]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

بداياتي مع الكتابة ورحلتي مع الإبداع القصصي

بواسطة: بشير خلف  |  بتاريخ: 2011-12-27 ، الوقت: 15:54:48
  • تقييم المقالة:

 

                    بـــداياتي مع الكتابة..ورحلتي مع الإبداع القصصي

بشير خلف

        البداية كانت في 1972 حينما ظهرت في كتابة مواضيع تتعلق بمنطقة سوف كمشاكل النقل، والصناعات التقليدية، وغيرها، تُرسل هذه المواضيع إلى ركن القراء بصحيفة المجاهد الأسبوعي، وصحيفة النصر التي عُرّبت سنة ,1972.

قصتي الأولى..

        إن أول قصة قصيرة كتبتُها كانت في سنة 1972، بعد أن حبرتُ عدة مواضيع اجتماعية أرسلتُها إلى صحيفة " المجاهد الأسبوعي " التي كانت يومئذٍ هي وصحيفة " الشعب " تملآن الساحة المعرّبة،وأيضًا صحيفة: النصر" بدرجة أقلّ، والتي عُرّبت سنة 1972.

        كانت صحيفة " المجاهد الأسبوعي " تنشر لي هذه المواضيع الاجتماعية،وبدأت من خلالها أيضًا أتعرّف على القصة الجزائرية القصيرة المعاصرة، وأتتبع مسارها الموضوعاتي، والاتجاهاتي، والفنّي ممّا حرّك في نفسي نزعة الكتابة الإبداعية، وبالتحديد القصصية، ووهج ثورة التحرير المباركة لا يزال في أوجّه، فساعدتني الذاكرة التي أعادتني إلى هذه الأحداث، فجأة وجدتًني أكتب أول قصة مستوحاة من هذه الأحداث، قصة بعنوان " الأبيّ " وهي قصة واقعية وقعت أحداثها في السجن، بطلها يُستدعى من قبل الإدارة الفرنسية للسجن، وتُعرض عليه مزايا، وعطايا، وهدايا مقابل أن يكون مُخبِرًا داخل السجن، يبلّغ الإدارة الفرنسية عن رفاقه في كلّ ما يقومون به من كبيرة، أو صغيرة، وبإباء ونخوة الجزائري يرفض، فيُعاقب بوضعه في زنزانة منفردة...هذه هي القصة الأولى نُشرت لي في مجلة آمال في شهر فيفري 1972 لتتوالى بعدها القصص، وتتفتق القريحة، وأدخل هذا العالم الإبداعي الجميل.

خطواتي الأولى في فضاءات أخرى

       وكانت في الساحة أيضًا صحيفة الشباب الأسبوعية أرسلت إليها القصة الأولى بعنوان:"التحدّي".صدرت في العدد 48 بتاريخ:01/03/1973 في باب نادي الشباب الأدبي، تليها قصة:" العودة" في نفس النادي بالعدد 109 سنة 1974 ثم قصة " سيول جارفة" في العدد:130 بتاريخ:26/02/1974 .

     أمّا يومية النصر الجديدة المعرّبة نشرت لي بتاريخ 12/01/1974 قصة بعنوان:" الجرح الغائر" وبتاريخ06/03 / 1975 نشرت لي القصة الثانية بعنوان " الذكرى".ليتواصل النش بالصحيفة .

مجلة آمال ..الواحة الظليلة

      في تلك الأثناء كانت تطلّ علينا مجلة" آمال" الشهرية التي تصدرها وزارة الثقافة، وهي مجلة أدب الشباب ...كانت تأتينا تباعًا، وتصدر بانتظام، وسعْر مقبول يساوي دينارا ونصفًا للعدد الواحد..سعْرٌ مثبّتٌ في واجهة المجلة.كنت أتلهّف إليها بشوقٍ وحنينٍ، حيث كنت أقرأ محتوياتها من الألف إلى الياء، وغالبا ما أعود إلى قسم القصة القصيرة المنشورة بها، فأعيد قراءة كل قصة مرّة أو مرّتيْن، وكوّنتُ أصدقاء حميمين يبدعون في هذا الجنس الأدبي دون أن أعرفهم بأشخاصهم، ودون أن أقابلهم، ثم عرفتهم عن قُرْبٍ والتقيتُ بأغلبهم، وتكوّن منّا منْ يُطلق عليهم بجيل السبعينيات فيما بعدُ.

      تأثّرًا بما كنتُ أطالعه في صحيفة الشعب، وصحيفة المجاهد الأسبوعي، ومجلة آمال بخاصة دفعني إلى المغامرة ..نعم أسميها مغامرةً، فلماذا لا أُدلي بدلوي مثل هؤلاء الذين تنشر لهم مجلة" آمال" حيث هناك من تنشر لهم في كل عدد، وهناك من تنشر لهم أحيانًا..ضفْ إلى ذلك أن المجلة وهي تُعرّف بنفسها تؤكد في الصفحة الثالثة من كل عدد بما يلي:

« آمال..مجلة أدبية ثقافية تهتمّ بأدب الناشئين.تصدر مرّة كل شهريْن عن وزارة الثقافة والإعلام.»

الشكل الجديد للمجلة كان الحافز

       ما دفعني إلى طرْق بابها ما طرأ على المجلة من تغيير في الشكل والحجم، والمحتوى..إذ صدر العدد التاسع عشر في حلّة جديدة مغايرة تمامًا للشكل السابق..جاء الشكل الجديد بتغييرات هامّة فالغلاف لم يعد ذاك الغلاف الجامد الجاف الخالي من البصمة الجمالية، إذ تمّ اللجوء الرسّامين الفنانين التشكيليين للكشف عن مواهبهم، وإبداعاتهم وخاصة منهم الفنان المبدع الطاهر أومان..فالفن مهما كانت صوره ووجوهه وسيلة من وسائل التعبير،وأداة فعّالة للتثقيف والتوعية، ولمسة روحية تهذّب النفس وتغرس أريحية التذوّق الراقي.

      محتوى المجلة تغيّر في نوعية المواضيع المنشورة، وتنوّعها ومستواها من دراسات ونصوص شعرية، إلى نصوص سردية، ودراسات لكل عدد سابق، والتطرق إلى بريد المبدعين المراسلين والحوار معهم كتابيا فيم أرسلوه إلى المجلة. إن القائمين على المجلة بعد هذا التغيير أحسّوا بالرضا بدليل الإقبال على المجلة مقروئية، وتواصلاً مع المجلة ، فتهاطلت المواضيع التي تعددت وتنوعت من الأدباء الشباب، كنتُ واحدا من هؤلاء، وكنت متخوّفًا علّ ما أرسله لا ينال الرضا فلا يُنشر، أو حتى لا يحظى حتى بالردّ أو التوجيه..أو في أحسن الأحوال يكون الردّ في ذلك الجدول الذي تعلوه عبارة " أعمال نعتذر عن عدم نشْرها" وذلك في باب حوارٌ مع أصدقاء أصدقاء مجلة آمال" في آخر المجلة.

        كم كانت فرحتي كبيرة جدا..بل كانت مفاجأة لي وأنا أتطلّع إلى اسمي بجانب أسماء مثل: خلاص الجيلالي، عمار بلحسن، محمد أمين الزاوي، د.خير الله عصّار،أحمد منور،عبد الحفيظ بوالطين،السائح الحبيب،مولود عاشور،بشير سعدوني ،مصطفى فاسي،جروة علاوة وهبي، حميدة العياشي، وغيرهم...وكانت أول قصة تُنشر لي في المجلة في عدد فيفري 1972 بعنوان: " الأبي"وتنشر لي أيضا في عدده الواحد والعشرين بتاريخ اجوان ـ أوت 1974 عمليْن في عدد واحد..قصة قصيرة في باب القصة بعنوان" القدر الساخر"، وقصيدة شعرية في باب الشعر عنوانها:" صرخة جرْحٍ" ..ويتتالى نشْرُ القصص القصيرة لي بالمجلة في أغلب أعدادها المتوالية:25 ،26 ،27 ،28 ،30 ،33،43،44... ولم تُرفض لي أيّ قصة.

       كان يتولّى رئاسة تحرير مجلة" آمال" حينذاك الأستاذ المجاهد عبد الحميد السقّاي، والذي تولّى فيما بعد رئاسة تحرير مجلة" أول نوفمبر"، وكان وزير الثقافة والإعلام أيامذاك الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي الذي كان المشرف على المجلة والراعي لها.

مجموعة أخاديد على شريط الزمن

         في أوائل جانفي 1977 اتصل بي الأستاذ بشير قاضي الموظف بديوان الوزير يعلمني بأن الوزارة قرّرت جمْع كل القصص التي صدرت لي بمجلة آمال، وعمّا إنْ كنت موافقًا على أن تصدر لي في عدد خاص من المجلة، فأبديتُ موافقتي في الحال،حيث صدرت في العدد 39 بتاريخ ماي ـ اجوان 1977 مجموعة قصصية تحمل عنوان" أخاديد على شريط الزمن..عدد به 19 قصة، وخمسُ قصص قصيرة جدا.

الناقد محمد مصايف ينكر علي الكتابة في غير القصة

      وعلى ذكر العدد الواحد والعشرين الذي كما أسلفتُ صدرت لي فيه قصة قصيرة، وقصيدة شعرية، كما صدر لي بالعدد 26 الصادر في مارس 1975 وفي باب الدراسات موضوع بعنوان:" ظاهرة الغموض في الشعر الحديث..كان المرحوم الدكتور محمد مصايف أستاذ النقد يومها بجامعة الجزائر نشطًا في كتاباته وأعماله النقدية، ورصده المستمر لكلّ ما يصدر من إبداعات، ودراسات أدبية..لم يتقبّل، ولم يستصغْ أن يكتب أديب شابّ في بداية الكتابة الأدبية في أجناس أدبية ثلاث: القصة القصيرة، والشعر، والدراسة الأدبية، إذْ أعلنها في العمود الأسبوعي المخصص له بيومية الشعب.

     من حسْن حظّي أن هذه اليومية ما كانت تصلنا إلى الجنوب، وبالتالي ما اطّلعـتُ على ما كتب إلاّ بما أخبرني به بعض الأصدقاء، وأنا أدلف قصر الأمم رفقة الصديق الشاعر محمد بن رقطان كمدعوّيْن رفقة كتاب ومبدعي ومثقفي الجزائر لحضور مؤتمر الأدباء العرب العاشر، ومهرجان الشعر الثاني عشر صائفة 1975 .

       الدكتور محمد مصائف كان لا يعرفني، ولا أعرفه، وما سبق أن التقيْنا، وما أن دلّني عليه الأصدقاء في قصر الأمم حتى تقدّمتُ منه، وحييتُه، وقدمتُ له نفسي فاحتضنني، وحيّاني بحماس، وأعلمني أنه كان يرغب في لقائي حتى يشجعني، ويرشدني في مساري الأدبي بصفته ناقدا يريد من الأدباء الشباب أن يتخصص كل واحد منهم في جنس واحد أثبت جدارته فيه، فيتفرّد فيه..فممّا أكّد عليه معي أن أتخصص في القصة، وأترك غيرها سيّما الشعر، لأني أقدرُ على الكتابة فيها والإبداع.

      لمّا حاججتُه بالأدباء التونسيين الشباب ونحن نطلع على أعمالهم المنشورة، والمنوّعة في مجلة الفكر التي كان يديرها الأستاذ الألمعي محمد مزالي، ويرأس تحريرها الأستاذ المبدع بشير بن سلامة، أجابني محمد مصايف رحمه الله: أنا لا أرفض التنوّع، ولكني أؤكد على التخصص سيّما في البداية.

لماذا القصة وليس غيرها

    اخترت القصة بالدرجة الأولى ولمّا تمكّنتُ منها آثرتُ يومها ولوج " عتبة الشعر " ونشرت لي مجلة " آمال " بعض القصائد، لكن بتأثيرٍ من الدكتور الراحل محمد مصايف أستاذ النقد بجامعة الجزائر، وبقناعة منّي طلّقتُ الشعر إلى غير رجعة، إذْ أني أقرب إلى القصة منّي إلى الشعر.

       ..حقّا نشرت الكثير من القصص في مجلة " آمال " التي كانت الفضاء الثقافي الأدبي الوحيد يومها داخليا للمثقف بالحرف العربي، وهي التي أخذت بيد جيل ما بعد الاستقلال الذي صار عمدة الثقافة الجزائرية المعاصرة، إلاّ أن بعدي عن العاصمة، حرمني من الحضور في الحركية الثقافية، وزخم الندوات والملتقيات بها ممّا لم يرسّخْني كوجهٍ مؤثٍّر في الإبداعية القصصية بالجزائر.

تجربتي القصصية كانت ضمْن كوكبة نشطة، ومرحلة هامة

        تشكلت تجربتي ضمن تجارب العديد من كتاب القصة في تلك المرحلة وهي أسماء بعضها توقف عن الكتابة، وبعضها الآخر واصل وأعطى للثقافة الجزائرية الكثير، وهي أسماء فرضت نفسها في الساحة الثقافية العربية والعالمية.

        إن مرحلة السبعينيات هي من أهم المراحل الثقافية والفكرية في تاريخ بلادنا، وهي مرحلة مضيئة طُرحت على ساحتها الكثير من القضايا الفكرية والاجتماعية والأدبية والفنية المعاصرة، وكانت الصحافة الأدبية في تلك المرحلة المشرقة مهتمة بتسليط الأضواء على قضايا المسرح والسينما وكل الوسائل التعبيرية العصرية من سرد وشعر وفن تشكيلي، وعلى كل ما يصدر؛ كما كانت المجلات العربية  من مصر، ولبنان، والعراق، وتونس تصل الجزائر شهريا، ووفود الكُتّاب العرب والمبدعين تصل باستمرار، وتشارك في الندوات والملتقيات الفكرية.

       اتحاد الكتاب الجزائريين بالرغم من أنه كان تحت برنوص الحزب الواحد إلاّ أنه كان نشطًا، وكان يجمع كل أطياف المثقفين الجزائريين ..نشاطاته بالعاصمة، وكذا نشاطات فروعه في أغلب الولايات، وتفاعله مع ما يجري بالوطن وخارجه أكسبه مصداقية لدى المثقفين، ولدى أفراد المجتمع، ممّا جعل المنضمّين إليه يطلّعون أكثر على المشهد الثقافي فازدادوا خبرة، وساعدهم ذاك على الكتابة والإبداع.

مدين أنا لمجلة آمال

      مجلة" آمال" أنا مُدينٌ لها في مساري الأدبي، والفكري..كانت البوّابة التي دلفتُ منها إلى مجلة" الثقافة" التي نشرت لي في عددها 68 بتاريخ: مارس ـ أفريل 1982 أول قصة بعنوان" الشيخ والظل" ليتوالى فيها النشر حتى أن إدارة تحريرها اعتمدتني كاتبا أتقاضى مقابلاً ماليا على كل قصة تُنشر لي بالمجلة.

     ومن مجلة آمال أيضا فُتح لي باب الشركة الوطنية للنشر والتوزيع التي اتصل بي مديرها يومذاك الأستاذ الفاضل، وصديق الدرب الكاتب المبدع خلاص الجيلالي الذي طلب مني الموافقة على أن تُصدر الشركة مجموعة أخاديد على شريط الزمن ضمْن إصداراتها، وصدرت المجموعة سنة 1982 وتصدر بعدها المجموعة الثانية " القرص الأحمر" عن الشركة في سنة 1986

           يومية "المساء: التي كان يديرها في الثمانينيات المرحوم محمد العربي غرّاس فتحت لي ذراعيْها ونشرت لي بل اعتمدتني مراسلا لها ثقافيا في منطقة الجنوب الشرقي، كما أن مجلة" الأديب اللبنانية" التي كان يديرها ويرأس تحريرها المرحوم ألبير أديب نشرت لي العديد من القصص وما أحجمت عن نشْر أيّ قصة أرسلتُها إليها.

      مجموعة أخاديد على شريط الزمن التي صدرت سنة 1977 عن وزارة الثقافة، ثم عن الشركة الوطنية للنشر والتوزيع سنة 1986 هي الباكورة الأولى، تلتها مجموعة قصصية بعنوان:( القرص الأحمر) صدرت عن المؤسسة الوطنية للكتاب سنة 1986 وكذلك مجموعة قصصية بعنوان ( الشموخ ) عن الجاحظية سنة 1999، فمجموعة قصصية أخرى بعنوان(الدفْء المفقود ) صدرت كذلك عن الجاحظية سنة 1999.ثم مجموعة ظلال بلا أجساد سنة 2007 في إطار الجزائر عاصمة للثقافة العربية.

القصة القصيرة فنعصيٌّ

       أخذت القصة القصيرة من القصيدة شعريتها، وموسيقاها، وتكثيفها وقوتها وأخذت من الرواية الحدث والشخصيات، ومن المسرح الحوار والصراع السريع الخاطف. وتعتبر فن اللحظات المفصلية في الحياة فلا تتناول الحدث من خلال مساحته الواسعة وزمانه المطلق بل تختطف اللحظة كومضة أو كسهم ينطلق سريعا إلى هدفه وبكل قوة.

      القصة هي إبداع استثنائي، فيها يكون القاص في مواجهة مباشرة مع الآخرين وعليه أن يتقن صنعته جيدا. القصة الناجحة هي التي تصل إلى الناس دون حواجز وعقبات إضافة إلى توفر شروط نجاحها الفنية الأخرى ..

         أعتبر القصة القصيرة حالة من المتعة لا نظير لها، ورغم مروري بكل حالات الكتابة وأجناسها الأدبية من شعر ورواية ومسرح كقارِئ وناقد لعدة أعمال إبداعية ونقد، وكتابات أخرى في شكل دراسات في مجالات الجمال والفنون، والكتابة للطفل، وقضايا التربية وغيرها، فإن شوقي للإبداع القصصي لا يزال قويا، للقصة القصيرة عندي مكانة خاصة. ذلك أنها فن جميل وصعب وممتع في آن. فن يشتغل على الإنساني ويدخل الذات فيهزها هزًّا ويحكي عن المكابدات التي يمرّ بها الإنسان؛ وما أكثر مكابدات الإنسان الجزائري!!

      من تجربتي الذاتية أرى أن أهم مكونات القصة تكمن في منحييْن:

ــ الأول : المسار أو المنحى التاريخي ،أي خطاب فكري قيمي إنساني، وهو الحدث، الخبر،الفكرة القصصية، المضمون القصصي، المادة الخام .

ــ الثاني :القدرة الفني، وهي يتعلق بقدرة الكاتب على الصياغة اللغوية الإدهاشية، أي التي تخترق أحاسيس القارئ ،وتدمجه عاطفيا مع الفكرة القصصية، وتثير دهشته من البداية حتى النهاية ، وهي تتعلق أيضا بالتكنيك القصصي الذي يتّــبعه الكاتب..

      واضح هنا أن لغة القصة تختلف بأسلوب صياغتها عن لغة الخبر أو التحقيق، أو المقال أو البحث.. صحيح أننا نستعمل نفس الألفاظ ،ولكن وضعها في السياق وترتيبها هو ما يخلق الفرق.

       وهذا ليس كل شيء، بل لا بد من أن يطور الكاتب لغته دراميا.. ذلك أن اللغة مترابطة بالحدث ومتفاعلة معه، وتنبض بنبضه.

     عندما أكتب قصة أوظف قدراتي في صياغة لغة درامية تندمج مع بناء القصة، وتصاعُــدِ أحداثها ونبضها المتفاعل والمندمج مع الحدث نفسه، وهذا يتعلق بالحس اللغوي للكاتب، وفهمٍ أولي للحراك الاجتماعي،والثقافي، والاقتصادي للمجتمع، وكذا فهْم شخصية أبطاله، والدور الذي من المفترض أن يرسمه لهم بدون مبالغة تجعل البطل غير حقيقي ومتخيل لا منطق في كينونته.

        وأنا أؤمن بأن الفكرة تفرض أسلوبها ولغتها ومفرداتها،والكاتب عليه أن يعرف كيف يفكك الحدث، ويعيد بناءه من جديد ، ليُــبقيَ المفاجأة الدرامية للسطر الأخير.

سمات المنجز القصصي لديّ

     من مصادري الحراك الاجتماعي، والاقتصادي، والثقافي الذي أشاهده، وأعايشه يوميا كفرد من المجتمع، وكذا قيم هذا المجتمع،ثم  منجزات العقل البشري في كل مناحي المعرفة الإنسانية، وكل ما من شأنه أن ينمّي وعيي، ويساعدني على فهم شتى المظاهر المجتمعية التي نعيشها.

     إلا أن الواقع بزخمه وحرارته وتناقضاته وتحولاته ونبض الحياة فيه هو المعين الذي أنهل منه. فالواقع في تصوري لا يلتزم بحدّ. قد يكون محليا أو عربيا أو إنسانيا. كل ما يحدث في هذا الكون يعنيني بوصفي إنسانا أولا وأخيرا، ذلك أنّ لي توقًا إلى الشمولية، ورغبة في السعي نحو الحقيقة الكاملة حيث يرتبط النسبي بالمطلق والجزئي بالعام.

قالوا عن بعض أعمالي

مجموعة ظلال بلا أجساد

     " ظلال بلا أجساد" هو عنوان المجموعة القصصية الجديدة للكاتب القاص " بشير خلف " والتي اشتملة على 12 قصة قصيرة يروي من خلالها الكاتب تاريخ المجتمع الجزائري في أصعب ظروفه، ويصوّر الأوضاع المزرية للشباب الذين عايشوا العشرية السوداء ..وما أفرزته هذه الأخيرة من مشاكل وآلام للكبار والصغار، خاصة النفسية والاجتماعية كالفقر، والتهميش...وغيرهما.

" زمن الخوف"و" الرحيل"و" أشواك على الدرب"و"عناق أبدي"و" المرافئ المغلقة"و"أقوى من الأقنعة"و" رجل على الهامش"و"تباريح"و"التشظّي"و"إصرار"و"الوجود الزائف"وأحياء يتنكرون للشمس"..وهي عناوين هذه المجموعة الصادرة عن دار الكتاب العربي بالجزائر العاصمة ضمْن إصدارات وزارة الثقافة في إطار الجزائر عاصمة للثقافة العربية 2007 .

" بشير خلف ومن خلال مجموعته القصصية ذات النهايات المفتوحة يقاسم الشعب الجزائري آلامه، ومحنه، ويعود بالقرّاء إلى منظر الأشلاء المترامية للبراءة هنا وهناك، وإلى تيهان الشباب الباحث عن الوظيفة بعد التخرّج من الجامعة،وإثبات الوجود، والهجرة نحو عالم الأحلام في الضفّة الأخرى من البحر المتوسط في زمن لا يُؤْمن فيه حتى على الحياة.

     ومن خلال مؤشر العنونة الذي انتقاه بدقّة متناهية وعميقة نستشفّ مضمون القصة قبل قراءتها، حيث أنه صاغ حكاياتها بأسلوب شيّقٍ وجذّاب، وبلغة جميلة سلسة وقويّة تدلّ على تمكّن الكاتب لغويًّا.*

ــــــــــــــــــ

* المجاهد الأسبوعي العدد2501 من 7 – 14 /07/2008

 مجموعة الدفء المفقود* 

          بشير خلف من الأصوات القصصية في الساحة الأدبية الجزائرية، بدأ يفرض حضوره بين قصاصينا في السبعينات ، وهو قصّاص يعتني كثيرا بلغته ويحرص على تطورها على الدوام .موضوعاته مستقاة من حركة الواقع اليومي ، وهو غالبا ما يميل في قصصه إلى التركيز على إحدى جزئيات هذا الواقع لاستفائها وإنارتها من جوانبها المتعددة .

        وتحليل عناصر التجربة الفنية والمعاناة التي يتكون منها مضمون أعماله وأبعاده بغية تحديد هويتها والكشف عن نوعيتها من حيث أنها تعبير عن اهتمامات إنسانية وتجسيد لموقف خاص يقفه الكاتب من قضايا الناس والحياة .

        أمّا عن أصالة التجربة القصصية ، فلا حاجة لي إلى الأسباب لأبين أنها من أصدق ما يُعرف عادة في الفن القصصي ، وهي ظاهرة بجلاء لكل من يقرأ قصص بشير خلف ، ولكل من أتيح له أن يعاشر صاحبها معايشة لصيقة عميقة كما أتيح لي .ولعلّي أعرف مادة خاصة للقصة أصفى وأنقى من مادة القصة عنده ، حتى ليمكنني القول بكل اطمئنان ، أن جوهر القصة  عند الكاتب هو من أندر ما عرفت وأعرف إلى الآن .

أمّا أبرز ما يطالعنا به الشكل الفني لهذه التجربة القصصية ، فيمكن القول إجمالا بأن قلم الأديب يجري على العموم في اتجاه أسلوب حديث يقوم أساسا على اعتماد الصورة جسما للفكرة وبعدا أماميا لها ، بحيث قد بلغ الكاتب مستوى مرموقا من سياق التعبير الجمالي المُعافى .

ـــــــــــــــــــ

*- الناقد والكاتب مصطفى بلمشري في صحيفة " الأحرار " العدد 1659 .الأربعاء 13 أوت 2003

 الكتابة في مجالات أخرى..    

        استهوتني في هذه المرحلة، وبتأثير تسييري للرابطة وتنظيمها لملتقيات فكرية سنويا استهوتني مواضيع أخرى غير القصة.

    صدرت له المؤلفات التالية :

1 ـ أخاديد على شريط الزمن ( في عدد خاصٍّ  عن وزارة الثقافة سنة 1977 )، ثم في سنة ( عن ش.و.ن.ت 1982).

2  ـ القرص الأحمر ـ مجموعة قصصية ـ ( عن ش.و.ن.ت 1986) .

3 ـ الشموخ ـ مجموعة قصصية ـ (عن الجاحظية  1999.)

4 ـ الدّفْء المفقود ـ مجموعة قصصية ـ ( عن الجاحظية سنة1999 .)

5 ـ ظلالٌ بلا أجساد ـ مجموعة قصصية ـ (وزارة الثقافة 2007 )

6 ـ الكتابة للطفل بين العلم والفن ـ دراسة ـ ( وزارة الثقافة2007)

7 ـ الجمال فينا وحولنا ـ دراسةٌ ـ( وزارة الثقافة2007 )

8 ـ الجمال رؤيةٌ أخرى للحياة ـ دراسة ـ ( وزارة الثقافة2007 )

9 ـ  الفنون لغة الوجدان ـ دراسة ـ (وزارة الثقافة 2009 )

10 ـ الفنون في حياتنا ـ دراسة ـ (وزارة الثقافة 2009)

11 ـ وقفات فكرية..حوارٌ مع الذات،ووخزٌ للآخر.مقالات(وزارة الثقافة 2009)

12 ـ مؤانسات ثقافية ـ مقالات ـ ( تحت الطبع). وزارة الثقافة.

13 ــ مرايـــا ـ مقالات ـ (تحت الطبع). مديرية الثقافة بالوادي

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • ياسمين الخطاب | 2011-12-28
    ارى فيك قدوةً لي,اتمنى ان اصل درجةً من درجات مواهبك!!
    اتمنى ان تُلقي النظر على بعض خواطري المتواضعه وااخص منها (رداء ابيض)املا بان تنال اعجابك!
    انتظر ردودوك وانتقاداتك الهدافه لي
    مزيد من الشكر والفخر سيدي.....

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق