]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

السياسة.. جمهورية الدم !

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2016-06-07 ، الوقت: 08:05:55
  • تقييم المقالة:

السياسة.. جمهورية الدم !

 

محمد الحدادالعراق

بين السياسة والحرب خيط رفيعٌ وواهنٌ من جنونٍ ومجونٍ وجموحٍ ونزقٍ وطيش..من فوهتها الأنيقة المستترة تنطلقُ دائماً الرصاصة الأولى..ثم يُصهللُ من بعدها رصاصُ الحربِ بغباءٍ بليد كأنهُ الصدى..

هل صدّقنا فعلاً أن السياسة مِجسٌ دقيقٌ وصادقٌ يستشعرُ نبضَ الناسِ وهمومهم؟

هل أوهمتنا أنها محرارٌ آمنٌ يستقريءُ أمنياتنا المستحيلة ليترجمها لنا الساسة بجرةِ قلمٍ فاخر إلىحقائقَ تجثو على الأرضِ ذليلة بين أيادينا؟

هل خدعتنا فخامة كلماتها فصدّقنا وعودها بأن تُحلّقَ بنا إلى سماءِ أحلامنا البعيدة لنصافحها فوق الغيوم؟

هذه كلها محضُ أكاذيب شائعة حشرَها الساسة في رؤوسنا حشراً فصدقناها على مضض..

السياسة هذهِ أكبر جمهوريةٍ للموتِ والرعبِ والدم على أرضِ كوكبنا السائر حثيثاً نحو حتفهِ وتحت أقبيتها المظلمة ترقدُ أكبرُ مقابرنا السرية.. بيدها المغمسة بالدماء تطبخُ الحروبَ للشعوبِ وتقدمهُ لهم مثلَ حساءٍ ساخن..تشطبُ التاريخَ وتعبث بالجغرافيا وترسمُ الخرائط وتعرفُ كيف تتقنُ ذلك كلهُ في وقتٍ واحد..هيأهم من كلِّ الشعوب والأوطان..وأكبرُ من التاريخ والجغرافيا والخرائط..وأسمى من الأحلامِ والأمنيات وأغلى من بحارٍ شاسعة من الدماء!

هكذا هي دائماً : قذرةٌ ومنتنة..لا رُقيّ فيها ولا ارتقاء..فمٌ مفتوحٌ أبداً على شهوةِ موتٍ ساخنٍ لا يبرد أبداً.

السياسة هي النظيرُ المرآوي للحرب حتى وإن تراءى لنا أحياناً أنَّ الحربَ تغلقُ آخر أبواب السياسة..لأنَّ الحقيقة أنَّ بوسعِ السياسة لو شاءتْ أن تفتحَ أبوابَ الحرب وممراتها ونوافذها..السرية منها والمعلنة..وإذا شاءتْ أيضاً أغلقتها كلها بلحظةٍ واحدة..

السياسة ذئبٌ وضيعٌ بهيئةِ حَملٍ وديع..هي فنُ الكذبِ الأنيق والمكر الوسيم والخداع المهندم..لها جاذبية مُلزمة للجميع..تتكلمُ فننصتْ وتكتبُ فنقرأ وترسمُ فنمتثلْ وحينما تنتهي من وصلةِ عوائها الذئبي نصفقُ لها باحترامٍ ووقار..ملزمون نحن بذلك بلا خيارات..

إذا شاءت السياسة أن تبدأ الحربَ لا تستشيرُ أحداً..هي ليست بحاجةٍ إلى قرار شن الحرب من جهاتٍ عليا فعلى رُخام سلطتها تتوقفُ الجهات وبيدها حصراً تكمنُ سلطة القرار..لذا هي تصنعُ قرارَ الحربِ بيدها تحت جُنح الظلام ثم تؤججُ نيرانها أمامَ أضواءِ الإعلاموتُجيشُ الجيوش وتشحذ السكاكين وتقدمُ القرابين إلى مذابحها المقدسة دائماً بأوهام شرفِ الوطن..

سنواتٌ من موتٍ ودم ونحن نتتبعُ بأعيننا حقائبَ السياسةِ السوداء وهي تطيرُ على أكفِّ الريح وتتقافز بين البلاد..نلاحقُ طرقعة أحذيتها الفاخرة فوقَ رُخامٍ القصور..نركعُ بذلٍ أمامَ التلفزةِ كلَّ يومٍ لنعرفَ أخبارها مكبلين إلى سلطتها بحبائل من أملٍ كاذب : قممٌ ومؤتمرات ومساعٍ حميدة من كل حدبٍ وصوب..رحلاتٌ مكوكية لا تنقطع وحِراك دؤوبٌ لا يتعب..طيرانٌ وسفر لتقريب وجهاتِ النظر..بعثاتٌ أممية وأقليمية واجتماعات ثنائية ومتعددة بطاولاتٍ مستديرة ومستطيلة ومربعة..خرائط طريق ولجان تنسيق..جدلٌ وحوار بين دولِ الجوار..احترقت بلاد وتمزقت بلاد وتضعضعت بلاد ونزفت كل ما تختزنهُ من كرامتها وعزتها ويوشك كل تاريخها ووجودها ومستقبلها أن يُرمى في أتونِ الجحيم وتحذف أسماؤها من الخرائط إلى الأبد وكل ما فعلتهُ السياسة أنها عبّدتْ طرقاً اضافية ليدخلَ ديارنا مزيدٌ من الموتِ والخرابِ والدمار فيما ينعمُ المحترفون الكبار لوحدهم بالأمان.

لم يعد ثمة ضبابٌ كثيفٌ يحجبُ الرؤية عن عيوننا فالحقائق بدأت تتعرى أمامنا..لم تمنحنا السياسة أمناً ولا سلاماً..لا حقنتْ دماءنا ولا حفظتْ لنا حتى ماء وجوهنا رغم أنها طأطأت الرؤوسَ وذرفت ما تبقى من قطراتِ حيائها تحت قبابِ قصور اللاعبين الكبار لكنها كعادتها دائماً خرجت أمام كاميرات العالم لتزفَّ لنا بشرى انتصارات الوطن..مزيدٌ من جرعاتٍ مخدرة عاجلة تعودت الشعوبُ أن تأخذَ حصصها منها بقدرٍ يضمنُ لها نوماً طويلاًحتى تحرقُ شمسُ الحقيقة رؤوسها لتصحوَ من خدرها اللذيذ بعد فواتِ الأوان..ولا غرابة في ذلك لأننا تعودنا أن نصحوَ متأخرين ونفهمَ متأخرين ونصلَ متأخرين..تماماً مثل سيارات البوليس التي تصلُ إلى موقع الجريمة بعد فواتِ الأوان..

ربما بدوتُ لكم متحاملاً بشكلٍ مبالغ فيهِ لكنني أحملُ عذري معي فأنا لا أخفي أبداً كرهي للسياسة والسياسيين بلا مواربة ولستُ أعجبُ إلا ممن ينتظرُ منها ومنهم كل شيء ومع هذافليس لي أن ألومَ في ذلك أحداً رغم

اعترافي بأن السياسة هي إحدى اكبر وأخطر أخطاءنا الشائعة التي لا غنى لنا عنها..


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق