]]>
خواطر :
شُوهدت البهائم على أبواب مملكة الذئابُ وهي تتنصتُ ... البهائم للذئابُ وهي تتساءل...أهو يوم دفع الحساب أم صراع غنائمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

أي صور البلاء أصعب على نفسك ؟

بواسطة: محمد عرفة  |  بتاريخ: 2016-06-11 ، الوقت: 01:30:10
  • تقييم المقالة:


(الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا)..

الله تعالى خلقنا في هذه الحياة الدنيا لحكم جليلة ليست العبادة هي الوحيدة من بينها, وإنما هناك حكم كثيرة منها حكمة الابتلاء والاختبار أينا يكون أكثر شبهاً بالقدوة العظمى والشفيع الأقوى سيدنا ومولانا محمد ص وآله.. أينا تكون صفاته أقرب إلى النبي ص وأهل بيته..

وهذا يظهر من خلال العمل ( أيكم أحسن عملا )..

والعمل يظهر من خلال التجريب والاختبار..

فأي صور الإختبار أصعب ؟

في رأيي أن أصعب صور الإختبار هي أن يوفقك الله تعالى أن تنسلخ من نفسك.. 

ستقول : وكيف أنسلخ من نفسي ؟ ماذا تقصد ؟!

وأقول : أضرب لك مثالاً جميلاً .. تذكّر قوله تعالى في سورة الصافات عن سيدنا إبراهيم وابنه سيدنا اسماعيل عليهما السلام ( فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ . فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ . فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ . وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ . قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ 

تأمل كم الثناء الذي أثنى به الله تبارك وتعالى على سيدنا إبراهيم : 

وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ . وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ . سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ . كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ . وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ . وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ ).. 



ولكن اماذ عقب الحق تبارك وتعالى على هذا الاختبار بأنه هو البلاء المبين ..

 

كل منا يتعرض لاختبار شبيه باختبار سيدنا إبراهيم هذا.. ولكن تختلف الأحوال فقد يكون الاختبار على بعضنا شديداً وعلى البعض الآخر خفيفاً..

ولكن في حالة سيدنا إبراهيم كان شديداً جداً.. فهو أولاً ابنه وحيده, ثم هو فتى جميل عاش تحت عينه أكثر من عشرة أعوام أو خمس عشرة سنة حتى صار أهلاً للسعي والكسب (فلما بلغ معه السعي).. 

لقد أحبه حباً جمّاً حتى سكب إليه نفسه وصار عصارة قلبه وثمرة فؤاده.. وفي هذه الحالات قد يفدي المرء حبيبه بنفسه هوشخصياً لأنه أعز عليه حتى من نفسه التي بين جنبيه... وهذا هو سر قوله تعالى ( إن هذا لهو البلاء المبين )..

وهنا.. جاءه الاختبار المبين.. لقد رأى في المنام أنه يذبحه.. ورؤيا الأنبياء حق.. فما العمل ؟! هل يعصي الأمر الإلهي ويقول سأتوب كما نفعل نحن ؟

ليس هذا هو سيدنا إبراهيم عليه السلام..

لقد توجه غير ملتفت إلى ابنه مباشرة وقص عليه القصة.. فبما أجاب الإبن الذي تربى التربية الإبراهيمية ؟ هل عرض الأمر على عقله وترك المجال للحجج العقلية (الصحيحة في ميزان البشر) كأن يقول : وما ذنبي أنا أن أذبح ! ولماذا أعاقب على محبة أبي لي.. و.. و.. و..

لا.. لم يختلف رد فعله عن رد فعل أبيه الذي رباه على الرجولة .. الرجولة الحقة مع الله تعالى ( من المؤمنين رجال ).. ( قال يا أبت افعل ماتؤمر . ستجدني إن شاء الله من الصابرين ) ..

ما هذه العظمة ؟

هل هؤلاء بشر مثلنا ؟

هؤلاء أنوار من أنوار الله !!

نقولها لأفراخ اليهود الذين يحاربون النبي ص وأهل بيته ليل نهار ويتقربون إلى الله بذلك ويظنون أنهم بتزهيدهم في الأنبياء وآلهم سيكونون في مرتبتهم بالعمل والركوع والسجود والبكاء والعويل.. ولن يقبلهم الله تعالى في الأمة أصلاً حتى يعرفوا قدر النبي ص وآله وإمامهم المهدي الآتي في آخر الزمان... ومن مات منهم على إنكار أهل البيت مات كافراً ولا كرامة ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا )..

نعود لنقول :

لقد ضرب الأب والإبن أروع مثل في الامتثال للأمر الإلهي حتى صاراً مفخرة وقدوة للناس وصارت قصتهما قرآنا يتلى آناء الليل وأطراف النهار منذ آلاف السنين وإلى قيام الساعة..
 

ما السر وراء الأمر الإلهي ؟


السر لا تعقله عقلية المتكبرين والمتجبرين, ولا تعقله عقلية الفقهاء الجهال المتعجرفين ولا المنكرين على الصوفية..

السر هو أن الله تعالى خلق الخلق ولم يكن شئ معه... وهو يحب أن يكون على ما عليه كان..

يحب أن يكون صوت الحق ومراد الحق هو المرفرف على الكون .. لا وجود لغيره.. فهو المطلق.. منبع الكمال وأصله... مصدر الجمال والجلال.. لا تنظر إلى الصور عليك بالأصل ! لا وجود حقيقي للصور.. الصور تستمد وجودها من الأصل ولولا الأصل لما كان للصورة وجود .... إنها (وحدة الوجود).....

إنه (الفناء) و (البقاء).. 

فناء صفاتك كصورة من الشح والجبن والبخل والطمع والخسة والظلم والجهل ووو...

وبقاؤك بصفات الحق تبارك وتعالى المعروفة الحسنى العليا من الرحمة والحكمة والعلم والكرم والعدل والشرف ووو..

فهذه صفاته الحسنى العلى, والأخرى صفاتك أنت.. لذلك فأنت تحتاج إلى أن تفنى صفاتك لتعيش بصفاته, أو باصطلاح الصوفية أن (تبقى) بصفات الحق تعالى..

هذا هو الفناء وهذه هي وحدة الوجود التي لا يمكن أن نفهمها إلا من خلال الذوق ( أي التذوق ) وتحرك المشاعر الصخرية تلك.. الفناء ووحدة الوجود التي عرفناها في قصة أبينا إبراهيم وابنه عليهما السلام.. إنها قصة إثبات الوجود لله تعالى مع محو وجودهما كصور خلقها هو من عدم.. لقد فنيا في محبة الله والرضى بقدره حتى لم يعد لهما معه وجود.. فلا إرادة ولا عقل ولا زجزد أصلاً..

فمع غرابة الأمر الإلهي في الظاهر إلا أنهما لم ينسباه إلى الظلم ولا إلى التعسف لرسوخ أقدامهما في إنكار وجودهما وتفانيهما في وجوده.. ولو كان ظالما لما وهبهما الوصال مرة أخرى.. فهو يحب الوصال والتوادّ .. ولكنه يحب ألا يؤدي هذا الوصال إلى ضعف في اتصالك بالجمال المطلق الذي هو أصل الموجود الذي تحبه... إياك أن يشغلك عنه أو أن تقدمه عليه فهو غيور ! 

هذه هي وحدة الوجود - ميدان عبودية سيدنا رسول الله ص - التي كان يتحدث فيها الشيخ الحبيب المحبوب سيدي محي الدين بن عربي الطائي عليه سحائب الرحمة.. وهذه هي (العبودية) بمعناها العميق وبحرها الغريق الذي قل فرسانه وندرت ركبانه..

وهذا ما لا يفهمه ( أو بالأحرى لا يريد أن يفهمه ) الفقهاء والمتجبرون المتطاولون على الصوفية..

ويعلم الله تعالى أن قوالم أظفار صوفي ضعيف ذي طمرين يعلم تلك العلوم : بملء الأرض من الفقهاء (المسمون بالعلماء) المنكرين على الصوفية.. ينكرون وحدة الوجود ولا يعلمون ماذا يعني بها الصوفية, ويظنون أنهم يريدون بها نفس مراد باروخ سبينوزا وفلاسفة اليهود والنصارى.. إنها نفس عقلية الوهابية وتيار الفراعنة الذي أنشأه معاوية ويزيد في صدر الإسلام..

ولكن تبقى عصابة ظاهرة على الحق , تحمل تلك العلوم وتطبقها وتعطي مثالاً حسناً كالذي ضربه أبونا إبراهيم وابنه عليهما السلام.. تلك العصابة هي إمام الزمان وأصحابه الكرام في كل عصر ومصر..

فسلام الله عليهم ورحمته وبركاته...
 


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق