]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

كهنوت السلفية وصناعة الجهل والظلم

بواسطة: محمد عرفة  |  بتاريخ: 2016-06-09 ، الوقت: 09:26:58
  • تقييم المقالة:

يحكي لنا ابن العربي قصة وقعت بحضوره وفي زمانه قال: كان شيخنا أبو بكر الفهري يرفع يديه عند الركوع، وعند رفع الرأس منه، وهذا مذهب مالك والشافعي، وتفعله الشيعة.

فحضر عندي يوماً بمحرس "ابن الشواء" بالثغر موضوع تدريسي عند صلاة الظهر ودخل المسجد من المحرس المذكور، فتقدم الى الصف الأول وأنا في مؤخره قاعدة على طاقات البحر، أتنسم الريح من شدة الحر..

ومعه في صف واحد "أبو ثمنة" رئيس البحر وقائده مع نفر من أصحابه ينتظر الصلاة ويتطلع إلى مراكب تحت الميناء..

فلما رفع الشيخ يديه في الركوع وفي رفع الرأس منه قال "أبو ثمنة" وأصحابه ألا ترون إلى هذا المشرقي كيف دخل مسجدنا ؟ فقوموا إليه فاقتلوه وارموا به في البحر فلا يراكم أحد! 

فطار قلبي من بين جوانحي، وقلت: سبحان اللّه، هذا الطرطوسي فقيه الوقت

فقالوا لي : ولِمَ يرفع يديه؟!! 

فقلت: كذلك كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يفعل، وهو مذهب مالك في رواية أهل المدينة عنه، وجعلت أسكنهم وأسكتهم، حتى فرغ من صلاته، وقمت معه الى المسكن من المحرس، ورأى تغير وجهي ، فأنكره وسألني فأعلمته فضحك، وقال: ومن أين لي أن أقتل على سنة، فقلت له: ولا يحل لك هذا فإنك بين قوم إن قمت بها قاموا عليك، وربما ذهب دمك، فقال: دع هذا الكلام وخذ في غيره.

 

وقد نبه الإمام الشاطبي رحمه الله لهذا الخطر وحذر منه فقال في موافقاته : إن تعويد الطالب على ألا يطلع إلا على مذهب واحد ربما يكسبه ذلك نفوراً وإنكاراً لكل مذهب غير مذهبه ما دام لم يطلع على أدلته، فيورثه ذلك حزازة في الاعتقاد في فضل أئمة أجمع الناس على فضلهم وتقدمهم في الدين، وخبرتهم بمقاصد الشارع وفهم أغراضه. اهـ 

 

هذا النمط من التفكير نمط قديم في الحياة الإسلامية، وكان أول من ابتدعه معاوية بن أبي سفيان وابنه يزيد حين أمعنا في قتل الصحابة وأهل البيت على الإختلاف في الدين (وفي الحقيقة هو خلاف سياسي) ولكن رفع لافتة الدين على السياسة كانت ولا زالت عادة طغاة الحكام، بداية من العصور الأولى حيث كان الحاكم يروج أنه ابن الله أو إله أو نصف إله ويجبر الناس على عبادته، ويؤدلج ذلك عن طريق الكهنة الذين يخدعون الناس ويرهبونهم من نصف الإله كي لا تقوم عليه ثورة ولا يقدر أحد على قول كلمة حق أمامه.. فلما جاء رسول الله ص:

1- قضى على عقائد عبادة الحكام الأشرار والشرك بالله

2- أوصى الناس بلزوم أهل البيت (وإني تارك فيكم ثقلين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله.. وعترتي أهل بيتي) لأن أهل البيت هم رموز الخير والحق والعدل ولا زالوا يمثلون تيار المعارضة والحركات الثورية على الظلم في كل زمان ومكان.

3- بعد أن قضى رسول الله على دولة الشرك في القلوب، عمل على القضاء عليها أرض الواقع السياسي، ولذلك كان هدف الفتوحات الإسلامية هو الإطاحة بالطاغية الذي يعبد من دون الله ويمتص دماء العباد، إلى أن سطا معاوية على الخلافة وحوّل وجهة الفتوحات عن هذا الهدف النبيل إلى هدف جمع الخراج والجباية والتوسع في ملك الحاكم وتسلطه على رقاب الناس.. فأعاد الأمر إلى الجاهلية الأولى مرة أخرى.. ولذلك لم ينتشر الإسلام في بلاد الشام التي حكمها معاوية إلا في وقت قريب، حتى أن العلامة المؤرخ سهيل زكار يقول أن المساجد في دمشق - حتى مجئ زمن الحروب الصليبية - كانت قليلة معدودة. 

4- عزز المعارضة ضد الحاكم وعلم الصحابة ألا يسكتوا على ظلم يرونه، وكان يقول لهم أنهم إن لم يأخذوا حقهم من الطاغية فإنه يوشك ألا يستجيب الله دعائهم، وكان يتلو عليهم قول الله تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَروا مِنْ بنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ داوُدَ وعِيسَى ابنِ مَرْيمِ ذلِك بما عَصَوْا وكَانوا يعْتَدُونَ ، كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعلُون صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم تَرى كثِيراً مِنْهُمُ يَتَوَلَّوْنَ الَّذينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ) إلى قوله : (فَاسِقُونَ) (المائدة : 78، 81) ثُمَّ قَالَ : «كَلاَّ وَاللَّه لَتَأْمُرُنَّ بالْمعْرُوفِ ، وَلَتَنْهوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، ولَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدِ الظَّالِمِ ، ولَتَأْطِرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْراً ، ولَتقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْراً ، أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّه بقُلُوبِ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ ، ثُمَّ لَيَلْعَنكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ » رواه أبو داود، والترمذي وقال : حديث حسن. وكان يقول لهم: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) رواه الترمذي. 

 

ولكن هذه التدابير لم يعمل بها المسلمون حين تخلوا عن مشروع الإمام علي وتقبلوا مشروع معاوية الذي عاد بهم إلى الجاهلية الأولى مرة أخرى وعمل على عكس مسار هذه التدابير الأربعة سابقة الذكر : 

1- فأعاد قدسية الحاكم الطاغية الذي يفعل ما بدا له دون حق لأحد في الإنكار عليه

2- وحارب أهل البيت الذين يمثلون المعارضة 

3- جعل هدف الفتوحات ليس الإطاحة بالحكام الطغاة (لأنه هو نفسه كان طاغية) وإنما جعل الهدف هو الجباية وتسخير الفتوحات لمصلحته الشخصية بدلاً من مصلحة البشرية. 

4- لم يقبل تيار المعارضة وإنما عمل على تصفيته بدرجة وصلت إلى التصفية الجسدية والمذابح الجماعية كما حدث في "موقعة الحرّة" الشهيرة. 

 

وأفرز تيار بني أمية هذا جيشاً من العلماء الذين يدعمون هذه السياسة الجديدة القديمة من الظلم والسكوت عن الباطل والإستبداد، تحت مسمى (أهل السنة والجماعة) 

وجاء ابن تيمية في القرن السابع وخطا خطوة خطيرة حين قام بوضع المؤلفات الكثيرة في جمع تراث بني أمية وتنظيره وتأصيله وعرضه على أنه هو الإسلام الذي بعث الله به نبيه صلى الله عليه وآله وسلم.. ون هنا ظهر تيار السلفية الذي يكفر الآخر ويصور نفسه كأنه هو الإسلام الرسمي.. 

وهذا كذب ودجل، لأن الله بعث نبيه بمنع الظلم وأخذ الحق من الظالم وإرساء قواعد العدالة والحريات العامة ومبدأ المواطنة والديمقراطية وسيادة القانون.. كل هذه مصطلحات معاصرة لكن المعنى واحد وإن اختلف المبنى اللغوي. كان هذا هو (إسلام الإنسان) لا (دين السلطان) على حد تعبير المرحوم جمال البنا، والذي يعرف اليوم بالسلفية، التي خرج من عبائتها جماعات التكفير وتنظيم القاعدة وتنظيم داعش وأخواتها.. 

إن الإسلام بدأ غرباً وقد عاد كما بدأ، فطبى للغرباء.. وهم الذين مع الإمام الوارث فرد وقته من أهل بيت النبي ص.

يحكي لنا ابن العربي قصة وقعت بحضوره وفي زمانه قال: كان شيخنا أبو بكر الفهري يرفع يديه عند الركوع، وعند رفع الرأس منه، وهذا مذهب مالك والشافعي، وتفعله الشيعة.

فحضر عندي يوماً بمحرس "ابن الشواء" بالثغر موضوع تدريسي عند صلاة الظهر ودخل المسجد من المحرس المذكور، فتقدم الى الصف الأول وأنا في مؤخره قاعدة على طاقات البحر، أتنسم الريح من شدة الحر..

ومعه في صف واحد "أبو ثمنة" رئيس البحر وقائده مع نفر من أصحابه ينتظر الصلاة ويتطلع إلى مراكب تحت الميناء..

فلما رفع الشيخ يديه في الركوع وفي رفع الرأس منه قال "أبو ثمنة" وأصحابه ألا ترون إلى هذا المشرقي كيف دخل مسجدنا ؟ فقوموا إليه فاقتلوه وارموا به في البحر فلا يراكم أحد! 

فطار قلبي من بين جوانحي، وقلت: سبحان اللّه، هذا الطرطوسي فقيه الوقت

فقالوا لي : ولِمَ يرفع يديه؟!! 

فقلت: كذلك كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يفعل، وهو مذهب مالك في رواية أهل المدينة عنه، وجعلت أسكنهم وأسكتهم، حتى فرغ من صلاته، وقمت معه الى المسكن من المحرس، ورأى تغير وجهي ، فأنكره وسألني فأعلمته فضحك، وقال: ومن أين لي أن أقتل على سنة، فقلت له: ولا يحل لك هذا فإنك بين قوم إن قمت بها قاموا عليك، وربما ذهب دمك، فقال: دع هذا الكلام وخذ في غيره.

 

وقد نبه الإمام الشاطبي يرحمه الله لهذا الخطر وحذر منه فقال في موافقاته : إن تعويد الطالب على ألا يطلع إلا على مذهب واحد ربما يكسبه ذلك نفوراً وإنكاراً لكل مذهب غير مذهبه ما دام لم يطلع على أدلته، فيورثه ذلك حزازة في الاعتقاد في فضل أئمة أجمع الناس على فضلهم وتقدمهم في الدين، وخبرتهم بمقاصد الشارع وفهم أغراضه. اهـ 

 

هذا النمط من التفكير نمط قديم في الحياة الإسلامية، وكان أول من ابتدعه معاوية بن أبي سفيان وابنه يزيد حين أمعنا في قتل الصحابة وأهل البيت على الإختلاف في الدين (وفي الحقيقة هو خلاف سياسي) ولكن رفع لافتة الدين على السياسة كانت ولا زالت عادة طغاة الحكام، بداية من العصور الأولى حيث كان الحاكم يروج أنه ابن الله أو إله أو نصف إله ويجبر الناس على عبادته، ويؤدلج ذلك عن طريق الكهنة الذين يخدعون الناس ويرهبونهم من نصف الإله كي لا تقوم عليه ثورة ولا يقدر أحد على قول كلمة حق أمامه.. فلما جاء رسول الله ص:

1- قضى على عقائد عبادة الحكام الأشرار والشرك بالله

2- أوصى الناس بلزوم أهل البيت (وإني تارك فيكم ثقلين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله.. وعترتي أهل بيتي) لأن أهل البيت هم رموز الخير والحق والعدل ولا زالوا يمثلون تيار المعارضة والحركات الثورية على الظلم في كل زمان ومكان.

3- بعد أن قضى رسول الله على دولة الشرك في القلوب، عمل على القضاء عليها أرض الواقع السياسي، ولذلك كان هدف الفتوحات الإسلامية هو الإطاحة بالطاغية الذي يعبد من دون الله ويمتص دماء العباد، إلى أن سطا معاوية على الخلافة وحوّل وجهة الفتوحات عن هذا الهدف النبيل إلى هدف جمع الخراج والجباية والتوسع في ملك الحاكم وتسلطه على رقاب الناس.. فأعاد الأمر إلى الجاهلية الأولى مرة أخرى.. ولذلك لم ينتشر الإسلام في بلاد الشام التي حكمها معاوية إلا في وقت قريب، حتى أن العلامة المؤرخ سهيل زكار يقول أن المساجد في دمشق - حتى مجئ زمن الحروب الصليبية - كانت قليلة معدودة. 

4- عزز المعارضة ضد الحاكم وعلم الصحابة ألا يسكتوا على ظلم يرونه، وكان يقول لهم أنهم إن لم يأخذوا حقهم من الطاغية فإنه يوشك ألا يستجيب الله دعائهم، وكان يتلو عليهم قول الله تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَروا مِنْ بنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ داوُدَ وعِيسَى ابنِ مَرْيمِ ذلِك بما عَصَوْا وكَانوا يعْتَدُونَ ، كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعلُون صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم تَرى كثِيراً مِنْهُمُ يَتَوَلَّوْنَ الَّذينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ) إلى قوله : (فَاسِقُونَ) (المائدة : 78، 81) ثُمَّ قَالَ : «كَلاَّ وَاللَّه لَتَأْمُرُنَّ بالْمعْرُوفِ ، وَلَتَنْهوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، ولَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدِ الظَّالِمِ ، ولَتَأْطِرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْراً ، ولَتقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْراً ، أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّه بقُلُوبِ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ ، ثُمَّ لَيَلْعَنكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ » رواه أبو داود، والترمذي وقال : حديث حسن. وكان يقول لهم: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) رواه الترمذي. 

 

ولكن هذه التدابير لم يعمل بها المسلمون حين تخلوا عن مشروع الإمام علي وتقبلوا مشروع معاوية الذي عاد بهم إلى الجاهلية الأولى مرة أخرى وعمل على عكس مسار هذه التدابير الأربعة سابقة الذكر : 

1- فأعاد قدسية الحاكم الطاغية الذي يفعل ما بدا له دون حق لأحد في الإنكار عليه

2- وحارب أهل البيت الذين يمثلون المعارضة 

3- جعل هدف الفتوحات ليس الإطاحة بالحكام الطغاة (لأنه هو نفسه كان طاغية) وإنما جعل الهدف هو الجباية وتسخير الفتوحات لمصلحته الشخصية بدلاً من مصلحة البشرية. 

4- لم يقبل تيار المعارضة وإنما عمل على تصفيته بدرجة وصلت إلى التصفية الجسدية والمذابح الجماعية كما حدث في "موقعة الحرّة" الشهيرة. 

 

وأفرز تيار بني أمية هذا جيشاً من العلماء الذين يدعمون هذه السياسة الجديدة القديمة من الظلم والسكوت عن الباطل والإستبداد، تحت مسمى (أهل السنة والجماعة) 

وجاء ابن تيمية في القرن السابع وخطا خطوة خطيرة حين قام بوضع المؤلفات الكثيرة في جمع تراث بني أمية وتنظيره وتأصيله وعرضه على أنه هو الإسلام الذي بعث الله به نبيه صلى الله عليه وآله وسلم.. ون هنا ظهر تيار السلفية الذي يكفر الآخر ويصور نفسه كأنه هو الإسلام الرسمي.. 

وهذا كذب ودجل، لأن الله بعث نبيه بمنع الظلم وأخذ الحق من الظالم وإرساء قواعد العدالة والحريات العامة ومبدأ المواطنة والديمقراطية وسيادة القانون.. كل هذه مصطلحات معاصرة لكن المعنى واحد وإن اختلف المبنى اللغوي. كان هذا هو (إسلام الإنسان) لا (دين السلطان) على حد تعبير المرحوم جمال البنا، والذي يعرف اليوم بالسلفية، التي خرج من عبائتها جماعات التكفير وتنظيم القاعدة وتنظيم داعش وأخواتها.. 

إن الإسلام بدأ غرباً وقد عاد كما بدأ، فطبى للغرباء.. وهم الذين مع الإمام الوارث فرد وقته من أهل بيت النبي ص.

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق