]]>
خواطر :
مولاي ، لا مولى سواك في الأعلى ... إني ببابك منتظر نسمات رحمة...تُنجيني من أوحال الدنيا وحسن الرحيل ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

في جدوى دراسة وتدريس التاريخ

بواسطة: عبد اللطيف الركيك  |  بتاريخ: 2016-05-31 ، الوقت: 19:18:23
  • تقييم المقالة:
     يجد المشتغل بحقل التاريخ نفسه مجبرا في كل مرة على شحد كافة أسلحته، وشحد كل ما في جعبته من أدوات المحاججة لإفراد تخصصه بمرافعة مبرمة قاطعة وحاسمة عند كل اتهام أو استهزاء أو سخرية من التاريخ كعلم نظري أو كمادة دراسية.      ولعل من سوء طالع الذين قدر لهم-بدون اختيار أحيانا-أن يحشروا في زمرة المشتغلين بالتاريخ، ومن سوء حظ التاريخ نفسه أن مسلسل الطعن فيه والطرح الإشكالي المشبوه للجدوى من دراسته في العصر الراهن لا يكاد ينقطع، فحيثما وليت وجهك إلا ويتم إمطارك بسيل من التهم الموجهة لهذا الحقل المعرفي وتلك المادة الدراسية.      ومؤدى تلك التهم الجاهزة أن التاريخ يحوي معارف ميتة قديمة ومفصولة عن الواقع المعاش. وهكذا لا تنفك تصادف من يترنح أمامك عارضا بالفم الملآن وبغير قليل من الوثوقية تساؤلات من قبيل:      -ماذا عسانا نفعل بأحداث التاريخ ورواية قصصه والتغني بأساطيره في عالم التطور والتقدم والثورة التكنولوجية؟      -بماذا يفيدنا ذكر الموتى وتمثل طرق عيشهم وعاداتهم وتقاليدهم؟      -لماذا نعود إلى الماضي الذي يجرنا إلى الوراء بمحافظته وتخلفه ونحن أحوج ما نكون إلى الأخذ بزمام المبادرة والانغماس في تحديات اليوم؟      -لماذا نصرف الوقت والجهد لدراسة شقفة خزفية أو أثر أركيولوجي يعود إلى الأزمان الغابرة؟      -بماذا يفيدنا التاريخ في حياتنا اليومية؟ وماهي المهارات الحياتية التي يمنحنا؟      في مقابل هذا الكم من التساؤلات يتوجب الإقرار بداهة بأن هذا الإشكال القيمي، وتلك الأحكام المسبقة غير مطروحة البتة عند الأمم المترقية في سلم التقدم، وهي نفسها التي نتخذها أنموذجا للإقتداء، ونتلهف للحاق بركبها معتقدين بأن دوس تاريخنا بالأقدام والتخلي عن ماضينها والتنقيص منه هو من سيسعفنا في إبراء الذمة والتخلص مما نعتبره نقيصة ووصمة عار تلازمنا ودليل تخلف ونكوص وتقهقر حضاري يلاحقنا.      لو تفحصنا واقع الاهتمام بالتاريخ في تلك الأمم المتقدمة لوجدنا أن الميزانيات المرصودة لمعاهد التاريخ ومجمعات البحوث التاريخية والأثرية في دولة واحدة من تلك البلدان تكاد تعادل ميزانيات بعض البلدان النامية. فلعل من واجب المستهزئين بالتاريخ من بني جلدتنا أن يأخذوا العبرة ممن يعتبرونهم قدوة بأن يتساءلوا على الأقل عن سر ذلك الاهتمام وتلك الرعاية التي يحظى بها التاريخ عند الأمم المتطورة بدل جلد الذات والاكتفاء بالحل السهل بتوجيه سهام نقدهم اللاذعة نحو التاريخ الوطني وتدريسه.      وبالنتيجة، فإن توجيه سهام "الجدوى" لعلم التاريخ وازدراء أحداثه والاستهزاء من المشتغلين به، إنما يطرح تحديدا في البلدان التي لا تزال ترزخ تحت نير التخلف والأمية والجهل بسبب ترسخ تصورات وتمثلات خاطئة عن التراث والماضي تحديدا. وذلك كنتيجة للتمملات الثقافية والقيمية التي تمور في تلك البلدان، وما ترتب عنها من بروز أجيال جديدة معنية أكثر بسؤال التخلف.      ولعلها لم تجد في مجاهيل بحثها عن سبب للتخلف ومن متهم يساق إلى المشانق للإقتصاص منه غير التاريخ بحجية كونه يعد رمزا للماضي الذي لم يعد يعني شيئا آخر في تصورات تلك الأجيال غير المحافظة والتخلف والرجعية. وعليه فقد بات من الضروري القطع مع الماضي-التاريخ والاتجاه رأسا نحو الحاضر والتطلع إلى المستقبل بعيدا عن الماضي البغيض؟      والواقع أن هذه التمثلات الخاطئة لا تعني في شيء الفئات غير المتعلمة المعروفة أصلا باعتدادها بالقديم في سياق تصورات لا تخلو هي نفسها من نقائص، وإنما هي علامة مسجلة باسم معشر المثقفين. وهنا يصبح لإشكالية جدوى تعلم وتعليم التاريخ وقع الصدمة، فتغدو أكثر تعقيدا في الدراسة والبحث، وترقى إلى مرتبة الإشكال القيمي والثقافي المجتمعي القمين بالتأمل والبحث والدراسة والتحري سعيا نحو الفهم والتجاوز.      ولعل المفاجئة تكون أكبر والاندهاش أعظم عندما يكون مصدر التذمر من التاريخ وهجاؤه غمزا ولمزا من بعض المحسوبين على التاريخ من المشتغلين به أنفسهم. فهذا المتخصص في التاريخ المعاصر على سبيل المثال ينزع صفة العلمية عن التاريخ القديم، فلا يرى فيه غير التخاريف والحجايات والقصص والحكايات والأساطير التي يعوزها الدليل العلمي. وهكذا دواليك يتم تبادل التهم على هذا النحو بين مختلف تخصصات التاريخ، وطبعا يتم تمرير كل ذلك بين ثنايا الخطاب بعيدا عن المنابر والجلسات العلمية.  أما بعد،       فبماذا يمكن للمشتغل في حقل التاريخ أن يرافع عن التاريخ الذي ترك تماما كاليتيم حول مائدة اللئام تأتيه التهم من كل جانب؟      هلا سلك نفس السبيل في رد التهمة بمثلها، وواجه الزعيق بنظيره؟      الجواب يكون بالنفي، إذ تبدو القناعة ثابثة في أسلوب الحوار والنقاش العلمي الرصين الذي يبقى هو السبيل الأسلم لمواجهة حملة التشكيك في جدوى التاريخ وعلميته والغايات من تدريسه. إلا أنه لا الوقت ولا الحيز يسعف لبسط الكثير من الأمور. لهذا أكتفي في هذا المقام بعرض بعض الأفكار المرتجلة قد لا تسمن ولا تغني من جوع في مسار طويل لتصحيح النظرة إلى التاريخ وتغيير بنيات ذهنيات لها من التمكن والرسوخ ما يكفي للصمود والمقاومة لكونها باتت تشكا أساسا رئيسا في البنيات الفكرية والذهنية للبعض.      أولا: سوف لن نجد بدا كما نفعل دائما من تقديم تمثيل وتشبيه بسيط على سبيل المقايسة لعله يمثل أساسا لتبادل الأفكار في هذا المضمار. فالتاريخ يتمثل كذاكرة الإنسان تماما. فلنتصور أن شخصا فقد ذاكرته إثر حادث عرضي، فلم يعد يقوى بفعل ذلك الخلل العضوي عن تذكر أحداث ماضيه وحياته السابقة:      -ماذا سيحصل بالتحديد؟      -كيف سيعيش حاضره؟      -كيف سيتطلع إلى مستقبله؟      -من أين سوف يستمد عناصر شخصيته؟      -هل يمكن أن ينهض فقدان الذاكرة ككابح ومعرقل ومعطل لحياة هذا الكائن البشري الذي تعرض لمثل هذا المصير؟      تركيب الأجوبة عن الأسئلة السابقة سيقود حتما إلى نفس القناعة ومؤداها أن الأمم التي تفقد تاريخها أو تعرض عن دراسته والبحث فيه وتعليمه للأجيال تكون معرضة بدورها وبشكل حتمي إلى التلف الهيكلي في بنياتها الثقافية والقيمية، فينهض تخليها عن تاريخها وسعيها المحموم نحو بلوغ مراقي التقدم والانغماس في الحاضر والارتماء في أحضان مجاهيل المستقبل منزوعة من رصيدها التاريخي منوع من الجري وراء السراب ونوع من التيه والضلال الرمزي والمادي. وبالتالي، فإنه لا مناص للمتربصين بالتاريخ من الإقرار باستحالة تحقيق التململ الحضاري في الحاضر والمستقبل دون زاد وافر وأساس متين من الماضي.      ثانيا: يتوجب الإقرار بأن طرق البحث في التاريخ وتدريسه تشكل في الواقع سببا من أسباب النظرات السلبية للتاريخ، فالمعرفة التاريخية العالمة لا زالت في بروجها العاجية المشيدة مستغرقة في التنظير بدل أن تتجه نحو ما هو عملي في هذا الحقل المعرفي من خلال إجازات تطبيقية دات صلة بالواقع. كما أن أساليب تدريس التاريخ في المدرسة العمومية لا زالت بدورها تنحو منحى معيبا بالتركيز على المضامين والكم المعرفي مع ما يستتبع ذلك من ترسخ قناعات خاطئة وتمثلات سلبية عن المادة لدى المتعلمين تجعلها مختزلة في الحفظ والتذكر، وبالتالي فلا غرابة بأن يكون الموقف منها هو التبرم والصد والنفور. لهذا لا محل للإستغراب إذا وجدنا أن مادة الاجتماعيات تعد من أقل المواد جاذبية واستقطابا للمتعلمين في المدرسة العمومية.      قد ندفع بمسألة ضرورة إعادة النظر في مناهج المادة عبر الاتجاه نحو تدريس التاريخ بأساليب متجددة تغلب الجانب التطبيقي على النظري وتركز في تعلم التاريخ على المهارات والمناهج والمعارف الوظيفية التي يمكن أن يكون لها أثر في حياة المتعلم. إلا أنه بالرجوع إلى مناهجنا الدراسية نجدها-على الأقل على مستوى الخطاب-تنحو نفس المنحى، بيد أن شيئا لم يتغير في واقع تدريس المادة لأسباب عدة، بعضها مرتبط بالمحتويات التي ظلت على حالها ردحا من الزمن رغم توالي الإصلاحات التي عرفتها المنظومة التعليمية وتغير تقنيات وأشكال التدبير الديداكتيكي بإقرار مدخل الكفايات، وبعضها الآخر مرتبط بالقائمين على تدريس المادة أنفسهم الذي بإصرارهم على الأساليب الإلقائية والمضمونية يكرسون نفس التصورات السلبية التي كونها المتعلمون عن المادة.      أخيرا يمكن الاستنتاج بأن:      -العيب ليس في التاريخ كعلم، إنما العيب في "العلماء" الذين يسقطونه عنوة من دائرة السؤال الحضاري العام حول سبل تحقيق التقدم.      -العيب ليس في التاريخ المدرسي، إنما العيب فيمن يقدمه بتقنيات وأساليب تدبير قديمة تكرس واقع الأحكام القيمية السلبية.      -العيب ليس في غير المتعلمين، بل وحتى الجهلة، فهم يتموقعون خارج المعادلة، إنما العيب فيمن يحشرون أنفسهم في قبيلة المتعلمين والمثقفين ولا يتورعون عن رمي القبيلة بأقبح النعوت ويلصقون عجزهم بتخلفها.      -العيب ليس في التاريخ، إنما العيب فيمن ينتسبون بالنشأة إلى بيت التاريخ ومع ذلك تراهم يرمون خلسة ركنا من البيت لا يستهويهم. عبد اللطيف الركيك: كاتب وأستاذ باحث

Abdellatif.ereguigue@gmail.com


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق