]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مصير القراءة والكتاب في عصر الثورة التكنولوجية

بواسطة: عبد اللطيف الركيك  |  بتاريخ: 2016-05-31 ، الوقت: 19:20:47
  • تقييم المقالة:
شكل الورق منذ اكتشافه بالشرق الأدنى القديم ومرورا باختراع المطبعة بأوربا خلال القرن 15م وسيلة أساسية لنشر مختلف أشكال التعبير، إلى أن اقتضت حتمية التطور بروز أدوات جديدة للنشر في خضم ثورة المعلوميات ووسائل الاتصال والتواصل الجماهيري. فما هي وضعية المقروئية في ظل هذه المتغيرات؟ وما مصير وسائل النشر الورقي؟ لقد ظل التساؤل مطروحا بحدة بصدد مدى تأثير تطور وسائل النشر الحديثة في سياق الثورة التكنولوجية على نسبة المقروئية خاصة ما يتعلق بالكتب والمجلات والجرائد والصحف الورقية، وذلك كنتيجة حتمية لبروز وسائل نشر جديدة ولا سيما الإمكانيات التي باتت تتيحها الشبكة العنكبوتية على هذا المستوى. لم تصدق التكهنات السلبية حول الزحف المبرم للوسائل الجديدة، فعلى الأقل لم تغلق المطابع أبوابها، ولا زالت مستمرة في نشر مختلف الأعمال الفكرية، مثلما لم توصد الجرائد والصحف والمجلات مقراتها وتسرح عمالها، إذ لا تزال هي بدورها تصدر أعدادها بانتظام، كما أن شركات التوزيع ما تزال مستمرة في عملها. إلا أن هذه الصورة تخفي في الحقيقة واقعا مرا تعيشه مختلف أدوات نشر المعرفة من خلال ضعف الإقبال على الكتاب الورقي واضطرار الصحف والجرائد والمجلات الورقية إلى تكييف نشاطها مع واقع سطوة الشبكة العنكبوتية سعيا لملاحقة القارئ حيثما كان بتقديم منتوج يساير العصر. إلا أن واقع القراءة سواء عبر الوسائل الكلاسيكية أو الحديثة ربما لم يعرف ذلك التحول السريع الذي يوحي به انتشار تلك الوسائل، فالقارئ المفترض أصبح مطوقا ومحاصرا بسيل من المنشورات، فهو دائم الارتباط بالأنترنيت عير هاتفه النقال، وفي نفس الوقت يتابع الصحف والمجلات والدوريات والكتب، وتتسابق وسائل الإعلام المرئية والمسموعة لشد انتباهه. وبذلك ترتسم صورة مركبة يختلط فيها الحابل بالنابل ما يجعل رصد تطور نسبة المقروئية أمرا في غاية التعقيد. فهل لا زال بمقدور المرء اليوم لزوم مكتبه لقراءة بضع صفحات من كتاب؟ هل بإمكانه -إذا اقتنى جريدة-أن يتمم قراءة صفحاتها؟ هل مازال بالإمكان انتظار تلقي الأخبار والاطلاع على الأحداث من جريدة ورقية؟  ربما بات الأمر صعبا في زمن أصبحت تبث فيه الأخبار ساخنة وبسرعة قياسية وبشكل مباشر عبر مختلف الوسائل الحديثة. لا شك أن قدرة إنسان عصر السرعة على القراءة لم تعد تسعفه وسط هذا الزحام الشديد، إلا إذا كان مجبرا على ذلك كأن ينجز بحثا جامعيا أو يستعد لمباراة توظيف أو مباراة مهنية بقصد الترقية أو امتحانات إشهادية وغيره. إن التخلي عن الكتاب الورقي والإعراض عنه بات أمرا واقعا ما يطرح السؤال حول مدى صمود الوسائل التقليدية مستقبلا، خاصة مع احتمال التخلي عن المعاملات الورقية في الإدارة والاقتصاد وغيره.أكثر من ذلك فحتى أسلوب القراءة عرف بدوره تحولات جذرية في عالم اليوم، إذ لم يعد بمستطاع إنسان العصر الراهن قضاء الساعات الطوال لتصفح صفحات كتاب، أو حتى مشاهدة فيلم طويل، فكل ما يحتاجه هو ومضات أو "فلاشات" جاهزة سريعة مقتضبة ومختزلة تعفيه من بذل أي مجهود ذهني أو صرف أي وقت، وهي إمكانيات لم تعد توفرها له وسائل النشر والتعبير الكلاسيكية، بل حتى وسائل النشر الحديثة قد كرست ذلك الكسل، ولم تعد بدورها تفي بالغرض، فمتصفح الشبكة العنكبوتية مثلا أصيح يغضب وتثور ثائرته كلما وجد خبرا منشورا يتطلب الاطلاع عليه فتح رابط جديد، فهو يريد الخبر جاهزا لا يكلف الاطلاع عليه سوى بضع ثوان وفي بضع كلمات. وأما إذا نشرت مقالا، فإنك تجد عشرات "الإعجابات" وأنت موقن بأن لا أحد من "المعجبين" قد اطلع عليه، فلا تكاد تفهم سبب الإعجاب والقصد منه. كما أن تخزين المعلومات المستقاة من أشكال النشر الورقي في ذاكرة إنسان اليوم لم يعد يشكل سبقا أو وسيلة للتفوق على الآخرين، ذلك أن قدرة الانسان اليوم-بفعل مختلف الضغوطات اليومية التي يتعرض لها وانشغاله بالتفكير الدائم في اليومي والمعيش-لم يعد يقوى على تحزين المعلومات مخافة زيادة الضغط على ذاكرة مثقلة أصلا، خصوصا عندما يجد نفسه على قدم المساواة مع من لا يكلف نفسه عناء بذل نفس المجهود بفعل يسر وسهولة تلقي المعلومات وتطور أساليب الغش في المباريات والامتحانات وغيرها. فماذا تنفع قراءة كتاب استعدادا لمباراة أو امتحان، بينما لا يكلف ذلك آخرين سوى الضغط على أزرار هواتفهم للولوج إلى مكتبات رقمية والتزود بمعلومات لا يمكن أ يسعها عقل بشر. لقد ظل المدافعون عن أدوات النشر التقليدية يدفعون بمسألة صعوبة تعويض شبكة الأنترنيت للكتاب الورقي طالما أن الوثائق المبثوثة عبرها ليست سوى معطيات عامة(des generalites) وغير علمية، إلا أن الواقع أثبت أن الشبكة العنكبوتية أصبحت توفر لمرتاديها الكتب والمقالات العلمية المتخصصة، حتى بات بالإمكان إنجاز البحوث والرسائل الجامعية يتم عبر التسمر أمام شاشة الحاسوب بعيدا عن المكتبات والخزانات المتخصصة وأوراش البحث العلمي. فأي مستقبل ينتظر الكتاب في زحمة ثورة وسائل النشر الحديثة؟

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق