]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الشيخ رفاعة الطهطاوي بين جهل السلفية والحقيقة العلميّة

بواسطة: محمد عرفة  |  بتاريخ: 2016-06-11 ، الوقت: 03:13:05
  • تقييم المقالة:

يزهو الشاب أو الفتاة من خريجي كلية الألسن بجامعة القاهرة حين تسأله عن مؤهله فيقول لك وهو يبتسم : ألسن ..

هذه الكلية العريقة في القدم والتي تدرس لعات العالم كله شرقيه وغربيه, والتي تعد منارة للعلم والثقافة بأقسامها العديدة المتخصصة : من هو الذي أنشأها ؟ هل هو دكتور أو بروفيسور ؟ هل هو رئيس إحدى الجامعات ؟ هل هو وزير للمعارف أو التربية والتعليم ؟ هل هو قطب من أقطاب العلمانية أو اللادينية ؟!!

لا .. لقد أسسها شيخ أزهري من صعيد مصر من مدينة طهطا بمحافظة سوهاج أيام كان الأزهر أزهر قبل أن يضربه التخلف السلفي بدعم البترودولار بتدخل من الدول المجاورة التي لها ثأر قديم مع مصر, وهي حريصة على تركيع مصر وجعلها ولاية تابعة لها من خلال تنظيم جماعة الإخوان المسلمين وتلك الجماعات المتخلفة الطالعة من رحم القرون الوسطى بعملية قيصرية ببالغة السرعة..

من هو هذ الشيخ الذي لو رأيته لهويت على قدميه أقبلهما شكراً له على صنيعه وحمداً له على سعة أفقه وبعد نظره.. إنه الشيخ رفاعة الطهطاوي.. إمام بعثة السلطان العثماني محمد علي باشا إلى فرنسا..

هذا الشيخ الجليل الذي طالما نال منه السلفيون والتكفيريون والمتشنجون الذين يرفلون في جهلهم وأميتهم وانقطاعهم الكامل عن العصر بل وغيابهم الكلي عن دنيا الناس وحاجاتهم وطبيعة الزمن ونبضه واختلافه الكلي عن الزمن الذي يعيشون فيه ويريدون أن يرجعوا بنا إليه, متعامين عن تطور أربعة عشر قرناً كاملة تغيرت فيها طريقة المعيشة بل وطريقة التفكير ( إلى الأفضل في جوانب كثيرة جداً ).. ولكنهم لا يفهمون هذا.. مجرد أن زمناً ما عاش فيه رسول الله ص فكل من كان في هذا الزمن أفضل مما هو في زمننا.. فمعاوية عدو النبي وأهل البيت ومغتصب الخلافة وقاتل حجر بن عدي وعمار بن ياسر وإمام الدعاة إلى النار أفضل من عمر بن عبد العزيز فضلاً عن الشيخ الشعراوي شرقاً أو الإمام محمد بن عبد الكبير الكتاني غرباً, ولا أريد أن أستطرد في إخراج نتنهم لكي لا نلوث عبق هذه السيرة الزكية التي نتحدث فيها..

لماذا يشتد هجوم الوهابية على بعض الشخصيات بعينها حتى أنهم يفقدون صوابهم عند ذكرها كسيدي أحمد البدوي في القديم والشيخ الطهطاوي في الحديث ؟ 

لأنهم ليسوا منا ولسنا منهم, فهم يكرهون لنا الخير, سيدي أحمد البدوي كان ذا بأس شديد في الجهاد وقد أعز الله به هذه الأمة في حروبها مع الأعداء, ولذلك يكرهه الوهابية لأن بأسه شديد على خصوم هذه الأمة, والوهابية هم ألد خصومها على الإطلاق.

وأما كرههم للشيخ رفاعة فلأنه أحدث نهضة فكرية لأمتنا بشكل غير مسبوق منذ عدة قرون, فهو الذي أثرى حركة الترجمة العلمية عن اللغات الأوروبية إلى العربية , ولما شعر أنه لن يستطيع أن ينفذ هذا المشروع وحده بعمره القصير وجهده الفردي المحدود أسس لذلك كلية متخصصة لهذا المجال لا زالت تنبض حياة وتخرج شباباً جميلاً مستنيراً مثقفاً يسر الناظرين..

حين كنت وهابياً أقرأ في كتب الوهابية التي يكتبونها في الإسلام والتيارات المعاصرة, كنت أجدهم يعقدون فضلاً خاصاً عن الشيخ الطهطاوي وبعض الشخصيات المؤثرة كطه حسين وأحمد لطفي السيد وغيرهم, ولكني كنت أجد كلاماً متناقضاً عن الشيخ رفاعة, فقد كانوا ينقلون عن كتابه (تخليص الإبريز في تلخيص باريز) مقتطفات في توصيف الحياة الفرنسية وفولكلور الشعب الفرنسي وأصول الإيتيكيت ونحو ذلك, ثم يعقبون بقولهم : أن قصد الشيخ الأزهري هو التغريب واتباع اليهود والنصارى وتقليدهم في كل صغيرة وكبيرة و(لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة) ودوشة كبيرة أنتم تعرفونها وتعرفون طنين الوهابية وزعيقهم ونهيقهم جيداً..

المهم.. تصادف يوماً أني كنت في إحدى المكتبات التي تبيع الكتب ذات الطبعات القديمة فوجدت كتاب تخليص الإبريز هذا فاشتريته, فوجدت أن الكتاب لا يعدو أن يكون أحد كتب الرحلات التي يصنفها أي عالم أو رحالة يصف فيها مشاهداته وينقلها إلى أبناء وطنه, حيث لم تكن وسائل الاتصال حينئذ كما هي الآن شئ ممل من شدة ما أنت مطلع على كل شئ, لا .. كانت هناك مساحة للدهشة فيما سبق, وكانت هناك مساحة للتأمل والتنفس والتفكر في عظمة خلق الله..

هذا هو كل الموضوع, كتاب رحلات ككتاب ابن بطوطة أو ابن جبير.. فليست هناك مشكلة أبداً ! اللهم إلا في أن الوهابية لا يعلمون شيئاً عن فن الرحلات, أو هم يعلمون ولكنهم شغوفين بصبغ المجتمعات المسلمة بصبغة الكفر والإلحاد والزندقة, بمعنى مختصر : ( شيطنة الناس ) وإشعارهم بأنهم عصاة وكفار, وتكرار هذه الاسطوانة حتى يصدقها الناس وينسوا أنهم أمة مرحومة هي أكرم أمة على الله ورسوله ص, وأن ربهم رب رحيم لا يريد بهم رهقا.. ولا يريد منهم إلا أن يتحابوا ويحبوا نبيهم وأهل بيته ويناصروهم على أعدائهم (الذين هم شيوخ الوهابية أنفسهم) !!

أنقل هنا بضعة سطور في ترجمة الشيخ رفاعة الطهطاوي من كتاب ( السلفية وصناعة الجهل ) الصادر عن مشيخة الطريقة العزمية ..

يقول المؤلف :

[ شيخنا الذى نعنيه هنا بالمسلم الحق فهو قد تعدى دور الشيخ إلى دور الرائد والمصلح صاحب الفكر المستنير البصيرة الثاقبة الذى رأ ى علل المسلمين وأسباب تخلفهم وانحطاطهم بالقياس إلى الدول المتقدمة فى عصره.
ونعنى بهذا الشيخ: رفاعة رافع الطهطاوى.

وفيما يلى نبذة عن حياته ومآثره فى خدمة الوطن نقلاً عن كتاب الدكتور جمال الدين الشيال (رفاعة الطهطاوى):

ولد رفاعة فى طهطا سنة ١٢١٦ ه - ١٨٠١ م، وإ ليها ينسب، وفيها تلقى علومه الأولى، وفى سنة ١٢٣٢ ه - ١٨١٧ م
وفد على القاهرة، والتحق بالأزهر و مكث به نحو خمس سنوات ختم فيه دروسه، فلما أتم الحادية والعشرين من عمره أصبح أهلاً للتدريس، فدرس فى الأزهر، وكان يتردد أحيانً ا على مدينته طهطا فيلقى على أهلها بعض دروسه.
وفى سنة ١٢٤٢ ه - ١٨٢٦ م أوفدت مصر أول بعثة كبيرة إلى فرنسا، فسافر رفاعة ليكون إماما للبعثة – لا طالبا من
طلابها -، ولكن رفاعة كان ذا نفس طموحة وآمال عريضة، وحب للعلم، وشغف بالبحث، فأعد العدة بينه وبين نفسه أن يقبل على التحصيل منذ أن يغادر أرض مصر، حتى ي عود إلى وطنه خيرا مما غادره، وقد بر بوعده لنفسه، فحصل فى فرنسا الكثير، وكان أنبغ أعضاء بعثته، ثم كان زعيم النهضة العلمية فى عصره وقائدها بعد عودته، وهكذا أراد الله – كما يقول المرحوم الأستاذ أحمد أمين – (أن يكون الإمام فى الصلاة إماما للحركة العلمية فى مصر).

وكان رفاعة أكثرهم انهماكًا فى عمله، وأشدهم إقبالاً عليه، ولم تكن تسعفه أوقات فراغه فى النهار، فكان يقضى معظم
ساعات الليل ساهرا بين كتبه ودروسه يقرأ ويتفهم ويترجم، حتى أصيبت عينه اليسرى بضعف ونصحه الطبيب بالراحة،
ونهاه عن المطالعة فى الليل، ول كنه لم يمتثل لخوف تعويق تقدمه.

ولم يقنع رفاعة بالكتب التى تُ شترى له على حساب البعثة، فقد شعر بلذة المعرفة، فأقبل يشترى كتبا أخرى من ماله
الخاص، ثم أدرك أن دروس أساتذته لا تكفى لإشباع نهمه، فاستأجر معلما خاصا يدرس له أكثر من سنة، وكان يدفع له
أجره من مرتبه الخاص. أرسل رفاعة إلى فرنسا ليكون إماما للبعثة، ولكن يبدو أن الأوامر صدرت فى آخر لحظة أن يسمح له بالدراسة، فإن أقبل ووفق فليوجه إلى إتقان الترجمة وذلك لأن ثقافته الأزهرية فى اللغة العربية ترشحه لهذا العمل إذا ألم باللغة الفرنسية وأتقنها، وهذا عمل واسع عريض؛ لأنه غير محدود، فحكومة ذلك العهد كانت مقبلة على الترجمة فى كل علم وفن : فى الهندسة والطب، والفنون العسكرية، والتاريخ والجغرافيا .. إلخ، فواجب رفاعة
إذن أن يقرأ كتبا فى كل هذه العلوم، وأن يمرن على الترجمة فيها جميعا، ويا له من واجب شاق !! ولكن هِمة رفاعة كانت همة عالية، فاستسهل الصعب، وأقبل ووفق. وقد ذكر رفاعة فى رحلته العلوم والفنون التى درسها، وعين
الكتب التى قرأها والتى ترجمها أو بدأ يترجمها فى باريس، ومنها نلحظ أن ثقافته كانت موسوعية فقد قرأ كتبا كثيرة فى مختلف العلوم مع أساتذته، ثم قرأ كتب ا كثيرة أخرى وحده، وإنا لنحس فى جهوده التى ذكرها أنه ما كان يفر غ من قراءة كتاب فى أى علم من العلوم أو فن من الفنون حتى يقبل على ترجمته، يريد بذلك أن ينقل لمصر وبنيها هذا العلم الجديد عله يبعثهم إلى نهضة جديدة تنتهى بهم إلى أن يكونوا كأبناء أوربا حضارة ورقيا، ولكن أن ى له الوقت لترجمة هذه الكتب جميعا؟ ومع هذا فقد بدأ، وترجم كتبا أو رسالات صغيرة، ثم ترجم فصولاً من الكتب الكبيرة، وكأنى به قد ترك الباقى حتى يعود لمصر، فيتم ما بدأ، وقد فعل؛ ولكن جهده جهد إنسانى محدود، ووقته وقت محدود، وهنا ترقب الفرص – بعد عودته – حتى سنحت فعرض مشروعه لإنشاء مدرسة الألسن، وقد أنشئت، واتسعت بعد إنشائها حركة الترجمة، واستطاع رفاعة أن يحقق بعض آماله، ويؤيدنا فى هذا أن معظم الكتب الأولى التى ترجمها خريجوا الألسن هى الكتب التى قرأها رفاعة فى باريس، والتى كان يتمنى أن يترجمها بنفسه.



ومن أبرز جهود رفاعة فى خدمة بنى وطنه إنشا ؤه مدرسة الألسن سنة ١٨٣٥ م، وقد أنش ئت هذه المدرسة تحقيقًا لاقتراح رفاعة الطهطاوى . يقول على مبارك : ثم عرض، أى : رفاعة، للجناب العالى أن فى إمكانه أن يؤسس مدرسة ألسن يمكن أن ينتفع بها الوطن، ويستغنى عن الدخيل، فأجابه إلى ذلك، ووجه إلى مكاتب الأقاليم لينتخب منها من التلامذة ما يت م به المشروع، فأسس المدرسة.

وكانت مدة الدراسة بالمدرسة خمس سنوات قد تزداد إلى ست سنوات ، وفى سنة ١٢٥٥ ه - ١٨٣٩ م اكتملت المدرسة،
وأصبح بها ٥ فرق، وخرجت أول فريق من تلامذتها، وكان تلاميذ الفرقة الأولى، أى : الأخيرة، يترجمون كتبا فى التاريخ والأدب، ويقوم على إصلاحها أساتذتهم ومدير مدرستهم رفاعة رافع، ثم تقدم إلى المطبعة فتطبع وتنشر كتبا يقرأها المدرسون والتلاميذ...

وقد عهد إلى رفاعة – إلى جانب التدريس – بإدار ة المدرسة، وكان من واجباته:
١- أن يشرف على المدرسة من الناحيتين الفنية والإدارية.
٢- أن يدرس للتلاميذ الأدب والشرائع الإسلامية والغربية.
٣- أن يختار الكتب التى يرى ضرورة ترجمتها، ويوزعها على المترجمين من تلاميذ المدرسة وخريجيها الملتحقين بقلم
الترجمة، ويشر ف على توجيههم فى أثناء قيامهم بالترجمة، ويقوم بمراجعة الكتب وتهذيبها بعد ترجمتها ، وكان رفاعة
يرأس كل عام لجنة الامتحان التى تعقد لتلاميذ مكاتب المبتديان والأقاليم، فيسافر إليها فى النيل، ويمتحن تلاميذها، ويصحب المتفوقين منهم ليلحقهم بالمدرسة التجهيزية المل حقة بمدرسة الألسن.

فى رمضان سنة ١٢٤١ ه غادر رفاعة الإسكندرية مرتحلاً إلى فرنسا، وفى رمضان سنة ١٢٤٦ ه غادر باريس عائدا إلى
مصر، خمس سنوات كاملة تغير فيها الشيخ عقلاً وعلما، وتفكيرا وآمالاً، ل كنه لم يتغير - بل لم يتأثر - دينًا وأخلاقًا .
يقول على مبارك : ولم تؤثر إقامته بباريز أدن ى تأثير فى عقائده، ولا فى أخلاقه وعوائده...

وقد تعددت جهود هذا الشيخ الجليل الذى يعد مثالاً للمسلم المستنير الذى رأى وطنه يتردى فى محنة التخلف فأراد بوازع
من الضمير الحى أن يسهم فى رفعته وانتشاله مما هو فيه من تخلف؛ فألف وترجم كتبا فى مجالات شتى فى العلوم والفنون والآداب، بالإضافة إلى كونه شاعرا تغنى بالوطن فى الكثير من شعره.

ولعل الوطن كان هو الفكرة المسيطرة على جهد الشيخ دون أن ين س واجبات دينه غير أن الوطن هو أحوج ما يكون إلى النصرة والعون. اهـ ( السلفية وصناعة الجهل 54-60)

صورة الشيخ رفاعة الطهطاوي..


http://www.alwafd.org/%D8%AB%D9%82%D...A7%D9%88%D9%89


هل يصدق أحد أن شيخاً جليلاً كهذا , بهذا الطموح وهذه الهمة الكبيرة, كان عمره حين سافر فرنسا خمسة وعشرون عاماً ؟ وحين رجع كان لا يتجاوز الثلاثين ؟

ومع ذلك فأنت حين تقرأ كتابه تستمتع أيّما استمتاع بفصاحة العربية كأنك تقرأ مقدمة نهج البلاغة التي كتبها الإمام محمد عبده أو كأنك تقرأ أحد كتب الجاحظ أو الرغب الأصفهاني !

وقد رأيت خط وتوقيع الشيخ رفاعة مصوّراً في أول صفحة من كتابه سالف الذكر, فكان خطه بالع الحُسن والجمال.. وكل شئ فيه جميل.. فليس غريباً أن يبغي عليه القُبح والدمامة, ووالله لو اجتمع القُبح الذي خلقه الله عزوجل منذ بدء الخليقة وإلى أن تقوم الساعة فلن يظهر وسيبدو ميكروسكوبياً بجانب قُبح الفكر الوهابي ومن يعتنقه ويريد صبغ الأمة به..

مع كل هذا فأنا متفائل..

فسوف ينقشع ظلام هذه الـ(كبوة) الإسلامية وينفجر نور فجر إسلام متجدد هو إسلام أهل البيت عليهم السلام.. وسوف يسطع نوره على العالم بأسره..


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق