهم أن ضرب الرأس يتداعى بعدها الجسد .



كيفية التصدي لمخطط استهداف إيران
وبحسب عوض فإن مشروع استهداف إيران سيظل قائمًا طالما بقيت القضية الفلسطينية حية، مؤكدًا أن أفضل وسيلة لمنع أصحاب مشاريع الفتنة فى بلاد الغرب والعرب هو الاستمرار فى إحياء هذه القضية، ومواصلة نهج المقاومة فى لبنان وفلسطين، والعمل على شد الاهتمام العربى والإسلامى إليها (فلسطين)، وجعلها بوصلة الصراع لتمييز العدو من الصديق، ولعل صواريخ المقاومة الفلسطينية الأخيرة التى وصلت للمرة الأولى إلى تل أبيب تُثبت بالدليل القاطع أن الجمهورية الإسلامية هى خير داعم للقضية الفلسطينية، وليس من رفع شعار "السلام" كخيار لاسترجاع الحقوق المسلوبة([1]).



حرام على إيران حلال على الصهاينة
الحقيقة الواضحة– يا سادة– لكل ذى عينين أن إيران دولة جوار وإسرائيل كيان عدو لنا مغتصب للأرض قاتل للبشر، هل فى ذلك أدنى خروج على قواعد التاريخ والجغرافيا؟.

الشاهد أننا بتنا نعيش عصرًا من إحراق المسلمات والبديهيات، والعبث فى أصول الأشياء وعقول البشر باختراع أوهام والتعامل معها باعتبارها حقائق يقينية.

ومن هذه الأوهام تلك المناحة المشتعلة من وكلاء ال*****ة ومرتزقتها فى مصر بشأن السياحة الإيرانية إلى مصر، ومحاولات تصوير الأمر على أنه غزو فارسى شيعى يريد استعمار مصر سياسيًّا ومذهبيًّا، وكأننا بصدد اكتشاف دولة جديدة على الخارطة اسمها إيران، لم يكن بيننا وبينها علاقات سياسية وثقافية فى السابق، حتى أنك تتخيل من فرط حالة الصراخ الهستيرى من خطر المد الشيعى أن أساطيل الفرس تقف فى عرض البحر فى طريقها لاجتياحنا.

لتهنأ إسرائيل إذن بهؤلاء الذين يحوِّلون دفة العداء من الصهاينة المحتلين القتلة إلى مجموعات السياح الإيرانيين المسلمين القادمين إلى مصر.. وليفرح الصهاينة بأن الذين صرحوا للإذاعة الإسرائيلية فى أواخر 2011م بأنهم يرحبون بسياح المستعمرين الصهاينة يقودون الآن معركة المقاومة ضد سياح قادمين من بلد مسلم وإن كان على مذهب آخر.

ولعلك تذكر تلك الضجة التى أثيرت فى ديسمبر 2011م على خلفية حوار أجراه المتحدث باسم حزب النور السلفى فى ذلك الوقت مع الإذاعة العبرية، حيث قال فيه كلامًا لينًا عن احترام المعاهدات والترحيب بكل سياح العالم فى مصر بمن فيهم السياح الإسرائيليون.

وهذه الليونة فى القول تقابلها شراسة وعدائية صريحة فيما يخص المواقف من استقبال السياح الإيرانيين الآن، على الرغم من أن التاريخ لا يذكر أن طهران حركت جيوشها لمحاربة مصر وابتلاع فلسطين واستعمار القدس وإهانة المقدسات وقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين والمصريين والعرب فى خمس حروب شاملة، تخللتها مغامرات عسكرية لجيش الاحتلال على فترات متقطعة.

ومن بؤس الدنيا علينا أن نضطر لمخاطبة هؤلاء الرافضين لتطبيع العلاقات مع طهران، بينما لا يمانعون فى التطبيع مع تل أبيب بالقول: "اعتبرهم صهاينة يا أخي"، علمًا بأنه لم يثبت أن الإيرانيين يستغلون السياحة فى إغراق البلاد بالمخدرات والمسرطنات.

ويثير الدهشة أن المذعورين من إقامة علاقات سياسية واقتصادية طبيعية مع إيران بزعم الخوف على الوطن العربى يغضون الطرف عن أن طهران ترتبط بعلاقات تجارية حجمها أكثر من 30 مليار دولار سنويًّا مع دول الخليج العربى وحدها، ولم نسمع أن شعوب هذه الدول طالبت بقطع العلاقات بحجة وقف الزحف الشيعى الفارسي، كما لم يصل إلى علمنا أن تشييعًا حدث فى مجتمعات الخليج المرتبطة بعلاقات مع الإيرانيين.

والأجدر بهؤلاء المصابين بفوبيا طهران أن يوفروا جزءًا من طاقة الحناجر والأدمغة للتفكير فى وسائل تستعيد الحقوق العربية المغتصبة على يد الكيان الصهيونى الذى تتساقط فى حجره هدايا المفزوعين العرب كل يوم، من معاداة المقاومة اللبنانية والفلسطينية إلى معاداة إيران الإسلامية.

غير أن الغريب فى الأمر أن إعلان الجهاد ضد السياحة الإيرانية ومنزل القائم بالأعمال الإيرانى فى مصر يتجاوز أولئك المسكونين بنوازع الخصومة المذهبية مع «الفرس *****» ليصل إلى بعض أصوات صدعتنا بالكلام الكبير عن الدولة المدنية، لا لشيء إلا لأنها تجد فى الموضوع ثغرة توجه من خلالها حرابها إلى الخصوم السياسيين، دون أن تستشعر تناقضًا بين خطابها الرافض للتمييز الدينى والمذهبى وبين مواقفها التى تكرس الطائفية والمذهبية عمليًّا.

وما هذا بغريب على أشخاص أهانوا ثورتهم وقيمها وشهداءها من باب المكايدة والمناكفة.



الصراع السنى الشيعـى بيـن الوهم والحقيقة
تعرض الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر لهجوم ضار وانتقادات حادة من بعض دعاة الخليج والفضائيات بسبب ما أصدره من قرارات تقضى بعودة تدريس جميع مذاهب الفقه الإسلامى بما فيه مذهب الشيعة الإمامية الاثنى عشرية، وما صرح به فضيلته حول عدم وجود خلافات جوهرية بين مذهب أهل السنة وبعض المذاهب الشيعية.

وهذا الهجوم ليس بجديد فى هذا الشأن ويأتى ضمن الانتقادات الحادة والهجوم الضارى الذى يشن ضد كل من يدعو إلى الحوار والتقريب بين السنة والشيعة، وكأن هناك من المسلمين من يرى أن مصلحة العالم الإسلامى فى توسيع هوة الفرقة والخلاف وإشعال نار الفتنة الطائفية والمذهبية والعرقية وتأجيج الصراع خاصة بين أتباع المدرستين السنة والشيعة.

هذا الأمر يدعو إلى القلق والحيرة ويثير الريبة والمخاوف، ويقتضى ضرورة دراسته بأبعاده المختلفة وبموضوعية لمعرفة من المستفيد الوحيد من توسيع شقة الخلاف المذهبى بين السنة والشيعة؟!

وأيهما أولى الأخذ بالقواسم المشتركة أم التركيز على نقاط الخلاف والاختلاف؟! وأيهما أصلح المتاجرة بالأخطاء أم معالجتها ومناقشتها؟ وأيهما أنفع التقريب أم التفريق؟ وما هو البديل إذا لم يكن هناك حوار وتقارب؟ هل المزيد من الخلافات والكراهية والعداوة وإشعال نار الحرب المذهبية التى وضعت أوزارها منذ أكثر من ستة قرون؟ أم أن الصراع يقتضى مواجهة أزماته بالحكمة والموعظة الحسنة؟ وهذا يتطلب:

أولاً: تأمل واقع المسلمين وما آل إليه حالهم.

ثانيًا: الوقوف على رأى أئمة وعلماء المسلمين وموقف شيوخ الازهر من هذه الفتنة.

ثالثًا: محاولة معرفة جهود بعض دعاة التقريب والذين دفع بعضهم حياته ثمنًا لإيمانه بضرورة الحوار بين السنة والشيعة، ولماذا تفشل جهود التقريب فى الوقت الذى تنجح فيه مخططات التفريق؟ وهل كان كبار أئمة السنة والشيعة على خلاف فيما بينهم؟.



واقع المسلمين:
لا يختلف اثنان على أن العالم الإسلامى يمر بمنحنى تاريخى بالغ الخطورة لما يعانيه من أزمات على كافة الأصعدة، وأن أهم أسباب عجز المسلمين يرجع إلى فرقتهم وتشتتهم وخلافاتهم وعدم قدرتهم على الاتفاق على كلمة سواء فيما بينهم بسبب التعصب الطائفى والمذهبي، والخلاف بين المذاهب والفرق والجماعات والطرق والذى يصب فى مصلحة المتربصين بالمسلمين والإسلام، والمنتهزين لأى خطأ وأية فرصة- والتى إن لم يجدوها أوجدوها- لاستغلالها فى توسيع شقة الخلاف وزعزعة المسلمين.

ولا يخفى على أحد أن الاستعمار لعب دورًا خطيرًا فى استغلال الخلافات المذهبية، وساعد على تأسيس جماعات وفرق تنسب للإسلام شكلاً وتسعى لتمزيق المسلمين وتفريق كلمتهم كالبابية ثم البهائية والقاديانية وال*****ة، وللاطلاع على مزيد اقرأ: تاريخ المذاهب الإسلامية للدكتور محمد أبو زهرة، وتاريخ الإسلام فى الهند الدكتور عبد المنعم النمر، القاديانية نشأتها وتطورها حسن عيسى عبد الظاهر، وعقيدة المسلمين للدكتور محمد عبد المنعم خفاجة، وسلسلة كتب الفتوحات العزمية، وكثيرًا من الكتب التى تناولت هذا الموضوع.

وسعى المستعمرون القدامى والجدد لضرب أى جهود للتقريب بين المذاهب الفقهية والمذاهب الطائفية حتى ولو استخدموا فى ذلك الوسائل المحرمة شرعًا وقانونًا، وساعدهم فى ذلك بعض أصحاب النوايا السيئة من أبناء الأمة إلى جانب بعض أصحاب النوايا الحسنة الذين لعبوا دورًا خطيرًا فى توسيع شقة الخلاف بين كافة عناصر الأمة وهم لا يشعرون.

ومن المهم بحال أن نقر ونعترف - وهذا ليس عارًا وإن كان خللاً - بأن أغلب المسلمين وعلى اختلاف مذاهبهم وفرقهم وجماعاتهم وطرقهم لا يلتزمون التزامًا صادقًا ولا صارمًا بسماحة الإسلام وقيمه، وبات الدين فى أحيان كثيرة مظهرًا بلا جوهر، وشكلاً بلا معنى مما يدل على أن المسلمين يعانون من أزمة التزام حقيقى وصادق بقيم الدين، وأنهم مصابون بحالة انفصام فى الشخصية، وهذا ما عبَّر عنه كبار علماء المسلمين من أمثال بديع الزمان النورسي.

إلى جانب أن كثيرًا من الدعاة أصحاب النوايا الحسنة لا يعرفون ما يسمى بفقه الأولويات، ولا يحسنون ترتيب الأمور حسب الأهم فالمهم، فإن حسنت نواياهم فقد فشلوا فى عرض قضاياهم، وبالتالى فإن جهود التقريب تذهب سدى إلى جانب مخططات التفريق التى لم تتعثر خطاها مثلما تعثرت خطوات دعاة التقريب.



ضحايا الصراع المذهبى:
لم يكن الشيخ محمد مصطفى المراغى شيخ الأزهر من أشهر المهتمين بالتقريب بين المذاهب الفقهية فقط، بل كان فضيلته أول من اهتم بالحوار والتقريب بين أرباب الطائفية من السنة والشيعة، وقام فضيلته ـ رحمه الله ـ بعقد لقاءات وإجراء محادثات مع "أغخان" فى فبراير 1938م للتوصل إلى تكوين هيئة للبحث الدينى يكون من أول أهدافها التأكيد على روابط الصداقة والمودة بين جميع المسلمين، والتوفيق فيما بينهم مهما اختلفت مذاهبهم أو فرقهم. (على عبد العظيم فى كتابه: مشيخة الأزهر الجزء الثاني).

وكان من اجتهادات المراغى - رحمه الله - أن العمل على إزالة الفروق المذهبية وتضييق شقة الخلاف بين المسلمين واجب إسلامي؛ لأنه كان يرى أن الأمة فى محنة من هذا التفريق ومن هذه العصبية لهذه الفروق، وأن الرجوع إلى أسباب هذا الخلاف ودراستها دراسة علمية بعيدة عن التعصب المذهبى سيهدى إلى الحق، ولن تمس بالأحكام المنصوص عليها فى الكتاب والسنة والمجمع عليها من سلف الأمة.



الشيخ الظواهرى والفتنة:
لم يتوقف دور علماء وشيوخ الأزهر على إبداء الرأى أو إجراء المحادثات بل تجاوز ذلك إلى بذل الجهد والعمل لوأد الفتنة بين المسلمين والتقريب العملى بين أتباع المذاهب الفقهية والطائفية، ويروى صاحب كتاب مشيخة الأزهر ج 2: أنه بعدما استولى الملك عبد العزيز آل سعود على مكة وقعت فتنة بين أتباع المذاهب، فعقد مؤتمرًا إسلاميًّا بمكة عام (1926م) رأسه الشيخ محمد الأحمدى الظواهرى - الذى تولى مشيخة الأزهر عام (1929م) فينجح الشيخ الظواهرى بعلمه الغزير فى التوفيق بين أرباب المذاهب المختلفة، ويقنع بحجته البالغة وفود المؤتمر بأن الحرية المذهبية لا تتعارض مع الإسلام؛ لأن الاختلاف بين الناس من سنن الله تعالى فى خلقه، ويفلح بموعظته الحسنة فى أن يخفف من حدة التعصب للفرقة ال*****ة لتتسع صدور أتباعها بالسماح لأتباع المذاهب الإسلامية المختلفة بأداء الشعائر الدينية ببلاد الحجاز وفقًا لمذاهبهم التى يأخذون بها، لكن ذلك لم يستمر طويلاً!!.




فتوى الشيخ شلتوت:
وما أن تولى فضيلة الشيخ محمود شلتوت مشيخة الأزهر فى (أكتوبر 1958م) حتى قام بوضع مشروع لإنشاء هيئة بحثية علمية تضم كبار علماء المسلمين على اختلاف أفكارهم ومذاهبهم، فصدر القرار الجمهورى بإنشاء مجمع البحوث الإسلامية عام 1961م.

وكان الشيخ شلتوت - رحمه الله - كغيره من الشيوخ والعلماء المتطلعين إلى وحدة المسلمين ولمِّ شملهم بعد ما فرَّقتهم العصبيات، ومزَّقت وحدتهم الفروق المذهبية، وشتت جمعهم الخلافات الطائفية، فأفتى فضيلته بجواز التعبد على أى مذهب من المذاهب الإسلامية الثابتة الأصول، المعروفة المصادر، المتبعة لسبيل المؤمنين، ومنها مذهب الشيعة الإمامية الإثنى عشرية.

وقرر فضيلته تدريس فقه جميع المذاهب الإسلامية من سُنِّيِّها وشيعيِّها فى الجامعة والمعاهد الأزهرية، دراسة تعتمد على الحجة والبرهان، وتخلو تمامًا من التعصب المذهبى أو الطائفي.

وللحديث بقية،،

السيد محمد علاء الدين ماضى أبو العزائم 
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق