]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مستقبل الشراكة العربية الأوروبية بعد مرور أزيد من عقدين على إعلان برشلونة

بواسطة: عبد اللطيف الركيك  |  بتاريخ: 2016-06-03 ، الوقت: 16:08:51
  • تقييم المقالة:
رغم انقضا ما يربو عن عشرين سنة على توقيع "إعلان برشلونة" لازالت العديد من الأسئلة تثار حول مسار و مستقبل الشراكة الأوروبية المتوسطية وضمنها العلاقات العربية الأوروبية. ولئن عرفت العلاقات الاقتصادية بعض التحسن عكسه تنامي المبادلات التجارية بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، فإن قضايا شائكة و مثيرة للجدل تنتصب أمام المتفائلين بتقدم مسار الشراكة الأورومتوسطية لتلقي بظلالها القاتمة على عمق وفلسفة الشراكة المنشودة على وجه التحديد بين العرب والأوروبيين.     هنا تبرز إشكاليات سياسية وثقافية تحتل مساحة التلاقي المفترض بين الطرفين وتشكل مرتكزا لإنتاج الأفكار والأفكار المضادة بشأن جدوى الشراكة المأمولة بينهما رغم أن التاريخ والجغرافيا قالا كلمتهما الحاسمة وحكما عليهما بالتداخل المجالي والتلاقي الحضاري. ظهر منذ بداية مسلسل برشلونة اتجاه متفائل ظل سجين المعطيات العامة ويبشر بالنتائج الإيجابية جدا على اقتصاديات دول الضفة الجنوبية، لكن و بموازاة ذلك ظلت الكثير من القضايا الخلافية تتنامى باستمرار وتأبى إلا أن تسير بموازاة الخطابات الرسمية المتفائلة وتتبع نفس خط سيرها بمضمون معكوس.     فمن ناحية بات واضحا أن أوروبا المعاصرة قد أخفقت في نسيان ماضيها الاستعماري الأمر الذي خلق و يخلق إشكاليات على مستوى الفكر والعقلية والسلوك السياسي الأوروبي إزاء الشركاء العرب. وها هي أوروبا تحن من جديد لماضيها الاستعماري من خلال بروز نزوعات جديدة تميل إلى تمجيد الاستعمار والإشادة بحسناته على الشعوب المستعمرة في الوقت الذي بدأت تظهر فيه على الجانب الآخر أصوات تنشد التسامح ونسيان الماضي الأليم كثمن لتدشين مرحلة جديدة من الشراكة والتعاون. وتعطي هذه النبرة الجديدة المنبعثة من المجتمعات الأوروبية الدليل على أن القارة العجوز ما زالت عاجزة عن فهم ما علق بالمشهد العربي من جراء الحقبة الاستعمارية التي اتخذت في معظم البلدان العربية طابعا عسكريا عنيفا لازال ضحاياه يمثلون إلى الآن شواهد حية على عمق المأساة التي ترتبت عن الأطماع الأوروبية. وتبدو الفجوة أعمق إذا ربطنا ذلك بإشكاليات سياسية تسمم العلاقات البينية بين البلدان العربية وأوروبا الإتحاد و بالضبط فيما يهم الموقف الأوروبي من القضايا العربية الأساسية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. من ناحية أخرى، لم يتحقق اقتناع عربي بوجود فلسفة أوروبية للحرية تكون فيها الحقوق العربية على قدم المساواة مع حقوق الآخرين. فأوروبا العملاقة اقتصاديا لم تفلح في تقديم نفسها للعرب كطرف مستقل يحظى بالمصداقية في مواقفه وسياساته في مجمل القضايا الشائكة في منطقة الشرق الأوسط بالخصوص. فالموقف الأوروبي ظل موسوما على الدوام بطابع الانحياز الشامل لإسرائيل التي تنتهك قرارات دولية يطالب الأوروبيون بتطبيقها بشكل انتقائي في هذه المنطقة أو تلك دون أن يمتلكوا الجرأة لمواجهة إسرائيل التي تتمادي دون رادع في ارتكاب المجازر الوحشية في ظل صمت الأطراف التي نصبت نفسها قيمة على إعمال الحقوق والحريات الأمر الذي يولد الكثير من الشكوك حول مدى التزام أوروبا بالقيم التي تدعي الإيمان بها و تسعى لنشرها والدفاع عنها. كما أن أوروبا تعد شريكا لأمريكا في تنفيذ اعتداءات تجاوزت كل الحدود في العراق و أفغانستان تارة باسم الحرية وتارة باسم محاربة الإرهاب، وهي ماضية في دعم الاحتلال الأمريكي للمنطقة العربية مشرقا وخليجا. و بالجملة، فقد وجدت أوروبا نفسها قزما سياسيا يدور في فلك أمريكا التي سحبت منها أية وسيلة لعقد شراكة حقيقية مع جيرانها المتوسطيين.      نعم، لقد حققت أوروبا تقدما ملموسا في خطابها حول الشراكة الأمنية في البحر الأبيض المتوسط على قاعدة محاربة الإرهاب، بيد أن تداعيات تفجيرات 11 سبتمبر متجسدة في استفحال التفرد الأمريكي بالتصرف في ملف محاربة الإرهاب وفق منظورها الخاص وفي إطار نزهة إمبراطورية لا غبار عليها، وانصراف أوروبا إلى تأييد المقاربة الأمريكية بتزامن مع بروز ردود فعل متطرفة في المجتمعات الأوروبية في الأوساط الشعبية والثقافية والدينية على السواء قد وفر في الواقع جميع الظروف المواتية لانزلاق قطار "محاربة الإرهاب" عن سكته- إن كانت له سكة أصلا- ليسقط في أتون صراع متعدد الأبعاد تجد فيه أوروبا نفسها على خط المواجهة المباشرة. ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه أن تلعب الشراكة الأوروبية المتوسطية دورا فاعلا وإيجابيا لتحقيق نوع من التوازن في العلاقات الدولية خصوصا في هذا المنعطف الخطير الذي بشهده العالم والذي لا يمكن أن يسلم من عواقبه أي طرف، فإن العكس هو الذي حصل حيث انخرطت أوساط أوروبية في الحملة الأمريكية الظالمة على العالم العربي والإسلامي من خلال شحن الأجواء المكهربة أصلا بمزيد من عناصر التوتر لتقف في النهاية على نفس الخط مع الجناح المحافظ الذي يسير دواليب الحكم في أمريكا. ولا شك من مثل هذه السياسات سيكون لها سلبية على الأوضاع الداخلية في الدول الأوروبية نفسها بعدما طالت أولى الشرارات الجاليات العربية والإسلامية التي أصبحت عرضة لمسلسل من المضايقات بعدما بات ينظر إليها أوروبيا كقنبلة يمكن أن تفجر الاحتقان المتأجج في مناطق أخرى من العالم جراء السياسة الأوروبية والأمريكية غير العادلة. كما أثرت الأجواء المشحونة سلبا على ملف الهجرة الذي كان من أبرز الإشكاليات العالقة التي كان يرجى حلها في إطار تدابير تضامنية في فضاء الشراكة المتوسطية، والحال أن العديد من الدول الأوروبية قد شرعت في سن قوانين أكثر تشددا في معالجة قضايا الهجرة.     أما بعد، فإن الإحساس الذي يبدو حاضرا وبقوة لدى الطرفين العربي والأوروبي هو أن وضعية الشراكة لم تتحقق بعد على أرض الواقع لأسباب ترتبط في العمق بفلسفة الشراكة لدى الطرفين معا. فالجانب العربي لم يبلور في واقع الأمر تصورا موحدا ومشتركا لشراكته مع أوروبا كنتيجة للتمزق السياسي والتشرذم الاقتصادي الذي يعني منه العرب. أما في الجانب الأوروبي، فإن الأسس الثقافية للشراكة ما تزال أسيرة لعقد الماضي الاستعماري وغطرسته تحت عناوين مغلفة مثل الإدماج عوض الشراكة والهيمنة بدل التعاون المتوازن والتثقيف في مقابل التثاقف وهكذا دواليك.  وخلاصة القول أن التصور الأوروبي كما هو مجسد على أرض الواقع لم يرتق بعد إلى مستوى المفهوم الحقيقي للشراكة  بما هي مسؤولية مشتركة يتحملها طرفان على قدم المساواة تروم تنفيذ استراتيجية متكاملة لتحقيق التنمية والأمن والاستقرار لجميع شعوب ضفة حوض البحر الأبيض المتوسط بلا استثناء ودون أن تكون محكومة بمنطق هيمنة طرف على الآخر. وفي غياب هكذا تصور، فإن طريق الشراكة لا يبدو سالكا في ظل هيمنة الخيبة على الأفكار والمقترحات في هذا المجال. إن المشروع الأورومتوسطي سيبقى مجرد مشروع معطل سياسيا وأمنيا وتنمويا بالرغم من طرح مشروع الاتحاد المتوسطي، وذلك ما لم يتم إيجاد حلول جذرية للقضايا السياسية الخلافية والتوافق على المفاهيم الأساسية التي بدونها لا يمكن حل تلك القضايا التي من أبرزها ملفات الاستعمار ومخلفاته والهجرة والخلط بين حرية الرأي والتعبير والاستفزاز العنصري والديني المتعمد، والكف عن توظيف مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان للتدخل في الشؤون الداخلية للدول. هذا فضلا عن الموقف من العولمة والصهيونية والموقف من الإسلام وإشكالية الخلط بينه وبين الإرهاب والحاجة للإقرار بحق المقاومة كما تكفلها المواثيق الدولية. بالإضافة إلى تغذية التوترات داخل الدول العربية تحت مسميات "الثورات العربية" والاكتفاء بموقف المتفرج إزاء الصراعات الأهلية والفتن الداخلية التي استشرت في الكثير من المناطق العربية، حيث لازالت النظرة التجزيئية الاستعمارية تحكم مواقف الغربيين من الكثير من القضايا العربية مثل تشجيع الانقسامات الترابية والدينية والمذهبية. كما رسخ الشريك الأوروبي سياساته غير المتوازنة تجاه العرب من خلال مشاركته في رسم تسويات دبلوماسية غامضة مع إيران على خلاف موقفه الصارم من قضية الأسلحة الكيميائية في العراق. وعلى سبيل الختم، فإن المسار الأورومتوسطي وخصوصا الأوروبي العربي يبدو فاشلا على الأقل خلال العشرية المنقضية على إعلان برشلونة، ولا يظهر أن التركة الثقيلة من المشاكل المطروحة ستساعد في الأمد المنظور على نقل طموحات الطرفين إلى واقع ملموس.
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق