]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

اعمل وعينك على النهاية

بواسطة: جهلان إسماعيل  |  بتاريخ: 2016-06-10 ، الوقت: 22:02:15
  • تقييم المقالة:

جهلان إسماعيل

 

يعيش المسلم في هذه الدنيا مثل عابر السبيل الذي جلس يستريح في ظل شجرة وعينه على وجهته لأنه يعلم أن هذا الظل الذي استراح فيه سرعان ما سيتركه شاء أم أبى ، وقد ينسى بعضنا في زحمة  الحياة وأشغالها هذا المعنى ، فيعيش كأنه باق مخلد ، وإذا أراد الله بالعبد خيرا أيقظه من غفلته وأفاقه من سكرته ورد إليه صوابه وهداه لما فيه نفعه وفلاحه.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أراد الله بعبده خيراً استعمله) قالوا: كيف يستعمله؟ قال: (يوفقه لعمل صالح قبل موته) رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه الحاكم في المستدرك.

في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد. قال: فوالله الذي لا إله غيره، إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها )

يقول الشيخ البراك في شرح العقيدة الطحاوية:

 (فالعبرة بالخواتيم، ماذا ينفع من كان دأبه الإحسان إذا تحول وتغير وانقلب من الإحسان إلى العدوان فبعد أن كان محسنا مصلحا صار ظالما مفسدا، فمن كان مؤمنا مدة طويلة، ثم صار كافرا، فكفره يحبط ما قبله.

ولهذا من أهم ما يجب أن يهتم به المسلم أمر الخاتمة، فيسأل ربه الثبات أولا؛ لأن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، ومن دعائه النبي - صلى الله عليه وسلم -: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)  وهذا يتضمن سؤال حسن الخاتمة، والله تعالى يقول: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ  إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)) [آل عمران: 102] أي: استقيموا على الإسلام حتى يأتيكم الموت وأنتم على ذلك، ((وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)) [الحجر: 99]

ومن دعاء الصالحين: سؤال الوفاة على الإسلام كما قال السحرة: ((رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرَاً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ)) [الأعراف: 126]، ويوسف عليه السلام يقول: ((تَوَفَّنِي مُسْلِمَاً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)) [يوسف: 101] وهذا كله من سؤال الله حسن الخاتمة.

وحيث أننا لا نعرف متى يوافينا الأجل ولا متى تحين ساعتنا التي ننتقل فيها من هذا الدار إلى الدار الأخرة ، ولا بأي أرض ينقضي الأجل، فإن من الواجب علينا أن نكون دائما على قدم الإستعداد لهذه اللحظة الحاسمة التي نفارق فيها أهلنا وأحبابنا ولا ينفعنا فيها مال ولا بنون إلا ما قدمنا لأنفسنا من عمل صالح.

مشيناها خطىً كتبت علينا ... ومن كتبت عليه خطىً مشاها

وأرزاقٌ لنا متفرقاتٌ ... فمن لم تأته منا أتاها

ومن كتبت منيته بأرض ... فليس يموت في أرض سواها

ومما يعين المسلم على حسن الإستعداد للموت المفضي لحسن الخاتمة ، أن يعرف الأسباب التي تؤدي إلى حسن الخاتمة

وقد ذكر الدكتور علي الصلابي في كتابه القيم " الإيمان باليوم الآخر) أسباب حسن الخاتمة ونوجزها فيما يلي:

1ـ إقامة التوحيد لله (جلّ وعلا):

إن إقامة التوحيد في قلب المسلم يجني ثماره في حياته وعند موته وفي قبره ويوم حشره ويكون سبباً في دخول جنات ربه ورضوانه قال صلى الله عليه وسلم: فإن الله حرّم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله.

2ـ الاستقامة: قال تعالى:"إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" (الاحقاف، آية: 13).

قال عمر بن الخطاب: الاستقامة: أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تروغ روغان الثعالب.

3ـ التقوى: قال تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ " (آل عمران، آية: 102)،

 قوله ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) أي : حافظوا على الإسلام في حال صحتكم وسلامتكم لتموتوا عليه ، فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه ، ومن مات على شيء بعث عليه ، فعياذا بالله من خلاف ذلك . ( ابن كثير )

4ـ الصدق: قال تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ" (التوبة، آية: 119). وقال صلى الله عليه وسلم: ما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقاً .

5ـ التوبة: قال تعالى:" وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" (النور، آية: 31).

وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ".

6ـ الدعاء: كان من دعاء الصالحين أن يتوفاهم الله حين انقضاء آجالهم وهم متمسكون بالطاعات ملازمون لها، ومجانبون للمعاصي مفارقون لها، مصاحبون للابرار معدودون في زمرتهم

7ـ قصر الأمل والتفكر في حقارة الدنيا: قال تعالى:" اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ" (الحديد، آية: 20).

وقال صلى الله عليه وسلم:" الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه أو عالماً أو متعلماً."

8ـ الإكثار من ذكر الموت: ذكر الموت ينغص اللذات، ويحقّر الشهوات ويجعل الآخرة نصب العين.

9ـ غلبة الرجاء وحسن الظن بالله: قال تعالى:" مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" (العنكبوت، آية: 5

لا يجتمع الخوف والرجاء في قلب العبد عند سكرات الموت ومفارقة الحياة إلا أعطاه الله ما يرجوه من الرحمة وآمنه مما يخافه من العقوبة والمغفرة ، ولكن ينبغي أن يغلّب عند الموت جانب الرجاء على الخوف، وأن الله تعالى يرحمه ويعفو عنه، ويتجاوز عن سيئاته، وذلك حسن الظن الذي عناه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جابر بن عبد الله الأنصاري حين قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحُسن الظن بالله عزّ وجلّ ".

10ـ البعد ان أسباب سوء الخاتمة: فإن من أسباب حُسن الخاتمة، الخوف من سوء الخاتمة والبعد عن أسبابها وهي، فساد المعتقد والانغماس في البدع، النفاق ومخالفة الباطن للظاهر، التسويف بالتوبة، طول الأمل وحب الدنيا، تعلق القلب بغير الله، إلف المعاصي والإصرار عليها، الانتحار واليأس من رحمة الله، مصاحبة أهل الفساد، عدم الاستقامة على الطاعة.

من علامات حسن الخاتمة:

علامات حسن الخاتمة التي جاءت في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير منها، من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، الموت برشح الجبين، الموت يوم الجمعة، القتل في سبيل الله، الموت غازياً في سبيل الله، الموت بالطاعون، الموت بداء البطن، الموت بالغرق، الموت بالهدم، الموت في سبيل الدفاع عن المال والدين والنفس، موت المرأة في نفاسها بسبب ولدها، الموت مرابطاً في سبيل الله، الموت على عمل صالح.

وما أجمل وأبلغ هذه الموعظة التي جاءت في بحر الدموع لابن الجوزي رحمه الله:

إخواني، إلى كم تماطلون بالعمل، وتطمعون في بلوغ الأمل، وتغترّون بفسحة المهل، ولا تذكرون هجوم الأجل؟ ما ولدتم فللتراب، وما بنيتم للخراب، وما جمعتم فللذهاب، وما عملتم ففي كتب مدّخر ليوم الحساب. وأنشدوا:

ولو أننا إذا متنا تركنا ... لكان الموت راحة كل حيّ

ولكنّا إذا متنا بعثنا ... ونسأل بعدها عن كل شيء

يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لا يغرّنّكم قول الله عز وجل: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا} الأنعام 160، فان السيئة وان كانت واحدة، فإنها تتبعها عشر خصال مذمومة:

أولها: إذا أذنب العبد ذنبا، فقد أسخط الله وهو قادر عليه.

والثانية: أنه فرّح إبليس لعنه الله.

والثالثة: أنه تباعد من الجنة.

والرابعة: أنه تقرّب من النار.

والخامسة: أنه قد آذى أحب الأشياء إليه، وهي نفسه.

والسادسة: أنه نجس نفسه وقد كان طاهراً.

والسابعة: أنه قد آذى الحفظة.

والثامنة: أنه قد احزن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قبره.

والتاسعة: أنه أشهد على نفسه السموات والأرض وجميع المخلوقات بالعصيان.

والعاشرة: أنه خان جميع الآدميين، وعصى رب العالمين.

إن حسن الخاتمة ما هو إلا نتاج الإستعداد الجاد لهذه اللحظة التي يفارق فيها المرء دنياه ، ولن يأتي أبدا بدون تعب أو جهد فالمرء يموت على ما عاش عليه ويبعث على ما مات عليه وحسن البدايات يؤدي إلى النجاح والفلاح في النهايات.

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق