]]>
خواطر :
خيبة أمل ، عندما يكتشف الإنسان أنه في محيط تحت خط الصفر ، لا يستطيع الغوص أو السباحة فيه...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . فلا تكتُمُنَّ اللهَ ما في نُفوسكم ليَخفَى ومهما يُكتَمِ اللهُ يَعلَمِ يُؤخَّرْ فيُوضَعْ في كتابٍ فيدَّخَرْ ليوم الحسابِ أو يُعَجَّلْ فيُنقَمِ (زهير بن أبي سلمى   (طيف امرأه) . 

لغة النجاح .. فصيحة

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2016-06-14 ، الوقت: 07:51:51
  • تقييم المقالة:

لغة النجاح..فصيحة

 

محمد الحداد/ العراق

قبل أيام تابعتُ على إحدى الفضائيات المصرية كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي أثناء افتتاح المرحلة الأولى من مشروع الأسمرات بالمقطم..وهو مشروع إسكاني ضخم جداًمن المقرر أن يُنجز 160 ألف وحدة سكنية بانتهاءِ مراحلهِ الثلاث بتكلفةٍ إجمالية مقدارها 14 مليار جنيهوالطموح المعلن لهذا المشروع أن يُنهي إلى الأبد معاناة ما يسمى في مصر بمدن الصفيح وساكني العِشش والعشوائيات واستبدال مناطق سكناهم البائسة بأخرى عصرية تؤمن لهم حياة كريمة ولائقة.

ما أثارني في كلمة السيسي "رغم قِصرها" هي تلك الثقة العالية بالنفس التي كان واضحاً أنها توشكُ أن تناطحَ المستحيل فتصرعه..كلماتٌ قليلة لكنها لخّصتْ واحدة من أكبر وأخطر المشاكل التي كانت ولا تزال تؤرقُ جميع المصريين.

لا أدري لماذا تمنيتُ في تلك اللحظات أن تكون كلمات السيسي البسيطة هي اللغة الرسمية المعتمدة لدى جميع زعماؤنا العرب ..لغة الثقة بما يُنجز فعلياً على الأرض لا لغة الوعود الفارغة التي أصابتنا باليأس وأغرقتنا ببحور تفاصيلها المملة..

في البداية أكدَ السيسي أنهُ طلبَ أثناء فترة ترشحهِ للرئاسة أن يكون بجانبهِ صندوق لتبرعات المصريين فيهِ 100 مليار جنيه يخصصُ لمشاريع من هذا النوع تقدمُ حلولاً إسكانية للفقراء وأصحاب العشوائيات..ومن باب الدُعابة قال أن وزير التخطيط المصري باتَ يشكو كثيراً من مطالبات السيسي الكثيرة هذهِ ويقول لهُ: أتعبتني معك!

ربما يبدو هذا الوزير معذوراً لأولِ وهلة لأن أقدامهُ لم تعد قادرة على اللحاقِ بأقدامِ رئيسه..ربما أتعبهُ أيضاً أن يزِنَ حركتها المسرعة بحركةِ السوق الاقتصادية العالمية التي لا يسبقها أحد فهو يدركُ قطعاً أن مصرَ بلدٌ غير نفطي وإن كان واقعاً تحت تأثير اللعبة النفطية التي باتت تحكمُ العالم كله..ومشاكل مصر كلها يختصرها همٌّ اقتصادي واحد يكادُ يقيدها حدَّ الاختناق..لكن مع ذلك فهذا الوزير يدركُ أيضاً أن السيسي لا يريدُ أن تقفَ كل القيود عائقاً أمام طموح الانجاز حتى وإن كان بهيئة مشروع بهذهِ الضخامة وتحت ضغط مأزق كهذا بوسعنا فقط أن نتفهمَ حيرتهُ ونعذرَ شكواهُ المتكررة..

لكن بثقة مَن يُبصر الغدَبعينيهِ أكدَ السيسي أن مصرَ ستنهي هذه المشكلة خلال سنتين بشكل نهائي وقال: "ليس لدينا خيارٌ آخر..لو تطلبَ الأمرُ منا ألا نأكل فلن نأكل..لا أستطيع أن آكلَ وأنامَ وأشعرَ بالسعادة وغيري لا ينعمُ بذلك"

جُملٌ متفائلة مثل هذهِ ليست جديدة أبداً على أسماعنا..ولكن الآذانَ العربية باتت تهابها كما تهابُ الموتَ المحدّق بها من كلِّ صوبومشكلة شعوبنا العربية أنها أدمنت بالفعل لغة الوعود الجوفاء حتى أصابتها بالإرباك والتشويش وأتعبها الركض الدائم وراء جزئياتٍ صغيرة أيقنت أن لا طائلَ من ورائها في عالمٍ لم يعد أحدٌ فيهِ يعبأ إلا بالنتائج..وكل تلك التراكمات المتلاحقة من الفشل والإحباط واليأس جعلَ شعوبنا تفقد الثقة بنفسها وقدراتها وحتى بمستقبلها أيضاً..لكن لماذا تبدو هذه الكلمات مختلفة هنا تماماً هذه المرة؟ صحيح أنها مقتضبة لكنها جادّة..قليلة لكنها طافحة بالأمل..هادئة لكنها صارمة كأنها موسٌ قاطع..

لستُ خبيراً اقتصادياً لكنني لا أستطيع أن أفهمَ حقاً أين يكمنُ سرُّ هذا الخلل الاقتصادي المزمن في أغلب بلادنا العربية رغم أني لا أشعر أبداً أننا أفرطنا كثيراً في أحلامنا حتى بدتْ بعيون حكامنا مستحيلة إلى هذا الحد..

ولم ينسَ السيسي في ختام كلمتهِ أن يطمئنَ فقراء مصرَ بقوله: إياكم أن تصدقوا أننا سنعدكم وعداً ولا ننفذه..لو كان مطلوباً من الدولة أن تبني للناس مليون شقة فسنبني مليون شقة!

هل تأملتم تلك الكلمات؟ كأن فيها مخاضَ وعدٍ يوشكُ أن يُنجبَ وعوداً قادمة جديدة ليس بوسعنا إلا أن نصدقها!

لكن بماذا تشعرُ حقاً وأنت تسمعُ من أعلى مسؤول في بلادك مثل هذهِ الكلمات في موقع الانجاز؟أنا عن نفسي تخيلتني مواطناً مصرياً من ساكني تلك العشوائيات البائسة وأقفُ لأشاهدَ بأمِّ عيني رئيس بلادي وهو يقفُ قربَ بيتي الجديد وسط منطقة سكنية راقية ومتكاملة الخدمات لم تكن قبل سنةٍ إلا أرضاً رملية جرداء فوجدتني أحسُّ فوراً بمشاعر فخرٍ نادر الحدوث! كأن يداً حانية وضعتْ بلسماً شافياً برفق على مواطن جراحي..

وبالعودةِ لكوني مستمعاً محايداً لهذا الكلام لم أشم أبداً رائحة وعودٍ زائفة كتلك التي شبعنا من سماعها لأن النتائج هي التي كانت تقف شاخصة على أرض هذا المشروع الكبير وليس الكلام..الانجاز لوحدهِ هو الذي تكلم بلغةٍ سهلةٍ وفصيحةٍ فهمها الجميع بسرعة حتى أبسط رجلٍ مصري أمي..

لم يكن للثرثرة مكانٌ هنا قط..وثمة إحساسٌ ربما لمسهُ كلُّ مَن استمع للسيسي أن كلامهُ عن مشروع الأسمرات أو ما سيتبعهُ في الغد من مشاريع أخرى يوشكُ أن يتحولَ من فورهِ إلى حقائق ملموسة على الأرض بمجرد التفوه بها وهذا هو أهم ما في الأمر كله..لأن ثقة المتكلم بما يعدُ بهِ تقابلها ثقة فورية بالإنجاز لمن ينصتُ له..

لا أريدُ هنا أن أمدحَ أحداً..لأني آليتُ على نفسي ألا أمدحَ أيَّ زعيمٍ عربي حتى وإن كان أهلاً لذلك..فمن يؤدي واجبهُ منهم لهُ حقُّ الشكرِ على ذلك فحسب من دون أن نلحقَ بأحدٍ أية بطولاتٍ مقدسة..لكن من الواضح أن ثمة لغة مصرية جديدة تولدُ اليوم لم تألفها أسماعنا وبنفَس مغاير..لغة تريدُ أن تطوي المسافات فتبتلعها وتسابق الزمن فتسبقهُ كي تعوضَ لمصرَ خساراتها المتراكمة وتضع بدلاً عنها بصماتٍ ملفتة لنجاحاتٍ تأخرت كثيراً في الوصول..

هذه هي الوصفة السحرية الناجعة التي تضعُ الكلامَ جنباً إلى جنبٍ مع الإنجاز من دون أيةِ ثرثرةٍ أو فواصلَ زائدة..ولا أعرفُ حقاً هل يلزمُ زعماءنا أكثر من أن يتسلحوا بهذه الثقة العالية بالنفس من أجل أن تبدو معادلة النجاح هذه يسيرة ومفهومة وقابلة للتحقق؟

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق