]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

زورك

بواسطة: الأورويلي  |  بتاريخ: 2016-05-31 ، الوقت: 05:38:56
  • تقييم المقالة:

استعد زورك لتناول وجبته. احضر قدراً غائراً فارغاً واجلسه الى الطاولة امامه. نظر اليه مطولاً كجزء من طقوس تغذيته. يتناول زورك هذه الوجبة مرة كل اسبوع، وفي بعض الاحيان مرتين ان كان جائعا جدا ذلك الاسبوع. يصوم في باقي الايام عن تناول اي شئ.

جاء وقت الطعام. مد زورك يديه الى قمة رأسه الملتئمة حديثاً. قام بفتح الاخدود بتمهل وحذر، اذا انه لا يريد ان يندلق طعامه على الارض. اخرج بعض اللقيمات واخذ يأكلها. لم تكن عملية ممتعة بل كانت مضنية بعض الشئ، ولكن كان لا بد منها. اخذ يلتهم لقماً اكبر، ومع كل لقمة تزيد شراهته وتقصر قامته. لم يمكن قصر قامته سيؤثر عليه، اذا انها ليست المرة الاولى التي تقصر قامته، لا يعرف كيف يحدث هذا. وفي الواقع فانه لا يتذكر متى بدء هذا الطقس ويظن انه بدءه بعد خروجه من قبيلته، ام هل انه طرد من قبيلته؟

كل هذا لا يهم الآن، وكل ما يهم هو هذا الطعام الذي يأكله. تساقطت الفتات من فمه ويديه الى القدر التي تحته. سيبدأ بالاكل من القدر فور اتمامه لما جادت به رأسه. كانت يحس مع زيادة شراهته بان خواء يكبر في داخله، كان في بعض الاحيان يرى هذا الخواء حين ينام. كان يرى شخصا يكبر بداخله وفي نفس الوقت يخال له ان شيئا ينقص فيه. لم يكن هذا منطقياً، اذ كيف من الممكن ان ينقص شيئا حين يراه يكبر.

رفع يده كلما فرغ من التهام لقمة واعادها في داخل رأسه، اخرج المزيد من الطعام وادخله في فمه. كان حذراً في مضغه، يطيل مضغ اللقمة ليسهل عليه ابتلاعها. يلوكها في زوايا فهمه ثم على مضض يبتلعها. شاهد طائراً ينزل الى فتحة الجدار وينظر اليه، كان طائرا جميلا زاهي الالوان. لا يعرف له اسماً ولكنه يعرف انه ثمين جداً، ويعرف ان الجميع يبحثون عنه. لم يدخل الطائر الى كوخ زورك، ولم يغرد كذلك. وقف هناك ونظر اليه يلتهم الطعام لقمة فاخرى. كان المنظر من النافذة كئيباً كعادته. سماء قاتمة شمسها تنطفئ، وكانت الاشجار عبارة عن جذوع فقط. بدأت الوان الطائر تتساقط، واصبح جناحاه بنيا اللون، كذلك ريش رقبته وصدره وظهره. توقف عن الحركة واغلق عيناه، وسقط على النافذة. زورك لا يزال جالسا يمضغ لقمه واحدة تلو الاخرى. لم يأبه بالطائر.

انتهى زورك من طعامه الآن. وترك الاخدود في دماغه كي يلتئم فينضج طعام الوجبة القادمة. مد يده الى قدره ياخذ منه الفتات يلتهمها، لم تكن كثيرة هذه المرة، لا بد انه يتحسن في الاكل. تذكر ان يلقي نظرة على مزروعاته، اذا انها لا بد ان تكون قد نضجت. مد يداه هذه المرة الى صدره حيث مكان قلبه، احدث فتحة في الصدر وصرخ من جراءها. كان فتح الصدر موجعاً بعكس فتح الدماغ، مد يده في داخل الصدر واخرج نباتات الفجل التي زرعها هناك، امسكها من اوراقها في الاعلى ونظر اليها. لم تكن فجلاً حقاً، ولكنه لم يعرف ما اسمها، فقرر ان يسميها فجلاً. احضرها بيضاء ناصعة من مكان ما، وزرعها مكان قلبه فامتدت جذورها واخذت تسود. كان هناك خمسة فجلات، اثنتان منها وصل الاسوداد الى منتصفها، والاخريتان تجاوز المنتصف، اما الاخيرة فكانت الاسوداد لا يزال في بدايته عند جذرها. ستحتاج هذه الى رعاية اكثر. اعاد الفجلات واحدة بعد الاخرى الى صدره، رصهم طولياً والصقهم ببعض، وتركهم هناك لييسودوا اكثر.

حمل القدر ورماه تحت السرير في مكانه. لم يكن كوخ زورك مكتضا ولكن كان يبدو صغيرا. ذهب الى الباب ومرر المزلاق الى اليمين. فتح الباب وذهب الى الفضاء الفارغ خارج الكوخ. كان هناك بعض جذوع الاشجار التي لم تعد تحمل نهاياتها، وغيوم بنية اللون معلقة على السماء في كل مكان. التف يمينا وذهب الى خلف كوخه يتفقد شيئا كان قد جاء قبل ايام قليلة. وجد الجسم الغريب في مكانه الذي سقط فيه من اعلى، كائن غريب. يتنفس ببطئ ويزيد تباطو نفسه. لا يعلم ما هو هذا الشئ ولكنه يظن انه كان يعرفه فيما مضى، يظن ان هذا الجسم سقط هنا بسبب شئ فعله زورك بنفسه او قاله هو نفسه، يظن انه رآه احدى المرات حينما ذهب الى النوم، ولكنه كان حينئذ عالياً جداً. يظن انه فيما مضى كان يتوجه بالصلاة لهذا الجسم. 

 


الاورويلي


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق