]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

علاقات المغاربة بالشعوب الوافدة عبر التاريخ: بين السلم والحرب

بواسطة: عبد اللطيف الركيك  |  بتاريخ: 2016-05-31 ، الوقت: 19:16:35
  • تقييم المقالة:
تقديم: ظلت هذه الأرض التي تسمى المغرب،وقد حملت تاريخيا الكثير من الأسماء مورزيا وموريطانيا الطنجية والمغرب الأقصى وإيالة مراكش، مقصدا للعديد من الشعوب الوافدة، مثلما بقيت ردحا من الزمن محط أطماع الطامعين من شتى أصقاع الأرض. لقد واجهت هذه البلاد وشعبها ولا تزال تواجه مختلف أشكال التحديات. إلا أن اللافت، عند قراءة هذا التاريخ الممتد عل مدى الحقب والعصور، والمتمعن بين ثنايا صفحاته، لا بد وأن تستوقفه حقيقة الرسوخ والصمود المغربي على مدى القرون، ضد أشكال التهديد التي طالما استهدفت الكيان المغربي، وهي مستمرة إلى يومنا هذا. سنقف في هذه المقالة عند تاريخ علاقات المغاربة مع مختلف الشعوب التي وفدت على الجغرافيا المغربية بغية استجلاء بعض معالم هذا الثبات والرسوخ المغربي بالقدر الذي سيعطي الدليل والحجة البالغة في نظرنا على أن مقولة "الاستثناء" المغربي مقولة واقعية، ولا يمكن أن تكون-بأي حال-مدعاة للتهكم والسخرية من طرف البعض. I-الحقب القديمة: 1-بداية الفترة التاريخية: الاتصال بالفينيقيين: لقد عاش أجدادنا الأمازيغ الأحرار فوق هذه الأرض وتحت سمائها منذ أقدم العصور وليس أدل على ذلك من وجود إحدى أقدم آثار الإنسان على وجه الأرض(إنسان جبل إيغود). لقد ارتبط هؤلاء الذين حملوا حسب الإغريق واللاتينيين والعرب الكثير من الأسماء مثل الليبيين والمورززيين والبربر ثم الأمازيغ بعلاقات مع مختلف الشعوب مثلما تعرضوا لمختلف أصناف التعدي على أرضهم ومجالهم.  عند فجر التاريخ بشمال إفريقيا القديم، وتحديدا خلال الألف الأول قبل الميلاد شكلت أرض المغرب القديم محط أطماع التجار الفينيقيين الذين جابوا البحار بحثا عن الأسواق والمنافع الاقتصادية، ولا شك أن أرض المغرب التي كانت آنئذ محل جذب لهؤلاء بحكم ما كانت تزخر به من مختلف أنواع الخيرات ما استهوى هؤلاء المشارقة لحط رحالهم بسواحله. وتحفل المصادر القديمة بشواهد عدة عل أن هؤلاء قد نزلوا بالفعل بأرض المغرب القديم واتصلوا بسكانه الموريين(الأمازيغ) كما روى الإغريقي هيرودوتوس، وكما يستشف من الرواية الأسطورية حول هرقل التي تحمل بين ثناياها ذكرى مجيء الفينيقيين إلى أرض المغرب، وكما يمكن أن يستفاد أيضا من تقرير رحلة سيليكوس المزعوم. ويبدو أن الأمازيغ قد تعاملوا مع الفينيقيين معاملة تجارية صرفة طبعها التردد في ظل السلام المتبادل، ربما لأن الفينيقيين لم يكونوا مستعمرين لهذه الأرض طالما أنه لا يوجد أثر لصراع بين الفينيقيين وسكان البلاد الأصليين ولا حتى أثر مادي حاسم للمدن التي يروى أنهم أسسوها هناك. وسرعان ما توارى الوجود الفينيقي في أرض المغرب القديم بمرور القرون، وضَعُفَ الفينيقيون في مهدهم بلاد فينيقيا ليولوا الأدبار إلى أن أتى ألكسندر الأكبر على أهم مدنهم وهي صور. 2-الفترة القديمة الكلاسيكية: الاتصال بالقرطاجيين والإغريق والرومان:  تغيرت موازين القوة بحوض البحر الأبيض المتوسط خلال الفترة الكلاسيكية العائدة إلى القرن السادس قبل الميلاد بظهور قوى جديدة تتنافس الزعامة بالمنطقة، وفي طليعة هذه القوى يأتي القرطاجيون وهم أحفاد الفينيقيين الذين تمكنوا في إيجاد قدم لهم بالجزء الشرقي لشمال إفريقيا القديم(تونس الحالية). ففي تلك الأثناء بالضبط كانت السفن القرطاجية(القرطاجيون هم فينيقيو الغرب كما يحلو للبعض نعتهم بذلك) تَمْخُرُ عباب البحر المتوسط وسواحل الأطلسي قاصدة أرض المغرب. وهنا تتسع الرؤية أكثر بالنسبة للمؤرخ، حيث هناك أدلة أكثر في المصادر الإغريقية واللاتينية، وخاصة إفادات رحلة القرطاجي حانون في القرن 4 ق م. لقد قَدِمَ القرطاجيون إلى هذه الأرض كما تثبت ذلك الشواهد المادية، وعاشوا فيها في ظروف السلم مع الموريين، والراجح أنهم اكتفوا بمجرد ربط علاقات تجارية مع الأمازيغ الذي لعبوا على ما يظهر دور الوساطة لنقل سلع جنوب المغرب والصحراء إلى التجار القرطاجيين الذين يهمهم في المقام الأول الحصول على السلع التي كانت تحتاج إليها تجارتهم أكثر من الاستيطان البشري للمنطقة. وفي غيبة الوثائق المادية، فإنه لا محل لاستنبات هؤلاء القرطاجيين بسواحل المغرب عنوة، والحديث عن وجود مدن قرطاجية بسواحل المغرب القديم، والراجح أن تلك المدن القرطاجية، التي لا أثر لها اليوم، لا توجد إلا في خيال المؤرخين الكلونياليين ومن سار على منوالهم من باحثينا. ولا نكاد نعثر على شيء يدل على وجود علاقة عداء أو حروب بين أمازيغيي المغرب والقرطاجيين، فعلى خلاف ذلك تتحدث المصادر الأدبية عن علاقات جيدة وتحالفات بين الطرفين، إذا استثنينا ما كان من أمر الصراع بين الملك النوميدي ماسينيسا وحكتم قرطاج، فضلا عن إشارة وحيدة معزولة تشير إلى دعم أمازيغ المغرب القديم للملك النوميدي لاسترجاع عرشه. ويبدو بأن الفترة الانتقالية بين الانتشار الفينيقي والقرطاجي قد عرفت توافد التجار الإغريق إلى بلاد المغرب كما يستشف من وجود مواد إغريقية في بعض مواقع المغرب القديم، أو أن القرطاجيين أنفسهم هم من تكفل بنقل تلك المواد إلى أرض المغرب في فترة تالية بحكم تاريخية قيام اتصالات تجارية بينهم وبين ساكنة المنطقة.   بعد أن أفل نجم القرطاجيين وسقطت عاصمتهم في يد الرومان عند أواسط القرن الثاني قبل الميلاد بعد حروب طاحنة، خضعت أرض المغرب للاستعمار الروماني المباشر كما تثبت ذلك مستندات مادية أكيدة، حيث سيطر الرومان بالقوة على مجالات الأمازيغ على الأقل في الشمال الغربي للمغرب. لقد دلّت المعطيات التاريخية على أن الوجود الروماني بالمغرب لم يكن مرحبا به البتة، إذ عاشت البلاد أطوارا من عدم الاستقرار بفعل مقاومة أهل البلاد لعنف الحضور الروماني بالمنطقة. وهنا نجد الدلائل الدامغة على الصراع المباشر بين الأمازيغ والرومان في شكل ثورات وحروب متواصلة، أكدت مجرياتها جسارة الكثير من الأبطال الأمازيغ ضد المحتل الروماني والبطولات التي سطروها في سبيل الدفاع عن المجال المغربي، خاصة أن النهب والاستغلال الروماني لخيرات البلاد والتعدي على أهلها قد تعدى كل الحدود. كان مصير الرومان أنفسهم كارثيا على يد الشعوب البربرية الشمالية الجرمانية التي أتت على الأخضر واليابس بما في ذلك عاصمة الرومان وعصفت بإمبراطوريتهم التي لم يكن يشق لهم غبار. انسحب الرومان شمال خطهم الدفاعي في أرض المغرب الذي يسمونه "الليمس" في 285 م قبل أن يخرجوا نهائيا من المغرب خلال القرن 5م. وفي الأثناء كان حظ بلاد المغرب هو أن تكون ممرا لعبور الوندال لاحتلال أرض شمال إفريقيا، وهو العبور المدمر الذي كان فيه السلاح هو الفيصل، علما بأن أمازيغ الأنحاء الأخرى من شمال إفريقيا، التي عاث فيها الوندال فسادا، قد جابهوا المحتل بمقاومة شرسة أنهكت هؤلاء الجرمانيين، قبل أن يضعفوا تحت ضربات البيزنطيين وينسحبوا من المنطقة. إثر ذلك كان نصيب أرض المغرب مرة أخرى هي أن تكون جزءا من مؤامرة الاحتلال البيزنطي الذي وصلت شرارته الحارقة إلى مدينة طنجة، عما أنهم ركزوا أكثر على إفريقية والمغرب الأوسط. واستمر وجود البيزنطيين إلى سنة 647 م، ومعه استمرت المناوشات مع أمازيغ شمال إفريقيا إلى أن قدم العرب إلى المنطقة. II- الحقبة الإسلامية والدول الوسيطية:  بعد الموجة البيزنطية كان نصيب المغرب مع شعب آخر وفد على المنطقة من معاقلهفي شبة الجزيرة العربية، وهنا اتخذ الوجود العربي صبغة دينية على خلاف التوسعات الأجنبية الأخرى التي اتخذت إما طابعا تجاريا صرفت أو استغلالا اقتصاديا. وصل العرب إلى المغرب الأقصى مرورا بمصر وإفريقية والمغرب الأوسط وسيطروا على المجال بعد مساومات حينا ورضى حينا آخر ومواجهات دامية في أحايين أخرى، استقر الأمر لهؤلاء الوافدين بحكم الصبغة الدينية على ما يظهر لقدومهم إلى المنطقة.  بانبلاج عصر الوجود العربي الإسلامي بدأت عهود الدول الوسيطية في بلاد المغرب الأقصى، وبقيت البلاد في حال من الانكفاء تارة والجواز إلى أرض النصارى بالأندلس تارة أخرى مع توجيه الأنظار كل الأنظار نحو الشرق، إلى أن أطلت أوربا الغربية المسيحية النصرانية برأسها بعد عصر النهضة وإتحاد الممالك المسيحية خاصة في إيبيريا وطرد المسلمين وبداية حروب الاسترداد وما تلاها من امتداد أوربي في أرض العالم الإسلامي كان حظ المغرب منها احتلال أراضيه من طرف الإسبان والبرتغاليين، بعد فترات بينية من الازدهار خلال العهدين المرابطي والموحدي على الخصوص.     III-الهجمة الاستعمارية: لم تكد أرض المغرب منذئذ تهنأ بحال من الاستقرار حيث ظلت دائما محط أطماع الطامعين، إلى أن أطل الأوروبيين على بلادنا ولكن هذه المرة أفضل حالا من المرة السابقة بعد أن انتهوا من ثوراتهم الصناعية وازدهرت رأسماليتهم وقويت أطماعهم فجاؤا لتنفيذ مخططاتهم الاستعمارية منذ القرن 19 للميلاد، وهي فترة تؤرخ مغربيا للنكوص والضمور. وكان حظ أرض المغرب أن تقع فريسة بيد الإسبان بعد خيبة تطوان والفرنسيين بعد هزيمة إيسلي، قبل أن ينتهي مسلسل الصراع حول أرضنا بتفرد الإسبان والفرنسيين باحتلال البلد.  ومثلما كان موقف المغاربة في الماضي فإن الموقف من الموجة الاستعمارية الجديدة كان هو الرفض والمواجهة رغم تباين موازين القوة. فقد تصدى المغاربة للمحتل بقيادة خيرة من رجال هذه البلاد الأبرار من أمثال الخطابي ومربيه ربو وموحا أحمو الزياني وعسو أوبسلام والهيبة ماء العينين وغيرهم كثير. ازداد نهب الفرنسيين والإسبان لخيرات البلاد وعاثوا في الأرض فسادا وانبلج عصر آخر للفداء المغربي بعد فترة من خمود المقاومة المسلحة إلى أن تمكن المغاربة من تحقيق صيغة لإخراج الفرنسيين كلفت بلادنا الكثير من الحقوق التي ضاعت بسبب المناورات الفرنسية والإسبانية الخسيسة. IV-تحديات ما بعد الاستقلال: بعد 1956 اعتقد سكان الأرض التي تحمل اسم المغرب أنه آن الأوان لتمثل الاستقلال أولا، ثم الانكباب على البناء وتحسين أوضاع البلد، وإخراجه من براثين الجمود والمحافظة في مسعى بناء الدولة الحديثة ثانيا، إلا أن التاريخ يأبى إلا أن يعيد نفسه، إذ تنبعث لنا وعلى حين غرة من جديد نوازع الهيمنة والتسلط لكن هذه المرة من طرف مارد آخر كشر عن أطماعه البشعة بأساليب وطرق مختلفة عن سلسلة النزوعات الهيمنية التي ابتليت بها أرض المغرب على مر تاريخه. ففي هذه المرة-ربما-كان على المغرب أن يواجه أكثر الأخطار في تاريخه الطويل كما سردناه أعلاه، وذلك لأن المناورات والمؤامرات أكثر خسة ودناءة وخطورة على الكيان الوطني من أي وقت مضى. بعد دعمه ومساندته بالسلاح والمال لنيل استقلاله الوطني أبى الجار الشرقي إلا أن يجازينا شر الجزاء بأن يدق مسمارا صدئا في خاصرة بلدنا ليس فقط بحرب الرمال التي شنها، ولكن أيضا بتجييش عدد لا يستهان به من أيتام الحرب الباردة من دول "المتبات" على النموذج القذافي، فسخر البلد الشقيق جميع إمكانياته المادية ومجهوده الدبلوماسي في مختلف المنابر لإقلاق المغرب والطعن في شرعية وحدته الترابية، ومعه عصابته وجوقته التي استلدت الشيطنة والعيش في ظل قلاقل الحرب الباردة التي طواها الزمن وصارت جزء من الماضي. وهكذا تصطف اليوم بعض المرتزقة الأفارقة والأمريكيين اللاتينيين الذين لم يجدوا شيئا ذا بال لإلهاء شعوبهم الجائعة غير منازعة المغرب في حقوقه الثابتة، فتجدهم يتحركون في كل مكان مسخرين قوت شعوبهم لإلحاق الأذى بالمغرب.  وفي المحصلة يجد المغرب نفسه من جهة الشرق أمام بلد أصبح فيه العداء تجاه المغرب عقيدة ودينا رسميا وشعبيا كبرت وتربت عليه الأجيال وتناقلته بفعل أبواق الدعاية الرسمية، فلا يمكن أن تجد المغرب في أي مكان على وجه البسيطة دون أن يكون هو متواجدا مترنحا ومتربصا لبث سمومه المرضية. ومن جهة الجنوب توجد دولة مساومة تنافق المغرب ظاهريا وتضع اليد والرجل والقلب مع أعداء الوطن. وفي الشمال توجد بلاد تمثل نموذجا في المواقف المساومة، فهي من جهة تحاور المغرب وتمد جسور التعاون معه، وفي نفس الوقت تلتزم بحياد سلبي، فتترك أعدائه يسرحون ويمرحون لصناعة رأي عام معادي لبلادنا. على سبيل الختم: هذه الصورة المركبة والبسيطة من حيث المحتوى توضح حجم التحديات والمخاطر التي ظل المغرب يواجهها على مدى التاريخ، ومع ذلك ظل راسخا شامخا ثابتا حرا فوق أرضه وتحت سمائه. إن حماية الوطن والذود عن حقوقه أما كل هذه الأخطار المحدقة هو عمل يجب أن يحظى بالتقدير الواجب والعرفان اللازم. إن المغرب لا يواجه فقط مشاكل السكن والتعليم والصحة والبطالة والأمية وغيرها من جوانب الخصاص الاجتماعي، بل يواجه أيضا مهام أخرى جسيمة لا تقل أهمية تقوم بها بلادنا على أحسن ما يكون للذود من مصالح بلادنا الخارجية الحيوية، والدفاع عن الموقع الإقليمي للمغرب في منطقة جد حساسة تتقاذفها أخطار الإرهاب وهشاشة الكيانات السياسية، خاصة في إفريقيا جنوب الصحراء.

*كاتب وأستاذ باحث

abdellatif.ereguigue@gmail.com


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق