]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

قبسات من التاريخ الأوربي في مختلف العصور: دروس وعبر

بواسطة: عبد اللطيف الركيك  |  بتاريخ: 2016-05-31 ، الوقت: 19:14:03
  • تقييم المقالة:
تقديم: تمثل التجربة الأوربية تاريخيا إحدى التجارب العالمية المرموقة الجديرة بالمدارسة والبحث والتأمل في عالم اليوم الحابل بمختلف أشكال النزاعات الإثنية والقومية والدينية والسياسية، وهي الصراعات التي كان الأوروبيون سباقون إليها على امتداد تاريخهم وفي مختلف الحقب، دون أن يمنع ذلك من تضميد الجراح، والدوس على الأحقاد والضغائن التاريخية على ضيقها، واتخاذها جسرا للعبور نحو رحابة الاندماج المجالي اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا، في تجربة فريدة من نوعها باتت تمثل اليوم مصدرا للإلهام والاقتباس. منعطافات التاريخ الأوربي: إن استحضار منعطفات التاريخ الأوربي منذ العصور القديمة مرورا بالوسيطية والحديثة ووصولا إلى العصر الراهن يكشف إلى أي مدى كانت التجربة الاندماجية المتميزة عالميا والتي يجسدها الأوروبيون اليوم بمثابة ضرب من الخيال ورجما بالغيب خلال فترات الانحباس والغمة الأوربية وما أكثرها في التاريخ الأوربي. ذلك أن تَمَثُّل تلك الحقب "المظلمة" والموغلة من التاريخ الأوربي يدفع إلى الحكم بأن الأوربيين كانوا-على الأقل خلال حقب بعينها-من أقل شعوب المعمورة حظا في التفاهم والتقارب والاندماج، في وقت لاحت فيه بوادر التوحد والاندماج على الصعد القومية والدينية والحضارية والثقافية والجغرافية في عدد من أصقاع الأرض، وبالنسبة للكثير من الشعوب في مناطق عدة من العالم دون أن يكون بالإمكان ترجمة تلك الإمكانات إلى واقع ملموس على الأرض. الأوربوبين يتسلمون مشعل المشترك الحضاري الإنساني من الشرق: تمكن الأوروبيون خلال العصر القديم بفضل إشراقات الحضارتين الإغريقية والرومانية من سحب البساط من تحت أقدام الشرق الذي طالما شكل مصدرا للإلهام والإشعاع الحضاري، ومركز انبثاق العديد من الاختراعات الحضارية الذي حاز فيها قصب السبق. ففي الوقت الذي انتقل فيه مشعل الحضارة إلى الجزء الشرقي من حوض البحر الأبيض المتوسط كان وميض حضارات الشرق ينطفئ شيئا فشيئا إلى أن بدأت حضارات الشرق العظيمة في بلاد ما بين النهرين والهلال الخصيب وفي مصر الفرعونية تتوارى لصالح الحضارة الفينيقية على الساحل الفلسطيني-اللبناني.     طور الازدهار الأوربي خلال العصر القديم:  غير بعيد عن آخر قلاع حضارات الشرق المزدهرة، أي الحضارة الفينيقية، انبثقت بؤرة حضارية أوربية ناشئة في بلاد الإغريق القديمة بالجزء الشرقي للبحر الأبيض المتوسط على الأقل منذ القرن 13 قبل الميلاد، تلك الحضارة التي تلقفت الكثير من منجزات الشرق لتعرف طورا من الازدهار في كافة المناحي الحضارية وصولا إلى تشكيل إمبراطورية مترامية الأطراف على عهد الإسكندر المقدوني، سرعان ما التهمت الشرق المتعب وعبرت إلى الشرق الأدني(الهند).  ولم تكد سطوة الإغريق تتهاوى بانحسار إمبراطوريتهم تاريكين الشرق في طور من الاضطراب، حتى انبثق في أوربا، وبالضبط من روما منذ القرن 8 قبل الميلاد، كيان حضاري أوربي في فترة بدأ فيها الكيان الإغريقي مرحلة التراجع والانكماش. ورث الرومان الجوانب المشرقة من الحضارة الآفلة وأضافوا إليها الكثير من إبداعاتهم وابتكاراتهم. وبذلك عاشت أوربا بفضل الازدهار الروماني في قلب الإشعاع والتأثير الحضاري على الأقل منذ القرن الخامس قبل الميلاد، فأوصل الرومان الكثير من مظاهر الحضارة إلى قمة النضج في الإتقان والإبداع والبراعة بشكل بَوّأ أوربا من جديد مركز الصدارة والسيطرة بعدما امتد نفوذ إمبراطوريتهم ليشمل أجزاء مهمة من أوربا والشرق وشمال إفريقيا. وفي أوج قوة روما وإمبراطوريتها كان شمال القارة يشهد تململات وهيجان قومي، خاصة خلال القرن 3 الميلادي، سرعان ما امتدت شرارته إلى روما نفسها سنة 476 للميلاد معلنة نهاية العصر الذهبي لأوربا، وذلك بعد أن نزلت الشعوب الجرمانية البربرية من شمال أوربا لاقتلاع جذور روما والاندفاع جنوبا وصولا إلى ممتلكات الإمبراطورية بشمال إفريقيا. العصر الأوربي الوسيط(ما بين القرن 5 – 15م): عصر مظلم أم مرحلة تطور؟ وبحلول موسم هجرة الشعوب الجرمانية تلك نحو الجنوب وسقوط روما الحاضرة الأوربية تكون أوربا قد أطفأت أنوار العصر القديم لتدخل مجاهيل العصر الوسيط الذي ارتسم من خلال الكثير من أحداثه كعصر "مظلم" بالنسبة للقارة الأوربية. فبعد تداعي الرومان وانقسام إمبراطوريتهم، حاول خلفائهم البيزنطيين لأكثر من ألف سنة، خاصة منذ القرن 5 وحتى 1453 للميلاد، استعادة زمام المبادرة من الرومان، إلا أنها سرعان ما تعرضوا لنكسات متتالية بفعل صراعاتهم ضد الفرس والعرب والعثمانيين. وببداية العصر الوسيط تبدأ رحلة الأوربيين مع الإقطاع. فقد عاشت الشعوب الأوربية خلاله تحت سطوة المحافظة بسيطرة الأنظمة الإقطاعية والفيودالية التي عطلت الكثير من جوانب التوهج الحضاري التي خلفها الإغريق والرومان، وهو الأمر الذي يمكن اعتباره بمثابة رِدّة حضارية ترافقت مع هيمنة الكنيسة الكاثوليكية وتواطئها مع الحكم الإقطاعي وتحكمها في رقاب الأوربيين. فقد أصيبت حضارة غرب أوروبا بالانحطاط، ولم يتبق من حضارة الرومان القدامى سوى ما بقي في قلة قليلة من مدارس الأديرة والكاتدرائيات والبلاط والقصور الملكية، أما العلوم التي نقلت عن اليونانيين فقد اندثرت تقريبا، وكان الذين تلقوا علما فئة قليلة من الناس، كما ضاعت الكثير من المهارات الفنية والتقنية القديمة، وأمسى العلماء في جهلهم، يتقبلون الحكايات الشعبية والشائعات و الخرافات والأساطير على أنها حقيقة.إلا أن أن العصور الوسطى الأوربية  لم تكن مظلمة إظلاما تاما، فقد سجلت بعض الانتعاشة خلال فترات متقطعة وخاصة خلال القرن 12 للميلاد. العصر الحديث الأوربي(بين القرنينن 15 و18 للميلاد): من الإقطاع نحو الحداثة: لم يستسلم الأوربيون طويلا للتواضعات الوسيطية التي جثمت بتخلفها على صدور الأوروبيين، فقد ظهرت خلال القرنين 15 و16 للميلاد ردود فعل كسرت هيمنة الإقطاع الأوروبي إيذانا بسطوع إشعاع العصر الحديث على الربوع الأوربية. لقد تحدى الأوربيون بفضل جرأة ونضج نخبهم الجديدة اشتراطات وقيود الإقطاع والكنيسة والهرمية الاجتماعية من خلال انبثاق حركة فكرية نادت بمحورية الإنسان وسمو العقل بدل الاستسلام لقيود الخرافة والدجل الوسيطي، مع استبعاد القطيعة الحضارية النهائية من خلال النهل من ينابيع الحضارتين الإغريقية والرومانية، والتمرد على الكنيسة الكاثوليكية والمطالبة بإصلاح الشأن الديني. وقد ترتب عن هذه الدعوات الجديدة انقسامات وحروب دينية طاحنة، وفي نفس الوقت برزت سلسلة من الاختراعات والإنجازات في ميادين العلوم والفنون والتقنيات مكنت الأوروبيين من التطلع نحو الربوع الأخرى من العالم من خلال تدشين حركة الاكتشافات الجغرافية التي أحدثت اختلالا في موازين القوة الاقتصادية في العالم، وكانت منطلقا لمرحلة التوسع الأوربي واقتسام مناطق النفوذ في العالم بين الممالك الأوربية. وبهذه التحولات المتسارعة انعتقت أوربا من العصور الوسيطية وأطلت برأسها على عصر الحداثة، وهو ما انعكس أيضا على المستويات الاجتماعية والسياسية من خلال التحولات الاجتماعية التي عصفت بهرمية وتراتبية النظام الاجتماعي الذي طالما عانى الأوربيون من تبعاته، وذلك ببروز الطبقة البورجوازية وبداية تطور الرأسمالية بفضل نمو حركة التجارة. وفي نفس الفترة اندلعت ثروات سياسية قلصت من هيمنة الأنظمة المحافظة لصالح أنظمة سياسية تقوم على الولاء القومي. لقد مهدت هذه الحركة التي سماها المؤرخون ب"الإنسية" لسلسلة من التحولات التي ستطرأ خلال القرنين 16 و 17 للميلاد من خلال ظهور حركة فلسفية ركزت على بناء تصور جديد للمجتمع، وقد ساهمت في تطوير المجتمع الأوربي، كما أثرت على الفكر السياسي خلال ق 18م، حيث أسفرت عن اندلاع ثورات سياسية عملت على تخليص الأنظمة السياسية في أوربا بما علق بها من ترسبات العصور السابقة. يتعلق الأمر بالثورتين الإنجليزية(1642م) والفرنسية(1789م) اللتان حررتا الإنسان الأوربي، وجاءتا بتواضعات وتعاقدات سياسية جديدة جعلت أوربا تتطلع نحو الحداثة السياسية من خلال ظهور أولى مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان. إن هذه التحولات المتتالية التي شهدها العصر الأوربي الحديث هي التي تفسر الانعطافات التاريخية والحضارية التي عرفتها أوربا في الفترات اللاحقة. فقد تميز القرن 18 للميلاد بحركة من الاختراعات العلمية والتقنية التي غيرت من حياة الأوربيين بصفة جذرية، ونقلتهم من طور إلى طور في إطار ما يصطلح على تسميته بالثورة الصناعية. وفي الإبان كانت الرأسمالية الأوربية تتحول تدريجيا نحو المرحلة الصناعية ثم المالية. القرن 19 للميلاد: من الحداثة نحو السطوة الاستعمارية: بحلول القرن 19 للميلاد تكرس التفوق الأوربي عالميا، خاصة بعد انتقال الرأسمالية الأوربية إلى طور الإمبريالية لاعتبارات تاريخية عديدة، وبالتالي قدمت أوربا نفسها للعالم كقوة استعمارية أحيت من جديد الطموحات الإمبراطورية للكثير من دولها. لقد قادت الطموحات الاستعمارية للأوربيين إلى تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ أوربية مثلما أدت إلى بروز خلافات أوربية-أوربية حول اقتسام "الغلة" الاستعمارية ما مهد الأجزاء لاحقا لاندلاع حرب عالمية أولى كانت أوربا مسرحها الرئيس. ولم تكن الخسائر الفادحة التي تكبدها الأوربيون اقتصاديا وبشريا وسياسيا لتضع حدا للتنافس الاستعماري الأوربي، بقدر ما زرعت بذور حرب عالمية ثانية حلفت انتكاسة أوربية على الصعد كافة فضلا عن الندوب والجراح التي لم يكن بالإمكان مداواتها سريعا، كما أعلنت بداية تراجع أوربا كقوة سياسية تقليدية مهيمنة في العالم لصالح فاعلين عالميين جدد. دروس وعبر من الماضي: ·       لم يكن الأوربيون في تاريخهم القديم مجرد ناقلين ومقتبسين لتراث الشرق القديم، فإليهم تنسب الكثير من مظاهر الحضارة التي برعوا فيها مثل التوصل إلى الكتابة الأبجدية وتطوير الفنون والآداب والعمارة ووسائل الحرب والتقنيات المختلفة...إلخ. ·       عاشت أوربا في مختلف حقب التاريخ في قلب العالم تأثيرا وتأثرا ليس فقط بحكم موقعها الجغرافي المشرف على البحر المتوسط عصب التجارة في مختلف العصور، وإنما بسبب رغبات تحوز المنافع الاقتصادية وتوسيع نطاق الهيمنة والنفوذ السياسي الذي ظل الهاجس الرئيس للأمم الأوربية طوال التاريخ. ·       لم تكن الشعوب الأوربية طوال تاريخا شعوبا مسالمة في علاقتها بالأمم القريبة والبعيدة، فلم تكتف بالعلاقات السلمية التجارية ونقل التأثيرات الحضارية بقدر ما ظلت على الدوام شعوبا تحكمها نوازع الهيمنة باتباع الأساليب كافة. إن تلك النوازع التوسعية هي التي تفسر سعي الأوربيين لإنشاء الإمبراطوريات التي عملت على توسيع نفوذها في العالم بالقوة القهرية. وكان الاتجاه الغالب في تلك السيطرة يكمن في توطيد النفوذ بالبحر الأبيض المتوسط والتمكن من السيطرة على طرق التجارة نحو الشرق الأدنى قبل أن تتوسع الرغبات الاستعمارية الأوربية لتشمل كافة أنحاء العالم. وهي الطموحات التي كلفت الأوربيين حربين طاحنتين في العصر الراهن عجلت الأخيرة منهما بإقبار الطموحات الإمبراطورية للشعوب الأوربية، ودفعتهم إلى الانشغال بأوضاع الكيان الأوربي تاركة المسرح الدولي لقوى عالمية جديدة. ·       قدم الأوربيون للعالم خلال العصر القديم نموذجين لامعين من الإنتاج الحضاري المرموق من خلال عناصر الحضارتين الإغريقية والرومانية اللتان تمثل بقاياهما باكورة الإبداع الأوربي، وإحدى ضروب الإعجاز الإنساني خلال هذه الحقبة من التاريخ. ·       بقدر ما يمثل العصر الوسيط الأوربي مرحلة طويلة من النكوص الأوربي والانكماش على الذات والانشغال المؤرق بالنزاعات الداخلية القومية والدينية والسياسية بقدر ما يشكل درجا في سلم الارتقاء الأوربي حتى ولو لم يوظف على أكمل وجه تراكمات العصر القديم الأوربي، بيد أن المخاض الذي أفرزته تناقضات هذا العصر هي من أنتجت على ما يبدو التميز الأوربي في العصور التالية. ·       على الرغم من قصر أمد العصر الحديث الأوربي(حوالي أربعة قرون)، فإنه يمثل إحدى أكثر حقب التاريخ الأوربي غنى وثراء بحكم التحولات التي اعتملت بداخل الكيان الأوربي والتي مهدت للتغيرات الفارقة التي ستحدث لاحقا في كافة المجالات. ·       شكلت الثورة الصناعية إحدى أكثر المساهمات الأوربية نبوغا التي قدمتها الشعوب الأوربية للعالم وللمشترك الحضاري الإنساني بفضل اختراعاتها العلمية والتقنية والفنية التي نقلت الإنسانية إلى طور متقدم وغير مسبوق في تاريخ التجارب الحضارية الإنسانية عبر التاريخ، وبفضلها تنعم البشرية اليوم بأفضل وأيسر سبل الحياة وبعناصر القوة الضاربة لتطويع الطبيعة التي طالما شكلت أساس وجود الإنسان على البسيطة. ·       إلى الأوربيون بعود فضل تخليص الإنسانية من تبعات الاتصال الوثيق الذي لا فكاك فيه بين الديني والسياسي، والذي شكل على مر التاريخ كابحا أمام تطلعات الإنسان نحو عوالم الحرية والإبداع والعلم وتحكيم العقل والمشاركة في صنع القرار... ·       كان الأوربيون أول شعوب البسيطة التي اهتدت إلى خلخلة وتفكيك النظم الاجتماعية التراتبية التي طالما حكمت علاقات أفراد المجتمعات الإنسانية واختزلتها في علاقة السيد بالقن، على الرغم من أن ذلك لم يسر على الشعوب التي اتصلوا بها وسيطروا عليها ما يمثل نوعا من التناقض الذي ذل يحكم تصرفت الأوربيين بشكل ضاعت معه القيم الأوربية في معمعة المصالح السياسية والاقتصادية. ·       يرجع الفضل إلى الثورات السياسية الأوربية في العصر الحديث والمعاصر في إحداث نقلة نوعية وحاسمة في النظم السياسية نقلت معها الإنسان من طور الاستغلال السياسي إلى مرحلة المشاركة والفعل في إطار نظم حديثة تستند إلى الديمقراطية التي أتاحت مساحة هامة من الحريات والحقوق الفردية والجماعية. ·       بفضل التحولات الاقتصادية التي عرفتها أوربا، أخرج الأوربيون للعالم إحدى أكثر النظم الاقتصادية إثارة للجدل، وهو النظام الرأسمالي الذي بقدر ما مكنت تحولاته الأوربيين من تطوير الإنتاج والمردودية الاقتصادية والتطلع نحو اكتساح أسواق العالم عنوة، بقدر ما انعكست تبعاته سلبا على شعوب العالم الثالث بأشكال من العسف والاستغلال الاقتصادية والسياسي والاجتماعي والثقافي. ·       من الصراع الأوربي إلى الإتحاد الأوربي: ·       إن الحديث عن أوربيين-وهو حديث بصيغة الجمع رغم وجود الكثير من عناصر الفرقة والاختلاف والتنوع-نابع بالأساس من عنصر الوحدة الجغرافية التي لا تلغي باقي عناصر الافتراق. ·       أن الشعوب الأوربية على اختلافها لم تحقق-في الواقع-رغم تجارب العصر القديم وحدتها السياسية إلا في العصر الراهن بعد حقب من التنافس والصراع المحموم. ·        رغم الكساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي الوخيم الذي أفرزته الحروب، ورغم ألم الجراح التي خلفتها والمتاريس المنيعة التي أرستها بين الشعوب الأوربية المتقاتلة في شكل عداوات وأحقاد ورغبات بالانتقام، فإن ذلك لم يكن ليمنع من انبثاق حلم الاندماج وسط تلك العواصف الهوجاء من المشاعر المتناقضة، وفي أجواء من الاحتقان، ومن قلب المحنة والغمة الأوربية. لقد شكل مشروع وزير الخارجية الأمريكية مارشال سنة 1945 لإنقاذ الاقتصاد الأوربي المنهار عقب الحرب الخيط الناظم للمسار الطويل الذي سلكته أوربا نحو حلم الاندماج والوحدة، والقفز على عذابات الحروب وويلاتها للعبور نحو ضفة التكامل في مسار طويل لم يكن سهلا أبدا. ·       فمنذ خمسينيات القرن العشرين شرع الأوربيون في تدشين مسار التحول التاريخي من طور العداء والتنافس إلى طور التكاثف والتعاون، وهو المسار الذي توج بتحقيق خطوات اندماجية لم تكن تبدو ممكنة في ظل التركة الثقيلة من نزاعات وحروب الماضي القريب. وقد أعطت هذه الخطوات المدروسة والمحسوبة نتائج مبهرة جعلت للإتحاد الأوربي يحتل اليوم مركز الصدارة العالمية باعتباره أهم تكتل اقتصادي في العالم.  دروس وعبر من الحاضر: إن استحضار هذه الحقب الطويلة من التاريخ الأوربي بكل ما وسمها من إشراقات وتعثرات لكفيل بأن يضع أمام المجموعات الإقليمية الأخرى في العالم، وبخاصة تلك التي فشلت في تلمس أولى خطوات الاندماج تجربة تبدو اليوم فريدة من نوعها وحابلة بالدروس والعبر، ولعل من بينها: §       نجاح الأوربيين في مسلسل التكامل والاندماج برغم حدة العوائق الموضوعية وثقل إرث الماضي، في الوقت الذي فشلت فيه شعوب أخرى في تحقيق نفس المسعى رغم القواسم القومية والثقافية والحضارية والاقتصادية الأكيدة التي تجمع بينها. §       إقرار الأوروبيين بالعوائق والصعوبات التي ارتسمت في طريق الاندماج، واتباع سياسة التدرج والمفاوضة الهادئة بدل مسلكيات الحماسة والتسرع والارتجال والرغبات المُعَوَّمة. فقد ركز الأوروبيون في البداية على تحقيق أهداف إجرائية قطاعية في أفق تحقيق الوحدة الاقتصادية الشاملة. §       تحقق الاندماج الأوربي لم يتأت في واقع الأمر من تطلعات فوقية لحكومات يقوم بين قادتها قدر كبير من الود، بل انطلق وتكرس بفضل دور أصيل للشعوب الأوربية التي كانت تُستشار ويُؤْخذ برأيها في مختلف الخطوات الاندماجية ما جعل الوحدة مسألة اجتماعية وسلوك ثقافي عند الأوروبيين. §       إن مسار الاندماج الأوربي لم يكن قط مجرد بروتوكولات واتفاقيات توقع ثم يرمى بها في أرشيف الحكومات، بل كانت أوفاقا تتسم بطابع الإلزام للدول الموقعة تحت طائلة فرض عقوبات جزائية. هذا فضلا عن وضع سياسات جماعية للتعامل مع المناطق والتكتلات الإقليمية الأخرى في مختلف أنحاء العالم. §       رهانات الدول والشعوب الأوربية على الوحدة ومصالحها القطرية لم تكن قط متطابقة، لذلك عمل الأوربيون على تحييد الخلافات السياسية وعزل تأثيراتها السلبية المحتملة على العملية الاندماجية مع إيجاد آليات لفض الخلافات والنزاعات الاقتصادية. على سبيل الختم: إن بسط العبر والدروس التاريخية المستخلصة من التاريخ الأوربي كما هي مبينة أعلاه تحيل إلى طرح عدة أسئلة من بينها:  لماذا لا نقرأ التاريخ الأوربي في علاقته باستعصاءات التكامل والاندماج العربي والإسلامي على سبيل المثال؟ لماذا ثمة دائما نزوع مستحكم لتحييد التجربة الأوربية عن مسعى فهم وقراءة تاريخنا العربي والإسلامي بمبرر اختلاف التجارب والمرجعيات والأسس الحضارية؟ أليست مثل هذه التبريرات التجزيئية متأتية من ثقل ووطئة ذلك الاتصال الوثيق بين الديني والسياسي في التاريخ العربي والإسلامي؟

*كاتب وأستاذ باحث (12-02-2016)

abdellatif.ereguigue@gmail.com

 

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق