]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الرابط الفلسفي بين الحج والحب

بواسطة: محمد عرفة  |  بتاريخ: 2016-06-18 ، الوقت: 12:08:20
  • تقييم المقالة:

هذا المقال مستل من كتاب الإمام العلامة المجدد السيد محمد ماضي أبو العزائم (هداية الناسك في علم المناسك)

الحمد لله حافظ كل غريب ، أنيس كل وحيد ، قوة كل ضعيف ، ناصر كل مظلوم, رازق كل محروم ،مؤنس كل مستوحش ، صاحب كل مسافر ، عماد كل حاضر, منتهى غاية الطالبين ، مجيب دعوة المضطرين ، أرحم الراحمين.

الحمد لله الذى جذب قلوب من أسمعهم فى البدء دعاءه على دار السلام سماع قبول ، وشرح صدورهم فى الكون للهجرة إليه لزيارته سبحانه فى بيته ففازوا بالوصول . أسمعهم فى سرهم أذان الخليل فلبوا مسرعين إلى بيت الخليل ، دخلوا مقام إبراهيم آمنين ، فأشهدهم سبحانه جماله العلى المبين ، أحرموا تجردا من محيط الكون الدنى ، فأشهدهم الله ملكوته العلي..

اللهم اجعل جوامع صلواتك ، ونوامى بركاتك ، وفواضل خيراتك ، وشرائف حتياتك وتسليماتك ، على سيدنا محمد نبيك وأمينك وحبيبك ، وصفوتك من خلقك ، وعلى آله أعظم الخلائق كلهم شرفا ، وأقربهم مقعدا ، وأرفعهم جاها ، وأفضلهم منزلة. وألحقنا بهم غير ناكثين ، ولا مبدلين ، إله الحق آمين.
(من مقدمة كتاب "هدابة الناسك إلى علم المناسك" ).

والصلاة السلام على حبيب الله ومصطفاه وآله وورثته ومن والاه ، وبعد: 

الحج في لغة العرب هو القصد.. ولا يقولون حج إلا إذا قصد عظيماً.. والحج دعوة من الحق تبارك وتعالى لزيارته في حرمه وحماه لكي يريه جماله وجلاله ولتقوم في قلبه معاني الحب والقرب بحسب نصيبه وعلى قدر إيمانه.. 

عبادة الحج عبادة جمعت أطراف كل العبادات, فقد أخذت من الصلاة التعبد البدني والخشوع القلبي, وأخذت من الزكاة الإنفاق في سبيل الله, وأخذت من الصيام التقشف وبذل الجهد.. وزادت على ذلك باختصاصها بمشاهد التوحيد وشهود عظمة الله تعالى وعبادته كأنك تراه.. وهذه هي مرتبة الإحسان.. فكل حاج ينال من تلك المرتبة - التي هي أعلى مراتب الدين - قسط وافر بقدر حظه ووُسعة قلبه.

ارتبطت عبادة الحج في الإسلام بأبي الأنبياء ابراهيم عليه السلام.. حيث أمره الله تعالى بالدعوة إلى الحج غب فوله (وَأَذِّن فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) كما عجب كذلك سيدنا إبراهيم عليه السلام حينما قال: يارب وماذا عسى أن يبلغ صوتى فى الآفاق ؟ فأجابه الله تعالى: عليك أن تؤذن وعلى أن أبلغ الدعوة من أشاء ولو فى أطراف الأرض.

وهنا يَشِفّ النص الكريم لذوى البصائر عما وراء السطور ليستنطبوا إشارات وهى أن الحاج إذ ينبعث من دياره لزيارة بيت الله إنما ينبعث أنه تلقى دعوة من الغيب ، آثره الله بها ، وألقاها فى قلبه شوقا ومحبة، فتحركت الدواعى ، وجاش الصدر ، فلم يستطع إلا أن ينبعث ملبيا دعوة ربه ، وهذا هو حكمة التلبية التى يرفع كل حاج صوته: " لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ".

إنه قادم على رب البيت وليس قادما على البيت ! وإن من قصد البيت شهد الجدران ، وكسوة الأركان ، ومن قصد رب البيت شهد من جلال الحضرة ما هو أهل له.

هذا يا أخى بعض ما يلزمنا من الأدب بإزاء زيارتنا لبيت ربنا.. 

وسوف أعتمد في هذا المبحث على كتاب " هداية السالك إلى علم المناسك " للإمام العلَم المجدد السيد محمد ماضي أبو العزائم.. 

http://www.al-mostafa.info/data/arab...ile=000738.pdf

http://hotfile.com/dl/67774044/fb816...ptiff.pdf.html

ولكي نعرف قيمة هذا الكتاب, أسوق من مقدمة السيد أحمد ماضي أبو العزائم هذه القطعة من كلامه , حيث يقول : (أما بعد فقد التمست من والدى الإمام المجدد السيد محمد ماضى أبى العزائم أن يأذن لى فى طبع رسالة عن مناسك الحج وأحكامه وحكمة أحكامه ، فأجاب ملتمسى ، وأملى على هذا الكتاب " هداية السالك إلى علم المناسك" ليكون سراجا منيرا يستضيء به كل حاج لبيت الله الحرام ، متتبعا لسيرة ، مشاهدا مشاهده رضى الله عنه، حتى تشرق على قلب الحاج معانى كل مناسك الحج ، ومشهد كل فريضة ، وحكمة كل واجب تلبية لدعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام التى أمه الله عز وجل بها فى قوله تعالى: وَأَذِّن فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ).

وبهذا نعلم أن الكتاب يتعرض لفلسفة الحج في الإسلام.. وهذا علم يسمى علم أسرار الشريعة أو حِكَم العبادات.. وهو علم جليل لا يرسخ فيه إلا القلائل من فحول العلماء الذين قل أن يجود الزمان بمثلهم.. وهذا النوع من العلماء لابد أن يكون من أرباب القلوب وذوي البصائر ومن أهل السلوك والتصوف وتربية الرجال.. لأن الله تعالى لا يكشف أسرار الشريعة لأهل الظاهر وعلماء المظاهر, وإنما يُري أسرار مُلكه وملكوته لأهل القلوب الصافية التي تصلح لهبوط تلك العلوم الجليلة العالية القدر التي لا تتتسع لها إلا قلوب أهل التزكية والمجاهدة الروحية..

يقول الإمام أبو العزائم : الحج لغة: القصد ، ولا يقال حج إلا إذا قصد عظيما. وفى الاصطلاح: حضور بعرفة وطواف وسعى بعد إحرام ، وهو الحجة القائمة للعبد على كمال إيمانه وتعظيمه للشريعة المطهرة ، ومحبته الخالصة لله تعالى،. قال الله تعالى﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِى عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. فالحج فريضة يتعين على الفور متى توفرت الاستطاعة وخوصا إذا بلغ الستين من عمره.

والاستطاعة محصورة فى الزاد والراحلة وأمن الطريق. وهى بحسب طالب الحج ، فقد يكون الزاد حرفة أو صنعة ، وقد تكون الراحل عافية يمكنه بها المشى ، وقد يكون أمن الطريق وجود الرفيق.
ومن كمل إيمانه فاشتاق إلى الحج ولم يستطع ، كان شوقه هذا دليلا على محبته لله تعالى وكمال إيمانه.




آداب من عزم على الحج 
1ـ يجب عليه أ، يجاهد نفسه فى تجريد نيته من الشوب حتى ينوى بالحج وجه الله تعالى.
2ـ أن يحصل زاده ونفقته من حل ، وأن تكون النفقة زائدة على من تجب عليه نفقتهم. 
3ـ أن يكون طاهرا من الدَيْن ومن حقوق العباد.
4ـ يسن له أن يزور إخوانه قبل سفره ملتمسا منهم الرضا والدعاء والعفو.
5ـ أن يحرص على صحبة الأتقياء أهل الورع من العلماء ، خصوصا فى سفر الحج فإذا صحح نيته بلغ أمنيته.
6ـ يستحب له عند خروجه من داره ومفارقته لأهله وأولاده أن يخرجهم من قلبه كما فارقهم بجسمه، تفريدا لله تعالى بالقصد دون غيره ، حتى لا يشغله مال ولا أمل ولا ولد.
7ـ يستغرق كل أنفاسه من خروجه من بيته إلى أن يتم حجه فى حضور مع الله، واستحضار للفوز بمقصده الأعظم الذى هو قبول الله عمله، وإقبال الله تعالى بوجهه الكريم عليه.
8ـ يعلم حق العلم أنه ما خرج لرياضة وتنزه ومشاهدة البر والبحر ، ولكنه خرج ليقبل بكليته على الله ليزوره سبحانه فى بيته، ليريه ملكوت السماوات والأرض ، بشهود الآيات فى الكائنات ، لأنه خرج ليدخل مقام إبراهيم عليه السلام حسا ومعنى.
ومن تفضل الله عليه بالدخول فى المقام حسا ومعنى أشهده ملكوته الأعلى كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾
الإحرام هو تحريم الحاج عمل ما لا يباح له شرعا، بمجرد دخوله فى ميقات الإحرام، فإنه عاهد الله تعالى أن لا يرفث ولا يفسق ولا يجادل ولا يصطاد، وأن يتجرد من المحيط والمخيط، وأن يحضر بقلبه حتى يُصعى إلى دعاء الله تعالى فيلبيه، فلا يغفل عن ذكر الله ولا ينساه سبحانه.
والإحرام كتكبيرة الإحرام التى يحرم بها على المصلى ما يبطل الصلاة أو ينقصها تعظيما لله تعالى ولشعائره. والإحرام كناية عن أن يحرم من وجد فى حرم الله من المقبلين على بيته من ما لا يليق بأدب من أقبل على الله فى حرمه.

ولما كان الحاج فى الحقيقة إنما يقصد الله تعالى ليزوره فى بيته وكان البيت مقام الخليل الجسمانى ، والخلة مقامه الروحانى ، فمن قصد الله تعالى حجا ورغب أن يدخل مقام الخليل جسما وروحا، لزمه لدخول المقام الجسمانى أن يحرم بالزهد فى لذته وشهواته، وأن يتجرد من محيط الثياب ومخيطها، كما يتجرد الميت للغسل ، ويلبس ثياب الإحرام المشيرة إلى كفن الميت ، ويمنتنع عن الصيد ، ويجاهد جميع جوارحه حتى تخضع لسطان الشريعة، فيحرم على نفسه فى الحج ما أباحته الشريعة له فى غيره، ويتم الحج حتى يؤهل كما بينت فى هذه الرسالة للدخول فى مقامه الجسماني.
وللدخول فى مقامه الروحانى يحرم بتوديع حظه وهواه، وبزهده فى الاجتماعات على غير الله تعالى ، وتفريده الله تعالى بالقصد دون سواه، ويتم الحج كما يأتى حتى يسعد بالدخول فى مقامه الروحاني.
ومن قصد الله تعالى حجا يحرم بالتبرئة من حوله وقوته، ومن الغرض والمرض والعلة (أي شوائب النية التي تفسد الإخلاص - نورسي).
ومن قصد الله من الأفراد المحبوبين يفرده الله تعالى، ومن أفرده الله جمله بجمال العبودة الخالصة لوجه الجميل سبحانه، وأشهده فى بيته جماله العلي، وبهاءه وضياءه ونوره، ولديها يرى البيت وربه، وهو الحج الأكبر
قال سيدنا عبد الله بن عمر: (كنا نتراءى ربنا ليلة عرفة) 
ومن نظر إلى جمال الملكوت ، أو إلى جمال الُملك فى احرامه الذى يحج لله تعالى فيه قصدا فُتِن.


من المضنون

فى الغسل:
إنما سن الغسل هنا ليتطهر المحرم من عوائده التى اقتضتها حياته الاجتماعية بين إخوانه ، لأنه مسافر من الملك إلى الملكوت لتكون له مجانسة بالعالم العلوى ، تجعله يدخل فى مقام الخليل عليه الصلاة والسلام الروحانى بمقارقته لمألوفاته وعوائده ، ومن لم يفارق بقلله ما اعتاده مما يلائمه لم يلحظ بفكره جانب الملكوت الأعلى ، ولم يسح بنفسه فى رياض حكمة أحكام الشريعة المطهرة.


فى الإهلال:
وإنما وجب الإهلال والتلبية بعد صلاة مكتوبة أو غير مكتوبة ليرتقى من مقام العبودية والطلب إلى مقام العبدية والمطلوبية، فيصلى طالبا الله تعالى . فإذا أتم صلاته طله الله تعالى ودعاه إلى حضرته، فسمعت أذن روحه فلبى سامعا أو مستحضرا.

فى التلبية:
وإنما وجبت التلبية وإن كانت المشاهد روحانية ليقظة القلب لحكمة التلبية، التى هى إجابة الداعى . وإن لم تصغ أذن روحه لمن دعاه سبحانه، استحضر أنها إجابة لأذان الخليل ﴿ ص وآله﴾ بالحج، أو تصديق برسول الله ﴿ ص وآله﴾ واقتداء به فى عمله، ومن قصرت به روحه عن أن تحضر معه فتُحضِرَه، على نفسه فليبك، وليتطهر من رجس الحيوانية ونجاسة النفس الإبليسية ، وقاذورات الهمم واللمم الإنسانية حتى يتجلى له ربه جل جلاله فيكشف له الحجاب عن جماله العلى ، ويشهد أنوار آياته فى هذا الكون الدنى ليفقه حكمة الأحكام، أو يحتسى من طهور هذا المدام.

فى التجرد من المحيط والمخيط:
وإنما وجب على المحرم التجرد من المحيط والمخيط حتى يتمثل أنه ميت أدرج فى كفنه فارق الحس الذى يشغل قلبه بالكائنات ، فإما أن يكون محل نظره آيات الله تعالى ، أو يحيطه الله بنور وجهه كما قال سبحانه: (فأينما تولوا فثم وجه الله) فلا يرى تجاهه إلا آيات الله تعالى أو جمال وجهه العلي،ومن لم يتجرد من الحياة الحيوانية بتجرده من المحيط والمخيط ليحيا حياة روحانية لم ير ملكوت ربه،وهو إنما خرج حجا ليدخل فى مقام إبراهيم الروحانى بدخوله فى مقام الجسماني، قال تعالى: ( وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين).

فى دخول البيت:
فالكعبة مقام الخليل الجسمانى والخلة مقامه الروحاني،وأقل مشاهد أهل الخلة شهود ملكوت الله الأعلى،وأعظم مشاهدهم شهود رب البيت فى بيته. ومن حُرِمَ شهود الملكوت لم يظفر بشهود صاحب البيت فى بيته، وبدخوله فى مقام الخليل الجسمانى سقطت عنه المطالبة بحجة الشريعة، ولكنه حُرِمَ ما تُسارع إليه أرواح الصديقين.

والحج إشارة إلى السير إلى الله تعالى..

الطواف هو الدوران حول الكعبة مبتدأ من الحجر الأسود إليه سبعة أشواط ، يفتتح من الحجر ويختم به، فيقبله إن أمكنه، ويستمله بيده ويكبر إن لم يتمكن من الاستلام إذا حاذاه كراهية أن يؤذى الطائفين معه ، قال رسول الله ﴿ ص وآله﴾ لعمر: ( يا أبا حفص إنك رجل قوي، فلا تزاحم على الركن فإنك تؤذى الضعيف،ولكن إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا كبر وامض ) 

وإذا تمكن الطائف استلم الحجر وقبله. وفى حديث البخارى : سأل رجل ابن عمر رضى الله عنهما عن استلام الحجر فقال: (رأيت رسول الله ﴿ ص وآله﴾ يستلمه ويقبله ، قلت :أرأيت إن زوحمت؟ أرأيت أن غولبت ؟ قال ابن عمر : اجعل أرأيت باليمانى ، رأيت رسول الله ﴿ص وآله﴾ يستلمه ويقبله ) 

وكلام الإمام ابن عمر يدل على المزاحمة لتقبيل الحجر أو استلامه وذلك لا يخالف ما سبق، لأن سيدنا الإمام ابن عمر رضى الله عنهما له شهود فى هذا المقام ، لا يجعله له صبرا عن تقبيل الحجر الأسود. وقد روى سعيد بن منصور عن القاسم بن محمد قال: رأيت ابن عمر يزاحم على الركن حتى يرمى ، فقيل له فى ذلك قال : هويت الأفئدة إليه فأريد أن يكون فؤادى معهم ، وهذا دليل على شهود ابن عمر رضى الله عنهما يمين ربه ظاهرة لعيون روحه بدليل قوله:هويت الأفئدة إليه فأريد أن يكون فؤادى معهم. فالمسألة روحانية بوجه لا جسمانية ، وعلمه رضى الله عنه حجة لأهل الوجد الصادق من المواجهين الله العلي،وابن عمر رضى الله عنهما من أكثر الناس خشية من الله وأدبا مع الله سبحانه ومع خلقه، وإذا اصطنع الله العبد أفناه عن حسه ونفسه. 


تقبيل الحجر الأسعد فى الاستلام:
بسند مالك رضى الله عنه فى الموطأ أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال وهو يطوف بالبيت للركن الأسود: (إنما أنت حجر،ولولا أنى رأيت رسول الله ﴿ ص وآله﴾ يقبلك ما قبلتك) ثم قبله رضى الله عنه.

لخطاب أمير المؤمنين الحجر إشارة غريبة، بينها قوله ﴿ ص وآله﴾: ( إن منكم محدَّثين وإن عمر منهم ) وقول سيدنا موسى عليه السلام للحجر : (ثوبى يا حجر) عندما وضع ثوبه عليه ونزل البحر ليغتسل فأخذ الحجر الثوب وأبعد.وكلامه﴿ ص وآله﴾ مع قتلى بدر وهم فى البئر..
فعمر محدث يسمع من كل شيء ويخاطب كل شيء ونقل عن الإمام أحمد : لا بأس بتقبيل منبر النبى ﴿ ص وآله﴾ وقبره ﴿ ص وآله﴾. ونقل عن أبى الصيف جواز تقبيل المصحف وقبور الصالحين، واستنبط بعض أهل العلم جزواز تقبيل من يستحق التعظيم من آدمى وغيره، شكرا لله تعالى على ما أنعم ، وتعظيما له سبحانه وتعالى فى ذات من عظمه سبحانه بعلم أو بتقوى أو بولاية أو بفضيلة.

وما ورد من معارضة سيدنا على عليه السلام لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب بقوله: ( إن الحجر ينفع ويضر لأنه يشهد لمن استلمه) فليست معارضة، فإن سيدنا عمر يقول : لا ينفع بنفسه ،وسيدنا على يقول: ينفع ويضر بإذن الله تعالى.

من المضنون
إشارات الطواف:
ومعلوم أن البيت إنما يقصد لصاحبه، وأى محب قصد محبوبه فى بيته فرجع من غير أن يفوز بمشاهدته، وإنما جعلت المجاهدة للمشاهدة، والبيت إذا لم يكن فيه صاحبه كيف يقصد ؟ قال بعض أهل المحبة:
إن بيتا أنت ساكنه * غير محتاج إلى السُّرج
وجهُك المأمولُ حجتُنَا * يوم يأتى الناس بالحِجُجَ

وقال غيره:
أمر على الديار ديار ليلى * أقبل ذا الجدار وذا الجدارا 
وما حب الديار شغفن قلبي * ولكن حب من سكن الديارا


قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾.
يعنى أن الله تعالى وضع لمن هم الناس عنده من أهل محبته، بيتا فى الأرض يزورونه سبحانه فيه ، كما وضع بيتا فوق السموات للعالم الأعلى يزورونه سبحانه فيه. ومن منحه الله عيون الروح ونظر عند البيت ، يرى النور متصلا من بيت الخليل للناس إلى البيت المعمور الموضوع للعالين فوق السموات.
وقوله تعالى: ﴿ مُبَارَكاً﴾ كما قال فى الخبر عن موسى عليه السلام : ﴿ أَن بُورِكَ مَن فِى النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾.
﴿وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ من الملك والملكوت. وقوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ﴾ لمن بين الله تعالى لهم من أهل المشاهدة. وقوله تعالى: ﴿مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ الروحانى والجسمانى فمن دخل مقامه الجسمانى أمن به من أعدائه داخل بدنه وخارجه، ومن دخل مقامه الروحانى أمن من الحَجب بعد الشهود ومن البعد بعد القرب ، ومن الرد بعد الإقبال ، وساحت روحه فى ملكوت الله الأعلى بدليل قوله تعالى: ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾.

وهناك إشارة غامضة فى دخول المقام الروحانى لأهل مقام الإحسان والإيقان، أن من دخل هذا المقام من الخلة، فنسأله دوام الشهود فى الوجود والوصال من غير تفرقة، فأشهده الله تعالى بيته الخاص به المجمل بآثار الله لا بآثار عبده وخليله وهو قلبه، فأراه ما فيه من عجائب القدرة وغرائب الحكمة وبدائع الصنع ، فشهده بيتا معموراً بربه ، وعرشا لاستواء الرحمن، ورأى صدر نفسه كرسيا لذي الجلال والإكرام ، ولاحت له معانى صفاته فى مرآة ذاته فوصل واتصل وقرب وما انفصل ، ثم أحل المحل الأكبر ، فرأى محيط السموات السبع والأرضين السبع بيتا لله منورا بنور الله ، بمعنى قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
فأحرم بروحه فى حضرة الإطلاق ، إحراما لا حل بعده لأنه رأى ربه قبل كل شيء وبعد كل شيء وعند كل شيء وفى كل شيء.
قد اختطفه سبحانه وتعالى من نفسه وحسه وحجب عنه ما فى وجهه ( بضم الواو) وأشهده نور وجهه. ومحب أكرمه الله بتلك المشاهدة، فكان سبحانه معالم بين عينيه كيف لا يعتنى بفك رموز الحج ليرى نور الوجه فى كل فج؟!.

وبيت مكة قد يتمكن الإنسان من الوصول إليه وقد يحرم، وهذا البيت معه أينما نزل وحيث حل ، الجسم يطوف حول بيت الخليل فى مكة، والحس يشهد آثار الخليل, والعقل يطوف حول نور الآيات البينات وهى كعبة العاشقين, والروح تطوف حول قدس العزة والجبروت، ونفخة القدس يزج بها فى طوافها فى نور اللاهوت حتى تقع العين على العين من غير رين ولا بين
كما قال أبو يزيد البسطامي: 
(حُجِبْتُ أولا فرأيت البيت، ورأيت فى الثانية البيت ورب البيت، وفى الثالثة رأيت رب البيت ولم أر البيت).

 

إشارات أعمال الطواف
يقبل الحجر الأسعد الذى يجعل اله له يوم القيامة لسانا وعينين، فيشهد لكل من قبله تجديدا لعهد يوم (ألست)
الذى عاهدنا الله فيه على أن نفرده بالربوبية والقصد دون غيره
كما يقبل الرجل يمين متفضل عليه بأفضل النعم 
لاحظا كمال التنزيه فى مقام التشبيه. 

وفى هذا المقام مقام افناء والجمع أو السكر تقوى عيون الروح حتى تحجب عيني البصر، حتى يكون المقبّل أو المستلم كأنه يرى ربه، قال ﴿ ص وآله﴾: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه).

فإذا قبل الحجر قوبل بالوجه، فأقبل بكليته على الله طائفا ببيته المعمور به سبحانه بروحه، وطائفا بمقام الخليل الجسمانى بجسمه وبمقام الخليل الروحانى بعقله، بجواذب العناية فى مقام الشهود وستر الوجود، فنفذ من أقطار السموات والأرض بسلطان اليقين الحق.

وكل شوط يُقَبّل اليمين استحضارا والحجر حضوراً، وينفذ من سماء فيكشف الحجاب بكل شوط عن جارحة من جوارحه المجترحه، حتى يسمع بالله ويبصر بالله ويتكلم بالله وبطش بالله، حتى يكون ربانيا فيقع فى إلهانية الرب ومهيمنته بعد الهميان فى أرقى مراتب الإحسان ومعارج مقامات الإيقان قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾ 

فإذا أتم السبع بأركانه فى عيانه بعد بيانه، واجهه الله بوجهه العلى ناداه: سل ما شئت تعطه، لديها يأنس فيقول: أنت يارب محبوبى ووجهك الجميل مطلوبي. فينزل عيه السكينة فيحصل له البقاء بعد الفناء والصحو بعد السكر والفرق بعد الجمع، فيسأل الله بكلامه قائلا: ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾.

وهو المحبوب الذى يتكلم الله عنه وهو يتكلم عن الله، ولديها يدخل مقام الخلة روحاً وجسماً، وتُشْرِفُ روحُه على قدس الله الأعلى فيقف موقف العبادة بعد العبودية، فيجمله الله بجمال العبودة والخلة لذاته.

فيصلى ركعتين مؤانسا على بساط المنادمة، ولديها يرى الله فى قبلته ما دام فى صلاته، فيلهم فى الركعة الأولى ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴾ لزجر المنازعة النفسانية، وإطفاء الشعلة الإبليسيلة وإخماد جمر الفطر الحيوانية مفكراً ذاكراً. وفى الثانية بعد الفاتحة (سورة الإخلاص) لما فيها من صفات الأحدية والنزاهة، مستحضرا حاضرا ذاكرا مذكورا. 

فإذا أتم صلاته وبلغ أمنيته أقبل بكليته على السعى بين الصفا والمروة، واقفاً فوق جبل الصفا ليتجلى له ربه، فَيَدُكُّ جبل بشريته ويَصْعَقُ نفس شهوته وحظه، لديها يدعو بما شاء وينزل مهرولا حتى يصل إلى المروة فيصعد عليها ، ولديها تسكن نفسه إلى الله تعالى وَيَتَجَمّلُ بجمالِ المروةِ فيسأل الله ما يشاء .

فإذا أتم حجه حصلت المشاهدة ولديها يكون الكون كله معراجه, يقربه إلى الله تعالى، وإنما كانت المجاهدة للمشاهدة، ومن جاهد غير ملاحظ للمشاهدة، ومسارع إلى نيلها غير ناظر إلى مجاهدته فى نظير مشاهدته، أضاع عمره سدى.


حكمة الطواف:
يقول الله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ﴾ ويقول سبحانه: ﴿ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً ﴾.
ومعلوم أن النعمة توجب الشكر على من تفضل الله عليه بها، والله جل جلاله تفضل علينا بما فى السموات وما فى الأرض جميعا منه، فأوجب علينا أن نشكره بقدر تسخير كل حقيقة من تلك الحقائق لنا.
ولما كانت الصلاة جامعة لأنواع تسخير الملائكة والحيوانات والنباتات والجمادات، كما بينت ذلك فى غير تلك الرسالة ولم يبق إلا العبادة بالطواف كالكواكب الدائرة حوالينا لنفعنا وخيرنا، كان من شكر النعمة علينا بها أن نعبد الله تعالى بالنوع الذى سخرها لنا، فجعل الطواف حول الكعبة عبادة لله تعالى منا، شكراً له جل جلاله على تسخير الكواكب لنا. 

وجعل السعى بين الصفا والمروة عبادة لله تعالى كشروقها وغروبها تسخيرا لنا من الله تعالى, وجعل رمى الجمرات كالصواعق التى يرمى بها النفوس الشريرة.

وبذلك يكون الإنسان شاكرا لله تعالى، يعبده جل جلاله بأنواع سخر لنا بها جميع كونه ، وله سبحانه وتعالى فيما منح من النعم وما وفق له من العبادة, فهو الذى تفضل بالنعمة وأعان على العبادة، قال تعالى: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا ﴾.

ولتلك الحكمة التى هى عبادة الله بنوع تسخير الأفلاك لنا أمر الله الخليل أن يدعو الناس بقوله تعالى: ﴿ وَأَذِّن فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً﴾ الآية. قال الخليل : (وما يبلغ صوتى يا ربي؟!) فقال : (عليك الأذان وعلى أن أسمع عبادي) وقال سبحانه: ﴿ يَأْتُوكَ رِجَالاً﴾ أي: متصفين بصفات الرجُلِيّةِ الكاملة، التى من أخصها تفريد الله تعالى بالقصد والمسارعة إليه سبحانه مُشاة فانين عن الأسباب بمسبب الأسباب، وقال تعالى: ﴿ وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾ أي: وعلى الأسباب يأتين ، فنسب المجيء للأبل دون الرجال وجعلهم نائين عنه بقوله تعالى ﴿مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾ 
وقال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ فجعل سبحانه الغاية الأخيرة هى المشاهدة بعد المجاهدة، ومن أحرم غافلا وطاف محجوبا وسعى واقفا عند حسه وحضر عرفات المعرفة جاهلاً، فقد أضاع زمانه، قال تعالى: ﴿ وتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ فحظر على غير أهل العلم أن يعقلوا إشاراته العلية، وحكمة أحكامه القدسية
وقد شنع الله تعالى على من لم يشهد آياته العلية فى الضرورى من الأكل والشرب فقال تعالى: ﴿ يَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ فكيف لا يكون التشنيع أشد على قوم يقومون بعمل فرائضه التى افترضها لاهية قلوبهم مشغولة بغيره؟ 

وقد قدمت لك أن حكمة تلك الأحكام والأسرار التى أخفتها الآثار، لا تنبلج إلا بصحبة عارف ربانى منحه الله تعالى البيان. 

ومن جهل شيئا عاداه فكيف يستحضره أو يراه؟!.

هذا ما يمكن أن يسطر على صفحات الأوراق من حكمة الطواف، وهناك مقامات أخرى تقع فيها العين على العين من غير بين ولا رين، وفيها يكون الأنس والصفا بعد المجاهدة والوفا، ومن عرف شيئا طلبه، ومن طلبه وجده، ومن وجده تحقق بقوله تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ {1} اللَّهُ الصَّمَدُ {2} لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ {3} وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ {4}﴾ . فإذا لم يكن له كفواً كيف يعدل عنه بغيره، أو يهمل ويقصد غيره, أو ينسى ويذكر غيره؟!

وقد وضع الله بيته فى مكة التى لا نبات بها ولا معادن ولا حيوانات، إشارة إلى أنه إنما يقصده من تجرد من تعلق قلبه بالحظوظ والأغراض الدنيوية، وحتى يكون جيرانه سبحانه من فرغت قلوبهم من التعلق بما يشغلها من زينه الحياة الدنيا، لتشنيعه سبحانه وتعالى على من شغلوا بالحياة الدنيا وزينتها بقوله تعالى﴿ وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا﴾ ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِى الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ﴾

فإذا وصلت أيها الحاج فصعدت فوق الصفا أو فوق المروة ، ولحظت عينا رأسك بيت ربك، ثم شهدت عيون روحك جمال ربك ظاهرا فى بيته فواجه وجه ربك بعيون روحك ، واصغ إله بأذن روحك تسمعه يقول : (أنا ربك قريب فسل تعطه). فإذا اطمأن قلبك بمواجهة ربك فارفع إله الروح والقلب، وابسط راحتيك خاشع الجسم خانع القلب متحققا بمرتبتك منه جل جلاله، فأنت العبد وهو الرب.

ثم سح بطرفك فى العالم الإسلامى وانظر اليه، واسأل ربك أن يجدد سنن نبيه وأن يعلى كلمته، وأن يهب لك الخير فى الدنيا والآخرة لتكون عاملا من عمال الله بمقتضى وقتك ، ولا تقتصر فى سؤال ربك على طلب الدنيا وزخرفها ، بل سله سبحانه وتعالى الحسنة فى الدنيا والآخرة، ثم سله القرب منه والرضا عنه. 

والدعاء أخص من العبادة، وقد دعا أولو العزم من الرسل، قال إبراهيم عليه السلام: ﴿ وَاجْنُبْنِى وَبَنِى أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ ﴾ وقال يوسف عليه السلام فى دعائه:(وإذا أردت بالناس فتنة فاقبضنى إليك غير مفتون) وإذا كان أولو العزم صلوات الله عليهم يدعون الله بهذه الحقائق، كيف بنا؟!.

من المضنون
إشارات السعي
قال الله تعالى: ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ ﴾ وقد بدأ الإنسان نورا، لأنه خلق الحقيقة الإنسانية قبل أن يخلق الكون، والإنسان أول مراد الله، وأول المراد آخر العمل، فخلق الله الكون على أكمل إبداع وأحكم صنع، لأن الحقيقة الإنسانية اقتضته، قال الله تعالى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ ﴾ وقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾.

للإنسان أطوار سبعة يتطور فيها طَوْرَاً بعد طَوْر بدءا وختما فكان :
فى حضرة العلم
ثم خصصته الإرادة
ثم كان حقيقة إنسانية أمام الله تعالى بدليل قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ ﴾ والله إنما يخاطب الموجود لا المعدوم
ثم تعلقت به كن إيجادا للحقيقة الإنسانية أولا التى هى هو (الإنسان قبل بروزه فى الأعيان الكونية)
ثم واثق الأنبياء لرسول الله ﴿ ص وآله﴾
ثم كان يوم ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ﴾ 
ثم كان الخلاف بين الملائكة وبين الله تعالى،وكل هذه الأطوار قبل إبرازه فى الكون المحسوس.

أما الأطورا السبعة الأخرى فكان الإنسان : طينا، ثم كان نفطة، ثم كان علقة، فمضغة ، فعظاما، فكسيت العظام لحما، ثم أنشأه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين.

ثم جعل فوقنا سبع طرائق لا يصل الواصل إلى الله سبحانه إلا بمجاوزتها، وهى :
الحظوظ الشهوانية ، ثم حب الدنيا، ثم الآخرة، ثم الرؤية، ثم الشهود، ثم الفناء عن كل ذلك بتركه، ثم الفناء عن الترك بتر الترك، قال سبحانه ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ {12} ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ {13} ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾

فالسعى ابتداء بالصفا هو فاتحة إيجاد الهة الإنسان كما قال تعالى: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ثم ينقل إلى المروة بحسب التطورات التى قدرها الله للإنسان ، حتى يختم أطواره بالصفا إعادة إلى الحق، لا فرق بين المؤمن والكافر.
فإن الإنسان إذا قامت قيامته أيقن بالحق فالمؤمن ينفعه إيمانه السابق، وغيره لا ينتفع بيقينه يوم القيامة ، قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِى إِيمَانِهَا خَيْراً ﴾

فالساعى الذى لم يفقه حكمة السعي، ولم يتفضل الله عليه بشهود تلك الأسرار ، سعى ولكن بين الجبلين ، فكما بُدِئ الإنسان نورا يتطور فى تلك الدار الدنيا بين شهود وحجاب، وقرب وبعد، وطاعة ومعصية ، وذكر ونسيان ، وحضور وغفلة، ثم يختم الله بما سبق له فى أم كتابه.

ويوم القيامة تُكشَفُ الحُجُب وتُرْفَعُ الستائر فيظهر الحق جليا وعندها يفرح المؤمنون ويحزن الكافرون.

أسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن سبقت لهم الحسنى، وأن ينعم عيون أرواحنا شهود حكمة أحكام الحج وأنور آياته البينات، إنه مجيب الدعاء رب العالمين.

وللسعى أسرار غامضة، فإن الساعى إذا ارتقى فوق الصفا استحضر وقوف الكليم فوق طور سيناء، وحصل له الهيَمان شوقا إلى سماع الكلام, أو رؤيا الجمال، فلاحت له سواطع أنوار الجمال والجلال، فسعى ولهانا ومشى بسكنية مشاهدا، وهرول هائما ليظفر بمرداه الذى أفرده بالقصد, وحبيبه الذى فارق كل شيء شوقاً إلى نيل وصاله.
وعندها يكون الحج وجدا لا تواجدا، أو عودا للبدء لا تجددا. 
ومن ألقى السمع وهو شهيد سمع وشهد، ولا يسمع الساعى بأذنى رأسه ولا يشهد بعينى رأسه، لأن السماع والشهادة لو كانتا بالجوارح الظاهرة لسمع الكل وشهد، وذلك فضل الهس يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

 

من المضنون

إشارات الوقوف بعرفة
يبدأ المسافر من بيته إلى الحج بأن يسافر أولا من معاصيه ومخالفاته للشريعة إلى الطاعات والخضوع لسلطان الشرع، حتى يكون كما قال الهر تعالى : ﴿ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾.

فإذا تحقق سفره من المعصية إلى الطاعة، ومن المخالفة إلى التسليم للشرع أشبه عالم الملكوت، فكوشف بأسرارها
لديها ينتقل فى كل مرحة يقطعها من الأرض إلى مقام من مقامات القرب، فينتقل من التوبة مثلا إلى الخوف، فالرجاء، فالحب ، فالجمع، فالفرق، فالسكر, فالصحو ، فالغيبة، فالحضور، حتى يحل فى مقام الفناء.

فيحرم تجريدا من نفسه ومن الدنيا والآخرة، كما أحرم بتجريده من المحيط والمخيط والنساء والصيد والطيب

فإذالم يتخل عن دواعى بشريته ومقتضيات نفسه البهيمية والشهوانية ولزوام هواه وحظه الإبليسى – كما تجرد من المحيط والمخيط – فليس بمُحرم، ولكنه مقلد جاهل بحكمة أحكام الله، ولا يكون محرماً حقا إلا إذا تجرد من كل تلك المعاني.

فإذا صح إحرامه زكت نفسه فجانست العالم الأعلى قربا من الله تعالى، فجمله الله تعالى بالجمال الموسوى ، ومنحه سمعاً يسمع به من الله ، فيسمع دعاء الله إياه إلى دار سلامه وبيت مواجهته، ليقف على أعراف المعرفة، وعرفة الشوق إلى الله تعالى، فيقول وجدا لا تواجدا: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) فيشهد عند التلبية مشاهد المستجيب لله الحاضر معه، فيقوى وجده وينمو شوقه ويفر للقرب، ويقهره حاله فيكرر التلبية مشاهدا مستجيبا لله ومجيبا.

فإذا استجاب الحاج لله سامعا بالله تعالى، مبصرا بالله تعالى وصل إلى عرفات المعرفة، فوقف على طور المناجاة وقفة حضور مع الله وغيبة عما سواه فقربه وأدناه، وتنزل له جل جلاله وناجاه بعد زوال شمس الكون وإشراق شمس المكوِّن، فحضر مع الله وذكر ، ولبس حلة العبودية وشكر، وابتهل متضرعا وخشع قلبه خانعا. فآنسه الله على بساط منادمته، وأطلق لسانه بالدعاء، وعمر قلبه بالرضا، فكان وهو فوق عرفات كأنه على طور سيناء المناجاة، ممنوحا هيمان الشوق إلى رؤية ربه، وكان بين جواذب شهوده فى بيته الذى هو مُوَلٍّ وجهه إليه فى وقفته ، وبين نار الاصطلام إلى دار السلام.

ثم يندفع بعد غروب شمس أفقه المبين بشروق شمس أفقه الأعلى ، فارا إلى ربه حسا ومعنى، فوصل إلى مزدلفة الزلفى، ونازعته نفسه إلى حظه وهواه فأفرد وجه ربه بالقصد دون غيره، وكانت الزلفى عنده أن يقصد الله وحده
ومن وصل إلى مزدلفة فلم يفز بالزلفى فهو بالمنزل السفلى
ومن صلى بها المغرب والعشاء جمعا وقصرا رفعه الله قدرا ففاز بالجمعية الكبريائية الخاصة مع الله والله معه
وسارع فى وقت تنزل الحق جل جلاله سحرا، فجمع حصى جمرة العقبة ليرمى من قلبه نَسَبَهُ وَحَسَبَه، ويتجرد من محيط الأسوار ومخيط الرسوم الهيكلية، ولديها ينفجر فجر نور الحقائق فيصلى صلاة الصبح بقلب المخلص الصادق.

ويدفع مسارعا ليقتحم العقبة، متبرئا من نسبة جوارحه المجترحة إليه فيرمى جمرة العقبة ويرمى مع كل حصاة جارحة من السبعة، وهى السمع والبصر والشم والذوق واللمس والبطن والفرج.
فإذا رماها قفلت أبواب النيران وفتحت أبواب الجنة ، فدعاه ربه لزيارته ، فأسرع إلى إزالة أخلاقه البشرية بحلق رأسه ، ونحر نفسه الأمارة بالسوء بنحر هديه، فكان كما قال تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِى بِهِ فِي النَّاسِ ﴾.

فلما صار حيا بحى يسعى نوره أمامه وعن يمينه، ويسمع ربه يدعوه إليه، ففر إلى الكعبة مسارعا فطاف تشبيها بالحافين حول عرش الرحمن بالكعبة المطهرة، فلحظ سره وأقبل عليه وأكرمه بكل شوط من السبع بمواجهته عند الحجر الأسعد روحا وجسما، فقبل الحجر بفمه الحسي، وشهد اليمنى بنفخته القدسية فدعا وابتهل ، ثم طاف الثانى فتننزل له سبحانه عند الركن اليمانى فانجذب قلبه شوقا إلى مولاه، فمس الركن الثانى متقربا ودعا موقنا بالإجابة، وأتم سبعة على هذا النمط ، فما أن أتم طوافه واجهه ربه مواجهة المحسن المتفضل غافر الذنب وقابل التوب.

فلما أن واجهه سبحانه بعد تمام سبعة، أحب أن تكون تلك المواجهة وهو قائم يصلى فى مقام الخليل فصلى ركعتين انمحى بها البين من البين حتى وقعت العين على العين فى حصون التنزيه.

فاشتاق إلى المؤانسة فى مقام الصفا، فقبل الحجر وسارع مهرولا حتى صعد فوق الصفا، فتنزل له ربه فابتهل ودعا ونزل ساعيا، حتى إذا وصل إلى وسط الوادى اشتد به الهيام فهرول هرولة المشتاق، فلما جاوز الوادى حصلت له السكينة فسعى سعى المؤدب، حتى وصل إلى المروة وصعد بعناية الله مرتفعا ورعا ربه متضعا، فبسط له بساط الأنس ودعاه إلى الصفا بعد الوفا، فرجع مسرعا حتى بلغ مقام الصفا فزال الجفا وحل الوفا، وأتم سعيه بين الصفا والمروة فأكرمه مولاه وبنزاهة ناجاه.

وأمره بالعود إلى دار ضيافته إلى مِنى بُلوغ المُنى ونيل الهنا، فرجع فى روض الإطلاق وحلة الإحلال، وصار الحق جل جلاله معالم بين عينيه، لا يغيب إذا غاب الغافلون، ولا يُحجب إذا حُجب الجاهلون ، متنعماً فى روض المشاهدة مدة أيام المعدودات بعد المجاهدة مدة الأيام المعلومات، فلما دخل رياض الضيافة بمنى زال العنا، واضمحلت الدنيا فى عينيه وترك أمانيه الباطلة.

وقام فى اليوم الثانى فرمى الجمرات عد صلاة الظهر ودعا الله فى الجمرة الأولى والثانية وختم بالثالثة.

وفى اليوم الثالث من يوم الأضحى تقرب إلى الله بما يحبه جل جلاله ، ورمى الجمرات بعد الظهر داعيا تائبا منيبا مستغفرا فى غيبة عن الدنيا ومقتضياتها، فكُشف عنه الحجاب فعلم أن الكون كله بيت الله تعالى، وتحقق أن قلبه هو بيت الله المعمور بآثاره العلية وأنواره الربانية، وهو البيت الذى لا يفارقه وإن فارقه بيت مكة.

فأسرع إلى البيت مودعا معتقدا أن ربه معه حيث ولى وجهه، ورجع إلى أهله بالمغفرة والمثوبة ، حاضرا مع ربه لا يغيب، مراقبا عظمته وجلاله.

وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. 
      خاتمة
اللهم لك الحمد ولك الشكر
أتقرب إلى حضرتك العلية بما أنت أهله من العفو والإحسان والفضل
أن تصلى وتسلم على حبيبك ومصطفاك وآله أن تقبل من عبدك ما تقرب به إليك
فإنه إذا كان خيرا فمنك وبك ولك سبحانك
وإن كان غير ذلك فمنى بعجلتى فاغفر لى يا إلهى وعجلتي
وتقبل منى ما هو منك لك سبحانك وانفعنى وأولادى وإخوانى 
واهدنا صراطك المستقيم، واجعلنا أنصارا للسنة والكتاب يا رب العالمين.
خديم الفقراء
محمد ماضى أبى العزائ

 


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق