]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

2011...وتحديات "الربيع العربي"

بواسطة: دكتور سرحان سليمان  |  بتاريخ: 2011-12-27 ، الوقت: 17:34:00
  • تقييم المقالة:

لم تكن السنة الجارية جيدة بالنسبة للرجال السيئين، وهي لم تحمل بعد أخباراً تدعو للاحتفال، فمِن هؤلاء الرجال الذين غادروا المشهد السياسي، أو الذين غادروا الحياة كلية، كان بن لادن، ومؤخراً زعيم كوريا الشمالية، كيم يونج إيل، الذي فارق الحياة، بالإضافة إلى مغادرة ثلاثي عربي هم: بن علي في تونس ومبارك في مصر، وأخيراً القذافي في ليبيا الذي كان خروجه من المشهد مأساوياً، لكن رغم تشابه النهايات هناك اختلافات جوهرية تفرق بين الرجال الذين ودعناهم في عام 2011، فبن لادن الذي هُلل كثيراً لمقتله على يد القوات الأميركية في شهر مايو الماضي فإن موته وإن لم يكن طبيعياً كان متوقعاً وأسبابه مفهومة، وحتى "كيم يونج إيل" الذي توفي بذبحة صدرية الأسبوع الماضي كانت صحته معتلة منذ فترة بعد تعرضه لجلطة دماغية قبل عدة سنوات، لذا فإن الرجلين معاً كان بإمكان الموت في أي لحظة خلال السنوات القليلة الماضية فقط تصادف موعد انتهاء الأجل مع 2011.

أما فيما يتعلق بالقادة العرب الذين فقدوا مناصبهم وخرجوا من الصورة فقد تعاونت ظروف معينة وخاصة دفعتهم إلى المصير المحتوم، فهم أطيح بهم فيما يشبه انتفاضات شعبية كاسحة خرجت إلى الشوارع واحتشدت في الميادين العامة حركتها مشاعر الإهانة الجماعية والإحباط المقيم بسبب غياب أفق سياسي وافتقاد الفرصة الاقتصادية القادرة على ضمان حد أدنى من الحياة الكريمة.

وفي تفسير ما جرى في العام العربي على امتداد العام الجاري لا يمكن أبداً الركون إلى بائع فواكه تونسي الذي أشعل انتحاره فتيل الثورات في المنطقة، أو الاستناد إلى مواقع التواصل الاجتماعي التي لم يتعدَ دورها التنظيم والتنسيق.

التفسير المنطقي والحقيقي يقول إن التغيير التاريخي يحصل عندما يحدث تماس خطير بين الشرارة وعود الثقاب، ولنا في التاريخ أمثلة عديدة عن أحداث حصلت بفعل تضافر عوامل عميقة بعيدة عن الحوادث السطحية مثل الحرب العالمية الأولى التي لم تندلع بسبب اغتيال الدوق "فيردناند"، بل كانت ستنطلق في جميع الأحوال حتى في غياب الحادثة التي أشعلت شرارتها، كما أن حرب فيتنام كانت ستنطلق بدون حادثة خليج "تونكين"، فعندما يتوفر الحطب الجاف تكفي أي شرارة مهما كانت صغيرة لإشعال النيران وإذكاء الحريق، وهو بالفعل ما حصل في الشرق الأوسط الذي بعد عقود من الحكم السيئ أصبح ناضجاً للتغيير.

وفي هذا السياق ليس السؤال ما الذي أشعل الثورات بقدر ما هو ماذا بعد؟ وما الفرق اليوم في الشرق الأوسط بعد رحيل هؤلاء الرجال؟ الحقيقة أنه عندما نعود إلى سنة 2011 فإنها تتبدى كسنة انتقالية أكثر منها سنة تحول جذري، ففي حالة بن لادن لن يتغير الشيء الكثير بعد مقتله، فحتى قبل سقوطه كانت الأحداث المتعاقبة في المنطقة بدأت تتجاوز زعيم "القاعدة"، لا سيما بعدما ظهر واضحاً أن الذين تظاهروا في ميدان "التحرير" بالقاهرة وخرجوا مطالبين بالحرية والكرامة ورحيل النظام لم يستلهموا في شيء أيديولوجية "القاعدة"، فهو كان يدعو للتدمير وليس للبناء فجاء موته كمحطة في الطريق وليس كنقطة تغيير حاسمة.

والأكثر من ذلك أن غياب بن لادن لا يعني توقف الإرهاب، بل حتى في غيابه سيواصل آخرون عمليات التمويل والتخطيط وتنفيذ الإرهاب لسنوات وربما لعقود مقبلة، ولن يتوقف إلا بانتهاء شرعيته وتوقف الحكومات عن التغاضي عنه.

وبرحيل "كيم" تبقى وراءه دولة ستالينية بالية، وليس معروفاً على المدى القصير ما إذا كان ابنه الذي خلفه سينجح في تعزيز سلطته دون مغامرات، أم سيلجأ إلى العنف ضد كوريا الجنوبية لفرض سلطته، ولو فعل ستكون المجازفة كبيرة لأن سيؤول لن تقف متفرجة دون رد عسكري، لكن السؤال دائماً هو ماذا بعد؟ وكيف سيكون مصير كوريا الشمالية؟ فالبلد هو قطعة من الماضي بجيش نووي دون شيء آخر عدا سكان جوعى، وهي تعتمد على الصين كمصدر الغذاء والوقود الوحيد التي تعتبر البوابة الأولى لتصريف تجارة كوريا الشمالية، وهو ما يؤهل الصين للعب دور أساسي في تحديد مصير البلاد. ومعروف مخاوف بكين من انعدام الاستقرار لدى حليفتها وتدفق اللاجئين إليها، والأسوأ من ذلك تخشى الصين توحد الكوريتين تحت سيطرة سيؤول وبرعاية أميركية، لذا من المرجح أن تواصل الصين دعمها للوضع الحالي في بيونج يانج حتى وهي تحث القادة الجدد على ضبط النفس والقيام بإصلاحات اقتصادية، لكن ماذا عن البلدان العربية التي نفضت عنها حكامها المستبدين؟ لا بد أولاً من التخلي عن عبارة "الربيع العربي" لأن الربيع فصل لا يتعدى ثلاثة أشهر فيما الأحداث التي جرت في العالم العربي ستستغرق عقوداً كي تنكشف نتائجها وتفصح عن مكنونها، كما أنه من غير المعروف ما إذا كانت المحصلة ستبعث على الارتياح والترحيب، فمهما كانت صعوبة الإطاحة بالأنظمة القمعية التي لا تتردد في استخدام العنف المفرط لإخراس شعوبها وضمان خضوعهم يبقى الأصعب من ذلك بناء نظام أفضل يحل مكانه، لا سيما وأن التاريخ حافل بأمثلة عن قادة أطيح بهم فقط ليخلفهم من هم أسوأ وأضل سبيلا، وهنا يمكن استحضار الاتحاد السوفييتي الذي استبدل نظام القياصرة في روسيا، أو نظام الملالي الذي صعد إلى السلطة بعد الثورة الإيرانية.

وحتى التجربة العراقية التي كان يفترض أن تعطي المثال وتقدم النموذج فشلت بعدما أفضت الإطاحة بنظام صدام إلى صعود الطائفية والحرب الأهلية، ومع أن الأمور هدأت في العراق مقارنة بسنوات سابقة يبقى المستقبل غامضاً بالنسبة للعراقيين، بل إن موجة العنف الأخيرة جاءت لتؤكد مجدداً حالة الشك والضبابية التي تحوم حول العراق، إذ يمكن بسهولة تخيل مصير يغلب عليه الصراع الطائفي والحكم الشمولي، أو ببساطة دولة مشلولة تتخللها أعمال عنف وضعف الحكومة المركزية.

ولسنا نعرف ما إذا كانت البلدان التي أطاحت بأنظمتها في العام 2011 ستواجه صعوبات مماثلة أم أنها ستنجح في مشوارها، فقد شهدت تونس انتخابات برلمانية حرة ونزيهة مع تقدم واضح للأحزاب الإسلامية، فيما ليبيا تواجه تحدي بناء مؤسسات الدولة غير الموجودة مع تعقيدات أخرى تتمثل في التوترات القبلية والانتشار الواسع للأسلحة.

و من بين كل الدول التي مسها "الربيع العربي"، تظل مصر المحك الحقيقي، فهي تضم ربع سكان العرب وتمثل النموذج الذي ينظر إليه جميع السنة في العالم الإسلامي، وإلى حدود هذه اللحظة يبدو واضحاً سيطرة الإسلاميين بجميع ألوانهم على الحياة السياسية حتى في ظل تردد الجيش وتمنعه عن التخلي عن سلطته وامتيازاته، فيما الشباب الليبرالي الذي ساهم في إشعال الثورة يفتقد للحضور والقوة، لكن المشكلة الأكبر تبقى في الاقتصاد الذي يعرف تراجعاً ملحوظاً بسبب فقدان السياحة والاستثمارات مع استمرار الاضطرابات.

ورغم أن الديمقراطية هي من دون شك هدف تستحق الدفاع عنه، سيكون من الحكمة بالنسبة للأجانب، والغربيين تحديداً، التركيز على حماية وتكريس شروط الديمقراطية بنفس التركيز والاهتمام المنصب على العملية الانتخابية، تلك الشروط التي تتمثل في سيادة القانون ودستور يحفظ التوازن بين السلطات، ومجتمع مدني قوي وفعال وسوق مفتوحة.

لذا فإنه من السابق لأوانه إعلان 2011 سنة الاحتفال بالتغيير، فكما أن الأمور قد لا تختلف كثيراً في المستقبل عما هي عليه اليوم ليستمر الإرهاب العالمي وتبقى كوريا الشمالية دولة عسكرية منغلقة على نفسها، ويظل الشرق الأوسط غارقاً في طابعه غير الليبرالي، فإنها قد تفضي بالعكس من كل ذلك إلى مستقبل أفضل وإن كان مثل هذا السيناريو سيتطلب أكثر من مجرد الإطاحة برؤوس في القمة.


ريتشارد هاس

مدير "مجلس العلاقات الخارجية الأميركي" ومدير سابق للتخطيط السياسي بوزارة الخارجية

صفحتنا على الفيس بوك  https://www.facebook.com/Dr.SarhanSoliman
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق