]]>
خواطر :
إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . “كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

حوار في الذاكرة بين الفنان التشكيلي إسماعيل الشيخلي و فواد الكنجي

بواسطة: فواد الكنجي  |  بتاريخ: 2016-06-08 ، الوقت: 02:03:55
  • تقييم المقالة:

حوار في الذاكرة بين الفنان التشكيلي إسماعيل الشيخلي و فواد الكنجي

                               فواد الكنجي

تعرفت على الفنان التشكيلي ( إسماعيل الشيخلي 1924- 2002 )  إثناء افتتاحي  في حزيران من عام 1983 المعرض الشخصي الثاني في قاعة (المتحف الوطني للفن الحديث – بغداد)، حيث كان آنذاك أستاذ الرسم في أكاديمية الفنون الجميلة جامعة بغداد،  اذ حضر افتتاح المعرض برفقة الأستاذ (سعدون حمادي) الذي كان يشغل منصب وزير الإعلام وكالة ووزير الخارجية ، وحينما تم  استقبالنا لهم ( انا ) والفنانة الكبيرة الشهيدة( ليلى العطار) التي كانت آنذاك مديرة القاعة لـ(المتحف الوطني للفن الحديث) فأخذت بتقديمي وبتعريفي لـ( الدكتور سعدون حمادي والفنان إسماعيل الشيخلي وأساتذة آخرون) من كبار المسولين في الدولة والإعلاميين والصحفيين، وبعد تجولنا في قاع المعرض دعتنا (ليلى العطار) إلى صالة الاستقبال في جناح إدارتها ودار بيننا حديث رسمي،  وبعد مغادرة الدكتور (سعدون حمادي) والوفد المرافق له قاعة المتحف الوطني عدنا إلى قاعة المعروضات حيث كان الجمهور حاضرا هناك و يدور فيما بينهم الحديث وتأمل اللوحات المعروضة، بينما كنت( انا و اسماعيل الشيخلي  وليلى العطار) معا، ولكن  بعد ذلك ترخصت منا (ليلى العطار) وتركتنا لوحدنا لانشغالها بالحضور، فدار بيننا حديث مسهب عن الفن وقد وقال :

" .. بان الأستاذ (حقي الشبلي) رئيس نقابة الفنانين العراقيين اتصل بي وطلب مني ان احضر معرضك، وقدم نبذة عن فنك واضن بأنه هو من افتتح معرضك الشخصي الأول، وقال بان أسلوبك متميز وتمتلك خبرة واسعة في تجسيد الشكل مع المضمون وقد أسهب كثيرا في الحديث عنك ويبدوا بأنه من متأثر بإعمالك الفنية ، وحقيقة ودون مجاملة، كلا ما قاله الأستاذ (حقي الشبلي) عن فنك التمسه بواقعية هنا في معرضك هذا، وأنا لسعيد بذلك بان تكون بداياتك بهذا الشكل .." .

فقلت:

".. نعم إن الفنان (حقي الشبلي) هو من افتتح معرض الشخصي الأول والذي أكرمني فيه بمنحي عضوية لنقابة الفنانين العراقيين، وفي بغداد حينما أقوم بزيارته في مقر نقابة الفنانين بين حين وأخر، ما يكف من إبداء مساعدة لتسهيل وتذليل كل ما اطلب .." .

 وبينما ان أحاور الأستاذ (اسماعيل الشيخلي) كان الأستاذ اسماعيل يقرءا في مقدمة دليل المعرض التي كتبتها لتحديد موقفي من العمل المقدم في هذا المعرض، وقد أبدى الأستاذ(اسماعيل الشيخلي) إعجابه الشديد في المقدمة التي كتبنها في دليل المعرض والتي قدمت فيه مواقفي من الفن وأسلوب التعبير وقيمة الرمز الذي اعتمدته في رسم اللوحات المعروضة، فقال:

" .. بان الرؤية التي اعتمدتها تجسد فعلا في مضامين اللوحات وكأننا نجد أنفسنا مع حوار حي بين الشكل والمضمون، بل وكأننا في حوارات مع جملة من رموز قدمتها في اللوحات عبرت بشكل واضح  وجميل بمستوى التعبير الإبداعي الذي جاء معبرا عن معانات الإنسان، وقال يسرني ان أصحبك إلى مرسمي الشخصي لأستطلعك على بعض إعمالي التي وان اختلف أسلوبي عن أسلوبك ولكن في الجوهر نلقي بمحتوى التعبير الذي وجدته عنصرا أساسيا في إعمالك وهذا شيء جيد .. ".

  فقلت :

" .. يسرني ذلك وهو شرف ان أتعلم منك كأستاذ كبير في  المدرسة التشكيلية العراقية،  وأنت من الفنانين العراقيين الذين كرسوا فنهم في التعبير عن الواقع العراقي بحيث أصبح أسلوبك مدرسته بغدادية بذاتها .. ".

 فرد مبتسما  : ".. جميل ان اسمع منك هذا.. وهذا يعني بأنك مطلع على إعمالي ..

- كيف لا وأنت مدرسة فنية بذاتها،  وعلم من إعلام الفن العراقي التشكيلي ..." .

ولم تمضي  أيام حتى أخبرتني الفنانة المبدعة( ليلى العطار) بان إسماعيل الشيخلي، سئل عنك وانه سيأتي إلى القاعة المتحف لاصطحابك إلى مرسمه .

 وكنت اضن بان(إسماعيل الشيخلي) سيحملني إلى مرسمه في أكاديمية فنون الجميلة حيث كان يدرس هناك ولكن فوجئت حينما التقينا بأنه حملني إلى مرسمه الشخصي،  وهناك استطلعت على إعماله  سواء التي طبعت في كراريس او التي كان موجودة على الجدار او المرصوفة إلى جانب إحدى زوايا مرسمه، وكان انطباعي الأولى وانأ استطلع إلى إعماله، رغم إنني كنت في السابق مطلعا على إعماله المنشورة في المجلات وكراريس فنيه   - وكلي انبهار - حيث المرسم مكتظ بإعمال الفنية وسكيجات وأوعية  وعلب الألوان وأقمشة وأوراق وفرشاة وأقلام، ولوحات هنا وهناك، فيها  شخابيط ومعينات وخطوط ومربعات ومثلثات ودوائر وخطوط صاعدة ونازلة، إشكال جعلتني أتأمل  مع ما أرى وأسجل في الذاكرة ملاحظات و التساؤلات،  وكيف لا .. وأنا في مرسم  واحد من كبار الفنانين التشكيليين العراقيين أنه فنان يعمل ويجمع أدواته باحترافية وذوق عالي ونشاط ، وعمل مضني ، لأتيقن بالمطلق بان  الفنان (اسماعيل الشيخلي) فعلا كرس حياته وتجربته الفنية بالكامل لتعبير عن واقعه ضمن التوجه الإنساني لواقع وظروف الاجتماعية العراقية، كامتداد مع رواد الفن التشكيلي العراقي الذين عاصرهم من الفنان الكبير (جواد سليم) و (فائق حسن)  و (الفنان محمود صبري ) وآخرين،  الذين بكل صدق عبروا عن الواقع الاجتماعي  وتغيرات التي عصفت بالحياة بعد ثورة تموز التي قادها الزعيم (عبد الكريم قاسم ) فكانوا هؤلاء الفنانين حقا فناني ثورة الجمهورية التي سرعان ما احتضنت هذه الثورة الفتية، إعمالهم لتزين ساحات الوطن في تلك الحقبة .

وفعلا كانوا هؤلاء الفنانين الرواد خير من كان يجسد طموحات ثورة 14 تموز الخالدة وطموحات الشعب العراقي وخاصة الفنان (جواد سليم) و (فائق حسن) ، فنقلوا صورا حيه صادقة  تجسدت الحياة الشعبية  وانجازات الثورة في إعمالهم، ومن هنا  فان (اسماعيل الشيخلي ) الذي عاصر ثورة 14 تموز وكان تلميذا لفنان الكبير (جواد سليم ) خلق أسلوبا جديدا وكان هذا تحولا في تجربته نظرا للتبلور الواقع الحياة الاجتماعية في العراق بعد ثورة تموز1958 التي مهدت للفنان العراقي حريته الإنسانية المفعمة بقيم النهضة والتغير التي سارت عليها ثورة الزعيم (عبد الكريم قاسم) في العراق، وكان لهذا التحول كفيلا بالفنانين العراقيين إن يجددوا فنهم و يبتعدوا عن تصوير المناظر وصور بورتريت الذي كان الفن العراقي قبل الثورة يتميز بها، فتم لفناني العراق ومنهم (اسماعيل الشيخلي) الابتعاد عن محاكاة الطبيعة وانتقلوا إلى التعبير عن واقع بملامح غير مألوفة شكلا و موضوعا،  ومن حيث اللون وتقاسيم ومساحات  وتوزيع الضوء والظل  بما يعبر عن الموضوع بشكل سليم وشفاف يقترب من مشاعر متلقيه.

 فنجد اللوحات في إعمال الفنان التشكيلي ( اسماعيل الشيخلي ) مفعمة بالحركة وتجسد الحرية في وجوه (النساء) الذي طالما ركز عليها في كل إعماله تقريبا، فصورة المرأة العراقية التي قدمها الفنان (اسماعيل الشيخلي ) بكل إشكال حركاتها وملابسها الشعبية البغدادية القديمة  وبوجهها الدائري كدائرة القمر والشمس، فهو من أكثر الفنانين العراقيين جسد صورهن وهي صورة تعبيرية أمكنه إن يغازل عواطفه بشكل جرئ وبرونق منسجم بالألوان وحركاتهن وربما في هذا كان متأثرا بالفنان الكبير (فائق حسن) باعتباره كان أستاذا له وهو تلميذ يواصل رحلته الدراسية للفن  في الأكاديمية،  حيث اخذ فيما بعد بتجديد أسلوبه رغم انه لم يبتعد عن ملامح أسلوبه القديم كثيرا بقدر تركيزه على صياغة إشكاله بشكل هندسي قريب إلى الفن التكعيبي التعبيري،  حيث يمزج الشكل سواء برسم العيون او الملابس او الوجوه او الجسد بإشكال هندسية من المربع او المستطيل او الدائري، و من ثم يجسده برسمها بشكل هندسي منظم وهو اسلب ظهر في مدارس الفن في (أوربا) والذي أبدع وبرز فيها الفنان التكعيبي الكبير (بابلو بيكاسو) وتأثر( اسماعيل ) به إثناء دراسته في (باريس).

فاللوحة عند (اسماعيل الشيخلي) تتركز بشكل كبير بين أمواج الضوء والظل  وتداخلاتهما مع بعضهما البعض لتجسيد أسلوبه في الرسم الهندسي بين إشكال المربع والدائري والمثلثات عبر معالجه واعية متقنه ومتناسقة لبناء تكوينات عبر الألوان شفاف فهو يتنفس حريته بمفردات إشكال اللوحة مع مضامين بسيطة، ولكن تجربته الهندسية في شكل تجربة واعية وعنيفة بكون مضامينه ذات طابع نرجسي يتمادى في أعماقها لتصوير رغباته بعد ان أتقن مهارة  بعد فترة دراسته في باريس، فازداد خبرة وبصيرة  في كيفية معالجة مساحات اللوحة التي استفاد منها لتعبير عن روح الشرق وصحراءه الجميل  والمرأة الحالمة التي اعتمد (اسماعيل الشيخلي) على رسمها بدون ملامح واضحة الشكل كشكل الصحراء، بينما اهتم بالتفاصيل الموحية بالأنوثة المثيرة، التي تدل علي شكلها الأنثوي المثير، التي تاصر العلاقة الشرقي بشرقه وتوثيق العلاقات الإنسانية  بمزاج فلكلوري شعبي والذي أكد بأنه ظل وفيا له كونه مولعا حد الجنون بالفلكلور العراقي .

 فقال، ونحن في أوج الحوار والمناقشة نتابع إعماله التي كنا نتصفحها معا في كراريس منشوره له وهو يشرح ويعلق عليها  : ".. وهذا ما يجعل المتمعن للوحاتي كونه يجد تشابه وتكرار لأفكار مع احتفاظ بالشكل المطروحة باللوحة، وهذا ما رغبت فيه لكي لا تخرج لوحاتي خارج أيطار أسلوب الذي رسمته لنفسي .." .

فقلت له :

"..ممتاز وهذا ما كنت أفكر به بكون تركيزك على ملامح معينه وتكرار  ملامح الوجه لشخصيات لوحاتك التجريدية هي التي تحدد مدرستك ويستدل عليها المتذوق للفن مباشرة بكون هذه اللوحة تابعه لفنان (اسماعيل الشيخلي) حتى من دون رؤية توقعك عليها ..".

فقال: "هذا فعلا ما كنت أريده" .

ومن هنا فان (اسماعيل الشيخلي) بطبعه الهادئ وأسلوبه في الحوار، واضن إن ذلك انعكس واضحا في إعماله التي تتميز بالهدوء وبالحوار الهادئ، وهذا يرمز بأنه فنان متمكن من أدواته لرصيده الثقافي الذي أهله بجمع التراث كمقومات للهوية العراقية والخروج بإعمال فنية بصمت عليها الطابع العراقي فيها بكل جدارة،  وهو الأمر الذي نسج العلاقة التفاعل مع متذوقين الفن .

 والفنان (اسماعيل الشيخلي ) ظل طوال حياته متواضعا مع زملائه الرواد وطلاب الفن وله الحضور في كل العروض الفنية ألمقدمة في الساحة العراقي، وهو الذي لم يقم أي معرض شخصي بذاته وأحب إن يشارك مع الفنانين في معارض جماعية فحسب، وبقى يرعى ويدعم الفن والفنانين ليبقى علامة هامه ورمز من رموز الفن التشكيلي العراقي وصاحب مدرسة فنية وشخصية فنية متميزة في ذاكرتنا.

 


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق